مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

تخليص الإبريز في تلخيص الإبريز

Posted by amshoosh في مارس 18, 2011

تقديم كتاب تخليص الإبريز في تلخيص الإبريز

أصل هذا الكتاب هو تدوين ما شاهده في أثناء بعثته لباريس, من عجائب و غرائب أذهلته كما يقول ,ومن طبائع الفرنسيس وعاداتهم, في الملبس والمأكل, والحرف والمهن, والعلوم والفنون ,بل تعدى الأمر إلى وصف أواني الطبخ وموائدهم, وطبائع نساء الفرنسيس! لذلك سمى كتابه : تخليص الإبريز,في تلخيص باريز,والإبريز الخالص : أي الذهب المصفى. وقد ذكر الشيخ الأديب في مقدمة الكتاب عنوانا غير هذا وهو : الديوان النفيس بإيوان باريس,  الإيوان مكان متسع من البيت ,يحيط به ثلاث حوائط. أنشأ كتابه مرتبا بمقدمة, وفيها عدة أبواب, وعلى مقصد وفيه عدة مقالات, وكل مقالة حوت عدة فصول, ثم الخاتمة. سلك المؤلف رحمه الله في كتابه طريق الإيجاز ,وعبر بأسهل تعبير ليفهمه الكل بامتياز ,فأمكن للناس الوفود على رياضه ,والورود على حياضه. ذكر في المقدمة سبب ارتحاله إلى هذه البلاد ,التي هي بلاد كفر وعناد ,وبعيدة غاية الابتعاد, ولماذا هي –باريس- بالذات؟

ولماذا فضلت على غيرها؟ ثم ذكر بعد ذلك أسماء من كانوا رؤساء هذه السفرة, ثم المقصد منها,-وهو مرام الكتاب- لذلك أطنب فيه غاية الإطناب, وسجل ما اشتمل نظره عليه ,وإن كان غريبا على من لم يشاهده ,قال بعضهم
من لم ير الروم ولا أهلها***ما عرف الدنيا ولا الناسا ! وبدأ مقالته الأولى في ذكر : الخروج من مصر إلى دخول ثغر أسكندرية, وذكر ما يتعلق بهذه المدينة, ثم بركوب البحر المالح المتصل بثغر أسكندرية, ودوّن ما رآه من الجبال و البلاد والجزائر ,إلى وصوله إلى بلد مرسيليا ,وهكذا فعل بسائر المدن, ودون ما يمكن أن يدون, حتى وصوله إلى باريس.
ثم بدأ الكلام على أهل باريس, وأعقبه كلاما حول تدبير الدولة الفرنساوية, وديوان
المعاملات والوزراء وطوائف القضاة. وتلا هذا الفصل, فصلٌ في عادة السكنى وما يتبع
ذلك من ملابس ومتنزهات, وصحة الأبدان وتكلم بفصل كامل عن اعتناء باريس بالعلوم الطبية. وجعل يتحدث بعدها عن دين أهل باريس ,وعاداتهم وفعل الخير ,وذكر الفتنة التي حدث آنذاك, وتولية “الدوق دورليان” ملك الفرنساوية, وسخريتهم برسوم (كاريكاتورية) من “شرل العاشر”, وذكر ما دار بينه و بين الرؤساء من مراسلات, فكان الكتاب أشبه بيوميات لكاتبها مهذبة ومرتبة ,خرجت كتحفة أدبية منمقة.

أسلوب الكاتب و الكتاب

يتمتع الكاتب بأسلوب أدبي ظريف, حيث يذكر المواقف والمشاهد ثم يتبعها حكما وأمثالا وأشعارًا, تختلف باختلاف ذلك
الموقف, وربما كانت الأشعار من تأليفه, استحسن أشياء كثيرة, واستقبح أشياء كثيرة, وهذا من أمانته ,لأنه كان يعلم علم اليقين أن كتابه سيترجم إلى الفرنساوية, كما ذكر ذلك في كتابه أن السيد : “سلو ستري ديساسي ” طلب نسخة من كتابه المشتمل على عوائد و سياسة وطبيعة ودين وعلوم الفرنسيس, أضف إلى ذلك أن الشيخ الأديب رفاعة ذكر
في المقدمة أنه لم يستحسن شيئا قط, تذمه الشريعة المحمدية, على ص احبها أفضل السلام وأزكى التحية. والشيء بالشيء يذكر, فقد ذكر عن إنسان يقال له عبد العال ,يقال أنه ولاه الفرنسيس (أغاة انكشارية) في أيامهم. فلما سافروا تبعهم, وبقي على إسلامه خمس عشرة سنة أو نحوها, ثم بعد ذلك تنصر والعياذ بالله, بسبب الزواج من نصرانية, ثم مات بعد قليل, ويقال أنه سمع عند موته أنه يقول : أجرني يا رسول الله ! فلعله ختم له بخير وعاد إلى الإسلام ! فكان لسان حاله يقول :
الحمدلله الحنيفية ملتي***والله ربي وابن آمنة نبـيـي
ويقول المؤلف : ورأيت له ولدين وبنتا, أتوا مصر وهم على دين النصرانية, أحدهما معلم في مدرسة أبي زعبل.اهـ
ومن اللطائف أنه رآى من النساء من أخذهم الفرنسيس وهن صغار, فمنهم من مات, ومنهم من
تنصر, من المماليك, الجورجية والجركسية, وقد وجدت عجوز باقية على دينها. ولقي أيضا
رجلا عليه لباس الإفرنج, واسمه محمد, ينطلق لسانه في غير العربية, وتبين له بعد
ذلك أنه من أكابر أسيوط, ولا يعرف من دينه سوى : الله واحد ,محمد رسول الله, الله
كريم. فالحمدلله على نعمة الإسلام وديار أهل الإسلام.

ومن جملة ما ذكره المؤلف في أغذية أهل باريس, وطرق
الذبح لأصناف الأنعام, ذكر أن الثيران تضرب بمقامع من حديد في وسط رأسها, فيدوخ من
عظم الخبط, ويكررونه عدة مرات, فيقطع الثور النفس مع بقاء الحركة, يقول المؤلف:

ولقد بعثت خادما لي مصريا إلى المذبح ليذبح ما اشترى منه, فلما رأى معاملة الثيران بمثل ذلك الأمر البشع ,جاء يستجير ويحمد الله حيث لم يجعله ثورا في بلاد الإفرنج, وإلا لذاق العذاب كالثيران التي رآها. ذكر
المؤلف في فصل ملابس الفرنسيس أن النساء هناك لا يرخين شعورهن كعادة العرب, ومن
عوائدهن في أيام الحر, كشف الرأس إلى مافوق الثدي,…ثم قال : ولا يمكن لهن كشف شيء من الرجلين ,بل هن دائما لابسات الشرابات, الساترة للساقين, خصوصا في الخروج إلى الطرق!.اهـ قلت : قد ينكر ما كتبه
الشيخ ,إذا زار باريس مرة أخرى و قال في المادة الخامسة من وصايا عامة للصحة : وقد
شوهد كثير من الناس من اعترته الحماقة من شرب الدخان أو شم المنشوق.اهـ

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: