مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

الحضارم في الأرخبيل الهندي

Posted by amshoosh في مارس 22, 2011

الحضارم في الأرخبيل الهندي

 

تقديم بقلم  د. صالح علي باصرة

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر- جامعة عدن

لقد اشتهرت اليمن بهجرة سكانها منذ فترة موغلة في القدم. فقبل ظهور الإسلام هاجر اليمنيون إلى مصر وشمال الجزيرة العربية وبلاد الحبشة. وفي صدر الإسلام خرجوا إلى الأمصار في آسيا وأفريقيا وأوروبا ضمن جيوش الفتوحات الإسلامية، لاسيما في عهد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية. وكانت مشاركتهم في تلك الفتوحات بأفواج وعشائر جماعية لها زعماؤها وقادتها، واستوطن كثير منهم الأقاليم التي دخلت في الإسلام مثل مصر والعراق وبلاد الشام والأندلس، وكوّنوا هناك جاليات وحارات أطلقوا عليها أسماء قبائلهم وعشائرهم. وتواصلت موجات الهجرة اليمنية إلى الخارج في مختلف حقب تاريخ اليمن الحديث والمعاصر، وشملت كثيرا من مناطق العالم، مثل جزر الأرخبيل الهندي والصين وشرق إفريقيا وبعض البلدان العربية كالسودان والمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي الأخرى. كما وصل المهاجرون اليمنيون إلى المملكة المتحدة وكندا والولايات المتحدة الأمريكية. وكانت حضرموت من أكثر المناطق اليمنية الطاردة لسكانها، إذ خرجت منها موجات عديدة من الهجرات الجماعية والفردية لاسيما خلال القرون الثلاثة الأخيرة من عصرنا الراهن. وقد اتجهت تلك الهجرات إلى بقاع عديدة ومتباعدة في أرجاء المعمورة، ولكنها تركزت في الهند وجزر الشرق الأقصى وجاوه وشرق إفريقيا. ومع بدء عصر النفط تحولت الهجرة الحضرمية إلى دول الخليج العربي. ومن المعلوم أن الهجرات اليمنية عامة والهجرة الحضرمية خاصة قد جذبت اهتمام كثير من الباحثين والكتاب اليمنيين والعرب والأجانب. واهتمت بها كذلك معاهد الاستشراق في بريطانيا وفرنسا وبلجيكا والسويد وروسيا وألمانيا وذلك لأسباب عدة منها: – ارتباط تلك الهجرات بنشر الإسلام في بعض مناطق إفريقيا وآسيا مثل إندونيسيا وسنغافورة والفيليبين وكينيا وجزر القمر، وارتباطها أيضا بالحركات المناهضة للاستعمار الغربي في تلك البلدان. – قدرة بعض المهاجرين الحضارم على تأسيس مراكز نفوذ سياسية وإنشاء سلطنات خاصة بهم في أرض المهجر كما حدث في جزر الأرخبيل الهندي وشرق إفريقيا. – قيام بعض المهاجرين بتأسيس مراكز نفوذ اقتصادية وتجارية ضخمة في بلدان المهجر مثل سنغافورة وإندونيسيا والمملكة العربية السعودية. – دور المهاجرين في إحداث تغييرات سياسية واقتصادية مهمة في حضرموت واليمن بشكل عام، مثل إقدام القعيطي والكثيري على تأسيس سلطنتين في حضرموت، ونجاح أبي بكر بن شيخ الكاف في بدء حركة التحديث في حضرموت منذ مطلع القرن العشرين. – قدرة المهاجرين الحضارم وأحفادهم على الانصهار في المجتمعات التي احتضنتهم، واستمرار بروز بعض العلاقات الوجدانية والأسرية مع وطن الأجداد. وفي مطلع عام 1999، حينما شرعت في إعداد بحث عن (الهجرة الحضرمية إلى جنوب شرق آسيا) لأشارك به في ندوة (المغتربون: الرافد الأساسي للتنمية المستدامة) التي نظمها المجلس الاستشاري ووزارة المغتربين في الجمهورية اليمنية- صنعاء 15-17 مايو 1999، تبين لي أن كثيرا من المراجع المتعلقة بالبحث حول الهجرة اليمنية كتبت بلغات أجنبية مختلفة. واقترحت على الدكتور مسعود عمشوش أن يترجم كتاب (حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي) الذي ألفه باللغة الفرنسية – سنة 1886- المستشار الهولندي فان دن بيرخ. لكنه كان حينها عاكفا على تأليف كتابه عن (عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين) وكتاب آخر عن (حضرموت في كتابات فريا ستارك). وقد سررت جدا حينما قدم لي أخيرا هذا الكتاب عن (الحضارم في الأرخبيل الهندي) الذي يضم – بالإضافة إلى ترجمة كاملة للجزء الثاني والمهم من كتاب فان دن بيرخ- دراسة عن صورة المولدين الحضارم في الأرخبيل تكمن أهميتها في أنها تحتوي على قراءة تحليلية ونقدية لكتاب فان دن بيرخ وتعرية للمنطلقات الأيديولوجية التي اعتمدها في تأليف كتابه (حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي). وأعتقد أن الدكتور عمشوش قد وفق في طريقة تقديمه لنص فان دن بيرخ الذي يحتوي على كثير من المعلومات المثيرة للجدل، والتي ينبغي علينا جميعا الاطلاع عليها ودراستها ومناقشتها. كما يتضمن هذا الكتاب أول دراسة لكتاب (رحلة جاوه الجميلة) الذي يقدم فيه الشاعر المؤرخ صالح بن علي الحامد وصفا لجزيرة جاوه في الثلاثينات من القرن العشرين ورصدا دقيقا لحياة المهاجرين الحضارم المقيمين هناك. ويحتوي الكتاب كذلك على دراسة موجزة عن (فتاة قاروت) التي ألفها المهاجر أحمد عبد الله السقاف في جاوه سنة 1929، والتي يجمع النقاد اليوم على أنها أول رواية يمنية. وتصوّر هذه الرواية بعض الجوانب من حياة المهاجرين الحضارم في الأرخبيل الهندي، وتبين العراقيل التي كان المستعمِرون الهولنديون يضعونها حينئذ أمام المهاجرين الحضارم وأبنائهم المولدين الذين كانوا يسعون إلى الاندماج في المجتمع المحلي. ولا ريب في أن هذا الكتاب يعدّ مرجعا مهما سيستفيد منه الباحثون والمهتمون بدراسة الهجرة اليمنية بشكل عام؛ سواء كانوا مؤرخين أو سياسيين أو علماء اجتماع. وأتمنى أن يحذو جميع الأساتذة اليمنيين الملمين باللغات الأجنبية حذو الدكتور مسعود عمشوش، ويبادروا إلى ترجمة كل ما كتبه الأجانب عن اليمن. فالصورة التي يرسمها لنا الأجانب يمكن أن تساعدنا على الكشف عن بعض مكوّنات تاريخنا وواقعنا الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وإبراز بعض الحقائق التي قد نتردد نحن في الإفصاح عنها بشكل مباشر.

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: