مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

الجامعة في عصر التخصصات المتداخلة

Posted by amshoosh في مارس 28, 2011

الجامعة في عصر التخصصات المتداخلة

أ‌. د. مسعود عموش

لغة واصطلاحا تدل كلمة (الجامعة (Universityعلى مؤسسة علمية تأهيلية بحثية جامعة لمختلف التخصصات العلمية والإنسانية في كيان واحد، ويكمـل نشاط كل قسم منها نشاط الأقسام الأخرى. ومن المعلوم أن النصف الثاني من القرن العشرين قد شهد بروز عدد كبير من المعارف والعلوم الجديدة والتطورات الاجتماعية والمهنية التي عملت على تقليص الحدود -أو إزالتها- بين التخصصات وذلك معرفيا وعلميا ومهنيا، إلى درجة أن التداخل والتعاون والتمازج بين التخصصات والأقسام العلمية المختلفة أصبح هو سمة العصر التي تسعى معظم الجامعات في البلدان المتطورة إلى اكتسابها. كما أن تلك التطورات العلمية والمعرفية والمهنية دفعت القائمين على التعليم العالي في الدول المتقدمة إلى إعادة النظر في تنظيم المؤسسات الجامعية والبحثية التابعة لها بغرض استيعاب ظاهرة تداخل التخصصات والفروع العلمية في برامج التأهيل والتعليم والبحث العلمي. وقد ترتب على ذلك اتباع سياسات تعليمية جديدة. فبسبب ارتفاع عدد التخصصات العلمية قامت بعض البلدان إلى “تفريع” بعض جامعاتها مع إبقائها تحت مظلة علمية أعلى تسمى الأكاديمية. كما أقدمت بعض الجامعات على استحداث برامج رائدة تستوعب بشكل أفضل ظاهرة التخصصات المتداخلة أو “البينية interdisciplinary” وتمتد في أكثر من قسم علمي وأحيانا في أكثر من كلية، مثل “برنامج المعلومات الصحية: برنامج تتداخل فيه علوم الحاسب الآلي وصحة المجتمع”، وبرنامج “الميكانيكا الحيوية: برنامج تشترك في إعداده أقسام التربية الرياضية والهندسية الميكانيكية والعلاج الطبيعي”. بل إن بعض الجامعات أقدمت على إنشاء كليات خاصة بالدراسات العليا تجمع بين العلوم التطبيقية وبين العلوم الإنسانية كما هي الحال في جامعة مونتريال في كندا التي تمنح شهادات عليا في تخصصات علمية مزدوجة ولا ترتبط بتخصص علمي تقليدي محدد من برامج المرحلة الأولى من التعليم الجامعي، مثل شهادة الدكتوراه في العلوم الإنسانية التطبيقية أو علوم الحاسوب الحيوية، أو علوم الإحصاء الاجتماعية.

ولهذا السبب نعتقد أن عدم إسراع جامعاتنا اليمنية في إيجاد الآليات المناسبة للتنسيق بين مختلف الأقسام والتخصصات العلمية ليس فقط على مستوى الكلية الواحدة بل على مستوى الجامعة من شأنه أن يحد من قدرتها على استيعاب التطور المعرفي الكوني ذي الطبيعة المركبة، وكذلك القيام بدورها في خدمة المجتمع بشكل فعال. ولاشك أن تأسيس قسم للإدارة الصحية وقسم لخدمة المجتمع في جامعة عدن يعد تجربة رائدة في الجامعات اليمنية وجديرة بالتقدير، إذ أنها تعكس حرص جامعة عدن على مواكبة المستجدات التي تطرأ على العلم والتعليم في العالم.

وفي هذا العصر- عصر التخصصات المتداخلة- يتحتم على الجامعات اليمنية أن تشجع أساتذتها على خلق تناغم مثمر بين التخصصات والأقسام العلمية. ونرى أن على نيابات الدراسات العليا والبحث العلمي فيها أن تحرص على عقد ندوات ومؤتمرات علمية على مستوى الجامعة وليس على مستوى الأقسام أو الكليات لأن اشتراك أساتذة من مختلف كليات الجامعة في تلك الفعاليات العلمية يمكن أن يساعد على الوصول إلى معالجات متكاملة للقضايا المطروحة للنقاش. وسيمكن هذا الإجراء الأساتذة والباحثين في مختلف التخصصات من التواصل وتبادل المعارف والخبرات، وسيساعدهم بالتالي على الخروج من دائرة التقوقع داخل التخصص العلمي الضيق، وتكوين فرق بحثية تتناول قضايا المجتمع – التي هي بطبيعتها مركبة ومعقدة- من مختلف الجوانب.

ونرى كذلك أن تلك السمة الجديدة للمعارف والعلوم تحتم على الأقسام العلمية إعادة النظر في خططها الدراسية بهدف تضمينها، إلى جانب المواد التخصصية الإجبارية، عددا من المواد “المساندة” من خارج التخصص الدقيق، يقوم الطالب باختيار بعضا منها بما يتناسب مع ميوله وتوجهاته المستقبلية. ومن خلال هذه الآلية سيتمكن الطالب من الاستعداد بشكل أفضل لعصر التخصصات المتداخلة من خلال ممارسة الانفتاح المبكر على أكثر من مجال معرفي.

 

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: