مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

الجامعة والانتقال إلى المعرفة العملية

Posted by amshoosh في مارس 28, 2011

من ملامح جديدة لجامعة القرن الحادي والعشرين:

الانتقال إلى المعرفة العملية

أ‌. د. مسعود عمشوش

في مطلع عام 2003 كتبنا في مقال نشرته “الأيام” بعنوان “التعليم والمعرفة في عصر المعلوماتية “أن أهم سمة للنسق التعليمي الجديد تكمن في الانتقال من اعتبار اكتساب المعرفة هو غاية التعليم إلى اعتبار استخدام المعرفة وتوظيفها هو الهدف الأساسي للتعليم”. وهذا يعني التخلص من النزعة السلبية في التعامل مع المعرفة، والانتقال إلى إيجابية البحث والاستكشاف ومتابعة تطبيق المعرفة واقعيا من خلال التعامل مع المواقف والمشكلات الحياتية والعملية، أي تحويل المعرفة النظرية إلى معرفة عملية. وتوظيف المعرفة عمليا يستدعي ربط المؤسسات التعليمية، لاسيما الجامعية، بالمؤسسات المجتمعية والإنتاجية. وفي اعتقادي أن التعليم لا يمكن إلاّ أن يستفيد من توطيد علاقته بسوق العمل. وهذه العلاقة لا تعني مطلقا أن على التعليم الجامعي أن يتنازل عن خصائصه البحثية والثقافية والتنويرية كما يزعم بعض معارضي إيجاد هذا النوع من العلاقات. فقيام علاقة وثيقة بين منظومة اكتساب المعرفة والنشاط الإنتاجي في أي مجتمع، من خلال القطاع الإنتاجي الخاص والحكومي، شرط جوهري لحيوية المنظومة، وتكريس دورها في رفع مستوى الإنتاج والدخل في المجتمع. ولاشك أن هذه الرؤية لحديثة للتعليم الأساسي والجامعي تؤدي إلى خلق التحام عضوي بين مؤسسات التعليم والبحث العلمي من جهة ومواقع الإنتاج من جهة أخرى. وبالإضافة إلى ذلك فهي تزيل تهمة (الاكتفاء بالطابع النظري الأكاديمي) عن التعليم الجامعي وتكسبه طابعا عملياً “تقنيا” يحميه من منافسة الأنماط الأخرى من التعليم. وهذا جعلنا نؤكد أن المعرفة تعد، في أحد أبعادها، رأسمال أو سلعة.

ومن المعلوم أن الجامعة كانت، ولا تزال، مؤسسة تسعى إلى تأهيل المنتسبين إليها من خلال إكسابهم المعرفة ومختلف المهارات اللازمة لاستخدامها وتوظيفها في خدمة المجتمع، والقيام بالبحث العلمي، النظري والتطبيقي. ويبدو أن النظام العالمي الجديد، الذي يفرض على الحكومات، لاسيما في دول العالم الثالث، سياسة خفض الإنفاق على مؤسسات التعليم العالي، يقوم برسم ملامح جديدة لجامعة القرن الحادي والعشرين. فاليوم مطلوب من الجامعة، سواء كانت حكومية أم أهلية، أن تصبح مؤسسة قادرة على رفد ميزانياتها وإيجاد مصادر دخل ذاتية وذلك ليس فقط من خلال فرض رسوم على الطلبة، بل من خلال اكتسابها سمة مؤسسة إنتاجية أو”شبه الإنتاجية”. لقد بات على الجامعة أن تربط بشكل واضح بين المعرفة التي تقدمها والمردود الملموس لهذه المعرفة، وهذا ليس فقط في مستوى خدمة الأفراد والمجتمع، لكن أيضا من خلال دفع المؤسسة الجامعية إلى تسويق “منتوجها” أو رأسمالها العلمي- البحثي.

لذلك يبدو لنا أن مفهوم “الأداء” يأخذ دلالات مختلفة حينما نتحدث عن الجامعة. فالمستوى العالي لأداء جامعة ما لا يقاس بمجرد حرص منتسبيها على تأدية واجباتهم على أكمل وجه. فاليوم صارت الحكومات والمجتمعات تحكم على الجامعة من خلال النظر إلى مدى النجاح الذي يحققه خريجو تلك الجامعة في مختلف نواحي الحياة العملية، ومدى نجاح الأساتذة في رفد المؤسسات الإنتاجية والاقتصادية والثقافية والخدماتية بالأبحاث العلمية المفيدة. وكل هذه أمور تؤدي إلى إكساب الجامعة شهرة أكبر، وبالتالي إقبال أكبر للالتحاق بها عن طريق المنافسة أو عن طريق “النفقة الخاصة”. وهذا يساعد الجامعات الحكومية على رفد ميزانياتها.

ومع ذلك نعود ونقول إن “ريعية” الجامعة تحتوي على بعض السلبيات؛ فربط الأساتذة/الباحثين الجامعيين بالمؤسسات الأخرى قد يكون في بعض الأحيان على حساب اهتمام هؤلاء الأساتذة بطلبتهم. وبما أن طريقة عمل الأستاذ – الباحث مع المؤسسة الإنتاجية يمكن أن يتوج ببراءة اختراع فمن الممكن أن يتحفظ الباحث في تقديم كل المعلومات لطلبته أولاً بأول. وبالإضافة إلى ذلك يمكن أن يؤدي ربط البحث العلمي بتوظيفه مباشرة في المؤسسات الخدمية والصناعية إلى التركيز على نوع واحد من الأبحاث العلمية وهي الأبحاث التطبيقية، وهذا يؤدي بالضرورة إلى إهمال الأبحاث النظرية البحتة التي تعد الأساس الذي يُبنى عليه التطور العلمي.

ومن ناحية أخرى، ينبغي على المسئولين في الجامعات الحكومية في الأقطار العربية أن يفكروا كثيراً قبل الاتجاه إلى رفع حصة المقاعد المخصصة لطلبة النفقة الخاصة. فهذا الإجراء يمكن أن يكون على حساب الطلبة الذين لا يستطيع أهاليهم دفع حتى الرسوم الدراسية المطلوبة أصلاً من جميع الطلبة. ويمكن أن نشير هنا أن مصر، بملايينها السبعين، لا تزال تحاول توفير التعليم المجاني- حتى الجامعي منه – لجميع أبنائها وبناتها.

ولا ريب أن السنوات القادمة ستشهد اشتداد المنافسة بين الجامعات في جميع أقطار الوطن العربي. وستكون المنافسة في مجال التعليم مهمة ومفيدة؛ فهي، إن هي نحت منحى إيجابياً ستساعد على تحسين النوعية والجودة لمؤسساتنا الجامعية ومخرجاتها. وفي الحقيقة هنالك نوعان من المنافسة ينبغي لكل جامعة عربية أن تتصدى لها: منافسة بين الجامعات المحلية، ومنافسة بين هذه الجامعات المحلية من جهة والجامعات الأجنبية التي بدأ عددها يرتفع في كثير من الأقطار العربية من جهة أخرى. و من المؤكد أن هذا الارتفاع، الذي يأتي ضمن توجه تلك الجامعات الأجنبية إلى تسويق “رأسمالها العلمي”، يمكن أن يخدم بلداننا العربية لاسيما أن معظم تلك الجامعات الأجنبية هي فروع لأكاديميات معروفة في أميركا وبريطانيا وفرنسا، وتستمد مستواها الأكاديمي من الخبرات الطويلة للجامعات الأم. وهذا يدفع الجامعات المحلية – حكومية وأهلية- إلى الارتقاء بمستوى أدائها من خلال إخضاعه للمعايير والمواصفات العالمية للجودة إن هي تريد البقاء.

ومن هنا تنبع أهمية الملتقى العربي الثاني الذي نظمته جامعة عدن والمنظمة العربية للتنمية الإدارية – جامعة الدول العربية، في رحاب جامعة عدن في الفترة من 22 إلى 24 من سبتمبر 2003 والمكرس لـ”المواصفات العالمية للجامعات”، إذ ساهم المشاركون في هذا الملتقى في تحديد المعايير الدولية لتقييم أداء الجامعات وجودتها، وكيفية إدارتها، وكذلك المواصفات المطلوب توافرها في الخريج الجامعي لكي يستطيع مواجهة التحديات التي يفرضها علينا النظام العالمي الجديد.

نُشر في “الأيام” 21/9/2003

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: