مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

من التخصص إلى الدراسات البينية

Posted by amshoosh في مارس 28, 2011

من التخصص إلى الدراسات البينية

أ.د. مسعود عمشوش

(نشرت هذه المقالة في الملحق الثقافي لصحيفة الثورة اليمنية في شهر ديسمبر 2004)

في إطار المعرفة العلمية يعدُّ “التخصص” مفهوما تنظيميا أساسيا؛ إذ أنه يؤسس فيها لمبدأ توزيع المعرفة إلى ميادين علمية – أو تخصصات- متنوعة. وعلى الرغم من أن أي تخصص يدخل في إطار كل معرفي أوسع وأشمل فالتخصص يميل عادة إلى الاستقلالية وذلك من خلال رسم حدود خاصة به، ووضع مصطلحاته اللغوية، وتحديد التقنيات – وربما النظريات- التي يوظفها. ومن أبرز الفوائد التي اكتسبها العلم نتيجة للأخذ بمبدأ التخصص تركيز القدرات العقلية المحدودة للإنسان (الفرد) على مجال معرفي محدد و إبعاد العلم عن خطر السطحية وشبح الغموض. كما ساعد العمل بمبدأ التخصص العلماء على تعميق أبحاثهم والاهتمام بالجزئيات والذرات.

وتاريخيا، ظهر التنظيم التخصصي للمعرفة في القرن التاسع عشر مع افتتاح الجامعات الحديثة، ثم تطور مع تقدم البحث العلمي في القرن العشرين، أي أن تاريخ التخصصات اقترن بنمو الجامعات الذي ارتبط هو الآخر بتطور المجتمع. ومن الطبيعي أن يفترض البحث في ماهية التخصص الإلمام الجيد بالتخصص نفسه. لكن ينبغي التأكيد أنه لا يكفي أن تكون داخل تخصص ما لكي تلم بمختلف القضايا المتعلقة به وبموضوعه. إذ أن البحث في التخصص يفترض كذلك معرفة العناصر العلمية والاجتماعية المحيطة به. لهذا فالبحث عن ماهية التخصص يدخل أيضا في إطار سوسيولوجيا المعرفة والعلوم.

ولا شك أن العمل بمبدأ التخصص قد أفرز لدى بعض العلماء ميلا إلى الانغلاق داخل جزئيات علمية ضيقة جدا، وأنساهم ذلك أن “الشيء” الذي يدرسونه ليس إلا جزءا مقتطعا من كل، وانصرفوا بالتالي عن البحث عن علاقة ذلك الجزء بالأجزاء الأخرى من الكل وعلاقة تخصصهم بالتخصصات التي تدرس تلك الأجزاء الأخرى. وفي كثير من الأحيان أدت الحدود النظرية والموضوعية واللغوية لتخصص ما إلى عزله عن التخصصات التي تتداخل وتتقاطع معه بشكل طبيعي وجوهري. ويمكن القول إن روح التخصص قد أفرزت مبالغات غير مبررة في تقسيم بعض الميادين إلى “شعب” أولا وبعد ذلك إلى تخصصات جديدة مستقلة. كما أن تطور العلم والتكنولوجيا قد أدى إلى ظهور فروع علمية جديدة. وكلما ظهر فرع علمي جديد سرعان ما يتحول إلى تخصص جديد. ومن منطلق توزيع العمل وطبيعة التأهيل العالي يسعى كل عالم إلى إن يصبح هو الملك داخل تخصصه ولا يتردد في الدخول في منافسة وصراع مع الخصوم من الداخل والخارج للدفاع عن تخصصه.

ومع ذلك يظل الانفتاح في مجالات البحث العلمي ضروريا وحيويا. وضرورية وحيوية أيضا تلك النظرة التي تـُـلقى على مجال التخصص من خارج التخصص، حتى وإن كانت نظرة بريئة أو ساذجة. فالتاريخ مليء بـ”الهواة” غير المتخصصين الذين، مثل داروين وفيجنير صاحب نظرية طفاوة القارات، توصلوا إلى وضع نظريات علمية مهمة. كما أن هناك كثيرا من المصاعب التي واجهتها بعض التخصصات ولم تجد حلا لها إلا من خارج التخصص.

ومن ناحية أخرى أثبت التاريخ وجود مفاهيم ومناهج ونظريات (عابرة للتخصصات) أي أنه يمكن توظيفها في أكثر من تخصص وإن كان تخصص معين هو الذي أفرزها. وقد أثبت تاريخ البحث العلمي أهمية تلك المفاهيم والمناهج والنظريات. فهل كان يمكن لكلود ليفي شتراوس مثلا أن ينظّر للأنثروبولوجيا البنيوية إذا لم يكن قد التقى في إحدى مقاهي نيويورك برومان جاكبسون الذي عرّفه على مبادئ علم اللغة البنيوي؟ وهناك عدد آخر من المفاهيم والمبادئ العلمية التي يصعب حصرها في تخصص بعينه. كما أن هناك ميادين بحثية تفرض بطبيعتها على أصحابها الانفتاح على التخصصات الأخرى والبحث عن إيجاد تكامل أو تبادل معرفي معها. ففي سنة 1953 تحدث المؤرخ الفرنسي لفيفر إلى زملائه قائلا “أيها المؤرخون كونوا جغرافيين، وكونوا حقوقيين، وكونوا علماء نفس وعلماء اجتماع!” ومن المؤكد أن على العالم الذي أن يتخصص في عصور ما قبل التاريخ أن يلم أيضا بالجيولوجيا والأساطير وعلوم الجينات والبيئة. وإذا كان بعض العلماء (ذوي الكفاءات المتعددة) يمتلكون قاعدة علمية واسعة تمكنهم من مقاربة قضايا متشعبة، فهناك مجالات بحثية تستدعي بالضرورة تعاضد أكثر من تخصص للبحث فيها. ومن المعلوم أن بعض الاكتشافات المهمة التي شهدها العالم في السنوات الخمسين الأخيرة، لاسيما في مجال الرياضيات (الحاسوب) والفيزياء والكيمياء والأحياء الجزئية (الجينات) والأنثروبولوجيا، كانت قد وليدة تداخل عدد من التخصصات. ولا بد من الإشارة كذلك إلى أن التقارب الذي نشأ بين المهندسين وبين علماء الرياضيات منذ الحرب العالمية الثانية قد أدى إلى ظهور ما سمي “بالسبرنتيك” الذي أسس لعلوم الحاسوب والذكاء الاصطناعي. ولا شك أن بروز علوم الحاسوب وتطورها المذهل منذ منتصف القرن العشرين قد أجبر معظم التخصصات على إعادة هيكلة نفسها. وبالإضافة إلى “ثورة” الحاسوب هناك عوامل أخرى كثيرة أدت إلى كسر الحواجز بين التخصصات وساعدت على انتقال الباحثين والمناهج والمفاهيم النظرية من تخصص إلى آخر، ومن ميدان بحثي إلى آخر، إلى درجة أن العمل بمبدأ التخصص لن يكون اليوم مبررا ومقبولا إلا إذا سعى كل تخصص إلى الانفتاح على كل ما يجري خارجه وسلـّم بوجود علاقات عضوية (مركزها الإنسان الذي هو محور العلوم كلها) و”لوجسيتية” بينه وبين التخصصات الأخرى.

ولهذا يمكننا القول إن تاريخ العلوم وتطورها لا يحتوي فقط على تفريع ورسم حدود وتأسيس تخصصات جديدة. فهو يتضمن أيضا بروز مناطق عدة تتقاطع وتتداخل فيها تخصصات مختلفة. فخلال العقود الأربعة الماضية تأسس عدد من التخصصات العلمية الهجينة. كما شهد النصف الثاني من القرن العشرين ظهور عدد كبير من المعارف والعلوم الجديدة والتطورات الاجتماعية والمهنية التي عملت على تقليص الحدود -أو إزالتها- بين التخصصات وذلك معرفيا وعلميا ومهنيا، إلى درجة أن التداخل والتعاون والتمازج بين التخصصات المختلفة أصبح هو سمة العصر التي يسعى معظم الجامعات والمراكز البحثية في البلدان المتطورة إلى اكتسابها. وقد دفعت تلك التطورات العلمية والمعرفية والمهنية القائمين على البحث العلمي والتعليم العالي في الدول المتقدمة إلى إعادة النظر في تنظيم المؤسسات الجامعية والبحثية التابعة لها بغرض استيعاب ظاهرة تداخل التخصصات والفروع العلمية في برامج التأهيل والتعليم والبحث العلمي. وهذا ما دفع عددا من مؤسسات التعليم العالي في العالم إلى تأسيس أقسام ذات تخصصات مزدوجة بغرض تأهيل علماء المستقبل الذين سيكونون قطعا “عابرين للتخصصات”. وقد ترتب على ذلك اتباع سياسات تعليمية جديدة. فبسبب ارتفاع عدد التخصصات العلمية قامت بعض البلدان إلى “تفريع” بعض جامعاتها مع إبقائها تحت مظلة علمية أعلى تسمى الأكاديمية. كما أقدمت بعض الجامعات على استحداث برامج رائدة تستوعب بشكل أفضل ظاهرة التخصصات المتداخلة أو “البينية interdisciplinarity” وتمتد في أكثر من قسم علمي وأحيانا في أكثر من كلية، مثل “برنامج المعلومات الصحية: برنامج تتداخل فيه علوم الحاسب الآلي وصحة المجتمع”، وبرنامج “الميكانيكا الحيوية: برنامج تشترك في إعداده أقسام التربية الرياضية والهندسية الميكانيكية والعلاج الطبيعي”. بل إن بعض الجامعات أقدمت على إنشاء كليات خاصة بالدراسات العليا تجمع بين العلوم التطبيقية وبين العلوم الإنسانية كما هي الحال في جامعة مونتريال في كندا التي تمنح شهادات عليا في تخصصات علمية مزدوجة ولا ترتبط بتخصص علمي تقليدي محدد من برامج المرحلة الأولى من التعليم الجامعي، مثل شهادة الدكتوراه في العلوم الإنسانية التطبيقية أو علوم الحاسوب الحيوية، أو علوم الإحصاء الاجتماعية. ولاشك أن تأسيس قسم للإدارة الصحية وقسم لخدمة المجتمع في جامعة عدن يعد تجربة رائدة في الجامعات اليمنية وجديرة بالتقدير، إذ أنها تعكس حرص جامعة عدن على مواكبة المستجدات التي تطرأ على العلم والتعليم في العالم.

وفي هذا العصر- عصر التخصصات المتداخلة- يتحتم على الجامعات اليمنية أن تشجع أساتذتها على خلق تناغم مثمر بين التخصصات والأقسام العلمية. ونرى أن على نيابات الدراسات العليا والبحث العلمي فيها أن تحرص على عقد ندوات ومؤتمرات علمية على مستوى الجامعة وليس على مستوى الأقسام أو الكليات لأن اشتراك أساتذة من مختلف كليات الجامعة في تلك الفعاليات العلمية يمكن أن يساعد على الوصول إلى معالجات متكاملة للقضايا المطروحة للنقاش. وسيمكن هذا الإجراء الأساتذة والباحثين في مختلف التخصصات من التواصل وتبادل المعارف والخبرات، وسيساعدهم بالتالي على الخروج من دائرة التقوقع داخل التخصص العلمي الضيق، وتكوين فرق بحثية تتناول قضايا المجتمع – التي هي بطبيعتها مركبة ومعقدة- من مختلف الجوانب. كم نقترح أن تتم إعادة النظر في طبيعة – وهيكلية- (مركز العلوم – جامعة عدن) الذي يؤطر حاليا عددا محدودا من الفرق البحثية، وأن يتم توسيعه وتحويله إلى (مركز الدراسات البينية).

ونرى كذلك أن تلك السمة الجديدة للمعارف والعلوم تحتم على الأقسام العلمية في مختلف الجامعات إعادة النظر في خططها الدراسية بهدف تضمينها، إلى جانب المواد التخصصية الإجبارية، عددا من المواد “المساندة” من خارج التخصص الدقيق، يقوم الطالب باختيار بعضا منها بما يتناسب مع ميوله وتوجهاته المستقبلية. فبواسطة هذه الآلية سيتمكن الطالب من الاستعداد بشكل أفضل لعصر التخصصات المتداخلة من خلال ممارسة الانفتاح المبكر على أكثر من مجال معرفي.

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: