مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

من أسباب أزمة التعبير أ

Posted by amshoosh في مارس 29, 2011

من أسباب أزمة التعبيرأ

أ.د. مسعود عمشوش

لماذا باتت قدرة كثير من المسئولين والموظفين والطلبة على التعبير، كتابيا وشفويا، ضعيفة؟ ولماذا يعجز كثير من الخريجين والموظفين عن كتابة خطاب إلى جهة رسمية أو رسالة إلى قريب أو تدوين محضر اجتماع؟ ولماذا يتحاشى بعض المسئولين كتابة رسائلهم وتقاريرهم بأنفسهم؟ ولماذا يتصبب شخصٌ ما عرقاً حينما يُطلب منه إلقاء كلمة أو المشاركة في مناقشة أو اجتماع أو ندوة؟ في اعتقادنا أن كل ذلك يعكس في المقام الأول وجود “أزمة تعبير” شبه عامة تؤثر سلبا على الارتقاء بمستوى التحصيل العلمي والأداء الوظيفي والتفكير والتواصل السليم بين الناس عامة. ولا ريب في أن هناك علاقة بين هذه الأزمة وظاهرة الضعف اللغوي الذي أخذ يتغلغل في مختلف مؤسساتنا وأنشطتنا اليومية. لكن هذا لا يعني أن كل من يتقن قواعد اللغة العربية ويلم بأدبها يستطيع أن يعبر عن نفسه بمرونة وتلقائية ويسر. فالتعبير مهارة لا تكتسب إلا بالتعلم والممارسة. ومن المعلوم أن الدراسة الجامعية تحتم على الطالب التمرن على تسجيل الأفكار واختزالها وإعداد التقارير والبحوث والعروض الدراسية والملخصات. ومع ذلك من الواضح أن كثيرا من الدارسين في جامعاتنا يواجهون صعوبة كبيرة عند القيام بتلك المهام.

وبما أن التعبير مهارة فهو يُدرَّس. وقد أعطيت أهمية كبيرة لمادة التعبير (التي كانت تسمىّ الإنشاء) في الخطط والمقررات الدراسية بدءا من الصف الأول من التعليم الأساسي. لكن يُلاحظ أن مواد التعبير هي أكثر الحصص إهمالاً وأقلها نشاطاً وتفكيراً في المدارس الإعدادية والثانوية. وفي جامعاتنا كذلك تهمل في الغالب طرق التعبير في مادة اللغة العربية (كمتطلب جامعة)، ولا يتم التركيز إلا على قليل من القواعد النحوية والإملائية. ولا يدخل التعبير كذلك ضمن مفردات مواد مناهج البحث العلمي. ومما لاشك فيه هو أن إهمال التعبير في مختلف المستويات الدراسية يعد من أبرز أسباب تدني القدرات التعبيرية لدى الطلبة والخريجين.. وبروز أزمة التعبير.

وإذا كان اعتماد أسلوب الإملاء في التدريس حتى من قبل بعض المدرسين في الجامعة أمر لا يشجع الطلبة على التعبير بأسلوبهم الخاص، فإن استئثار المدرس/المحاضر بالكلام يحرم الطلبة من التمرن على التعبير الشفوي من خلال الحوار والمناقشة. كما أن عدم اعتماد الامتحانات الشفوية حتى في أقسام اللغات لا يشجع الطلبة على بذل أي مجهود من أجل تحسين مستوى قدرتهم على التعبير الشفوي.

وبالإضافة إلى ذلك، تشكل الهوة بين اللغة العامية الكلامية واللغة العربية الكتابية أحد أبرز أسباب تدني القدرة التعبيرية لدى عدد كبير من أبناء العروبة بشكل عام، إذ أن اختلاف اللغة الكتابية عن اللغة الكلامية التي تتميز بطبيعتها التلقائية يجعل انتقال المستخدم للغة العربية إلى مستوى الكتابة يشعر أن عليه أن يتجاوز تلقائيته وينتقل إلى مستوى لغوي أعلى يتطلب منه جهدا وتركيزا إضافيين. وهذا يتعارض مع مبدئي (الجهد الأقل والاقتصاد) اللذين تخضع لهما أي عملية تواصل لغوي. وإذا كان هناك من يستطيع أن يعبر عن نفسه شفويا بصورة مقبولة وربما ممتازة باللغة العامية، فهناك أماكن ومحافل كثيرة جدا لن يكون مستحسنا ولا مقبولا التحدث فيها بالعامية. أما كتابيا فلا أحد يمكن أن يعبر عن نفسه بالعامية. وعليه ينبغي أن تتضافر جهود البيت والمدرسة والجامعة والمكتب من أجل إيجاد نقطة مناسبة تلتقي فيها اللغة الكلامية واللغة الكتابية وتحفيز الطفل والتلميذ والطالب والموظف على الاقتراب بكلامهم من اللغة التي يكتبون بها. ولا شك أن هذا الأمر سيكسبهم تلقائية ومرونة كبيرة في التعبير عن أنفسهم كتابيا.

وعلى الرغم من أنني لا أرى أن في القصور المعرفي الذي يعاني منه بعض الناس عائقا يمكن أن يحول بينهم وبين التعبير الجيد فمن المؤكد أن اتساع الثقافة العامة يساعد المتحدث أو الكاتب على التعبير بثقة تامة. وأخيرا أعتقد أنه من المناسب أن أذكـّر هنا أن الشهادة الجامعية العليا ليست مطلوبة دائما للحصول على وظيفة ما في إحدى المؤسسات الغربية، لكن المقابلة (التعبير الشفوي) وامتحان منافسة تحريري يتضمن دائما اختبارا في طرق التعبير هما البوابة التي يمر من خلالها كل من أراد أن يتقدم لتلك الوظيفة.

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: