مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

حياة رامبو في عدن

Posted by amshoosh في أبريل 11, 2011

لماذا عدن ؟  حياة آرثر رامبو وعـــدن

بقلم أ.د. مسعود عمشوش

لم يولد آرثر رامبو في شارلفيل ليقضي سنوات عمره القصير في رتابة حياتها وبرودة بيوتها وحقولها وشوارعها. فحياة رامبو ليست إلا مجموعة من المحطات والموانئ التي لا يمكث فيها، في كثيرٍ من الأحيان، إلاّ الأيام اللازمة لالتقاط أنفاسه ومواصلة السفر. سنة 1875، في سنّ الحادية والعشرين، كفَّ مؤلّف “المركب السكران” عن كتابة الشعر، لكنه لم يكف عن الترحال. واليوم، ما زالت رحلات رامبو، ولاسيما تلك التي قام بها إلى عدن وهرر، تسحر عشاقه بالقدر نفسه الذي تسحرهم به “الإشراقات” و”فصل في الجحيم”. لهذا، ربما كان اهتمام كثير من دارسي رامبو بحياته ورحلاته، يفوق اهتمامهم بشعره. إلاّ أنّ دراسات غالبية هؤلاء الباحثين انصبت على رحلات رامبو إلى هرر. فمثلما ارتبط اسم بول نيزان بعدن العربية، ارتبط اسم آرثر رامبو بهرر الأفريقية. فنحن نجد اليوم دراسات عن “رامبو الأفريقي” وعن “رامبو في الحبشة”. لكن، حسب علمنا، لم يقم أي باحث بدراسة حياة رامبو في عدن رغم أنّه قضى فيها أكثر من خمسة وأربعين شهرًا ونصف. لهذا، سنحاول، في الصفحات الآتية، أن نزيح الستار قليلاً عن بعض الأسباب التي دفعت برامبو إلى الوصول إلى عدن، وقضاء ما يقارب الأربع سنوات فيها على الرغم من تذمره الشديد من طبيعتها ومن الحياة فيها، وذلك من خلال قراءتنا لرسائله التي كتبها في عدن.(1)

لماذا المجيء إلى عدن؟

لقد عشق رامبو الحرية المطلقة، وعشق السفر. بالنسبة له: “الحياة دائمًا في المكان نفسه أمر بائس جدًا”. وكان، منذ سنوات صباه الأولى، يريد أن “يذهب بعيدًا، بعيدًا جدًا، عبر الطبيعة، مثل بوهيمي”.(2) ولكي يهيئ نفسه للترحال، شرع رامبو في تعلُّم اللغات الأجنبية. فهو، منذ سن الرابعة عشر، بدأ في دراسة اللغات الروسية والعربية والإنجليزية. لكن رامبو لم يكن غنيًا ليستطيع أن يحقق أحلامه، ويقضي عمره في التنقل من مكان إلى آخر، وأن يزور “بقاع العالم كافة…التي لن تكفي أعمار عدة مئات من الناس لرؤيتها”. ولم تكن أمه الفلاحة لتستطيع أن تعطيه أي مبلغ من المال يمكنه من مغادرة شارلفيل. لذا، عندما يقرر الهروب إلى باريس في سن السابعة عشر، يضطر أن يبيع الكتب التي تحصّل عليها كجائزة لتفوقه العلمي. ولأنّه، على الرغم من ذلك، لم يستطع شراء تذكرة السفر وركب القطار “مجانًا”، فقد كانت الشرطة في انتظاره عند وصوله “محطة الشمال” في باريس، وأُرسِل إلى سجن مازاس في 31 أغسطس 1870. وعندما فرَّ مرةً أخرى إلى باريس، في بداية سنة 1871، ظل يتسكع هناك خمسة عشر يومًا دون مأوى، وأضطر أن يبيع ساعته ليجد ما يسدُّ به رمقه، وأن يعود إلى شارلفيل مشيًا على الأقدام.

أما بين سنة 1872 وسنة 1875، أي في الفترة التي كتب خلالها الشاعر آرثر رامبو معظم قصائده وزار بلجيكا وبريطانيا وألمانيا وسويسرا وجنوب فرنسا، فقد عانى مؤلف (المركب السكران) من بعض أصدقائه الذين كانوا ينفقون عليه، لاسيما الشاعر البارناسي فيرلين الذي أطلق عليه النار أثناء إحدى مشاجراتهما في بروكسل. كما عانى رامبو من تجرِبة السفر مشيًا على الأقدام فوق جبال أوروبا المغطاة بالثلوج. لذا نراه، في مطلع مايو 1876، يكتشف طريقةً جديدة للسفر دون نفقات، أي بواسطة التطوع في الفرقة الأجنبية في الجيش الهولندي والسفر بحرًا إلى جاوا عن طريق ساوثامبتول، جبل طارق، نابولي، السويس، عدن. إلاّ أنّ “عاشق الحرية الحرة”، الذي لم يتحمّل العيش على نفقات أصدقائه، لم يكن ليحتمل النُّظم العسكرية الصارمة داخل ثكنة هولندية في جاوا. لهذا نراه يهرب ويعود إلى شارلفيل في 9 ديسمبر 1876. ومع ذلك، فقد ظلت فكرة الترحال عن طريق الالتحاق بالقوات البحرية تعشعش في رأس رامبو. فهو يحاول أن يجوب البحار ضمن القوات البحرية التابعة للولايات المتحدة الأمريكية. لكن يبدو أنّ الأمريكيين أدركوا الدوافع الحقيقية للمدعو “جون رامبو” ورفضوا طلبه في مايو 1877.

في مطلع عام 1878، يبدو أنّ رامبو قد اقتنع أنّ ضمان الحصول على الحرية وإمكانية السفر لن يتأتى له إلاّ من خلال العمل وكسب المال. ويبدو أنّ شعاره أصبح منذ ذلك الحين: “أعمل ،أسافر”. ويمكن أن نلمس ترسخ ذلك الاقتناع لدى رامبو في إحدى رسائله إلى أمه وأخته، حيث يكتب إليهما: “في كل الحالات، لا تحسبوا أنّ حبي للترحال سينتهي. بالعكس؛ لو كان بإمكاني أن أتنقل من بلدٍ إلى بلد دون أنْ أجبر على الإقامة للعمل وكسب لقمة العيش، لن يراني أحد شهرين في المكان نفسه. فالعالم كبير ومليء بالبقاع الجميلة. لكن، من جهة أخرى، لا أريد أن أتجوّل في البؤس، بل أريد أن يكون بحوزتي عدة آلاف من الفرنكات تدرُّ عليّ دخلاً ثابتًا، وأنْ أستطيع أنْ أزور في كل سنة بلدين أو ثلاثة بلدان مختلفة أعيش فيها بتواضع، وأغطي نفقاتي من خلال القيام ببعض الصفقات الصغيرة. أما أنْ أعيش دائمًا في المكان نفسه، فإنني أجد هذا الأمر بائسًا جدًا”.

لقد كان من الممكن أنْ يشرع رامبو في كسب المال من خلال العمل في شارلفيل أو في إحدى المدن الفرنسية الأخرى. لكن عاملٌ آخر كان قد تدخّل في تحديد الجهة التي ينبغي على رامبو العمل فيها. فعند اقتراب فصل الشتاء، في نهاية عام 1878، صرح رامبو أنّه يفكر في الرحيل لأنّه لم يعد قادرًا على تحمّل البرد. لهذا السبب، نعتقد أنّ البحث عن العمل والمال والترحال سيرتبط، بالنسبة لرامبو، بالبحث عن الشمس أو – كما يقول هو- الصيف الدائم.

ففي 20 أكتوبر 1878، يغادر رامبو شارلفيل مشيًا على الأقدام. وفي لوجانو يركب القطار المتجه جنوبًا. ثم، في جنوا، يبحر باتجاه الإسكندرية، ومنها إلى قبرص حيثُ تعيّنه مؤسسة أرنست جان وتيال مسؤولاً على ستين عاملاً. إلاّ أنّه يُصاب بحمى تيفوئيدية ويضطر أن يعود إلى فرنسا في مايو 1879، ويقضي فصل الصيف عند أهله في روش. وعند اقتراب فصل البرد، يُسافر إلى الجنوب. لكن مرضه يجبره على العودة إلى روش. وفي مارس 1880 يصل رامبو مرة أخرى إلى الإسكندرية، ومنها يسافر إلى قبرص. وهذه المرة، تعيّنه السلطات البريطانية مسؤولاً على مجموعة من العمال تقوم بتشييد منزل صيفي للحاكم. لكنّه لم يلبث أن يضطر لمغادرة الجزيرة مرةً أخرى في 30 يوليو 1880، وذلك إثر مشاجرة وقعت بينه وبين إدارته. لكن رامبو لن يعود هذه المرة إلى فرنسا، بل سيواصل السفر جنوبًا بحثا عن المال والشمس في الإسكندرية وجدة وسواكيم ومصوّع والحديدة. وقد باءت كل محاولاته للحصول على عمل في تلك المدن بالفشل. ومن حُسن حظه أن تعرّف في الحديدة على أحد التجار الفرنسيين. وقد نصحه هذا التاجر بالذهاب إلى عدن بعد أن سلمه توصية إلى صديق له هناك.

عندما وصل رامبو إلى عدن، في 7 أغسطس 1880، كان في حالة يرثى لها. فهو كان قد غادر قبرص في ظروف مأساوية، وكان الصيف في عدن شديد الحرارة. وإذا كان الضابط المتقاعد دوبار قد سارع بتوظيفه في شركة فياني- مازران- بارديه التي كان يدير مكتبها في عدن، فهو في الحقيقة، لم يعطه إلاَّ عملاً ثانويًا ومملاً يكمن في مراقبة مجموعة من النساء يقمن بتنقية البُن قبل تصديره إلى مرسيليا. وكان رامبو يتقاضى مقابل هذا العمل أقل من ستة فرنكات يوميًا. ولم يلبث أن أكتشف أنّ هذا الأجر لن يكفي حتى لتسديد مصروفاته اليومية. وقد شرح ظروفه تلك في رسالة بعثها إلى أهله في 25 أغسطس 1880، قائلاً : ” تحصلت هنا على عمل في وكالة تاجر للبُن يشرف عليها ضابط متقاعد. نشاطنا التجاري لا بأس به، وسنسعى إلى مضاعفته. بالنسبة لي، لا أكسب كثيرًا. فأنا لا أتحصل على أكثر من 6 فرنكات يوميًا ( . . . ) كل شيء هنا غالٍ جدًا. لكن لا خيار لي. وسأحتاج إلى ثلاثة أشهر على الأقل لأقف مرةً أخرى على قدمي، أو لأتحصل على وظيفة أفضل”.

وفي الحقيقة، طوال فترة إقامته المتقطعة في عدن، وعلى الرغم من زيادة أجره، لن يكف رامبو عن التذمر من غلاء المعيشة. وقد أضطره طموحه في جمع أكبر قدر من الثروة في أقصر وقت ممكن إلى تقليص مصروفاته اليومية بشكل ملحوظ. ويمكننا أن نلمس ذلك في الرسالة التي أرسلها إلى أهله في 14 أبريل 1885، والتي يقول فيها: “عندما أقول لكم إنني أعمل مقابل ستة آلاف فرنك سنويًا، فإنني أضيف إلى هذا المبلغ قيمة الطعام والسكن التي تدفعها الشركة نيابة عني. فكل شيء هنا غالٍ جدًا. لا أشرب إلا الماء، ويلزمني منه ما قيمته 15 فرنكًا شهريًا! لا أُدخن مطلقًا. وأرتدي ملابس قطنية. ولا أدفع أكثر من خمسين فرنكًا في السنة للحلاقة. إننا نعيش هنا في ظروف رديئة جدًا وبتكاليف مرتفعة للغاية. طوال السنة ننام في الهواء الطلق، ومع ذلك فالسكن يكلّفني أربعين فرنكًا شهريًا”.

ومما يزيد من تذمر رامبو في عدن شعوره أنّه يُستغَل ولا يُعطى له أجره كاملاً، على الرغم من أنّه “أحسن موظف في الشركة”. فهو يتكلّم اللغة العربية، ويقوم بمفرده بالتخاطب مع العمال والسماسرة المحليين. وقد دفعه ذلك الشعور إلى التفكير في الانتقال إلى شركة أخرى أو مغادرة عدن. ففي 22 سبتمبر 1880، يكتب لأهله: “بما أنني الموظف الذكي الوحيد في عدن، إذا لم يعطوني، في نهاية شهري الثاني هنا، أي في 16 أكتوبر، مائتي فرنك شهريًا، بالإضافة إلى مصروفاتي اليومية، فسوف أرحل. إنني أفضّل الرحيل على أن أتركهم يستغلونني. الأقرب إنني سأذهب إلى زنجبار حيثُ يوجد عمل”.

في الحقيقة، خلال هذين الشهرين، يكتشف رامبو أنّ الشركة التي يعمل فيها تخطط لفتح فرع لها في هرر. ودون أي تردّد، يطلب من بيير بارديه أن يبعثه إلى هناك ويخبر أهله بذلك، قائلاً: “من المحتمل أيضًا أن أسافر إلى الحبشة حيثُ تمتلك الشركة بعض القوافل. سأحقق هناك بعض الأرباح ، وسأضجر أقل. فعدن، كما يعرف الجميع، أضجر مكان في العالم بعد المكان الذي تسكنونه”. وقد قَبل بارديه عرض رامبو ووقع معه عقدًا جديدًا يتقاضى رامبو بموجبه 150 روبية شهريًا و 1% من الأرباح.

في 3 ديسمبر 1880، وصل رامبو إلى مدينة هرر الحبشية برفقة كوستنتان ريجاس. ويبدو أنّه، في البداية، أعجب بهرر وبأفريقيا بشكل عام. وقد دفعه ذلك الإعجاب إلى التفكير بأنّه يمكن أن يصبح مستكشفًا، إذ نراه في مطلع عام 1881، يكتب إلى فرنسا ليرسلوا له مجموعة كتب حول الاستكشاف ومعدات كاملة للتصوير. ومع ذلك، لم يطق رامبو الحياة في هرر. وفي مطلع إبريل 1881، يبدأ في التذمر من تلك “البقاع المتخلِّفة” التي لم يجد فيها الشيء الذي يبحث عنه: الثراء السريع. وفي 4 مايو 1881، يبعث برسالة إلى أهله يطلب فيها أن يبعثوا له بمعلومات عن الأعمال في بنما إذ أنّه يفكر في السفر إلى هناك. لكنّه، في يوليو، يطلب من الشركة إعادته إلى فرعها في عدن، وبعد إلحاح شديد يُقبل طلبه ويصل إلى عدن في بداية يناير 1882.

لكن عدن لم تتغيّر خلال السنة التي قضاها رامبو في هرر. ورامبو، الذي عاد إلى العمل السابق نفسه، لم يلبث أنْ يعود إلى التذمر والتفكير في الرحيل. وعلى الرغم من أنّه، في الرسالة التي بعثها لأهله في تاريخ 9 ديسمبر 1882، كان قد كتب أنّه “من المحتمل أنْ لا يعود أبدًا إلى هرر”ففي 12 فبراير 1882، أي بعد حوالي شهرين فقط، كتب إليهم: “لا أنوي البقاء طويلاً في عدن، فهنا لا توجد لي أية مصالح. إذا رحلت – وأني عازم على السفر قريبًا– سأتوجه إلى هرر، أو سأذهب إلى زنجبار حيثُ يوجد من سيعطيني بعض التوصيات. وعلى كل حال، سيكون بمقدوري العودة إلى هنا في أي وقت والحصول على أيّ عمل أفضل إذا لم أعثر على شيء هناك”.

وفي رسالة يبعثها إلى أهله في 10 مايو 1882، يقول: “لا جديد في حياتي هنا؛ أعمل في العلبة نفسها، وأكدح مثل الحمار في بلدٍ أكرهه تمامًا. وفوق ذلك، مصروفاتي في عدن كثيرة. وهذا يدفعني إلى الرحيل لأرهق نفسي في أيّ مكان آخر”. ومع ذلك، يقضي رامبو عام 1882 بأكمله في عدن. وخلال تلك السنة، لن يكفّ عن بعث الطلبات إلى أمه لترسل له كتبًا يتعلق معظمها بالاستكشاف، فهو كان ينتظر وصول معدات التصوير ويحضّر لتأليف كتاب جغرافي عن الحبشة. لكنه لن ينجز من هذا الكتاب غير الغلاف. وفي بداية فبراير 1883، يكتب رامبو إلى أهله أنّه ما زال في انتظار معدات التصوير، وأنّه سيغادر عدن في غضون ستة أسابيع.

لكن قرار نقل رامبو إلى فرع الشركة في هرر لن يُتخذ، في الحقيقة، إلاّ في منتصف شهر مارس، ولن يغادر رامبو عدن إلا في 8 أبريل 1883، ومعه معدات التصوير. ومنذ ذلك الحين وحتى مارس 1884، كان رامبو يقوم بتنظيم القوافل بين هرر وميناء زيلع. وقام أيضًا ببعض الرحلات الاستكشافية والتجارية في منطقة الأوجادين. ومن سوء حظه أن تعلن شركة فياني- مازران- بارديه عن إفلاسها في مطلع عام 1884، وتغلق فرعيها في عدن وهرر، وتستغني، هكذا، عن خدمات رامبو الذي يعود إلى عدن في بداية شهر أبريل1884، برفقة امرأة حبشية.

في عدن، يضطر رامبو أن يبقى ثلاثة شهور دون عمل. لكن الأخوين بيير والفرد بارديه ينشئان شركة تجارية خاصة بهما ويوقعان مع رامبو عقد عمل لمدة ستة شهور أي حتى ديسمبر 1884، ثم يجددان التعاقد معه لمدة سنة أخرى. طوال هذه الفترة، كان رامبو يقوم بشراء البُن والصمغ والبخور وريش النعام والعاج والجلود والقرفة. ويؤكد لأهله، في بداية 1885، أنّه يشتري بمائة ألف فرنك بنًا في الشهر الواحد، وأنّه سيكون لديه في نهاية العام 17000 فرنك. وعلى الرغم من ذلك، فهو لا يكف عن الشكوى والتذمر، لاسيما من عمله كمرؤوس. وما يزيد الطين بلة: صحته. فهو، في رسالة بتاريخ 14 أبريل 1885، يكشف لأهله أنّه يعاني من حمى هضمية، وأن معدته أصبحت ضعيفة وحساسة، ويضيف: “إنني أخشى أن أغادر هذا المكان. فصحتي متدهورة. سنة هنا تساوي خمس سنوات في مكان آخر”.

بالإضافة إلى ذلك، بدأت الأعمال التجارية في عدن تتأثر بتدهور سوق بُن المخا في أوروبا، وكذلك بالحروب التي نشبت في القرن الأفريقي والسودان. وقد تركت تلك الحالة الأمنية المتوترة آثارها في رسائل رامبو إلى أهله، وتحديداً في تلك التي كتبها في 14 أكتوبر و26 مايو 1884 و14 أبريل 1885. وقد اختتم هذه الرسالة الأخيرة قائلاً: “توقعًا للحرب، بدأت السلطات هنا ترمم المواقع الدفاعية. سيسرني أن أرى هذا المكان ينقلب رمادًا، لكن ليس وأنا فيه. وعلى كل حال، أتمنى أن لا أضطر إلى تبذير جزء آخر من حياتي في هذا المكان”.

وفي تلك الفترة، استطاعت الدول الاستعمارية وقداسة البابا أن تدمر القوات المصرية والعثمانية الموجودة في الحبشة، وذلك بطرق حربية غير مباشرة، أهمها تهريب السلاح إلى رؤساء القبائل بعد عقد اتفاقيات حماية معهم. لهذا تحوّل عدد كبير من التجار الغربيين، بل ومن المبشرين، إلى مهربي أسلحة. ومن الطبيعي أن يفكر رامبو، مثل غيره من التجار الفرنسيين الموجودين في عدن، في اغتنام تلك الفرصة وتجميع الثروة التي يحلم بها من خلال بيع الأسلحة. في شهر أكتوبر 1885، اتصل رامبو بأحد التجار الفرنسيين المقيمين في الحبشة، بيير لباتو، الذي كان قد قام بالتنسيق اللازم لوصول كمية كبيرة من البنادق المجددة والرصاص إلى ميناء تاجورة الواقع قبالة جيبوتي، الذي كانت فرنسا قد احتلته في ديسمبر 1884، واتفق رامبو ولباتو على تكوين قافلة مشتركة لنقل تلك الأسلحة من تاجورة وبيعها لمينيليك الثاني، ملك الشاو.

في نهاية الشهر، ترك رامبو عمله لدى الأخوين بارديه اللذين أعطياه شهادة ممتازة على الرغم من أنّه – كالعادة- لم يمنع لسانه من قذفهما بمختلف الشتائم. وقد غادر رامبو عدن إلى تاجورة في أواخر نوفمبر 1885، وطلب من أهله أن يستمروا في الكتابة إليه على عنوانه في عدن: فندق الكون HOTEL DE L UNIVERS .

وفي تاجورة تعرّض رامبو لكثيرٍ من المصاعب. فبريطانيا، التي بدأت تشعر أنّ الأسلحة توجه ضدها، ضغطت على فرنسا لتوقف تسرب الأسلحة إلى الداخل. وفي أبريل 1886، تتدهور صحة بيير لباتو ويضطر أن يعود إلى فرنسا. ويضطر رامبو أن يأتي إلى عدن في النصف الثاني من شهر مايو، ويبرم اتفاقاً مع بول سوليه، تاجر فرنسي آخر. إلا أنّ سوليه يموت في أثناء تكوين قافلة الأسلحة التي تصل إلى انكوبر، عاصمة مينيليك الثاني في مطلع 1887. لكن الملك لم يكن هناك، ويتحرك رامبو بالقافلة إلى انتوتو حيثُ يتخلى عن الأسلحة مقابل ثمن زهيد هو: 8500 ليرة تعهد الملك أن يدفعها في شكل بوليصات. وفي نهاية يوليو 1887، يعود رامبو إلى عدن. وبعد أن يسلّم تقريرًا عن تصفية قافلة الأسلحة إلى دي جاسبار، القنصل الفرنسي في عدن، يتوجه إلى القاهرة برفقة خادمه الحبشي جامي، وذلك “ليغيّر الجو”، ويضع نقوده في بنك فرنسي هناك. وعندما يعود إلى عدن في شهر سبتمبر، يكتشف رامبو أنّ ورثاء لباتو يلاحقونه للحصول على الأموال. ويضطر رامبو أن يسلّم القنصل الفرنسي بيانًا حسابيًا مفصلاً عن قافلة الأسلحة. وعلى الرغم من أنّه لم يحقق أي ربح يُذكر من تلك الصفقة، فرامبو يتقدم بطلب ترخيص للقيام بإعداد قافلة أسلحة أخرى. لكنه لم ينجح في الحصول على ذلك الترخيص، ويبقى في عدن حتى منتصف أبريل 1888.

خلال فترة إقامته تلك في عدن، قام رامبو ببعث بعض المقالات عن القرن الأفريقي إلى الصحف الفرنسية. ومن خلال مراسلاته، نكتشف أنّه قام بزيارة خاطفة إلى هرر بين 20 مارس و 4 أبريل 1888. وفي 12 أبريل غادر رامبو عدن إلى زيلع ثم إلى هرر. وحسب كتابات انتوان آدم، قام رامبو خلال تلك الرحلة بتوصيل 3000 بندقية و 500.000 رصاصة من أوبوك إلى هرر. والله أعلم. ومن المؤكد أنّ رامبو قد استقر في هرر من شهر مايو 1888، ولن يعود إلى عدن إلاّ في 22 أبريل 1891 ممدًا في فراش. وقد نصحه الطبيب الإنجليزي الذي رآه أن يسافر حالاً إلى فرنسا للعلاج. وبعد نصف شهر، أي في 9 مايو 1891، غادر رامبو عدن، للمرة الأخيرة، على ظهر باخرة “الأمازون”. في أثناء إقامته الأخيرة هذه في عدن، كتب رامبو رسالة إلى أهله في تاريخ 20 أبريل، شرح لهم فيها تطور الورم الذي أصاب ركبته اليمنى، وكيف أنّه اضطر أن يستأجر ستة عشر حمّالاً لنقله من هرر إلى زيلع. أما رسالته الأخيرة من عدن، فقد كتبها إلى سيزار تيان وتتعلق بتصفية الحسابات التي بينهما. ويؤكد رامبو فيها استلامه لحوالة مالية بمبلغ 37450 فرنكاً، أي كل الثروة التي استطاع أن يجمعها في عدن وهرر من أغسطس 1880 إلى 9 مايو 1891.

أحكام رامبو على عدن

قبل أن نشرع في عرض بعض أحكام رامبو على عدن، ينبغي أن نشير إلى أنّ رامبو، الذي كان ينوي أن يقضي حياته كلها في الترحال والتنقل بين بلدان العالم، لم يكن مراقبًا جيدًا. وفي الحقيقة، نادرًا ما أبدى رامبو اهتمامًا يذكر بمنظر طبيعي جميل أو أثر تاريخي أصيل. وقد أفصح كثير من دارسي رامبو عن دهشتهم إزاء هذه اللامبالاة التامة التي عبّر عنها رامبو تجاه جمال المناظر الطبيعية الموجودة حول مدينة شارلفيل، أو تجاه المعالم الحضارية في المدن التي زارها بدءًا بباريس، وانتهاءً بهرر ذات المساجد البيضاء. وبالمقابل، لاحظ بعض هؤلاء الدارسين أن “الشاعر الانحطاطي” رامبو نادرًا ما لجم لسانه عن سب هذه المدينة أو تلك، بسبب أو بدون سبب. وعند تقييمنا لآراء رامبو حول عدن، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار أيضاً ارتباط تلك الآراء والأحكام بالظروف التي يعيشها رامبو ومشاعر الخيبة، وعدم الرضاء التي قلما فارقته.

أ – أحكام رامبو على موقع عدن

في الحقيقة، لم يتحدث رامبو عن موقع عدن،(3) إلاّ في رسائله التي يعبر فيها عن نيته مغادرة عدن والبحث عن عمل في مكان آخر. لهذا نعتقد أنّه من الطبيعي أن يأتي معظم أحكام رامبو على موقع عدن مبالغة في السلبية، إذ أنّ الدافع الحقيقي لإصدارها هو تبرير المغادرة. في الرسالة الأولى التي يبعثها لأهله من عدن ليخبرهم عن حصوله على عمل، لم يتحدث رامبو أبدًا عن المكان الذي وصل إليه. وفي رسالته الثانية التي حررها في 25 أغسطس 1880، يتحدث أولاً عن ضآلة الأجر وغلاء المعيشة، وعن عزمه على السفر. وبعد ذلك يقدم عدن، قائلاً: “عدن صخرة قبيحة، لا يوجد فيا عود أخضر واحد، و لا قطرة ماء صالحة للشرب، إننا نشرب ماء البحر المقطر”. ويستخدم رامبو المفردات نفسها في الرسالة التي بعثها إلى أهله في 16 نوفمبر 1882، حيث يقول: “عندما أرحل مرة أخرى إلى أفريقيا بمعدات التصوير، سأبعث لكم بأشياء مهمة، هنا في عدن، لا يمكن أن نجد حتى ورقة خضراء (إلا إذا جلبت). في هذا المكان، لا ينبغي أن نقيم إلا إذا دعت الضرورة”.

أما أطول وصف لموقع عدن، فنجده في الرسالة التي يبعثها إلى أهله في 28سبتمبر 1885 أي بعد أن يفكر في تجارة الأسلحة. وقد كتب فيها: “لا يمكنكم أبدًا أن تتصوروا هذا المكان. لا توجد أية شجرة هنا، حتى يابسة، ولا عود قش، ولا قطرة ماء عذبة، و لا ذرّة تراب: فعدن قعر بركان ساكن ومطمور بالرمال البحرية. ولا يمكن أن نرى فيها إلا الصخور البركانية والرمال حيثُ لا يمكن أن ينمو أي نبات. حول عدن، تمتد صحراء رملية قاحلة تمامًا. لكن هنا في عدن، تمنع جدران البركان وصول الهواء إلينا. لهذا، فنحن نشتوي في قعر هذا الجحر، كما لو أننا في فرن جير. إنّ المرء ينبغي أن يكون مجبرًا على البحث عن لقمة العيش كي يقبل العمل في مثل هذا الجحيم”.

ب – أحكام رامبو على مناخ عدن

في رسالته الثانية من عدن، التي بعثها إلى أهله في 25 أغسطس 1880، يصف رامبو حرارة الجو في عدن على النحو الآتي: “الحرارة في عدن مرتفعة جدًا، لاسيما في شهري يونيو وسبتمبر، فهما قمة القيظ إذ يبلغ معدل درجة الحرارة في مكتب جيد التهوية 35 درجة”. و من الطبيعي أن يكون رامبو، الذي – كما ذكرنا- هرب من أوروبا الباردة تجاه الجنوب للبحث عن الشمس والحرارة، راضيًا عن الجو الحار في عدن. ويمكننا أن نلمس فعلاً ذلك الرضاء في ثالث رسالة يبعثها لأهله من عدن، حيثُ يقول: “هنا، تتصبب من أجسامنا عدة ليترات من الماء يوميًا، حرارتي 40 درجة. وأريدها أن تبلغ الستين، كما حدث في مصوع “، ويختتم الرسالة قائلاً: “أتمنى لكم ألف حظ، وصيفا طوله خمسون سنة دون توقف”.

ورامبو، الذي يجد مُناخ عدن مناسبًا له، يدرك أنّ الحرارة الشديدة في عدن صعبة الاحتمال. فعندما تبعث له أخته إيزابيل رسالة تطلب فيها أن يدعوها لزيارة عدن، يرد عليها قائلاً: “إيزابيل مخطئة في رغبتها مشاهدتي في هذه البلاد. إنّها قعر بركان لا يوجد فيه أي نبات. كل حسناتها: مناخها الصحي وعثوري على عمل دائم فيها. لكن من مارس حتى أكتوبر ترتفع درجة الحرارة إلى حدٍ لا يُطاق. حاليًا نحن في الشتاء والحرارة تبلغ 30 درجة في الظل. المطر لا يسقط إطلاقًا. لذا، فأنا، منذ سنة، أنام تحت السماء بدون سقف. شخصيًا أحب كثيرًا هذا الطقس، لأنني أكره تمامًا المطر والوحل والبرد”.

ومع ذلك، وكما هو الحال بالنسبة للموقع، يخضع مناخ عدن أيضًا لطبيعة الظروف التي يمر بها رامبو. ففي بداية عام 1884، مثلاً، يضطر رامبو إلى مغادرة هرر مرة أخرى. وكان قد سبق له أن وصف طقس تلك المدينة الحبشية المرتفعة عن ساحل البحر أنّه سيئ جدًا. ففيها “يسقط المطر من مارس حتى أكتوبر دون انقطاع ، والترمومتر لا يتجاوز العشر درجات”. لكن، عندما يقضي رامبو الأشهر الأربعة الأولى من عام 1884 في عدن بدون عمل، يبدأ يتذمر من كل شيء في عدن، ويتمنى أن يسرع الجيش الإنجليزي في احتلال هرر ليتمكن من العودة إليها. و يتحدث عن هذا المشروع في الرسالة التي بعثها إلى أهله في 5 مايو 1884:

“ربما سأعود إلى هرر، ويكون لي تجارة صغيرة هناك. وربما سيكون بإمكاني شراء بعض الحدائق وبعض المزارع. سأحاول أن أعيش هكذا. فمناخ هرر والحبشة ممتاز وأفضل من مناخ أوروبا. والحياة فيها بدون تكاليف تقريبًا، والأكل جيد، والهواء نقي، بينما الحياة في سواحل البحر الأحمر توتر أعصاب الناس شديدي البأس. سنة هنا تشيخ الإنسان مثل أربع سنوات في مكان آخر”.

ج – أحكام رامبو على سكان عدن

عندما وصل رامبو إلى هرر لأول مرة، وزار المناطق المحيطة بها، تحدث – في رسائله- عن السكان المحليين، قبائلهم وعاداتهم والمهن التي يشتغلون بها. وعلى العكس من ذلك، لم يتحدث رامبو أبدًا عن سكان عدن، على الرغم من الفترة الطويلة التي قضاها بينهم، وعلى الرغم من أنّ عمله كان يفرض عليه الاحتكاك الدائم بهم. ولتفسير هذا الصمت، يمكننا أن نخمن أنّ الضابط دوبار عندما قبل تعيين رامبو في شركة فياني- مازران- بارديه، قد أوصاه بعدم التدخل بأي شكل من الأشكال، في شئون السكان المحليين. كما يجب أن لا يفوتنا أن السلطات الإنجليزية كانت، هي أيضًا، تنصح جميع الأجانب بعدم الاختلاط بالسكان المحليين أو التوغل في المناطق التي يعيشون فيها. أما الفرد بارديه، فيشير في كتابه “بر العجم”، إلى أنّ علاقة المحليين برامبو الذي يطلقون عليه “الكراني” لم تكن جيدة. ويمكننا هنا أن نتطرق للحادثة التي وقعت لرامبو في 28 يناير 1883، ونترك رامبو يقدمها بنفسه في الرسالة التي بعثها في اليوم نفسه، إلى دي جاسبار، القنصل الفرنسي بعدن:

” عدن في 28 يناير 1882

السيد دي جاسبار،

اسمحوا لي أن أخضع لرأيكم هذه القضية:

هذا اليوم، في الساعة الحادية عشر صباحًا، قام المدعو علي شماخ، أمين المخزن في الشركة التي أعمل بها، بإبراز وقاحته نحوي، فسمحت لنفسي بإعطائه صفعة من غير عنف. بعد ذلك، قام عمال الخدمات وعدد من العرب الحاضرين بمسكي ليمكنوه من الانتقام. وقد ضربني المدعو علي شماخ على وجهي ومزق ثيابي، ومن ثم مسك بعصا وأخذ يهددني بها. وبعد أن تدخل بعض الحاضرين انصرف علي، وتقدّم بشكوى ضدي إلى الشرطة، مدعيًا أنني ضربته وجرحته وهددته أنّ أطعنه بخنجر . . الخ . . الخ . وذكر العديد من الشهود المزورين. كما اتهمني بكذبات أخرى تهدف إلى تضخيم القضية على حسابي، وإلى إثارة كراهية السكان المحليين نحوي. وبما أنني مدعو للمثول أمام شرطة البلدية في عدن، فقد سمحت لنفسي أن أشعر القنصل الفرنسي بأعمال العنف والتهديدات التي وقعت ضحيتها من قبل السكان المحليين. وإنني أطلب حمايتكم إذا تطلبت القضية ذلك.

المخلص : رامبو ،

موظف في شركة مازران- فياني- بارديه عدن”.

وقد زعم الفرد بارديه في كتابه “بر العجم” أنّه قام بطرد أمين مستودعه القدير على شماخ تضامنًا مع رامبو، وأنّه ذهب شخصيًا إلى الشرطة البريطانية التي كانت ستطرد رامبو من عدن، وتعهد أن يكون مسؤولاً عن جميع أفعال رامبو في المستقبل. ويمكن أن نذكر هنا أنّ بارديه قد وافق على انتقال رامبو مرة أخرى إلى فرع الشركة في هرر في منتصف شهر مارس 1883.

في بداية هذه الدراسة، ذكرنا أنّ أول عمل قام به رامبو في عدن يكمن في مراقبة مجموعة من النساء يقمن بتنقية البُن. وعلى الرغم من طبيعة عمله هذا، يبدو أنّ عَلاقات رامبو بالنساء من سكان عدن كانت محدودة، إن لم تكن معدومة. و على كل حال، لا توجد هناك أية وثائق أو آثار يمكن أن تساعدنا على معرفتها.

بالمقابل، في هرر، احتك رامبو بالنساء المحليات منذ وصوله إليها. وقد دفع ثمن ذلك غاليًا، إذ أُصيب هناك بمرض الزهري ولم يمضِ على وصوله أكثر من ثلاثة أشهر. وعند عودته الثانية من هرر إلى عدن اصطحب معه امرأة حبشية من إقليم الشاو. وحسب شهادة بارديه، يبدو أنّ رامبو قد عاش معها كزوجة، وأنّهما كانا سعيدين معًا إلى أن قرّر رامبو، في سبتمبر 1885، ترحيلها إلى أبوك، أقرب السواحل الأفريقية إلى عدن. ولا شك أنّ رامبو لم يقدم على تلك الخطوة إلا عندما بدأ يفكر في مشروع إيصال قافلة الأسلحة إلى مينيليك الثاني في إقليم الشاو. ويبدو أنّ الصحفي والتاجر الإيطالي أوجست فرانزوي قد حاول أن يقنع رامبو أن يأخذ معه تلك المرأة إلى منطقتها، لكن رامبو ردّ عليه قائلاً: ” عزيزي السيد فرانزوي، أعذرني، فأنا قد طردت هذه المرأة بشكل نهائي. سأعطيها بعض الثاليرات وسترحل بالقارب الموجود في رأس علي إلى أبوك. ومن هناك يمكنها أن تذهب حيث تشاء. لقد شاهدت تلك المسرحية بما فيه الكفاية. لم أكن غبيًا لأحضرها بنفسي من شاو، ولن أكون غبيًا لدرجة أن أكلف نفسي عناء إعادتها إلى هناك. المخلص رامبو”.

ونحن لا نعتقد أنّ بعض الأخبار عن تلك العَلاقة هي التي دفعت بفردريك، شقيق رامبو، إلى بث بعض الإشاعات السيئة عن حياة رامبو في تلك الفترة. إذ يبدو أن سلوك رامبو في الماضي، خاصة في باريس وبروكسل، يمكن أن يكون سببًا لتلك الإشاعات التي نلمس صداها في رسالةٍ بعثها رامبو إلى أهله في 7 أكتوبر 1884، يقول فيها: “أما عن أن فردريك يترك للسانه العنان للمسِّ بسمعتي، فسلوكي معروف للجميع هنا، وفي أي مكان آخر. يمكنني أن أبعث لكم شهادة الرضاء التي أعطتني إياها شركة فياني- مازران-بارديه. وإنني اتمتع هنا بسمعة جيدة ستسمح لي أن أكسب حياتي بطريقة لائقة. وأنا، إذا كنت قد مررت ببعض اللحظات الصعبة في الماضي، فإنني لم أحاول أبدًا أن أعيش على حساب الآخرين، ولا عن طريق الشر”.

أما بالنسبة للمقيمين الأوروبيين الآخرين، فيبدو أنّ رامبو لم يستسغ زمالتهم في عدن. ولا توجد أية دلائل على أنّه قد أقام صداقات، أو حتى مجرد عَلاقات مع أحد منهم تتجاوز إطار العمل. وقد كتب في الرسالة التي بعثها لأهله في 14 أبريل 1885، يقول: “بالنسبة للأوروبيين، لا يوجد إلاّ بعض الموظفين البلهاء الذين يعملون في التجارة، ويصرفون كل مرتباتهم في اللعب بالبلياردو قبل أن يغادروا المكان كائلين عليه لعناتهم”.

لماذا البقاء في عدن ؟

بعد أن قمنا بهذا العرض السريع لبعض أحكام رامبو على عدن، التي جاءت في الغالب سلبية، نندهش ونتساءل عن الأسباب التي أجبرت رامبو على قضاء ما يزيد على 45 شهرًا في عدن، على الرغم من أنّه لم يعشقها، ولم يكن في يوم من الأيام سعيدًا فيها.

في الواقع، إذا كان آرثر رامبو قد حلم يومًا ما بالرحيل إلى “جنات عدن”، فعدن الحقيقية لم تعجبه. فهو، بعد عشرة أيام من وصوله إليها، يفكر في مغادرتها ويكتب لأهله: “عندما تكون بحوزتي بضع مئات من الفرنكات سأرحل إلى زنجبار حيثُ يُقال إن بها أعمالاً”. في الحقيقة، كان رامبو في البداية مجبرا على البقاء في عدن. فهو – كما ذكرنا– ترك قبرص في ظروف صعبة، وعند وصوله إلى عدن لم يكن لديه المال اللازم لمغادرتها. وقد شرح ذلك في رسالته لأهله في 25 أغسطس 1880، يقول فيها: “ينبغي عليّ أن أبقى هنا، لأنّ المكان بعيد عن جميع المناطق، ولا يمكنني أن أتركه قبل أن أتمكن من جمع بضع مئات من الفرنكات اللازمة لنفقات السفر”. لكن عندما عاد رامبو من هرر إلى عدن في نهاية 1881 لم يكن غياب المال هو الذي يمنعه من مغادرة عدن والذهاب إلى زنجبار أو الهند، أو من تلبية رغبة أمه التي ظلت تلح عليه ليعود إلى فرنسا.

نعم، لماذا لم يعد رامبو إلى فرنسا إلاّ في فراش المرض؟… في البداية، كان رامبو يرفض العودة إلى فرنسا متذرعًا باستحالة حصوله على عمل مناسب له هناك. ففي رسالته إلى أهله في 16 نوفمبر 1882، يكتب: “بالنسبة للعودة إلى فرنسا، ماذا سأعمل هناك في الوقت الحاضر؟ من الأفضل لي أن أحاول جمع بعض المال هنا، ثم، بعد ذلك، سأرى. المهم والمستعجل بالنسبة لي هو أن أكون مستقلاً في أي مكان”.

أما بعد مضي حوالي أربع سنوات على وصوله إلى عدن، فيبدو أنّ رامبو قد بدأ يتكيَّف على الحياة القاسية في عدن. فهو يؤكد أنّه لن يستطيع العودة إلى أوروبا؛ لأنّه ابتعد كثيرًا عن عاداتها ولغاتها، ويشعر أنّه سيكون غريبًا في فرنسا. ففي نهاية مايو 1884، على الرغم من أنه كان يعيش منذ ستة أسابيع دون عمل، يرى رامبو أنّ عدن تبقى بالنسبة له الأفضل. ويشرح ذلك لأهله في رسالته في 29 مايو 1884، التي يقول فيها: “منذ ستة أسابيع وأنا بدون عمل. الحياة هنا أصبحت غير مطاقة في هذه الحرارة الشديدة. لكن من الواضح إنني لم آتِ إلى هنا لأكون سعيدًا. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكنني مغادرة هذه المناطق الآن بعد أن أصبحت معروفاً فيها، وحيثُ سيمكنني أن أجد دائمًا ما أعيش به. بينما في مكان آخر، لن أجد غير الموت جوعاً”. وكان رامبو قد بعث برسالة أخرى إلى أهله في 15 مايو 1884، قال فيها: “إنني مجبر على العيش لفترة طويلة أخرى – وربما إلى الأبد- في هذه البقاع، حيثُ يعرفني النّاس، وحيث سأجد دائمًا عملاً. بينما في فرنسا، سأكون غريبًا، ولن أجد شيئًا”.

ويبدو أيضًا أنّ رامبو قد تكيّف تمامًا، في النهاية، مع المُناخ الحار في عدن، فهو يردد، في عدد كبير من رسائله، إنّه سيموت من البرد إذا عاد إلى أوروبا. وفي رسالته إلى أهله في 15 يناير 1885م، يحاول أن يعمّم ذلك الاعتقاد قائلاً: “إنّ الناس الذين قضوا بضع سنوات هنا، لن يستطيعوا قضاء فصل الشتاء في أوروبا، فهم سيموتون حالاً بأية ذبحة صدرية. وأنا، إذا عُدت، لن يكون ذلك إلا في الصيف. وسأضطر أن أنزل في الشتاء، على الأقل، نحو البحر الأبيض المتوسط”.

بعد مرور أربع سنوات من وصوله إلى عدن، تأثر “عبده رامبو” أيضًا بالطريقة التي يفكر بها سكان هذه المدينة، وهم في الغالب مسلمون. ويبدو أنّ ذلك قد ساعده على تحمل الحياة القاسية على سواحل البحر الأحمر. فهو، في الرسالة التي يبعثها لأهله من عدن في 10 سبتمبر 1884، يكتب: “على كل حال، كما ستعتقدون مثلي، على ما أظن، بما أنني أكسب عيشي هنا، وبما أنّ كل إنسان عبد لهذا القضاء والقدر [ FATALITE] البائس، فالأمر سيان أن أعيش في عدن أو في أي مكان آخر، بل من الأفضل في عدن من أي مكان آخر لا يعرفني فيه أحد أو حيث نسوني تمامًا. فطالما أنني سأجد خبزي هنا، ألا ينبغي عليّ أن أبقى هنا؟ ألا ينبغي أن أبقى هنا حتى أكسب ما يجعلني أعيش بهدوء؟ لكن من المؤكد أنّه لن يكون أبدًا عندي المال اللازم لتلك الحياة الهادئة. أشعر إنني لن أعيش في هدوء، ولن أموت في هدوء. هذا مكتوب ‍‍‍‍‍‍‍‍! كما يقول المسلمون. إنّها الحياة، وهي ليست سهلة”.

ويمكنُ أن نُشير هنا إلى أنّ القس الذي زار رامبو على فراش الموت رفض أن يعطيه القربان المقدّس، وذلك لأنّه اعتقد أن رامبو الذي كان يردد في أثناء هذيانه: “الله كريم، الله كريم” قد أسلم.

هوامش

(1) بعد سنتين من تقديمنا هذه الدراسة في الندوة الدولية حول “رامبو وعدن” سنة 1990، نشر الان بورير كتابه: Rimbaud d’Arabie

(2) من قصيدة “إحساس” التي كتبها رامبو في مارس 1870، أي في سن السادسة عشر. وقد قمنا بترجمة جميع الشواهد الواردة في هذه الدراسة من النص الفرنسي لمؤلفات رامبو الكاملة :Arthur Rimbaud : Oeuvers Camplètes ed. Gallimard Paris 1972

(3) تجدر الإشارة هنا إلى أنّ رامبو لم يسكن ولم يعش في مدينة التواهي، بل في

مدينةعدن التي يُطلق عليها اليوم كريتر وفي القرن التاسع عشر The Camp.

 

 

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: