مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

بن عبيد الله والوجود الاستعماري في حضرموت

Posted by amshoosh في يونيو 24, 2011

موقف عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف تجاه الوجود البريطاني في حضرموت

أ. د. مسعود عمشوش

كلية الآداب – جامعة عدن

إهداء: إلى الأحفاد؛ حفظة السر

من المعلوم أن بريطانيا قد سعت في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي إلى إنشاء محطة لتزويد سفنها المتجهة إلى الهند أو العائدة منها بالفحم. وكان الضابط هينز قد اختار ميناء المكلا قبل أن يقرر احتلال مدينة عدن لتحويلها إلى ميناء يتبع لحكومة الهند الشرقية التابعة لبريطانيا. وقد ظلت بريطانيا، بعد سيطرتها على عدن، تراقب ما يجري في حضرموت حيث كان آل الكسادي وآل بريك وآل القعيطي وآل كثير يتصارعون على السلطة. وبعد احتدام الصراع بين القعيطي والكثيري في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تدخلت بريطانيا فيه، وذلك حينما قامت في سنة 1867 بمنح بعض الأسلحة للسلطان القعيطي عبر حاكم بومباي. وحينئذ اضطر الكثيري أن يستمع لنصيحة حلفائه العلويين وينشد الدعم والتأييد من الدولة العثمانية “لأنهم كانوا لا يرغبون في التعامل مع الحكومات الكافرة”(1). ونزولا عند طلب العلويين أرسلت الدولة العثمانية سفينة حربية إلى مينائي الشحر والمكلا في أغسطس من سنة 1867، وأخبرت طرفي الصراع أن حضرموت جزءٌ لا يتجزأ من أراضي الدولة العثمانية. لكن بريطانيا – حفاظا على مصالحها- تصدت لهذا التدخل العثماني في حضرموت، وقامت باتصالات مع الباب العالي واتفقت معه على التزام الدولتين بعدم التدخل في أوضاع حضرموت الداخلية.(2)

إلا أن بريطانيا التي قررت في نهاية القرن التاسع عشر أن تحمي وجودها في عدن من خلال توقيع سلسلة من معاهدات الحماية مع حكام جنوب اليمن، لم تلتزم بذلك الاتفاق، وأقدمت في سنة 1882 على توقيع اتفاقية صداقة مع السلطان عبد الله بن عمر القعيطي، ثم على توقيع اتفاقية الحماية مع السلطان نفسه في 13 فبراير من سنة 1888. أما الدولة العثمانية فبعد اندحارها في حرب البلقان فقد اضطر وزير خارجيتها حقي باشا أن يوقع في 9 مارس 1914 اتفاقية مع بريطانيا والدول الأوروبية تقضي “بتخلي الدولة العثمانية عن كل ما كان لها من حقوق ومطالب في حضرموت”(3). لكن بعد أن أعلنت تركيا الحرب على بريطانيا وفرنسا في 11نوفمبر من سنة 1914 لم يعد لتلك الاتفاقية أي قيمة وشرع الطرفان مرة أخرى في القيام بإجراءات عسكرية ومفاوضات دبلوماسية لكسب ولاء الحكام المحليين في مختلف مناطق اليمن والجزيرة العربية بشكل عام.

وإذا كان السيد محسن بن علوي السقاف، أحد مهندسي قيام الدولة الكثيرية الثانية في منتصف القرن التاسع عشر، قد قام بدور الوسيط بين السلاطين الكثيريين وبين الدولة العثمانية بغرض حصولهم على الدعم في صراعهم مع القعيطي، فإن حفيده الجسور والذكي عبد الرحمن بن عبيد الله بن محسن السقاف مفتي الديار الحضرمية أصبح الوسيط بين الدولة العثمانية والسلطانين منصور ومحسن أبناء غالب الكثيري وذلك في مطلع القرن العشرين، ولاسيما أثناء الحرب العالمية الأولى.

في هذه الدراسة سنحاول أن نقدم قراءة أولى لموقف عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف تجاه الوجود البريطاني في حضرموت خلال الحرب العالمية الأولى (في الجزء الأول) ثم موقفه من بريطانيا في الثلاثينات من القرن الماضي (في الجزء الثاني)، وذلك من خلال قراءتنا لديوان ابن عبيد الله وكتابه المخطوط (بضائع التابوت في نتف من تاريخ حضرموت – الجزء الثالث). ففي هذين العملين عبـّر ابن عبيد الله عن موقفه تجاه معاهدة الحماية التي وقعت في عدن سنة 1918 وخضعت بموجبها السلطنة الكثيرية للحماية البريطانية، بصراحة وشجاعة قلما وجدناها في كتب التاريخ الأخرى التي تناولت تاريخ حضرموت الحديث والمعاصر.

أولا: موقف ابن عبيد الله تجاه البريطانيين خلال الحرب العالمية الأولى:

في 5 يوليو من سنة 1915 (1333هـ)، أي بعد مرور نحو ثمانية شهور من اندلاع الحرب، استطاع القائد العثماني علي سعيد باشا أن يحتل مدينة لحج ويطرد سلطانها علي بن أحمد العبدلي إلى عدن التي يسيطر عليها الإنجليز. وبينما احتفظ الإمام يحي بموقف محايد في تلك الحرب ظل عدد من سلاطين جنوب الجزيرة العربية في حيرة من أمرهم وذلك بسبب جهلهم لحقائق السياسة الدولية وواقع حال الدولة العثمانية والأطماع الغربية في أراضي تلك الدولة، وكذلك لطبيعة التحالفات التي تأسس عليها حكمهم.

وقد سارع عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف بالاتصال بالقائد العثماني علي سعيد باشا منذ استقراره في لحج وذلك لأسباب عدة منها: التزامه بصفته مفتي الديار الحضرمية بالولاء لدولة الخلافة الإسلامية، وتخوفه من هيمنة السلطان القعيطي اليافعي على مدن الوادي وهو الأمر الذي يعني وقوع حضرموت كلها تحت حماية دولة غير مسلمة، وكذلك تخوفه من انتصار مخططات خصمه السياسي حسين حامد المحضار وزير السلطنة القعيطية.

ففي الجزء الثالث من (بضائع التابوت) الذي لم ينشر بعد، يتناول ابن عبيد الله بالتفصيل الأحداث التي حملت السلاطين الكثيريين على توقيع معاهدة الحماية في سنة 1918. ويسمي ذلك الجزء من كتابه: (حرب قسبل وذيولها وأطرافها). ويقول “أما أطرافها: ففي ليلة الاثنين 28 شعبان سنة 1333 زحف القائد علي سعيد باشا على لحج واستولى عليها في أسرع من لمح البصر”(4). ويؤكد ابن عبيد الله أن “الكتب قد اختلفت بينه وبين القائد المنصور علي سعيد باشا” منذ ذلك الحين.(5). كما يورد رسالة من الإمام يحي هي في الحقيقة رد على خطاب من ابن عبيد الله يخبره فيه بميل بعض القبائل الحضرمية إلى القعيطي. وبعدها يورد رسالة (محررة بتاريخ 20 جماد الآخرة سنة 1334هـ) من القائد العثماني علي سعيد باشا يخبره فيها “أن الدولة الإنجليزية بغدرها ومكرها قد أدخلت جميع الحدود الحضرمية سابقا تحت حمايتها، وطلبت التصديق عليها من الدول الأوروبية وأهلها لا يعلمون وذلك بواسطة أهل المطامع الأشعبية الدخلاء في جهتكم. وحيث قد تم مقصدها كما زعمت فلا ينقذكم من هذه الحماية المزعومة إلا اجتماع كلمتكم على رفضها مطابقا لما حوته مواد المسودة المرسولة إليكم تحت نمرة (2) على هذا. وقد أرسلنا مثلها للأمير منصور بن غالب ولبعض السادات الأعلام المشهورين في جهتكم بالعلم والصلاح. والمقصود نقل نسخة منها وهي كافية وقد التمسنا من الأمير أن يضع عليها هو السادات والأعيان إمضاءاتهم إذا أمكن اجتماعهم في محفل واحد… ثم إرسال نقل المسودة إلينا بحوطة لحج بعد تصديقها ووضع الإمضاءات بمعية البريد بغاية السرعة والمحافظة”. وتنص مسودة الوثيقة (نمرة2) التي يوردها ابن عبيد الله كاملة على اعتراف الموقعين عليها بخضوع بلادهم للدولة العثمانية حيث تقول: “نحن الموقعون على هذا نعلن للمطلعين عليه بأننا محتمون وخاضعون لدولة الإسلام وتابعون لها في المنشط والمكره والسعة والضيق، ومبايعون للمتربع على أريكة الخلافة الإسلامية من آل عثمان خلد الله ملكهم إلى آخر الزمان…إلخ”. ويؤكد ابن عبيد الله أنه استطاع أن يقنع جل الأعيان بمن فيه السلطان منصور والسلطان محسن وعلي بن منصور والقاضي عبد الله بن حسين السقاف وجملة من رؤساء القبائل بالتوقيع على الوثيقة. ولا شك أن كثيرا منهم قد تردد قبل التوقيع. ونلمس ذلك من الخطاب الذي أرسله القائد علي سعيد باشا في 20 شعبان سنة 1334 لابن عبيد الله يستعجله فيه إرسال الوثيقة ويقول له فيه: “لقد أحسنتم بالتحقيق الوافي وأداء ما يجب بإلقاء المواعظ لأهل حضرموت، وأن كان البعض لم يسمعوا داعي الحق فإنها آثار جهالة فاثبتوا في إرشادهم وعرفوهم سوء العاقبة، فإنهم قوم لا يعلمون ولولا غلبة الجهل عليهم لمّا قروا لأمر أجنبي. وأنا لنعجب من أهل حضرموت إذ يخضعون للأجانب ولا يشعرون ماذا يراد بهم. لأنه إن كانت لأمر دنيوي يعود إليهم بالمال ويستدعي الحطام المعرض للزوال، فالذي يأخذونه من الأجانب يٌحتقر في جانب ما يعطون فإنهم لا يعطون إلا لمقاصد لا يعرفها إلا الواقفون على دسائس الأجانب، فإن قصارى مطلوبهم ببذل المال أخذ الأموال… وما أشرتم إليه في سياق الخطاب من تخوف الناس على أموالهم التي تحت حماية الإنجليز فهي وساوس باطلة لأن من المعلوم أنه إذا تقرر تبعية حضرموت للدولة العلية تتعهد هذه الدولة بحمايتهم في كل وجه، فليخرجوا هذه الأوهام كلية من خواطرهم”. (6) ويشير ابن عبيد الله إلى تلك الوثيقة وتلك المخاوف في ديوانه قائلا: “وما كادت قصيدتي تصل إلى القائد علي سعيد باشا حتى عاد جوابه ينطوي على وثيقة تقتضي اعتراف من يوقع عليها للدولة العلية ودخوله تحت طاعتها وتؤكد ملكية البلاد لدولتها، وألح علي في بذل المجهود لإقناع الأمراء والعيان بالإمضاء عليها وأذن لي في تلطيفها إن اقتضى الحال، فلم أزل أحاولهم بالترغيب والترهيب حتى وقعوا على عدة نسخ منها وهي بحالها ولم يحذف منها شيء. وأرسلت بعض نسخها إليه مع القصيدة الآتية وأبقيت بعضا لأخذ إمضاء الباقين. ومما يستحق الإعجاب ويستلفت النظر ما فعله الشيخ عبد الله عوض بن عبدات؛ فإني لما اجتمعت به ونسخة منها في جيبي أطلعته عليها وقد تهيجت منها السياسة الإنجليزية وتنوقلت أخبارها ولحقني الأذى بسببها من أعداء أنفسهم ودينهم، وبمجرد ما عرضتها عليه استدعى بالدواة والقلم فقلت له: لا تعجل حتى تعلم أنك بالتوقيع عليها تعرض مالك وآلك للحضر بسنغافورة والمكلا وعدن وربما يعاتبك أصحابك ويلومك رفاقك فلا تقل أني غششتك، فأخذته حمية واقشعر من الغيرة وأخذ ينتفض من الزمع وقال: أليس هذا واجب الدين؟ أليس هذا سلطان المسلمين؟ فقلت له: بلى. فقال: والله لو أن الشفار على رقاب أولادي أمام عيني ما انثنيت من التوقيع عليها. وليس في دعوة الإسلام مزاحمة”.(7)

لكن هذا ما حصل في الواقع. وقد تحدث ابن عبيد الله في كتابه (بضائع التابوت) وفي ديوانه عن غضب حكومة عدن الإنجليزية عليه وعلى الحضارم الذين وقعوا تلك الوثيقة. فهو يكتب “هدد الإنجليز أعيان الحضارم من آل كثير في سنغافورة وتوعدهم بالحجز على أموالهم. وحدثني الثقة المأمون المنصب الأخ علي بن عبدالقادر العيدروس أنهم لجئوا إلى السيد محمد بن عقيل بن يحي ليشفع لهم لدى الحكومة حتى يركبوا إلى عدن ويتفاوضوا مع أصحابهم في القضية الحضرمية”. وقد انتهز حسين بن حامد المحضار وزير السلطان القعيطي تلك المناسبة وذهب إلى عدن ومنها عاد إلى حضرموت (وفي كثير من الأحيان يقصد بحضرموت في تلك الفترة حضرموت الداخل فقط). وقد رصدت رسالة القائد علي سعيد المحررة إلى ابن عبيد الله في 6 شوال 1336 تحركات المحضار تلك إذ تقول “ثم يا حضرة المفضل بلغنا من مصدر وثيق أن السيد حسين حامد المحضار توجه إلى حضرموت وبمعيته بعض أعيان آل كثير الواصلين من جاوا وعدن والمكلا وآخر مراده إذا لم نقل مراد الإنجليز ارتباط حضرموت جميعها بالشحر والمكلا ما عدا تريم وسيؤن. كما لا نخفيكم أن القواعد الجارية عليها الأمم المتمدنة أن شواطئ البحار تكون تابعة لداخلية البلاد لا داخلية البلاد للشواطئ. فنبهوا السلطان منصور أن لا يخدعوه لأن ذلك يؤدي إلى خلل بالعهود. والدسائس لا تخفى على كل ذي بصيرة”. (8)

أما في ما يتعلق بغضب الإنجليز على ابن عبيد الله نفسه، فهو يتناوله في ديوانه (ص432-433) قائلا: “ثم أن الإنجليز استاء من تلك الوثيقة وجعل الأموال الطائلة لمن يغتالني أو يأتيه بي وكلف القعيطي بحصار حضرموت وتهدد الموجودين بسنغافورة من أهلها بالحجز على أموالهم”.(9) وقد حصل فعلا أن القعيطي بإيعاز من حكومة عدن حاصر المدن الكثيرية في داخل حضرموت ومنع عنها البضائع ونشبت في تلك الآونة (حرب قسبل) شرقي شبام. وتشير الرسالة المعلقة في ممر مركز ابن عبيد الله لخدمة التراث والمجتمع والتي خطها ابن عبيد الله ووقعها السلطان منصور بن غالب في نهاية سنة 1335 إلى تلك الحرب وطلب السلطان من القائد علي سعيد إرسال نجدة لتأديب القعيطي. ويتضمن كتاب (بضائع التابوت) الرد الذي يعتذر فيه القائد العثماني عن عدم قدرته على إرسال أية قوة عسكرية وحثه على الصمود في وجه القعيطي. (10)

ويقول ابن عبيد الله في (بضائع التابوت ص217) إن حسين حامد المحضار كان يقود المفاوضات في شبام. “وكان خبر الوثيقة التي أمضينا فيها لسعيد باشا قد انتشر بين الناس وغضب لها كل من له هوى في الإنجليز. وكان السيد حسين يتظاهر بالسخط عليّ أمام الناس حتى لقد أخبرني جماعة ممن حضر مجلسه يومئذ ومنهم الأمير علي بن صلاح وهو يتكلم عليّ أمام رؤساء يافع أنه يقول: ألا رجل فيه غيرة يقتل ابن عبيد الله، فلقد هيج علينا الشر بموالاته للأتراك؟”(11)

وعلى الرغم من ذلك فقد كان ابن عبيد الله حريصا على أن تكون علاقته بالمحضار طيبة، وحاول أن يبرر تصرفه لدى القائد علي سعيد وغضب لذلك المحضار نفسه. ويعترف ابن عبيد الله أنه استطاع أن يحبط في البداية (في سنة 1334) المخطط الذي كان المحضار يسعى إلى تحقيقه. فحالما وصل المحضار إلى شبام “شرع في المفاوضات مع آل عبد الله في أمر الصلح والحلف واتفق بهم مرارا كثيرة تارة بحزم السادة آل العيدروس، وأخرى بحاوي آل الحداد وأخرى بذي صبح. وكلما كاد أن يلتئم بينهم الكلام أغريت بينهم العداوة حسبما ينتهي إليه جهدي، حتى لقد تم أمرهم وكتبوا بينهم صكا تواضعوا فيه على أن يكون لآل عبد الله الاستقلال التام في بلدانهم لا اعتراض عليهم في أمر. فقلت للدولة: على رضاكم بهذا الأمر الغابن لابد من زيادة كائنا ما كان. فزادوها. فلم توافق عند الوالد حسين وانفرج الأمر بعد التئامه. والمفهوم من حركاته معي أنه يراعي سير الحرب العامة ويراقب إلى من تكون الغلبة، ويسير بأعماله مع تلك الحركات حيثما دارت الزجاجة يدور”. (12) وكان المحضار قد حاول في نهاية سنة 1334 أن يقنع ابن عبيد الله بشكل مهذب “بمسايرة الوقت وعدم صنع الأعداء” وكتب له في ذي الحجة من سنة 1334 رسالة يقول له فيها “ومحبتنا ومحبتكم ما شي با يغيرها لأنها معاملة صدق وأخوة في الله. وأنت عندنا أعز الأخوان والأصدقاء، وإنما لوْ لنا خيرتنا ما بغينا لك عدو ولا بغينا حد يأخذ بخاطره منك لا كبير ولا صغير. وبغيناك تساير الوقت وأهله.” ويعلق ابن عبيد الله: “وقوله (ما بغينا لك عدو) يشير به إلى الإنجليز” (13)

وإثر فشل تلك المفاوضات نشبت (حرب قسبل) التي سبق إن أشرنا إليها وهي في الحقيقة مناوشات بين آ ل عبد الله الكثيريين والقعيطي في شبام تحت إشراف حسين حامد المحضار وحكومة عدن. ولم تتوقف تلك المناوشات إلا بتوقيع اتفاقية سنة 1918 في عدن بين السلاطين الكثيريين والقعطيين وبريطانيا والتي بموجبها خضعت السلطنة الكثيرية للحماية البريطانية، الأمر الذي يعني انتصار مخططات “الوزير المحنك الداهية – هكذا يقدمه المؤرخ محمد أحمد الشاطري في أدوار التاريخ الحضرمي ص406” (14) حسين حامد المحضار الذي أستطاع أن يقنع آل كثير بتهميش ابن عبيد الله (بضائع التابوت ص 233). إلا إن ابن عبيد الله استطاع أن يعرف أسرار تلك المخططات والمفاوضات عن طريق صهر السلطان منصور بن غالب. ولما تبيّن أن سلاطين آل كثير قد قرروا الذهاب إلى عدن لتوقيع الاتفاقية كتب لهم مفتي الديار الحضرمية هذه الرسالة التي تعبر عن رفضه المطلق للحماية البريطانية التي تتنافى مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف:

“أيها الدولة الكرام، أخذ الله بأيدكم وحفظكم مما يؤذيكم. تعلمون أني لا أريد إلا الإصلاح ولا يخفى عليّ ما تلاقون من آذيا العبيد وآل كثير، لكن التوقيع على تبعية حضرموت للبنادر مهما كان الأمر جناية على الدين وعثرة في طريق المؤمنين، لأن للإنجليز حق الحماية عليها، ومتى اعترفتم بأن حضرموت تبع للبنادر فقد اعترفتم بدخولكم تحت الحماية وبعتم عليه الدين بلا ثمن، وما مع الإنسان إلا دينه، والأموال والأرواح كلها واقية له… وأنا أعلم علم اليقين أن الوالد حسين سيرضى بدون تبعية حضرموت للبنادر، ولكنه يهز عليكم فإن سقطتم من هزته فعلى أنفسكم وعلى البلاد جنيتم و إلا فسيقنع منكم بما دون ذلك… فثقوا بالله وتوكلوا عليه والله ناصركم ومؤيدكم، وفي السماء كما تقول العامة نقّاض العزائم والفرج يعشق الشدة، ولا تقطعوا الحبال وشدوا إذا أرخى وأرخوا إذا شد، وقولوا له: أما تبعية حضرموت للبنادر وهي داخلة تحت الحماية الأجنبية فلا يرضى به الله ولا رسوله ولا أنت..”(15)

ويضمّن أبن عبيد الله كتابه (بضائع التابوت) رسائل أخرى بعثها إلى سلاطين آل كثير يحاول فيها أن يثنيهم عن القبول بمقترح المعاهدة الذي فرضه عليهم المحضار نيابة عن الإنجليز ومن أمثلة ما تحتويه تلك الرسائل”هذه بلادنا التي أنبتنا ماؤنا، وغذانا نماؤها، مغرس عودنا ومدفن جدودنا قد علق بها الأجنبي آماله ونصب لاقتناصها حباله، وأنتم تترددون في الحيرة، أفلا تتميزون من الحيرة؟”(16) وينهي تلك الرسالة مبرئا نفسه عن كل ما تترتب عليه تلك المعاهدة إذ يقول “ووبإرساله إليكم يقوم العذر و يخف الظهر وينشرح الصدر إن شاء الله تعالى. وبما أنه لا مصانعة في الدين فاطلعوا عليه من شئتم من المصلحين والمفسدين، ومعاذ الله أن يأخذني لوم وإن تألبتم عليّ مع القوم. وفي الختام نسأل الله أن يوفقنا وإياكم للخير ويدفع عنا وعنكم الضير ويأخذ بأيدي الجميع في الإقامة والسير”.

إما بعد موافقة السلاطين الكثيريين على مقترحات المحضار، وعزمهم التوجه إلى عدن لتوقيع المعاهدة فقد كتب ابن عبيد الله قصيدة يلوم فيها الجميع ويتهم حسين حامد المحضار بالخيانة ويسخر منه. وهذا نص القصيدة:

على الهون إنْ جدّوا الرحيلَ إلى عدن وسيروا بشكواكم لعاصمة اليمن

ولا ترأموا بالذل بل واصلوا السُرى لكي تأخذوا بالثأر في حادث الزمن

ولا تستشيروا خائنا في شئونــــــكم فكل بلاءٍ في استشارته كمن

إلامَ وفي أيديكم الأمر كــــــــــــــــله تسومون ذا العِلقَ النفيس بلا ثمن؟

وأعجب شيء أنكم لا لغفلــــــــــــــة ظننتم بمن بانت غثاثته السُّمن

تسيئون بالأخيار ظنا وما لكم وثقتم على رغمٍ بمن ليس يؤتمن؟

مضى الوقت في التمويه لا هي شدةٌ فقمتم ولا لنتم وقلتم له تمن

ولكن لعل الظلم شتت رأيـــــــــــــكم فلا شيء مثل الظلم يقتلع الدِّمن.

وفي الديوان المطبوع يؤكد المحقق في الهامش أن “المؤلف ذكر بالهامش أنه يريد بالخائن السيد حسين حامد المحضار وكان جميل الرأي فيه حتى ألح في إدخال حضرموت تحت الحماية الأجنبية”.(17)

ويفصل ابن عبيد التطور الذي طرأ في موقف السلاطين ويبيّن أسباب رفضه لمشروع المعاهدة في كتابه (إدام القوت في معجم بلدان حضرموت) الذي يقول فيه:

“إن سلاطين آل كثير ومن على رأيهم من الأغنياء، بعد أن علموا غضب حكومة عدن من تلك الوثيقة وعلموا انهزام الأتراك، تجافوا عني، وكتموني أخبارهم لأنني لا أرضى انسحاب حكم الحماية الإنجليزية على بلادنا، لأن الحماية مظنة الجور الفاحش، ولاسيما لو سلمت الأمور إلى غير أهلها كما هو الأغلب، فهي إذن أشر من الاستعمار، بشهادة الفروق الشاسعة بين \إدارة عدن وإدارة حضرموت التي لا أثر لشيء فيها من عدالة الدين والقيم”.(18)

وبعد عودة ولي العهد علي بن منصور الكثيري من عدن بعد توقيع المعاهدة كتب ابن عبيد الله قصيدة أخرى قال فيها:

يقولون حبر في الأمير مديحا وعدوا سكوتي يوم عاد قبيحا

دعوني فإن الدهر غيظ فكرتي وغادرني نضوا الهموم طريحا

على أنه لم يملك اليأس خاطري وما زال وزني كيف كنت رجيحا

إذا لم أبع ديني وعرضي فمتجري وإن فات حظٌ لا يزال ربيحا

وقد ضمن أبن عبيد الله كتابه (بضائع التابوت ص226-229) نص المعاهدة ويقول إن “بعض الأخوان اقترح عليه شرح هذه المعاهدة ففعل” (ص229).

وحينما يئس ابن عبيد الله من إمكانية عرقلة وقوع حضرموت تحت الحماية الإنجليزية ورأى سلاطين آل كثير يتسارعون إلى شبام في منتصف سنة1337 لمقابلة الضباط البريطانيين وارنر(8 فبراير 1919، اليزيدي ص 265)، كتب قصيدة شكوى واستنجاد مؤثرة إلى الإمام يحي بن حميد الدين يقول فيها (الديوان ص461):

أليس لهذا الليل في سيره فجر أم اسودًّ وجه الصبح أم خانني الصبر

بلى نابني أمر فباتت خواطري كأرشية البئر التي ما لها قعر

تساورني الأيام في وثباتها وعندي ثبات لا ينهه الذعر

وأني لعيشي بالهناء وهمتي يعكسها فيما تحاوله الدهر

أترتاح نفسي بعد ما أوثقت له حبائل في طياتها الغدر والمكر

نغار من المر اليسير يناله فكيف وفي استعماره استشرف الكفر

فهل من خلاص؟ هل لنا من وسيلة يذاد بها عن قطرنا الطاهر الشر؟

دعونا بيحي في الخطوب ومن دعا بيحي لخطب جاءه الفتح والنصر

فعجل بوفد منك يحيا به الرجاء وتورق أشجار الأماني وتخضرُّ

وتشرَقُ بالريق الأعادي فإنه إذا جاء موسى بالعصا يبطل السحر

ويذهب أدراج الرياح مرادهم وينتعش الوادي وينجبر الكسر”.

لكن يبدو أن الإمام يحي لم يهتم إلا بالجانب الأدبي من شكوى ابن عبيد الله، إذ أنه قد دخل معه في مساجلات شعرية ولم يلتفت أبدا إلى الوضع السياسي في حضرموت.

ثانيا: موقف ابن عبيد الله من “تدخل الإنجليز المباشر في شأن حضرموت”:

إذا كان من الواضح أن موقف ابن عبيد الله من (معاهدة سنة 1918) قد اتسم بالرفض القاطع والصلب والصريح، فأننا نرى أن طريقة تعامل ابن عبيد الله مع الأحداث والمفاوضات التي أدت إلى توقيع اتفاقية الاستشارة بين السلطنة الكثيرية وبريطانيا قد اتسمت بالحذر والحيطة وإن كانت لا تخلو من التشكيك في نوايا الأطراف المتفاوضة كلها، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يبدو لنا أن ابن عبيد الله كان مدركا تماما أن حضرموت بأكملها قد وقعت عمليا تحت النفوذ (الأجنبي) البريطاني بموجب معاهدة سنة 1918 الموقعة في عدن، وأن أية معاهدة أخرى لن تضيف جديدا فيما يتعلق بالوجود الأجنبي المباشر في البلاد. ويبين ابن عبيد الله ذلك حينما ذكر كيف أنّ الضابط الإنجليزي انجرامس وسلاح الطيران الملكي البريطاني قد تدخلا بقوة وقصفت مضارب آل جابر “إلى أن سلموا مئة شاة وعشرة أبعرة وكمية من البنادق ليد السلطان علي بن منصور” وكان ذلك سنة 1355 أي قبل توقيع معاهدة الاستشارة الذي لم يتم إلا في سنة 1358. (بضائع التابوت ص 336)

لهذا يرى ابن عبيد الله في الإجراءات والمفاوضات التي أدت إلى توقيع اتفاقية الاستشارة بين السلطنة الكثيرية وبريطانيا تعديلا إيجابيا لمعاهدة عام 1918 التي ترجّح كفة القعيطي على الكثيري، ويرى فيها كذلك إجراءً يمكن أن يساعد على الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية التي تعيشها مناطق السلطنة الكثيرية نتيجة لخضوعها للازدواج الضريبي الذي أنهك كاهل الغني والفقير. ويذكر أبن عبيد الله –في (بضائع التابوت ص330) أن آل الكاف وآل كثير (آل النفوذ) قد كاتبوا السلطان عمر بن عوض القعيطي ليعطيهم جزءا من الرسوم التي تؤخذ من قبل جمارك الشحر والمكلا على البضائع المرسلة إلى الداخل. ويضيف: “ولما آيسهم من ذلك عادوا إلى مخاطبة حكومة عدن، غير أنه لما كان الشرط الخامس من معاهدة عدن السابقة يقضي بأن لا تكون مكاتبات آل عبد الله إلا عن طريق القعيطي فقد كان له – أي للقعيطي- القضاء على ما يؤملون من تلك الكاتبات”.

وذكر ابن عبيد الله في كتابه (بضائع التابوت ص 331) أن “آل حضرموت –ويقصد حضرموت الداخل– في الثلاثينات من القرن الماضي- يشتكون من حيف معاهدة عدن ويطالبون بتعديلها فيجيبهم أولئك [السياح الإنقليز] بأن لا سبيل إلا بثورة تقومون بها ضد الحكومة القعيطية حتى تتدخل الحكومة الإنجليزية بالإصلاح الذي ربما ينتهي إلى التعديل إن رُجِّحت كفتكم على القعيطي في الثورة”.

ومن المعلوم أن الضابط الإنجليزي هارولد وليام انجرمس قد وصل إلى حضرموت لأول مرة سنة 1934 بغرض إعداد تقرير عنها لحكومته. وقد قابل ابن عبيد الله ووقعت بينهما مناقشات عدة تركزت على ما يبدو حول القضاء الشرعي الذي يرى انجرامس “أنه ليس بكاف لحراسة العدل”. وقال ابن عبيد الله – الذي لم يخف إعجابه بذكاء انجرامس- إنه شعر من خلال إلحاح الضابط البريطاني على مسألة القضاء وقانونه الشرعي “أن في نفسه أشياء قد يمهدها له قضاة الجور بسوء صنيعهم”. (بضائع التابوت ص 331). وقد انتقد انجرامس، من جهته، – في مذكراته- طريقة ابن عبيد الله في الإفتاء والتعامل مع القضاء الشرعي. ( المرجع ص )

ويذكر ابن عبيد الله أن انجرامس الذي كان على دراية بمواضع ضعف القعيطي قد “فتح لآل حضرموت باب الأمل في تعديل معاهدة عدن من دون ثورة… غير أنه له مقاصد في مساعدتهم ضد القعيطي ؛ منها حسبما قال لي أهل المعرفة بأحوالهم: الطمع فيما يكون من طابع البريد، والله اعلم، فإن هذه الأمور لا نعرفها وليست من فننا ، وبلغني أنه كتب تقريرا عن حضرموت وأهلها ولابد أن يكون فيه شيء من ذلك” (ص331)

ويحمّل ابن عبيد الله انجرامس مسئولية عرقلة مهمة السيد أبو بكر بن شيخ الكاف الذي ذهب سنة 1355 إلى عدن حاملا توكيلا من السلطان علي بن منصور الكثيري للتفاوض مع الحكومة البريطانية وإبرام الاتفاقية التي تناسبه معها. ويقول ابن عبيد الله “لكنه لم يتم شيء بذلك التفويض والسبب كما أخبرني بعض مدعيي العلم بالسياسة: إن الضابط انجرامس لما رأى فرط رغبتهم في الدخول تحت أمرهم، (وكان كرجال دولته يتوهمون أنه لابد من ذلك العقاب الكاد أو الخسائر الباهظة) اشتد حرصُهُُ أن يكون له لا لغيره شرف ذلك عند حكومته”. (بضائع التابوت ص333-334)

ولا شك أن الخلافات (أو المناكدة كما يسميها ابن عبيد الله) بين السلطان علي بن منصور الكثيري وابن عبيد الله في تلك الفترة – لاسيما في آخر سنة 1348- جعلت الثاني يبقى في الظل أو منفيا في ذي صبح في معظم الأحيان. فإذا كان ابن عبيد الله قد قام -قبل عام 1348 – بدور فعال في حل المشاكل التي تبرز بين القبائل أو بين السلطان منصور وبعض زعماء القبائل مثل (فتنة الغرفة أو) مشكلة آل ابن عبدات وآل خالد سنة 1345 (بضائع التابوت ص 286)، فهو قد استبعد تماما من اللجنة التي شكلت سنة 1356 للحكم فيما بين القبائل وأدخل في قوامها السيد محمد شيخ المساوى والسيد محمد بن هاشم بن طاهر بالإضافة إلى السلطان عبد الله بن محسن والأمير علي بن صلاح والشيخ عوض بن عبدات والمقدم عبد علوي بن يماني. ومن المعلوم أن حكومة عدن –بتوصية من حكومة المملكة المتوكلية- قد اتصلت في تلك الفترة بالسلطانين الكثيري والقعيطي لكي يحسن السلطان علي بن منصور معاملته لابن عبيد الله. (بضائع التابوت، ص ورسالة في مركز الوثائق سيؤن)

وقد ضمن ابن عبيد الله كتابه (بضائع التابوت ص 339-340) خبر وفاة السلطان علي بن منصور في أكتوبر 1938 وخبر مبايعة السلطان جعفر بن منصور وتوقيعه على معاهدة الاستشارة مع بريطانيا في مطلع عام 1939 (محرم 1358). واكتفى ابن عبيد الله في كتابه (بضائع التابوت، ص 341) بنشر نص المعاهدة نقلا عن الجريدة الرسمية لمحمية عدن الصادرة فاتحة أكتوبر سنة 1939، لكنه لم يسجل أي تعليق. أما في (إدام القوت ص 735) فيؤكد ابن عبيد الله أن السلطان جعفر بن منصور “كان قد تمنع الإمضاء على تلك المعاهدة زمانا طويلا، لكن الضابط السياسي بمساعدة السيد أبي بكر بن شيخ الكاف أحفّاه السؤال حتى رضي على شرط أن يكون الأمر سرا، فأمضى على وثيقة مكتوبة بالإنجليزية، ولكنهم أعلنوها في جريدة محمية عدن ومنها نقلت نصها.

وإذا كان ابن عبيد الله يعترف بشكل ضمني أن “الهيبة الإنقليزية” كان لها دور حاسم في حمل قبائل حضرموت على قبول الهدنتين الأولى (لمدة ثلاث سنوات) والثانية (لمدة عشر سنوات) اللتين وقعتا بعد قدوم انجرامس فهو يضيف في (بضائع التابوت ص346) “ومع ذلك فقد اشمأز منها بعض القبائل وعقدت طائفة منها صلحا بينها لمدة خمس سنوات فاستشعر الضابط انجرامس أن في ذلك تمردا ومعاكسة للهدنة التي أقيمت بواسطته”.

وكان الشيخ عبيد صالح بن عبدات في مدينة الغرفة ممن امتنعوا عن قبول الهدنة الثانية. وقد أدى الخلاف الذي برز في منتصف سنة 1338 بينه وبين السلطنة الكثيرية و مستشارها البريطاني انجرامس إلى أزمة اضطرت بريطانيا إلى استخدام سلاح الجو الملكي لحلها. ويقول ابن عبيد الله إن انجرامس واعيان سيؤن قد “اجتمعوا بعد صلاة الجمعة بدار السيد محمد بن أحمد الحبشي وكتبوا كتابا يتضمن تخطئة الشيخ عبيد صالح وإلزامه بالتبعة إذا لم يحضر ليكون ذلك الكتاب حجة للمستشار في تبرير الرمي على الغرفة من الطائرات، وقد أمضى ذلك الكتاب نحو ستين من سادة سيؤن وأعيانها وعلمائها أو طلبة العلم بها” (ص348) وبعكس ما يقال لم يذكر ابن عبيد الله في سياق حديثه عن هذه الأزمة أنه قد توسط شخصيا بين ابن عبدات والسلطة ومستشارها في سيؤن. وبالمقابل يصف قصف مدينة الغرفة بالطيران الحربي بـ(الأمر الفاحش)، حيث يقول: :وبينما كان كثير ممن ينتسب إلى العلم يخرجون إلى تريس للتفرج على ذلك الأمر الفاحش كنا بغاية الحسرة والتعب، ومتى سمعنا أزيز الطائرات غصصنا بالماء الزلال، وقد وضعت جميع ذلك وما كان من شتات شمل أهل الغرفة على ضعفهم وفقرهم في قصيدة قلتها عن عاطفة صادقة ووجدان صحيح. وهي موجودة بموضعها في الجزء الثالث من الديوان. ولا شك بما لاقيناه من التعب لذلك، إلا أنه لا معاذ لنا حينما نسمع دوي القنابل غير الصلاة والتسبيح والنشيج. وكتبت أبياتا أتوسل بها إلى الله في كشف هذا الخم والتعجيل بالفرج”. (البضائع ص 349)

ومن اللافت أن ابن عبيد الله ينفي جدية بريطانيا في ضرب ابن عبدات (بضائع التابوت ص 350)، ويرجع سبب توقف تلك الحرب لا لاستسلامه بل لأسباب عدة منها دخول إيطاليا في الحرب العالمية الثانية. وبعد الحديث عن حرب ابن عبدات يكتفي ابن عبيد الله بذكر دور الضابط الأردني بركات الذي أرسلته بريطانيا لوضع حد لتمرد البدو الحموم و”موت أمير الجبل علي بن حبريش غبنا لمّـا أثر عليه من قتل أبنائه ورجاله عجزه عن الأخذ بثأرهم” (ص352)

من خلال قراءاتنا السريعة لعدد من المواقف والآراء التي سجلها عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف في ديوانه وكتابه (بضائع التابوت) تبين لنا أن ابن عبيد الله قد قاوم بشكل شجاع وصارم خضوع حضرموت للنفوذ البريطاني. وبذل كل ما في وسعه لعرقلة وقوع حضرموت تحت الحماية البريطانية. وفي سبيل ذلك رضي أن لا “يساير الوقت” ويبتعد عنه جميع “المسايرين للوقت”، وأن يعرض حياته للخطر. وهو في موقفه هذا إنما يعبر عن التزامه بمبادئ دينه الإسلامي الحنيف، ورفضه بيع دينه وأرضه للأجانب. وعبر كذلك عن رغبته الأكيدة في الحفاظ على حريته: فهو القائل:

ما في معاكسةِ الأيامِ منقصةٌ فالحر يفدغها يوما وتفدغه

الهوامش:

1- ثابت صالح اليزيدي، الدولة الكثيرية الثانية في حضرموت، جامعة عدن 2002، ص 194

2- المرجع نفسه، ص195

3- المرجع نفسه، ص 223

4- عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف، بضائع التابوت في نتف من تاريخ حضرموت، الجزء الثالث، صف محسن حسن عبد الرحمن السقاف ص191

5- المصدر نفسه، ص 193

6- المصدر نفسه، ص 201

7- المصدر نفسه، ص 433

8- المصدر نفسه، ص 210

9- ديوان عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف، (ص432-433)

10- بضا ئع التابوت ص 209-210

11- المصدر نفسه، ص 217

12- المصدر نفسه، ص 218

13- المصدر نفسه ص 220

14- محمد أحمد الشاطري، أدوار التاريخ الحضرمي، ص406

15- بضائع التابوت ص 234-235

16- المصدر نفسه ، ص236

17- الديوان، ص 310

18- عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف، إدام القوت: معجم بلدان حضرموت، دار المنهاج، جدة، ص 732

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: