مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

Posted by amshoosh في يوليو 3, 2011

أدبية التاريخ عند محمد عبد القادر بامطرف

بقلم د. أحمد هادي سالم باحارثة

أولاً: بامطرف بين القصة والتاريخ:

محمد عبد القادر بامطرف (1915-1986) مؤرخ يمني معروف ألـّف العديد من الأبحاث والكتب في التاريخ مسخراً جهوده في هذا المجال للكشف عن ما غمض واندثر من ماضي حضرموت قديماً وحديثاً، أحداثاً وأعلاماً، وفي كتابته للتاريخ يعتني بجانب التقصي والتوثيق لما يذكره من حقائق، ويستشف من ورائها العبر والمآثر، ليس ذلك فحسب بل إن بامطرف يحاول غالباً أن يبث في كتاباته التاريخية أسلوباً أخاذاً غير مكتف بالسرد العلمي المحض للمادة التاريخية وإنما يسردها لقارئه سرداً ممتعاً مشوقاً عرفه به جميع من قرأ أبحاثه في التاريخ. ويقول الشيخ عبدالرحمن الملاحي عن أسلوب بامطرف في كتابة التاريخ أنه “لا يجد القارئ نفسه إلا منساقاً خلف أسطر كتاباته لا يقف إلا حيث تكتمل الأفكار، فأسلوبه في التعبير يشد القارئ شداً”(1).

وقد صرح الأستاذ عمر محفوظ باني أن بامطرف قد كتب “مؤلفاته بأسلوب المؤرخ الأديب بحيث يمكن القول أنه (أدب التاريخ)”(2) وفي هذا الصدد يقول الأستاذ الدكتور صالح علي باصرة في معرض حديثه عن أسلوب بامطرف ومنهجه التاريخي أن بامطرف قد استطاع “صياغة المادة التاريخية بأسلوب سهل بعبارات ذات متانة وجمال ورونق، وساعده في ذلك إلمامه بعلوم اللغة وفنونها والاطلاع على مختلف أساليب التعبير”(3) وقد تشكك عبدالخالق عبدالله البطاطي تشكك في نسبة أحد كتب بامطرف التاريخية إليه لكنه عاد واعترف باتضاح ذلك عنده “من قراءة الكتاب وسبك التعبير والإنشاء”(4).

وإن بامطرف حتى وهو في صميم عمله التاريخي التوثيقي يلزمه الهاجس الأدبي والفني ويرى في التراث والتاريخ اليمني العام مصادر متعددة للإلهام إذ يستشعر عند تسجيله لخبر هنا أو حادثة هناك أن ذلك قد يصلح نواة لعمل أدبي أو فني يدل على ذلك قوله في كتابه المعروف (الجامع) في سياق تعليله لإيراده بعض أخبار لأعلام هي أشبه بالأساطير أنه رآها صالحة “لأن تكون مادة أولية لمقطوعة شعرية أو قصة أو رواية أو مسرحية أو لوحة فنية أو لحن موسيقي أو غير ذلك مما تجود به القرائح البشرية التي إذا وجدت المصدر الملهم أتت بالروائع والإبداع الفني، وإن لفي تراثنا اليمني ما ينبغي أن يمثل تلك المصادر الملهمة”(5).

وإضافة لوجود خاصية الإلهام في المصادر التاريخية ينظر بامطرف لزاوية أخرى تجعله يميل إلى إدخال فن القصة أو بعض عناصره إلى الكتابة التاريخية، ذلك أنه لاحظ كما يقول أن “الظاهرة البارزة في التاريخ اليمني القديم والوسيط والحديث أن يتجاهل الفرد العادي ودوره في صنع التاريخ”(6) ومن ثم فإنه رأى في القصة أنسب حل ومخرج لرتق ذلك النقص وملء ذلك الفراغ معللاً ذلك بأن القصة “بخيالها سوف تخدم التاريخ لأنها سوف تمد الجسور بين حقيقة مدونة وحقيقة كان ينبغي أن تدون وذلك لنجد أنفسنا أمام إطار مكتمل الحيوية، لا شلل هنا ولا إفراط في الحركة هنا، ولكنه انسجام تام بين المشهور والمستور أو بين ما كان وبين ما يجب أن يكون”(7).

ولا يرى بامطرف في الاستعانة بالخيال القصصي جوراً على الحقائق التاريخية ولا يعد ذلك الخيال اختلاقاً بل يضع له فوائد متمثلة في أن حقائق التاريخ “بالخيال الخصب تزداد جلاءً ونصوعاً وتكون أقرب إلى مفهوم الجماهير منها إلى مفهوم الخواص”(8). ولعل بامطرف يشير بذلك إلى الإقبال الذي حظيت به الروايات الأدبية التاريخية لجرجي زيدان وأمثاله والتي بدورها جعلت الكثيرين يقبلون على دراسة تاريخهم العربي وماضيهم العريق، فنراه يصرح باستحسانه للقصص التاريخية التي ظهرت في الأدب العربي على يد جرجي زيدان بعد أن كانت قد ظهرت في الأدب الأوربي، “ولا شك أن روايات زيدان التي تدور على تاريخ العرب والإسلام قد أحدثت في نفوس النشء جيلاً بعد جيل، وعياً قومياً وحركت فيهم الميل إلى دراسة التاريخ العربي، وربت ذوقهم القصصي”(9).

ويغرب بامطرف في الربط هنا إذ يشبه خيال القصة الذي يمتزج بحقائق التاريخ بتشبيه عجيب ولكنه رائع يدل على لب وقاد واستيعاب عميق لهذه القضية، يشبه ذلك النسج الخيالي للحقيقة التاريخية “بالتشطير أو التثليث أو التخميس لبيت الشعر يزيد من بهائه ويمده بالرواء، كما يوجد التكامل لعناصر البيت من البتر أو التعميم”(10).

ويمعن بامطرف في الربط أو المزج بين القصة كفن والتاريخ كعلم وبين كتابة القصة وكتابة التاريخ وبين القاص والمؤرخ فيصرح بأن “المؤرخ كاتب قصة بمعنى من المعاني”(11) ويبرهن على ذلك بتذكيرنا بطائفة ممن كتب مؤلفات تاريخية وأطلقوا عليها اسم قصة فقال: “كتب الأستاذان أحمد أمين ونجيب محمود تاريخاً عن الفلسفة اليونانية فقالا عن كتابهما أنه قصة الفلسفة وكتب يوسف العش عن الخليل بن أحمد فقال عن كتابه أنه قصة عبقري وكتب ديلي ديورانت عن أدوار تاريخ الإنسانية فقال عن كتابه ذي المجلدات الاثنى عشر إنه قصة الحضارة”(12).

لكن بامطرف يدرك جيداً الفرق بين الفنين ويعي طبيعة عمل كل من القاص والمؤرخ وبين لنا ذلك في قوله إن المؤرخ يرجع “في الغالب الأعم إلى المراجع بشرية ووثائقية وتلك مهمة شاقة في حين أن القصاص لا يرجع إلا إلى خصوبة خياله لينسج منها حبكة قصته وتلك مهمة أسهل نسبياً من مهمة التاريخ من ناحية الجهد البدني المبذول فإذا تعين على المؤرخ أن ينتقل بين المكتبات من بلد إلى بلد أو أن يتصل بهذا أو ذاك من الأشخاص الذين يتوسم فيهم الحس التاريخي ليستمد منهم مادة كتابته فإن القاص يحمل مكتبته في رأسه ويضع في هذا الوعاء العجيب مصادره البشرية والوثائقية، وربما قضى المؤرخ أياماً أو أسابيع أو سنين قبل أن يستطيع الربط بين عناصر حادثة تاريخية واحدة يقرأها القارئ في دقيقة أو دقيقتين دون أن يفطن إلى ما بذل في تلك السطور القليلة التي قرأها من جهد، وإضافة إلى كل هذا فالمؤرخ لا يستطيع القفز على فجوات التاريخ ولا مد الجسور بينها والقصاص يقفز فجوات قصته… أو يمد الجسور بينها بما يسمى التوليد أو المفاجأة أو الصدفة أو بمجرد أن يجعل القارئ في حيرة تاركاً إياه ليستخلص لنفسه بداية القصة أو نهايتها أو ما آل إليه أمر أحدى شخصياته بالطريقة التي تحلو له، كل ذلك يحدث دون أن يلحق القصاص أي لوم أو أن يتهم بأي تزيد”(13).

وقد شارك بامطرف نفسه في كتابة العمل الأدبي المستمد من التاريخ والتراث خصوصاً المتعلق منه بمنطقة حضرموت وما شهدته خلال تاريخها الطويل من صراعات الحكام ونضالات الأهالي فكتب عدداً من المسرحيات التاريخية أشهرها مسرحيتي “سور الشحر” و “حرب الأرادي” ولكونهما مكتوبتين باللهجة المحلية صارتا خارجتين عن نطاق دراستي هذه, وقد رأيت له مشروعاً لكتابة مسرحية تاريخية باللغة الفصحى تدور أحداثها في مدينة الشحر في عهد الملكة سمعون, لكنه ما كاد يكمل فصلاً منها أو مشهداً حتى أضرب عن إكمالها وكتب تلخيصاً سردياً للقصة أو الواقعة التاريخية التي كان قد همّ بجعلها عملاً مسرحياً ولم يفعل.

كما أن لبامطرف قصتين قصيرتين مستمدتين من التاريخ, الأولى منهما منشورة في صحيفة الشرارة تحت عنوان “كيف قتلوا ابن الغراب؟” والأخرى مخطوطة لم تنشر وعنوانها “الاجتماع المغلق”. وقد ارتأيت إدراج هاتين القصتين في دراستي للقصة القصيرة عند بامطرف.

وأكتفي هنا بإبراز أدبية التاريخ لدى بامطرف مع إبراز مظاهر قصصية وأسلوبية في تاريخه متخذاً كتابين له كنموذج لهذه الدراسة هما كتابا “الشهداء السبعة” و “في سبيل الحكم”.

لكنني أبدأ بالحديث عن نظرة بامطرف إلى التاريخ ووعيه له وذلك من خلال مفهوم أدب التاريخ في العصر الحديث والذي يتمثل في بعث الحضارات والمدنيات في عصورها بخصائصها الإنسانية وبما بذلت فيها الشعوب من جهد لا بوصفها فترات منقطعة الصلة بالحاضر بل بوصفها لحظة من الامتداد الزمني المتصل(14)، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أضع نصب عيني الوعي الجديد للتاريخ الذي يعنى بإقامة المسافة الضرورية بين الماضي والحاضر ليشتق من الماضي ما له صلة بالواقع المباشر باعتباره نتاج فعالية الإنسان ونشاطه المتراكم في التاريخ(15).

إن ذلك الوعي وذلك المفهوم كانا حاضرين في ذهن بامطرف عند كتابته للتاريخ ولم يكن هدفه منه مجرد حفظ وقائع التاريخ أو الإمتاع والتسلية, ومن ثم فهو يدرك- كما سنرى-مهمة المؤرخ من أجل تحقيق وتطبيق المفهوم والوعي الحديث التاريخ.

فالمؤرخ يقوم على أساس ذلك المفهوم ببعث الفترات التي يؤرخ لها ويضفي عليها ما كان لها من حياة بحيث نصدر نحن أحكاماً على حقائقها وعلى ما لها من قيم, ويعتمد في ذلك البعث على الحقائق والوثائق والآثار بعد أن ينقدها وينفذ إلى صميم معناها ويميز صحيحها من زائفها, وهذه ناحية علمية محضة, ثم يقوم المؤرخ بوصل ما بين الحقائق بعد تمحيصها بتوضيح الأسباب الغامضة والعوامل الموجهة فيما لها من علاقات إنسانية ويرتب الأحداث ويعرضها على شكل صور معبرة حية وبترتيب عضوي, ولا مرجع له في ذلك سوى ما يلحظ هو من العواطف والصفات أو النقائض الإنسانية ذاتها. وبذا نعلم أن للتاريخ في مفهومه الحديث نواح علمية لبعث الحضارات والكشف عن جهود الشعب فيها بالاعتماد على المصادر الموثوقة ونواح فنية في ملء فجوات هذه المصادر بما يكسبها الحيوية وقوة التصوير ثم في عرضها عرضاً فنياً للكشف عن الموقف الإنساني في الفترة التاريخية المعينة مع بيان رأي المؤلف فيها(16).

إن المؤرخ بامطرف حين وضع كتابيه في سبيل الحكم والشهداء السبعة نظر لما احتوياه من أحداث ماضية على ضوء عصره وجعل لها قيماً ماثلة ذات طابع إنساني عام, ففي كتابه في سبيل الحكم أراد بامطرف أن يثير في قرائه “تساؤلين اثنين هما: هل يقتتل البشر على وجه البسيطة لمجرد نزوة الاقتتال؟ وهل الاستيلاء على السلطة مجرد السلطة غير المفضية إلى الحصول على طائل من ثروة أو رفعة من جاه, يدفع إلى المغامرات الدموية ويثير في النفس البشرية المتعطشة للتسلط والتطلع إلى السيادة والجبروت حتى ولو أدى ذلك التطلع إلى الارتماء في أحضان الأجنبي بغرض الحصول على تأييده في قهر الأخ والقريب والمواطن؟ كل ذلك جائز في أطماع البشر”(17).

وبامطرف حين يبعث الماضي يبعثه كما هو بخصائص وقته لكنه في الوقت نفسه يجعلنا ننظر إليه على ضوء عصرنا, ويعبر بامطرف عن ذلك بقوله في كتاب في سبيل الحكم:

“ولو أننا أردنا أن ننظر إلى تصرفات الحكومة البريطانية في هذه القضية وفي غيرها من قضايا تلك الأيام, بمفهوم اليوم, الآن وقد تفتحت العيون على النيات والمرامي البريطانية الاستعمارية لقلنا إن تأميل العدالة من دولة استعمارية لهو طفولة في التفكير وسذاجة في الموقف واستنامة إلى نذر الأخطار المحدقة, بيد أننا نحاول في هذا الكتاب النظر إلى ملابسات النزاع القعيطي الكسادي بعين أبناء القرن الماضي”(18).

ولا ينسى بامطرف موقف الشعب والمواطن العادي فيما يذكره من أحداث, ونراه يقترب أكثر مما بذلته الشعوب في صناعة التاريخ, وهو الذي كان قد شكا من ظاهرة تجاهل دور الفرد العادي في تاريخنا اليمني, وذلك في كتابه الشهداء السبعة فأكد في البداية بأنه قد قصد من كتابه هذا “إلقاء الضوء على حادثة من حوادث التاريخ المحلي تعتبر في مجال البطولة الوطنية مناراً ينبغي له أن يرسل نوره الساطع على الدوام على دروب الفداء والتضحية”(19)، وهو يطبع حديثه بطابع المؤرخ الرومانتيكي حين يرى أنه قد أدى بكتابه هذا “بعض الواجب نحو آباء لنا سبقونا إلى معرفة ما تفرضه الوطنية على المواطن من حقوق”(20)، وهو هنا يشعرنا بقوة انتمائه لشخوص الماضي ومدى تعاطفه معها ليحقق لنا اتصال التاريخ وامتداده إلى عصرنا, ويبث فيه الحياة غير عابئ بطول الفترة الزمنية الفاصلة, ويرى وجوب أن نتأثر إيجابياً بما جرى فيها من مجريات ويقول معبراً عن هذا:

“إن المسافة الزمنية التي تفصلنا عن أجدادنا الذين عاشوا فصول الشهداء السبعة مسافة طويلة, لكن حوادث هذه القصة إذا استطاعت أن تهز مشاعرنا وأن تخلق فينا روح الشعور بالواجب لنؤديه عندما يدعو داعيه كما فعل أجدادنا رغم كل المعوقات التي كانت تعترض سبيلهم فإن هذه المسافة الزمنية مهما بعدت لن تكون حاجزاً بين التاريخ وأداء رسالته, ذلك أن رسالة التاريخ كانت وما تزال وستظل هي ألا يأخذ المطلعون عليه منه الدرس أو العبرة الأدبية فحسب بل إن عليهم أيضاً أن يستلهموا الدافع إلى العمل الإيجابي المفيد”(21).

أما من حيث بحث بامطرف حول تلك الحقائق التاريخية فقد استعان في كتابه لتلك الفترات الماضية بالوثائق التي هي الرسائل والخطابات والمعاهدات المتبادلة والموقعة بين الأطراف المعنية وعلى ما ورد من روايات معاصرة لها محلية وأجنبية غير متقبل لتلك الروايات على علاتها بل هو يقارن بينها ويفاضل ويبين زيف بعضها ولا سيما عند التعارض والتناقض. يقول في كتابه في سبيل الحكم مبيناً منهجه هذا:

“التدوين التاريخي يتجدد, بالضرورة, بالاستدراك والتهذيب والمراجعة في منطلقه نحو الكمال ويتحقق ذلك التجديد بتسليط الأضواء على الحقيقة التاريخية المطمورة بالعثور على الوثائق التاريخية الصحيحة وفحصها، والتوثق بقدر المستطاع من أصالتها، وبالتثبت من صحة الرواية المحلية المستفيضة… على أنني لدى أخذي بالرواية المحلية لم أغفل عند الضرورة اعتماد المصادر الأجنبية ذات العلاقة بحوادث هذا الكتاب حيثما وجدت المصدر الأجنبي في نظري راجحاً في مادته ومدلوله. هذا مع إحساسي، وقد أكون مخطئاً، بأن الرواية الأجنبية، مثلها مثل الرواية المحلية، لا تخلو من الخطأ السهو والعمد”(22).

إنها حاسة المؤرخ عند بامطرف تدفعه إلى ذلك الشك في الرواية أياً كان مصدرها غير مغتر بما ورد فيها حتى يتفحصها ويتأكد من أصالتها ويتثبت من صحتها. وقد كان بامطرف في موضع آخر قد أشار إلى أن المؤرخ ربما قضى أياماً أو أسابيع أو سنين قبل أن يستطيع الربط بين عناصر حادثة تاريخية واحدة يقرأها القارئ في دقيقة أو دقيقتين دون أن يفطن إلى ما بذل في تلك السطور القليلة التي قرأها من جهد، وقد مر بامطرف المؤرخ بهذه التجربة في كتابه هذا في بحثه عن إحدى وثائقه وهي الرسالة التي اتخذها البريطانيون ذريعة للقضاء على الإمارة الكسادية بالمكلا بحجة أنها موجهة لدولة معادية لهم وهنا قال بامطرف:

“لقد حاولت خلال ثلاث سنوات وأنا بالمكلا الحصول على نسخة من هذه الرسالة المزعومة فاتصلت بوزارة الخارجية التركية وبعد مراجعات تحريرية مطولة أحالتني الوزارة إلى مكتبة اسطنبول فاتصلت بهذه المكتبة فجاءني الرد منها بعد عام تقريباً من رسالتي إليها أن رسالة بهذا المعنى لا توجد في سجلاتها، ثم اتصلت بمكتب العلاقات العامة بلندن ولم تسفر محاولتي عن نجاح ولم أيأس”(23).

ولا أستطيع هنا ذكر جميع حالات الترجيح والموازنة التي قام بها بامطرف لرواياته ووثائقه وإنما أحيل على بعض صفحاتها في الهامش(24).

والكلام نفسه يقال عن كتاب الشهداء السبعة من فحصه للمراجع التاريخية لتلك القصة حيث قال بامطرف:

“إن مادة الكتاب صيغت من حصيلة ما استطعت أن أقتنع بصحته أو باحتمال صحته من معظم ما ذكرته عن هذه القصة المراجع التاريخية التي تمكنت من الحصول عليها”(25).

وهكذا يتم لبامطرف عمل المؤرخ المحض إنه بعد أن يفرغ من تمحيص مراجعه ويصطفي منها الحقائق يعرض هذه الحقائق بصورة عضوية وبتقنية فنية فيفتح أمامنا أبواباً مغلقة من المشاعر والانفعالات والخبرات ويتيح لنا تعرف ما لم نكن نعرف من جوانب النفس البشرية(26). والذي يهمنا في هذا المبحث هو التطرق إلى الوسائل الفنية التي استخدمها بامطرف في تقديم الحقائق التاريخية مع مسحة خيالية أضفت على تلك الحقائق رونق القص الأدبي.

ثانياً: عناصر قصصية في كتاباته التاريخية:

1- في كتاب الشهداء السبعة:

وسنرى برهان ذلك في كتابه الشهداء السبعة الذي كان بامطرف حريصاً على وصفه بالقصة فأدخل في روايتها تقنيات قصصية وروائية ويشير إلى ذلك بقوله:

“إن بعض العناصر الجانبية لقصة الشهداء السبعة التي يرويها هذا الكتاب لم تكن واردة في مراجعها التاريخية على نحو واحد ولم تكن روايتها هنالك بالصورة التي يرويها هذا الكتاب”(27).

فبامطرف في كتابه هذا- الذي ضم العديد من الحقائق التاريخية- عندما وصل إلى لب موضوعه وهو الغارة البرتغالية على الشحر وصمود الأهالي إزاءها عرض هذه الفترة بأسلوب أقرب إلى الرواية التاريخية الأدبية منه إلى الأسلوب التاريخي الجاف.

وتبدأ هذه القصة بما يسمى عند نقاد الرواية بالسرد أو التلخيص حيث تتوالى الوقائع وتمر سريعاً على فترات زمنية طويلة على هذا النسق:

“وتحرك من (جوه) أسطول برتغالي مكون من تسع قطع بحرية تحمل سبعمائة من المقاتلين البرتغاليين والملاباريين تحت قيادة لويز دي منزيس نفسه.

وبالقرب من جزيرة عبد الكوري فقد هذا الأسطول سفينتين من سفنه التسع وتمكن من انتشال الجزء الأكبر من بحارتها وجنودهما من أحضان الأمواج.

ومرت السفن البرتغالية السبع بظهار الحامي الساحلي فأحرقت خمس سفن يمنية كانت راسية به، وألحقت أضراراً بالغة بمحاصيله الزراعية.

وفي صباح يوم الخميس التاسع من شهر ربيع الثاني سنة 929هـ ألقى الأسطول البرتغالي المعتدي مراسيه في ميناء الشحر”(28).

ففي جمل معدودة تم تلخيص زمن الوقائع حيث يأتي البرتغاليون من الشاطئ الهندي ويصلون إلى محيط جزيرة سقطرة حيث تحصل لهم مصيبة فقد بعض سفنهم ورجالهم ويمرون على ساحل الحامي ويتسببون في حدوث أضرار ثم يصلون إلى مستقرهم في الشحر. و “مما لاشك فيه أن السرد يحقق تنامياً حدثياً متسارعاً للزمن إذ يساعد السرد الحدث على التطور والانتقال إلى مرحلة جديدة”(29).

ونستطيع أن نلمس في سرعة الحدث هنا دلالة على حنق البرتغاليين وإصرارهم الهجومي على الشحر فهم في كامل اندفاعهم نحوها يستعجلون يوم وصولهم إلى مرماهم فناسبت سرعة الحدث نفسية أولئك المهاجمين.

كما دل ذلك السرد السريع أيضاً على قدر تلك الفرقة المهاجمة وهو قدر الرعب فهم يؤذُون ويؤذَون، يضرون ويتضررون والسابق هو لحوق الضرر بهم وكأن هذا نذير شؤم لحملتهم الظالمة وما سيلاقونه من مصير يسرعون إليه في مدينة الشحر التي ألقوا مراسيهم على شاطئها.

ثم يغفل الكاتب هؤلاء المهاجمين ويدعهم لينتقل إلى الحديث عن وضع الشحر في تلك الأثناء وهو يتناول ذلك الحديث عن طريق تقنيتين متناوبتين فيبدأ بتقنية التلخيص مجدداً ثم تقنية الوصف.

ويستخدم بامطرف التلخيص الآن لوظيفة جديدة هي تقديم عام لشخصيات جديدة(30) هي رجال السياسة في الشحر ومدى تهيؤهم للحدث الوافد إليهم فيقول:

“والآن لم تمض على السلطان بدر إلا فترة قصيرة منذ أن تولى حكم الشحر وفي اليوم الذي قدمت فيه الحملة البرتغالية إلى الشحر لم يكن السلطان بدر موجوداً بها ولكنه كان في زيارة تفقدية لوادي حضرموت، وعلى طريقته في الظهور أمام قبائل الوادي بمظهر القوة والمنعة واصطحب معه معظم رجال حامية الشحر ومن بينهم رجب التركي وجنوده البنادقية.

ولم يترك السلطان بدر في الشحر إلا حامية رمزية مكونة من يافع والمماليك الإفريقيين وجلهم من الشيوخ العجزة الذين يتولون عادة حراسة المؤسسات الحكومية.

وكان الحاكم على الشحر الأمير مطران بن منصور ولم تكن قد مرت على إعادة تعيينه في منصبه القديم إلا أشهر معدودة”(31).

وبتلك العبارات المقتضبة وصف بامطرف الوضع السياسي والعسكري في الشحر غير المتهيئ لذلك الحدث الجلل الذي ينتظر هذه المدينة وذلك من خلال تقديمه لشخصيتين هما السلطان بدر الغائب مع جيشه الحامي والأمير مطران الحديث العهد بمنصبه. إنه وضع ضعيف يهيئ المدينة بأن تكون غرضاً سهلاً ولقمة سائغة للمهاجمين الأعداء. لكنه يدل في الوقت نفسه على مدى ما سيبذله الأهالي من تضحيات وسيظهرونه من شجاعة في صدهم لهذا المعتدي، وكأن بامطرف يريد أن يمهد الطريق لإبراز أن النصر تم للمقاومة الأهلية وللإدارة الشعبية دونما أي واسطة من رجال الحكم وجيوشهم المشغولة بالنزوات الخاصة عن المسئولية الملقاة على عاتقهم نحو مواطنيهم.

ويلاحظ أن بامطرف بدأ حديثه هذا بظرف الحاضر (الآن) كأنه يريد أن يساوي بين زمن القصة وزمن سردها. وهو يؤكد إرادته هذه بعرض وصف لحال المدينة بشكل عام في صباح ذلك اليوم فمن المعلوم أن الوصف من أقرب التقنيات السردية تطابقاً بين زمني السرد/ القصة”(32) وقد جاء هذا الوصف على هذا المنوال:

“كانت الحالة هادئة على وجه العموم وكانت بميناء الشحر بعض السفن الهندية واليمنية التهامية وخمس سفن برتغالية خاصة قدمت من شرقي أفريقيا قبل أيام من وصول الحملة البرتغالية.

وكانت الحياة العادية في مدينة الشحر تسير سيراً مألوفاً وحركة النشاط التجاري في أوجها, وفي ذلك الحين كان بالمدينة سبعون رأس خيل قدمت من ظفار للترحيل إلى المخا وجدة. وكان جانب من هذه الحيوانات معروضاً للبيع في إصطبلات سوق الشحر.

وكان سوق الشحر عامراً بالمواد الغذائية, وكان يوجد إلى جانب الحلويات والمشهيات مقدار كبير من الفاكهة الإسبانية المجففة جلبتها السفن البرتغالية إضافة إلى أنواع أخرى من الفواكه الهندية والإفريقية والمحلية.

وفي الوقت الذي وصلت فيه الحملة البرتغالية كان أمير البحر ومقر عمله بعمارة الميناء,ولم يكن قد دب النشاط في أرجاء المدينة لأن عمال الشحن والتفريغ كانوا في هرج حول توزيع العمال على الأعمال التي كانت تنتظرهم في الميناء.

وفي عرض البحر شوهدت سفن صيد السمك الصغيرة التابعة لأهل الشحر متجهة إلى مناطق الاصطياد, والبعض منها مازال يغالب الأمواج الساحلية ليفلت منها إلى عرض البحر. ولم تبق جاثمة على الساحل إلا سفن صيد السمك التابعة لأهل حي المجرف” إذ أن أربابها كانوا يضطربون هنا وهناك وهم بسبيل دفعها إلى البحر.

وفي منطقة السوق كانت الحوانيت مقفلة إلا من بعض القهوات والمطاعم التي تزود الأشخاص المبكرين إلى أعمالهم بما يحتاجون من طعام.

وفي ساحة السوق الكبيرة كانت جماعات من الأهالي متجمعة في شلل تستعرض الأخبار وتستجر القال والقيل قبل أن تعود إلى منازلها لتناول طعام الإفطار”(33).

إن بامطرف عرض لنا هنا وصفاً لأماكن مختلفة وفئات متباينة من الناس وكلها في حالة نشاط آمنة مطمئنة من السوق إلى الميناء إلى البحر إلى القهوات, والقارئ يقرأ هذا كله وهو حابس الأنفاس مشفق على كل هؤلاء- من أناس ومواضع- من خطر يتربص بها يحيل هدوءها اضطراباً وقلقاً وسلامها وأمنها حرباً ورعباً.

إن الصورة الوصفية من تقنيات إبطاء السرد وتهدئته, والإبطاء المفرط الذي يقوم به الوصف على حساب حركة السرد الروائي يفسح المجال أمام الراوي” كي يقدم الكثير عن التفاصيل الجزئية المرتبطة بوصف الشخصيات الروائية والمكانية”(34) وبامطرف يريد من قرائه هنا ملاحظة مدى الانقلاب الكبير الذي حدث للوضع في المدينة عن طريق هذا الوصف الوادع وما سيحصل بعده، كما يريد أن يقوّم بصورة غير مباشرة بين حال أهالي الشحر الآمنين المقبلين على الحياة وحال أولئك الأجناد المتربصين المعتدين الحريصين على نشر الخراب والموت وتعطيل حركة الحياة في تلك المدينة الغافلة، ومن ناحية أخرى يريد أن يرسم لنا حالة الهدوء الذي يسبق العاصفة وهذا ما صنعه عندما عنون المرحلة الآتية ﺑ(بداية هبوب العاصفة)(35).

وبعد هذا الانقطاع الفني يصطنع بامطرف ما يسمى بتقنية الاستشراف أي تقديم الأحداث اللاحقة والمتحققة، لكن الحدث الذي قدم بامطرف ذكره هو حدث غامض ومثير في نفس الوقت ومن ثم حقق للحدث عنصري المفاجأة والتشويق فقال بامطرف:

“وفجأة شاهد أولئك المتحلقون في ساحة السوق أمير البحر بصحبة ثلاثة من البحارة البرتغاليين يخترقون الساحة مسرعين في سيرهم ومتجهين إلى الديوان الذي كان الأمير مطران قد قدم إليه في جميع أعوانه قبل برهة. ولم يهتم الناس الذين شاهدوا البرتغاليين الثلاثة بقدومهم لأنهم قد تعودوا على مشاهدة أولئك الغرباء وما يجرون من اتصالات مبكرة أحياناً مع حاكم البلدة. والواقع أن بعض الناس قد أعطوا لقدوم البرتغاليين الثلاثة تفسيراً بعيداً كل البعد عن واقع الحال. وبعد فترة قصيرة شوهد أمير البحر والبرتغاليون الثلاثة يغادرون الديوان ويعودون أدراجهم بالطريق المؤدية إلى الميناء.

ثم ظهرت على الديوان حركة غير عادية..

فما هو الذي حدث؟”(36) فبامطرف في طريقة سرده للحدث يعتمد آلية قصصية يعتمدها كتاب هذا الفن بتقديم رؤية الأحداث من خلال رؤية شخوص القصة وهو يقتصد في تقديم التفاصيل ويركز على ما هو مهم وذي دلالة أو ما يثير عنصر التشويق. فآخر عهدنا بالبرتغاليين توقف سفنهم على ساحل المدينة، ثم ماذا حدث لا ندري!، وإذا بنا نرى عدداً منهم مع أمير البحر متجهين لمقر الحاكم في سرعة، لم السرعة؟ ماذا قالوا لذلك الأمير؟ لا ندري!. ويصلون إلى مقر الحاكم (الديوان) فماذا جرى بداخله؟ لا ندري! وخرجوا بعد فترة قصيرة وعادوا إلى حيث أتوا. فما الذي أعجلهم؟ لا ندري! ثم تأتي عبارة (ظهرت على الديوان حركة غير عادية) وهي على إبهامها حوت كثيراً من التشويق والتوقع! ثم يأتي التساؤل الذي تساوى فيه القارئ مع أولئك المتجمعين في السوق. فاستطاع الكاتب هنا توحيد قارئه مع بعض شخوص قصته في الرؤية للمجريات والاستفهام عن مغزاها.

وثمة دلالات تقدمها طريقة السرد على هذا النحو وهو البدء في إيضاح أثر الحدث القادم في طبقات الناس العادية قبل شرح أثرها على المسئولين والحكام باعتبار أن أولئك البسطاء هم أول من سيتضرر من تلك الأهوال وهذا يمثل الوعي الجديد للتاريخ في الاهتمام برصد النشاط الجماهيري الشعبي قبل رصد تصرفات الحكام والأمراء. والدلالة الأخرى بيان مدى غفلة الناس في الشحر آنذاك عن أي توقع لهجوم أو اعتداء إذ كانت توقعاتهم بعيدة عن الواقع المؤلم القريب منهم. ودلالة أخرى هي محاولة إيجاد حالة وسطى بين الهدوء في الوصف السابق والحراك الدرامي الذي سيأتي لاحقاً فمزج بين صورة الناس اللاهين المتحلقين في سوقهم وصورة البرتغاليين المستوفزين المسرعين ذهاباً وإياباً.

وبعد أن وظف بامطرف عنصري المفاجأة والتشويق في المقطع السابق نراه يوظف تقنية تواتر السرد كي يتابع ما كان قد انقطع عن متابعته من أحداث القضية الواقعة في حاضر السرد بعد أن ضمن أن القارئ متشوق لمعرفة بقية الأحداث وليزيل عنه الالتباس الذي ربما اعترى فهمه نتيجة ذلك الانقطاع في السرد ومن ثم يسد الفجوة السردية المبهمة فيقول:

“بعد وصول الأسطول البرتغالي إلى ميناء الشحر بساعة أو ساعتين نزل منه إلى الساحل ثلاثة من البحارة البرتغاليين يحملون رسالة من القائد”(37) وأتى بامطرف إلى توصيل وتوضيح لقاء أولئك البرتغاليين الثلاثة مع أمير البحر وأمير الديوان.

ثم تتطور الأحداث إلى حصول المعركة لمدة ثلاثة أيام بين البرتغاليين المسلحين من جهة والأهالي العزل إلا من سيف أو رمح أو فأس أو حجارة.وقد جمع بامطرف في عرضه لتلك المعارك وأثرها على الوضع العام في المدينة بين تقنيتي السرد والوصف مستخدماً لغة شعرية أنيقة رفيعة النسج مع كونها مفهومة بسيطة في متناول القراء عامة مثقفين وغير مثقفين. وقد وظف بامطرف الوصف الذي يأتي عرضاً في خضم سرد الأحداث لتسليط الضياء على بعض الأحوال أو المواقف أو المشاهد أو العواطف أو الأبعاد أي أن الوصف كان نافعاً في ذلك السرد مطوراً للحدث ألقى عليه مسحات من الجمال الفني فتجنب بذلك فجاجة السرد(38) الذي لم يتعطل أو يتعرقل بفعل ذلك الوصف بل أتى على نحو ما ذكرنا.

يقول بامطرف في هذا السياق يعرض لنا أحداث اليوم الأول من الغزو:

“نزل البرتغاليون في زوارقهم الصغيرة في دفعات إلى ساحل الشحر وقد قدر عددهم بأربعمائة مقاتل مسلحين بالبنادق النارية وحاملين معهم معدات الحريق وكميات من البارود والنفط. وكان البعض يحمل سلالم خشبية ذات درجات سلكية… وأول ما فعله المعتدون أنهم أضرموا النار في مستودعات الأخشاب وفي أحواض بناء السفن الممتدة على الساحل, ثم توغلوا في أزقة حارة (القرية) وكانوا يطلقون النار على كل من يصادفونه من الأهالي.

وسرت أنباء نزول المعتدين في المدينة فهرع الرجال كل إلى جماعته بسيوفهم ورماحهم وأفؤسهم وعصيهم, وكان البعض يحمل الخناجر والأحجار في أيديهم وواجهوا المعتدين في مجابهة ضارية إن كانت بعيدة عن التكافؤ في السلاح فإن أقل ما توصف به أنها كانت عالية جداً في روح الاستماتة. لقد دبت روح الفداء في صفوف كل الجماعات المدافعة عن المدينة, إذ كان كل فرد يشعر بأنه مهدد تهديداً سريعاً مباشراً في روحه وماله وعرضه وشرف وسلامة وطنه.

وتفرق الغزاة في جماعات صغيرة في المدينة, فمنهم من اقتحم المنطقة التجارية وراح يحطم أبواب الحوانيت المغلقة وينهب من محتوياتها ثم يشعل النار في الحانوت وما تبقى فيه من سلع.

وذهبت جماعة منهم إلى إصطبل الخيل الكائن بساحة السوق فأطلقوا الخيل من أرسانها ثم أطلقوا خلفها الأعيرة النارية فهبت تجري مذعورة في الأزقة تصدم وتدوس كل من تصادفه في طريقها من الشيوخ والعجزة.

وتوغلت جماعات من المعتدين داخل المدينة لإحراق الديار وقتل الأهالي… ودارت معركة دامية في ساحة” القبان” المشهورة قتل فيها سبعة وثلاثون برتغالياً وهندياً وما يقرب من ثمانين رجلاً من أهالي الشحر بينهم سبعة من أبناء الجالية الهندوكية الذين اشتركوا في المعركة إلى جانب أهل الشحر… وفي خضم هذا الأتون الدامي الملتهب سقط العشرات من أبناء الشحر بين قتيل وجريح.

وكان الأمير مطران وصحبه الستة على رأس الكتل البشرية الملتحمة في قتال مرير مع البرتغاليين المعتدين.

… وكان جو المدينة مغلفاً بالدخان الكثيف المتصاعد من الحوانيت ومستودعات الأخشاب وحضائر السفن ومعاصر الزيت والأبنية والأكواخ المحترقة.

وفي منتصف النهار انسحب البرتغاليون إلى الساحل حاملين معهم بعض القتلى والجرحى من أصحابهم. وباتت مدينة الشحر ليلة حزينة كاسفة… لكن المدافعين استطاعوا لمّ صفوفهم من جديد”(39).

اجتمع – كما قلنا – السرد والوصف في المقطع بصورة متضافرة ولكلٍ منها وظيفته، فقد جاء السرد هنا بتقنية التلخيص مؤدياً وظيفة التقديم العام للمشاهد والربط بينها، وذلك عبر فقرات قصيرة قد لا تتجاوز السطر الواحد، وكأن بامطرف يريد أن يعرض علينا وقائع ذلك اليوم في إيقاعات سريعة حتى ليبدو أن السرد أحياناً يقترب من المشهد ثم لا يشاء بامطرف أن يسوق لنا الأحداث في سرد خال من الوصف ليطري لنا الوقائع باللمسات الوصفية.

وقد أدى ذلك الوصف عدة وظائف منها وظيفة تفسيرية دلالية بالكشف عن الأبعاد النفسية لأهالي الشحر مما أدى إلى تفسير سلوكهم وموقفهم نحو غزو بلادهم من قبل المعتدي الذي يفوقهم في القوة وذلك حيث يقول بامطرف “أقل ما توصف به أنها… إلى وطنه” وبالمقابل يصف قوة المعتدي في عدد جنوده وعدته الحربية وذلك في مستهل المقطع المذكور.

أما المكان فيصفه بامطرف وصفاً موضوعياً جاء بمعزل عن حركية الحدث ليسلط ضوءاً على جو المدينة حيث يقول “وكان جو المدينة مغلفاً.. إلخ”.

وخلال ذلك كله كان بامطرف يستخدم لغة سردية رفيعة النسج، وهي رغم بساطتها تخللها بعض العبارات البلاغية الأنيقة كقوله:

“في خضم هذا الأتون الدامي الملتهب”

“على رأس الكتل البشرية الملتحمة في قتال مرير”

“باتت مدينة الشحر ليلة حزينة كاسفة”

وكل ما ذكرناه من أساليب السرد واللغة الأدبية المشحونة بالتصوير البلاغي موجودة في معظم مقاطع هذه القصة إن لم نقل كلها وما ذكرناه هنا مثال على ما لم نذكره(40).

ولقد قام بامطرف في هذه القصة بدور الراوي الشاهد المنحاز لأبطاله مع تدخله بالتعليق والوصف الخارجي أي أن بامطرف كان حاضراً في تلك الأحداث التي لم يكن فيها محايداً ولا غرو في ذلك إذ يعد أولئك الأبطال آباءه أو هم أبناء جلدته، ومن أمثلة ذلك وصفه قادة تلك المقاومة ﺑ”أصحابنا”(41) بينما وصف البرتغاليين بالإثم في عنوانه الجانبي (الآثمون يهاجمون مدينة الشحر)(42) كما يظهر حضوره في قوله بعد ذكر استعدادات أهالي الشحر للمواجهة “فعلى بركة الله”(43) وفي حديثه عن نفسية الأهالي وهم في حالة ترقب للغزو في عشيته فقال “ومضى الليل بطيئاً، أو هكذا خيّل للبعض”(44)، كما استخدم أسلوب القسم لإثبات جدارة بعض أبطاله(45).

ولم تكن لغة بامطرف الأدبية والقائمة على التصوير البلاغي خاصة بسرده لقصة هجمة البرتغال على الشحر بل هي شاملة للكتاب كله وهذه أمثلة على ذلك:

“وهي (أي الشحر) كالغانية التي لا يكتفي العشاق بالتصارع عليها ولكنهم أيضاً يلحقون بها بعض الكلمات أو الخدوش والرضوض”(46).

“وعند خروجه (أي القائد البرتغالي) من ميناء عدن حاول إطفاء نار الهزيمة المتأججة في صدره بإحراق أربع سفن تجارية”(47).

“فأراد البرتغاليون اغتنام هذه الفرصة الذهبية للانقضاض على عدن في وقت كانت فيه عدن تلعق جراحها وتبكي القتلى من أبنائها”(48).

“وتنفست الشحر الصعداء”(49) وغير ذلك.

كما ظهر موقف بامطرف ضد البرتغاليين بوصفهم بأقبح الصفات لهم ولقوادهم في كل مناسبة فهم دمويون وقائدهم أخرق أحمق ورحلته عدوانية عابسة(50) وغير ذلك من الصفات.

وأبرز شخصية في الكتاب تعرضت لنقد وتحليل بامطرف هي شخصية السلطان بدر أبي طويرق. فقال عنه بأنه قد أظهر في سن مبكرة تطلعاً إلى الحكم وشغفاً بالرئاسة ومظاهرها(51). وعندما تولى الحكم وصف بامطرف تصرفاته بالشدة والقسوة وبالطائشة والانفعالية وبالمثيرة. وقال:

“وقد رافقت ضجة البطش هذه تصرفات السلطان بدر مدة توليه الحكم وأدارت الدائرة عليه.. لكنه بطيشه وانفعاله الذي لم يكن يعرف الضوابط والحدود أوجد لنفسه الخصومات بين الحضارم الذي استبشعوا قسوته التي لم يكن لها ما يبررها والتي لم تكن صادرة عن تعقل أو روية”(52).

ثم عقد بينه وبين شخصية أخرى تاريخية مقارنة هذه الشخصية هي الإسكندر المقدوني وأوجد بينهم ثلاثة وجوه شبه وعلل هذه المقارنة بقوله:

“إن النظائر التاريخية تبرز في أعمال الشخصيات التاريخية على درجات متفاوتة في الشبه الشكلي ولكنها متماثلة في جوهرها من حيث أنها تقود إلى إلحاق الآلام الجسيمة بالبشرية”(53).

وكان سبب اهتمامه بهذه الشخصية بالنقد والتحليل لمسؤوليتها المباشرة عن حصول الكارثة لمدينة الشحر التي كان هو حاكمها آنذاك.

2- في كتاب في سبيل الحكم:

ونريد الآن أن نقف على الملامح الأدبية لكتاب بامطرف الآخر وهو كتاب (في سبيل الحكم) الذي استعرض بامطرف فيه خمسين عاماً من التناحر السلاطيني الذي أدى إلى فرض الحماية البريطانية على حضرموت.وقد استطاع بامطرف أن يحول هذا الكتاب إلى ما يشبه الرواية التاريخية باستخدامه لبعض التقنيات الروائية وهو نفسه يشير إلى ذلك بقوله:

“إن حوادث الأيام قد أضفت على النزاع الكسادي القعيطي وهو رواية بمعنى من المعاني قدت حوادثها من صميم الواقع-كل ألوان الحقيقة التي جاوزت شطحات الخيال, وإن المفاجآت الدراماتيكية التي أحاطت هذه الرواية, تحلق بنا إلى شاهق من الشغف والتطلع, فتشدنا إلى حوادثها بقوة من البداية إلى النهاية”(54).

وقد امتاز بامطرف في هذا الكتاب بعنايته بالشخصيات التي أدارت الأحداث فقام برسم ملامحها وسبر نفسياتها وحكى كلامها الظاهري والباطني.

وأول شخصية وقف إزاءها بامطرف هي شخصية النقيب صلاح بن محمد الكسادي أحد أمراء الدولة الكسادية ومعها يعرض بامطرف تقنية المونولوج الداخلي أو المناجاة في أكثر من موضع وهي من أبرز تقنيات رواية الوعي تعمل على مسرحة العقل وتعبر عن أخص الأفكار التي تكمن في أقرب موضع من اللاشعور, ونرى بامطرف يترك أفكار هذه الشخصية تمتزج بامتداد السرد وتموجه كما لو أنها تشكل جزءاً منه, وهو لا يأتي بذلك الكلام الداخلي بضمير المتكلم وإنما نراه يقوم بدور الراوي الشاهد بالاضطلاع بوظيفة نقل الكلام الداخلي للشخصية فيبدو في المتن وكأنه كلام ذلك الراوي وهو في الحقيقة الكلام الداخلي للشخصية وقد رواه عنها الراوي الشاهد على نحو غير مباشر(55) دون إشارات شكلية على هذا النمط:

“شعر النقيب صلاح أنه أغرق في التردد إزاء الموقف الطارئ بدرجة ليس لها ما يبررها.. ولا لوم عليه في تردده هذا, فالإنسان يدركه الإعياء حينما يصادف محنة من محن الدهر العظمى, ومع ذلك, فإن عليه أن ينظر إلى موضوعه نظرة جديدة.

إن القعيطي يافعي, وهو مثله يافعي.

وما هو الذي سوف يمنعهما من أن يمثلا نفس الدور الحربي الوقائي الذي كان سلفه النقيب محمد بن عبدالحبيب الكسادي يمثله مع الأمير علي بن ناجي البريكي ضد الغزو الكثيري رغم ما كان بين الاثنين من إحن ومكائد متبادلة.

ثم, ماذا لو أن القعيطي أطاح به من على عرشه؟

ذلك غير مستغرب ولا مستبعد, إذ إن سر الحاج عمر بن عوض القعيطي قد يسري في أبنائه فالوراثة لها احتمالاتها الخطيرة.

فلتكن التطورات كما شاءت لها الأقدار.. إن الأثر اليافعي في تلك الحالة لن يزول, لكن وجوه الحكام فقط سوف تتغير.

وعلى أي حال فقد رأى النقيب صلاح أن هذا الخاطر المزعج يجب ألا يسمح له بالتقدم على الأماني العذبة التي يعلل بها نفسه”(56).

أما الشخصية الثانية فهي شخصية الجمعدار(57) عوض بن عمر القعيطي وقدم لنا بامطرف بعض ملامح هذه الشخصية الخارجية والداخلية, وهذا الوصف لا يأتي مستقلاً في وقفات وصفية وإنما يأتي عرضاً في إطار سرد الوقائع وذلك بما يفيد تطوره. وذلك كقوله:

“وخلال المجادلة مع النقيب صلاح كانت تعلو وجه الجمعدار عوض ذا التقاطيع المنغولية الشامتة مسحة من الغضب, وتخالط لهجته الحضرمية شائبة من لكنة هندية وذلك ما يعاوده حين تغمره سورة الانفعال أو الهيجان”(58).

وفي موضع آخر:

“ومن عادة الجمعدار عوض أن يجمد كالتمثال الأصم حينما يندفع متحمساً في الحديث..كان يتحدث بصوت خافت, وكأنه يخرج من أسفل حنجرته, ويتحدث عاضاً على نواجده فتتحرك شفتاه وتقوم تقاطيع وجهه المنغولي المتجهم بجميع الحركات العضلية التي يؤديها الخطباء المفوهون. لكنه كان قوي العارض, تترك كلماته المحرفة آثاراً بليغة في نفوس سامعيه”(59).

ويقول عن ذهنية هذا الشخص:

“كان الجمعدار عوض قليل الحديث جم التفكير, وهو أقل حديثاً مع من لا يعرف سلوكهم وطباعهم. وإذا تحدث إلى شخص من الذين يعرف دخائل نفوسهم, ركز حديثه على نواحي الضعف فيه فلا يلبث سامعه حتى يستكين له, فيحركه أو ينطقه كيفما أراد. وكأنه ذهب به في نومة مغناطيسية عميقة”(60).

ثم يرجع بامطرف إلى تقنية المونولوج الداخلي بالطريقة التي تم شرحها آنفاً مع شخصية أخرى هي شخصية النقيب عمر بن صلاح الكسادي وذلك حين يقول:

“بين آن وآخر تخطر الخواطر برأس النقيب عمر… منها إن القعيطي الذي ابتدأ مؤامرته على الإمارة الكسادية في أواخر أيام والده المرحوم, لن يتورع اليوم عن التآمر عليه, ولعل القعيطي يستضعفه ولا يقيم له ذلك الوزن الذي كان يقيمه لأبيه النقيب صلاح.

أما أنه الآن أضعف مما كان عليه والده من الناحية العسكرية فهذا أمر مسلم به… بيد أن القعيطي كان هو السبب فيما آل إليه من ضعف. وأما إن القعيطي يظن أن سيجده لقمة سائغة المذاق, فهذا هو الذي يرفضه النقيب عمر, ويود لو أن القعيطي أعاد النظر في ظنه هذا”(61).

كما استخدم مع هذه الشخصية تقنية الاستشراف فلخص لنا حاله وما آل إليه مصيره مسبقاً في أسطر معدودة ثم أتى على تفاصيل ذلك الحال وتلك النهاية بما يشبه فن الطي ثم النشر عند النقاد العرب القدماء:

“ورث النقيب عمر عن أبيه معضلات عويصة لم تساعده الأقدار على حلها طوال مدة حكمه, وكانت النتيجة النهائية, أن أودت تلك المعضلات المستعصية بإمارته, فخرج هو والذين آثروا اللحاق به, منفياً من بلاده ومسقط رأسه, هائماً على وجهه, هارباً في الأرض لا يعرف له اتجاهاً ردحاً من الزمن”(62).

وبعد هذه الفقرة المجملة مباشرة يأتي قوله:

“اعتلى النقيب عمر عرش الإمارة, ووادي دوعن يموج بالفتن…الخ”(63).

وعلى الرغم من ذلك لا أرى تلك الفقرة الاستشرافية قد قضت على عنصري المفاجأة والتشويق لحال ومصير النقيب عمر, بل ربما على العكس فالغموض الذي اكتنف تلك الفقرة ربما دفع القارئ لمزيد من الاستشراف لمعرفة أي معضلات تلك التي عصفت بإمارة بحالها ولمعرفة مصير ذلك النقيب على وجه التحديد والذي يتوقع منه عدم التسليم بسهولة لتلك المعضلات التي كانت من القوة بحيث أنها اقتلعته من عرشه وهوت به إلى حيث لا يدري مما يدل على هزيمته كانت غير متوقعة له, وليست في حسبانه, وكل هذه الخواطر تثيرها تلك العبارة بدون شك في ذهن القارئ وتدفعه بشدة إلى فضول الاطلاع على تفاصيل تلك المجريات.

وفي لمسة إبداعية أخرى نرى بامطرف وهو يقوم بدور الراوي الذي يسرد الأحداث ويعلق عليها يلجأ إلى ما يشبه “الاندماج العاطفي” مع حصية كانت في أحد أماكن الأحداث ساحة معركة حاسمة أراد بامطرف أن يعلق عليها فجعل ذلك التعليق على لسان تلك الحصية:

“ولو أننا استنطقنا إحدى الحصيات المبعثرة في ساحة المعركة لأخبرتنا, لو أنها استطاعت التكلم,أنها:

“كانت حرباً بين إصرار كثيري على استعادة مجد غابر كان ملء الأسماع والأبصار, وبين إصرار يافعي على البقاء في حضرموت ساحلها وداخلها بكل ما يحمله معنى البقاء من هيبة ونفوذ, لقد كان الإصرار من كل جانب يعلو هديره على قرقعة الطلقات النارية ورعد القنابل المدفعية وصليل السيوف وبريق الخناجر وزئير الأبطال وأنين الجرحى وحشرجة القتلى”(64).

لقد كان هذا التعليق على المعركة الفاصلة الذي أجراه بامطرف على لسان تلك الحصية تعليقاً تأملياً ذا لغة شاعرية لذا أورده هنا كاملاً:

“كانت حرباً بين رجلين اثنين- الجمعدار عوض والسلطان غالب, تمثلت فيها استفزازات وحميات سنين عديدة استعر أوارها من سهول حيدر أباد المخضرة وانتشر حتى عمّ قفار حضرموت الموحشة.

كانت حرباً ضغطت فيها كل الذكريات المؤلمة في وادي حضرموت وساحلها, فأتت اليوم تعبر عما كانت تختزنه في نفوسها الجريحة بالضرب والطعن المبيد لتشهد أرواح الضحايا من السلف المحلقة في سماء المعركة أن الخلف الأبرار لم يتركوا دماءها تذهب هدراً.

كانت حرباً بين عهدين سارا في اتجاهين متوازيين ليختلفا على الدوام ولم يكتب لهما الالتقاء على صعيد التفاهم والتعايش السلمي.

كانت حرباً شهدت شروق الدولة القعيطية الغنية وبعث المجد الكثيري العريق الذي أبى الزمن إلا أن يخذله ويهتصره ولما يستوي عوده بعد.

كانت حرباً مصيرية لم تقم للمغلوب فيها قائمة، كأنها كانت حرب تنازع على البقاء وبقاء الأصلح من الرجلين المتناحرين.

كانت حرباً ضاع في غمرتها سداد المنطق وخبت فيها حكمة العدل، وسادت فيها ضراوة الأنانية على حساب التآخي والعمل النافع المشترك.

وإنها فوق كل ذلك، كانت حرباً أريقت فيها دماء المئات من الجنود البواسل ليكتب فرد واحد بتلك الدماء قصيدة خلوده، وما أعجز الإنسان الضعيف المتهافت على الأبهة والسلطان عن الوصول إلى أي مرتقى في سلم الخلود”(65).

إنها قطعة تأملية أدبية نفيسة، ما أجملها لو أنها صاحبتها مؤثرات صوتية!، لكن هل نسي بامطرف هذه المؤثرات؟ لا إنه لم ينسَ فقد بدأ تلك القطعة بقوله:

“فما إن بزغت شمس اليوم التاسع عشر من شهر ذي الحجة 1283هـ حتى كانت الاتجاهات الأربعة المحيطة بالشحر تشهد حرباً طاحنة ربما لم تشهدها في أي وقت مضى على تاريخها الطويل”(66).

ثم انقطع بامطرف عن سرد باقي هذا الحدث وما آل إليه وأتى بذلك التعليق التأملي حتى أتى على نهايته فقال مستكملاً -:

“ولم تدم المقاومة الكثيرية طويلاً… فبعد ثمان وأربعين ساعة من الاقتتال الرهيب أجلى الكثيريون عن مدينة الشحر”(67).

ما معنى ذلك؟ لقد أراد بامطرف أن نقرأ ذلك التعليق – الذي أضفى عليه جمالاً خيالياً بإجرائه على لسان الحصية وجمالاً صياغياً – نقرأه وحس المعركة في أذهاننا، كأننا ونحن نقرأه نسمع وقع تلك المعركة ونتصور مجرياتها، أي أن تلك الكلمات تجري أمام أعيننا على خلفية المعركة بكل ضراوتها حتى إذا انتهى التعليق انتهت بنهايته المعركة.

وبذلك استطاع بامطرف ببراعة فنية والتي هي أشبه بفن السيناريو في أن يجعل ذلك التعليق يقوم مقام وصف المعركة إذ استطعنا به أن نحس جو المعركة وأن نتعرف على دلالاتها وأن نبصر نفسيات قادتها وأبطالها.

وقد تميز الفصل الأول من الكتاب بمظهر تمتاز به الرواية الرومانتيكية أو الرواية التقليدية الشعبية وهو سوق الشعر الذي يعبر عن الحدث السابق معلقاً ومعللاً ومحللاً، لشاعر واحد هو الشاعر المحبب لبامطرف المعلم عبدالحق الدموني(68) وهي -بطبيعة الحال- كلها بالشعر العامي ومن أمثلتها:

يا اللي تبعت الشور ذي ما يربح من ذا الذي لك ذي المحازي جابها

ياذي رداك الشور ذا من شـارك شـوره رداك اليوم من هبابهـا

أنا الذي قد قلت لك: لا تعجل الشحر قد جاتك وأنت أبدى بها”(69).

ويقول بامطرف عن تلك الفواصل الشعرية:

“تلك نظرة شاعر عاصر الحادثة كما عاصر غيرها من الحوادث الدامية بين يافع وآل كثير. غير أن هذه الأبيات الصادقة لم تقلل من حدة سياسة السلطان غالب بن محسن, ولم ترفع, في الوقت نفسه من معنوية النقيب صلاح.

إن الصراع الذي تراكمت سحبه في الأفق بين الرجلين, كان أعمق من أن تذهب به تصورات شاعر, على ما في تلك التصورات من دقة وصف وحس سبك وروعة خيال”(70).

لقد جعلت تلك المقاطع الشعرية المطولة في الغالب التي تخللت وقائع الفصل الأول من هذا الكتاب ذي الفصول الأربعة, جعلته أشبه ما يكون بالأوبريت أو المسرحية الغنائية التي تلي الأنشودة فيها كل حدث ذي بال.

أما سائر فصول الكتاب الثلاثة فقد تميزت بأسلوب آخر هو أسلوب أو قالب الرسالة, إذ صارت الشخصيات هي التي تحكي الحدث بضمير المتكلم ومن وجهة نظرها وعلى حد علمها وعلى قدر نفسيتها.

ومن المعلوم أنه “في الرسالة الصادرة عن الشخصية القصصية يستطيع الكاتب غالباً أن يستغل إمكانيات كثيرة لرسم الأبعاد المختلفة للشخصية يمنحها هذا القالب, فالبوح والتصريح يصدران عن الشخصية مباشرة والصدق والكذب والمغالطة والتلقائية, كلها أمور تجد الفرصة مواتية في الرسالة, والكشف عن أسرار الماضي وعقد الحاضر,ووجهة نظر الشخصية في ذاتها وفي الآخرين, ودور معرفة الشخصية الفطرية والمكتسبة بنفسها وبمن حولها.كل ذلك يتسع له المجال في القصة حين تقدم من خلال الرسالة المكتوبة بخط بطلها”(71).

وقد لجأ بامطرف إلى هذا الأسلوب عندما رأى مصادر التاريخ متضاربة حول بعض الحقائق وكلٌُُُ يروي الأحداث بحسب منظوره الخاص وبما يخدم مقاصده ومصالحه ويلقي على الآخر التبعات والأخطاء واختلط بذلك الصدق بالكذب بالمغالطة بالتحامل على الآخر.

فقسم بامطرف هذه المصادر إلى روايتين تمثل كل منهما وجهة نظر وتجري هاتان الروايتان على لسان الشخصيتين المتنازعتين دونما تدخل من بامطرف في توجيه الحقائق أو الانحياز لطرف دون آخر كل عمله هو ترتيب الأحداث في الروايتين وحسن صياغتهما. يقول بامطرف معبراً عن ذلك:

“لنأخذ من أدلة التاريخ المبعثرة هنا وهناك مادة ننسج منها روايتين مترابطتي الأطراف, نجري الأولى على لسان النقيب عمر ونجري الثانية على لسان الجمعدار عوض. ولن يكون لنا سهم في حبك هاتين الروايتين غير الصياغة الأدبية وما اقتضاه ربط الوقائع وتسلسلها المنطقي”(72).

وهذا هو ما يسمى حديثاً بالرؤية الداخلية التي يظهر فيها الراوي محدود العلم أو الراوي المشارك الذي تتساوى معرفته بمعرفة الشخصيات الروائية, وهي رؤية تنطلق من أسلوب السرد الذاتي الذي ينفتح على ضمير المتكلم بطريقة اعتراضية على طريقة السيرة الذاتية أو ما يتعلق بذات شخصية أخرى في الرواية(73).

وهذا مثال على نمط الرواية الأولى:

“يقول النقيب:

في الساعة الثامنة من مساء يوم الخميس الثامن عشر من يوليو 1873م قدم الجمعدار عوض من الهند إلى المكلا, ولم يكن لدينا إشعار سابق بقدومه.

ولدى سماعي الخبر, أرسلت أخي محمد بن صلاح وعدداً من مقادمة يافع والحاشية للترحيب به على ظهر السفينة التي أقلته إلى المكلا.. وعاد أخي مع بقية المرحبين وذكروا أن الجمعدار عوض سوف ينزل إلى البر في الساعة الخامسة من صباح الجمعة. وفي الموعد المحدد ذهبت مع لفيف من أعيان البلاد إلى الساحل لمقابلة الجمعدار.. وطال انتظارنا, وابتدأ الناس يغادرون الساحل إلى الجامع لأداء صلاة الجمعة.

وكنا قد أعددنا للقادم استقبالاً مناسباً, واختل برنامج الاستقبال.

ومن حسن الحظ كان البحر هادئاً, فنزل الجمعدار في الساعة الحادية عشرة صباحاً, واعتذر عن تأجيل موعد نزوله وقال أنه كان قد أوفد إلينا من أنبأنا عن عدم رغبته في أي استقبال رسمي, ذلك لأنه أتى للتعزية في وفاة والدنا, والحقيقة أن أحداً لم يأتِ إلينا بخبر منه عن عزوفه عن الاستقبال وأخذناه إلى الحصن حيث حلّ ضيفاً كريماً علينا خمسة عشر يوماً, سافر بعدها إلى الشحر”(74)..الخ.

ولم يقتصر الأمر على هاتين الروايتين وإنما هناك العديد من الرسائل لشخصيات متعددة أخرى دخلت في سياق الأحداث على لسان كاتبيها إلى آخر لحظة حيث أنهى بامطرف كتابه أو قصته التاريخية هكذا:

“وفي اليوم الثاني من شهر ديسمبر 1898م تلقت الحكومة البريطانية من المعتمد البريطاني بزنجبار البرقية التالية:

“بمزيد الأسف ننعي إليكم وفاة عمر بن صلاح الكسادي النقيب السابق للمكلا” وأسدل الستار على النزاع الكسادي القعيطي بعد أن احتل فترة من التاريخ الحضرمي امتدت ثلاثين عاماً.

“انتهى”(75).

فأبى بامطرف أن يخبرنا عن وفاة البطل إلا عن طريق رسالة ذلك المعتمد البريطاني وذلك نسقاً على الأسلوب الرسائلي الذي طغى على سرد الأحداث.

لكن- وبطبيعة الحال-لم ينس أنه باحث ومؤرخ في هذا الكتاب قبل كل شيء لذا فهو وإن كان يعرض الروايات أو الرسائل على علاتها إلا إنه يخصص جزءاً من الكتاب لمناقشة ما ورد فيها ومعارضتها بروايات ورسائل أخرى ما استطاع إلى ذلك سبيلاً تامة.

وامتاز الفصل الأخير من هذا الكتاب بخاصية سردية أخرى إذ أتت أغلب أحداثه على طريقة وأسلوب اليوميات وهو أسلوب معروف في الرواية استخدمه العديدون وقيمته وأهميته تكمن في تقديم الأحداث في صورة حية. وقد استعرض بامطرف بهذا الأسلوب العمليات العسكرية البريطانية ضد النقيب. وتبدأ كل يومية بذكر اسم اليوم وتاريخ اليوم والشهر والسنة وكان عددها إحدى وعشرين يوماً. ابتداء من يوم الأحد 23 أكتوبر 1881م إلى يوم الأحد 13 نوفمبر من نفس العام(76).

لكن الأمر أو الميزة التي شملت الكتاب كل الكتاب هي لغة بامطرف ذات الصياغة الأدبية الرائقة والسبك السهل الممتع والتعابير البلاغية الحية. ويكفينا أن نضرب بعض أمثلة على ذلك:

“هذا الشعور بالحاجة يلون في كثير من المرارة, ثقة النقيب صلاح بنفسه بألوان شتى من الاعتزاز والمذلة”(77).

“ولكنه كان كالمؤذن في مالطة! لقد وجد أمامه كتلة من التصميم, إن البريكي أبى إلا أن ينطلق وليكن ما شاءت الأقدار”(78)

“ومرت على محياه سحابة تفاؤل خفيفة”(79)

“وتبخرت أحلام الجمعدار عوض..! “(80)

“إن أسباب ونتائج التناحر الكسادي القعيطي لونت الموقف السياسي الحضرمي في عين حاكم عدن بألوان قزحية زاهية”(81).

“وتقدرون فتضحك الأقدار”(82) وغير ذلك.

كما برزت تقنية الاستشراف في هذا الكتاب في عناوينه وفي بعض تعليقات المؤلف أو إن شئت الراوي.

فالعنوان ” في سبيل الحكم” هو عنوان لعمل أدبي أكثر منه لعمل تاريخي إذ كان بإمكان المؤلف أن يضع لكتابه عنواناً يدل على موضوعه مباشرة كما هي عادة المؤرخين إلا إنه لم يفعل ذلك ووضع هذا العنوان الذي يفتح الباب على مصراعيه لخيال القارئ وتوقعاته, وهو يبدأ بجار ومجرور دون ذكر متعلقهما الذي ربما يكون “صراع أو مؤامرة أو دسائس” وغيرها من الطرق المعروفة في التاريخ الطويل في السياسة للاستيلاء على السلطة والنفوذ.

وكذلك بعض العناوين الفرعية بداخل الكتاب من مثل:

“رسالة غيرت مجرى التاريخ”(83)

“وليمة الذئب”(84)

ومن الأخبار الاستشرافية قول بامطرف:

“كانت الحملة العسكرية التي وجهها غالب بن محسن على المكلا حركة انتحارية تعرضت في حينها لنقد المهتمين بالأحوال السياسية المحلية”(85).

وهو نوع من الاستشراف الإعلاني إذ لا يتقدم القارئ قليلاً في الكتاب حتى تتكشف له حقيقة ومجريات تلك الحملة وما تعرضت له من نقد. ولم يدم انتظار القارئ طويلاً.

لكن الاستشراف الذي دام مع القارئ حتى نهاية الكتاب قوله:

“ولم يدر بخلد النقيب صلاح أنه بهذه الرسالة قد سدد أول معول إلى بنيان إمارته لتحطيمها”(86).

وقد لحق بهذه العبارة عبارة أخرى بينت حال النقيب عمر ابن النقيب صلاح سبق ذكرها في البحث. وهو من الاستشراف التمهيدي الذي يقوم على تطلع القارئ ودفعه إلى تخيل المستقبل وإلى الإقبال على القراءة, وجعله في حالة انتظار مما يقوده إلى تجدد المتعة الروائية.

وأفضله هو الذي ينتج متعة لدى القارئ لا تنفد قبل نهاية الرواية وهو ما حدث عند بامطرف في هذا الكتاب إذ ظلت الحوادث تتوالى حتى أدت في النهاية إلى النتيجة المتوقعة وهي انهيار إمارة النقيب, الإمارة الكسادية.

ويتضح مما سبق أن بامطرف وظف الاستشراف كما حدد نقاد الرواية وظيفته في الربط بين الحوادث ودفع السرد قدماً إلى الأمام(87).

وفي الختام يمكننا التأكيد بأن بامطرف قد استخدم في نصوصه التاريخية أسلوبا حديثا ومتميزا في كتابة التاريخ. وهو أسلوب يجمع بين علمية التاريخ وفنية عرضه حيث كان بامطرف يضبط أحداثه التاريخية بمعايير علمية واقعية ثم يعرضها على قارئه بأسلوب أدبي فني وظف فيه بعض التقنيات الروائية والقصصية. وقد حاولنا أبراز ذلك من خلال قراءتنا التحليلية لكتابيه: (الشهداء السبعة) و(في سبيل الحكم).

الهوامش :

(1) بامطرف الغائب 14

(2) م . ن 21

(3) دراسات في تاريخ حضرموت الحديث والمعاصر/ صالح علي باصرة، دار المسيرة- عمان، 2001م/62

(4) إثبات ما ليس بمثبوت/ عبدالخالق عبدالله البطاطي، دار البلاد- جدة، 1989م/7

(5) الجامع 1/13

(6) القصة في الأدب اليمني

(7) م . ن

(8) م . ن

(9) م . ن

(10) القصة في الأدب اليمني

(11) قصة القصة 2

(12) القصة في الأدب اليمني

(13) قصة القصة 2

(14) انظر: الأدب المقارن 241

(15) انظر: الرواية والتاريخ / عبدالرزاق عيد وغيره، دار الحوار- اللاذقية، 1991م/7

(16) انظر: الأدب المقارن 242

(17) في سبيل الحكم/ محمد عبدالقادر بامطرف، دار الهمداني للطباعة والنشر- عدن، ط2- 1983م/15

(18) م . ن: 137

(19) الشهداء السبعة:7

(20) م . ن: 9

(21) م . ن: 8

(22) في سبيل الحكم 7

(23) م . ن: 143

(24) انظر مثلاً الصفحات: 152،114،109،92وغيرها

(25) الشهداء السبعة 7وانظر الصفحات: 98،94،72وغيرها

(26) انظر: زمن الرواية/ جابر عصفور، دار المدى للثقافة والنشر- دمشق،1999م/193

(27) الشهداء السبعة 7

(28) الشهداء السبعة 85.

(29) الرواية والتاريخ 88.

(30) انظر: تقنيات السرد في النظرية والتطبيق/ آمنة يوسف، دار الحوار للنشر والتوزيع- اللاذقية،1997م/82

(31) الشهداء السبعة 85

(32) تقنيات السرد 92

(33) الشهداء السبعة 86

(34) تقنيات السرد 93

(35) الشهداء السبعة 87

(36) الشهداء السبعة 87

(37) الشهداء السبعة 87

(38) انظر: في نظرية الرواية 293- 295

(39) الشهداء السبعة 93- 95

(40) الشهداء السبعة، أنظر: الصفحات ما بين 83- 100

(41) م . ن: 92

(42) م . ن: 93

(43) م . ن

(44) م . ن: 92

(45) انظر: م . ن: 99

(46) الشهداء السبعة 44

(47) م . ن: 66

(48) م . ن: 70

(49) انظر: م . ن: 99

(50) انظر: م . ن: 73

(51) م . ن: 77

(52) م . ن: 78

(53) م . ن: 82

(54) في سبيل الحكم 141

(55) انظر: الرواية والتاريخ 79

(56) في سبيل الحكم 32-33

(57) الجمعدار : رتبة عسكرية

(58) في سبيل الحكم 63

(59) م . ن : 64

(60) في سبيل الحكم 65

(61) م . ن: 78

(62) م . ن: 77

(63) م . ن: 48

(64) في سبيل الحكم 48

(65) في سبيل الحكم 49

(66) م . ن: 48

(67) م . ن: 41

(68) شاعر عامي من حضرموت ت:1289هـ

(69) في سبيل الحكم 24، الشور: المشورة,ذي: الذي,المحازي: الأخبار غير الواقعية,جابها: أتى بها,شارك: أعطاك المشورة, الهباب: الجرف ,أبدى بها: أولى بها

(70) في سبيل الحكم 29

(71) القصة القصيرة/ صلاح رزق , مكتبة الآداب- القاهرة, 1993م/190

(72) في سبيل الحكم 79

(73) انظر: تقنيات السرد 35

(74) في سبيل الحكم 80

(75) م . ن: 154

(76) انظر: في سبيل الحكم 144-151

(77) م . ن: 34

(78) م . ن: 63

(79) م . ن: 65

(80) م . ن: 68

(81) م . ن: 120

(82) م . ن: 26

(83) م . ن: 34

(84) م . ن: 120

(85) في سبيل الحكم 24

(86) م . ن: 36

(87) انظر: بناء الرواية العربية االسورية/ سمر روحي الفيصل, اتحاد الكتاب العرب- دمشق, 1995م/ 214- 225.

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: