مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

أبوبكر بن شيخ الكاف باني حضرموت الحديثة

Posted by amshoosh في يوليو 11, 2011

أبوبكر بن شيخ الكاف باني حضرموت الحديثة

بقلم أ. د. مسعود عمشوش

في سنة 1886 يؤكد المستعرب الهولندي فان دن بيرخ في كتابه “حضرموت والمستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي” أن المهاجرين الحضارم، بعكس الأوروبيين، لا يحولون جزءا من ثرواتهم إلى بلادهم حضرموت، وذلك لأسباب عدة: أهمها عدم توفر الأمن وسوء الأوضاع المعيشية في بلادهم.* ومع ذلك سنحاول في السطور الآتية أن نعطي لهذا التأكيد شيئاً من النسبية. فأبو بكر بن شيخ الكاف الذي نود أن نقدمه هنا واحد من المهاجرين الحضارم الذين دفعهم انتماؤهم الوطني، والسياسة التعسفية التي مارستها السلطات الاستعمارية البريطانية والهولندية في الأرخبيل الملايوي-الاندونيسي ضد أبناء العرب، والأخذ بالمثل الحضرمي القائل “مال ما هو في بلدك لا لك ولا لولدك” إلى الشروع منذ مطلع القرن العشرين في تحويل جزء كبير من ثرواتهم إلى حضرموت من أجل توظيفها في تحريك عجلة الاقتصاد والتحديث فيها.

 وقد عاد أبو بكر بن شيخ الكاف من سنقافورة التي ولد فيها سنة 1890 إلى بلاد آبائه في مطلع القرن العشرين مع جزء كبير من ثروته. وفي البدء، رأى، مثل عدد من العائلات الأخرى، أنْ يركز على الاستثمار في المجال الزراعي. لكن سرعان ما تبيّن له أنّ جملة من العراقيل المرتبطة بطبيعة النظام الاجتماعي والسياسي والجهل والمرض والفقر الذي تعاني منه حضرموت، بالإضافة إلى انعدام وسائل النقل الحديثة، لن تمكنه من تحقيق أي تطور، وأدرك أن القيام بدور فعّال في النهوض الاقتصادي بالبلاد لن يتأتى إلا من خلال الدخول في معترك الحياة السياسية والاجتماعية. لهذا اضطر أن ينفق كثيرا من أمواله لإقناع مختلف سكان حضرموت، لاسيما القبائل التي كانت تعيش حروبا متواصلة، على توقيع هدنة لمدة ثلاث سنوات. وتحمّل لوحده أكثر من 80% من تكاليف أول طريق للسيارات بين وادي حضرموت والمدن الساحلية. وانفق بسخاء من ماله لفتح عدد من المدارس وأول مركز صحي في مدن وادي حضرموت، وتأسيس صحيفة “التهذيب” في سيؤن. كما خصص مبالغ كبيرة لتعويض البدو الذين تضرروا من افتتاح طريق السيارات. كل ذلك قبل مجيء المستشار البريطاني هارولد انجرامس الذي في الواقع استفاد كثيراً مما أنجزه أبوبكر الكاف في سبيل تحقيق شيء من الاستقرار والتحديث في وادي حضرموت. ومن المعلوم أن جهود أبي بكر بن شيخ الكاف كانت تتعثر في بعض الأحيان بسبب تزمت بعض رجال الدين وأقاربه المحافظين، وابتزاز البدو، وانتفاضات العبيد في تريم. وقد اضطر الكاف نتيجة لذلك إلى ترك تريم والاستقرار في سيؤن عاصمة الدولة الكثيرية التي قام بتنظيم سوقها وتسوير مقابرها، وشيّد فيها عددا من القصور ودارا ضخماً للضيافة – سنة 1934- نزل فيه المستشارون والطيارون ومعظم الرحالة الأوروبيين الذين أشادوا في كتاباتهم بكرم أبي بكر الكاف ودوره في بناء حضرموت.

وفي مطلع الثلاثينات من القرن الماضي دفع طموح أبي بكر بن شيخ الكاف في نشر السلام في حضرموت وعقد اتفاقيات صلح بين القبائل المتناحرة إلى إقدامه على دفع مبالغ ضخمة لعدد كبير من أصحاب الثأرات في حضرموت. وقد انتقده عدد من افراد اسرته على ذلك التبذير لثروة العائلة. وبالمقابل استغل انجرامس تلك المبادرة لحسابه الخاص وطورها في ما سمي بعد ذلك بصلح اجرامس. وقد أشار المؤرخ بن عبيد اللاه إلى ذلك في كتابه بضائع التابوت. وتقاطع ذل ايضا مع مصالح بريطانيا التي كانت تسعى حينئذ إلى بسط نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي كليا على حضرموت، وتوفير الأمن اللازم لخبراء التنقيب عن البترول الذين وصلوا إلى المناطق الواقعة شرقي تريم منذ سنة 1937، أي حتى قبل وجود اتفاقية الاستشارة مع الدولة الكثيرية التي وقعت في مطلع سنة 1939.

لذلك كان لابدّ للحكومة البريطانية أن تعترف بريادة أبي بكر الكاف في تأسيس حضرموت الحديثة. ولهذا منحته سنة 1938 لقب “زميل الإمبراطورية البريطانية” الذي كان قد عزم على الذهاب إلى بريطانيا لتسلمه لولا الاضطرابات التي كانت تعاني منها حضرموت بسبب انتفاضة الحموم والغارات البريطانية على قراهم ووفاة السلطان علي بن منصور المفاجأة في نهاية تلك السنة. وفي سنة 1953 منحت الحكومة البريطانية أبا بكر بن شيخ الكاف لقب “فارس الإمبراطورية البريطانية”، الذي قلدته إياه الملكة إليزابيث بنفسها خلال الزيارة الوحيدة التي قامت بها لعدن في شهر ابريل من سنة 1954. ويقال إنّ أبا بكر بن شيخ الكاف، خلافا للعادة المتبعة في مثل تلك المناسبة، قد أعفي من الانحناء أمام الملكة بناء على طلبه.

 إن النجاح الذي حققه مشروع الكاف التحديثي في حضرموت يمكن أن يُفسّر بأن صاحبه لم يحصر جهوده، مثل آل مرتع في هينن، في إطار الاستثمار الاقتصادي. ولم يكرسها، مثلما حاول بن عبدات في الغرفة، لتحقيق بعض المكاسب السياسية. فهو، كما سبق إن ذكرنا، أدرك أن القيام بدور ناجح في الجانب الاقتصادي للبلاد يحتم عليه الاضطلاع بدور فعال وغالي الثمن في الحياة الاجتماعية والسياسية.

هذا وقد توفي السيد أبوبكر بن شيخ الكاف في بيت زوج بنته مشهور بن حسن الكاف في سيؤن سنة 1965. وفي نهاية هذه السطور نتوجه إلى وزارة التربية والتعليم لنطلب منها أن توفي بوعدها وتقوم بترميم “دار الكاف للضيافة” الذي حوله هو بنفسه في مطلع الستينات من القرن الماضي إلى مبنى لمدرسة سيؤن الوسطى. ونقترح أن تتم الاستفادة من جزء منه لفتح متحف للبناية الطينية في حضرموت.

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: