مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

موقف الشاطري تجاه معاهدة الاستشارة

Posted by amshoosh في يوليو 11, 2011

قراءة أولى في موقف المؤرخ محمد أحمد الشاطري

تجاه معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والكثيري

أ. د . مسعود عمشوش

يبدو أنّ عوامل ذاتية واجتماعية وعلمية قد تضافرت وتداخلت في تشكيل موقف الأستاذ المؤرخ محمد أحمد الشاطري الحذر تجاه معاهدة الاستشارة بين السلطنة الكثيرية في وادي حضرموت وبريطانيا، التي وقّعت سنة 1939م، بعد جهود ومساعٍ كبيرة بذلها كل من انجرامس والسيد أبي بكر بن شيخ الكاف. ومن تلك العوامل ما يتعلّق بشخصية محمد بن أحمد الشاطري في كل مرحلة من مراحل عمره. فهو عند توقيع المعاهدة كان شابًا شديد الذكاء ومثقفًا طموحًا يتطلع للمشاركة الفعلية في مختلف نواحي الحياة الأدبية، السياسية والاقتصادية في البلاد، وكان العنصر الأكثر نشاطًا في جمعية الأخوة والمعاونة في تريم التي أصدرت سنة 1938م صحيفة (الإخاء).

وقد سافر إلى جزر الهند الشرقية سنة 1936م ليدرس في مدرسة الجنيد في سنغافورة وهناك التقى هو أيضًا بانجرامس.

وفي سنة 1944م عُيِّن عضوًا في المجلس العالي للقضاء في المكلا.

وفي سنة 1945م تولى لفترة قصيرة الإفتاء في مجلس الدولة الكثيرية.

وفي سنة 1964م طلب منه المشاركة في تأسيس المدرسة الثانوية في سيئون التي درس فيها سنوات عدة.

لهذا لم يكن من المتوقع أن يعبّر الأستاذ محمد بن أحمد الشاطري كتابيًا عن آراء يمكن أن تضعه صراحةً ضمن ما يمكن أن يحسب أنّه معارضة سياسية ويمكن أن تحرمه بالتالي من القيام بأي دور فعلي في الحياة الاجتماعية والسياسية في بلاد لم تكن تعرف في ذلك الحين شيئًا اسمه الديمقراطية وتعدد الآراء السياسية.

ولاشك أيضًا أن الميول العلمية للمؤرخ الشاطري قد أسهمت هي أيضًا في عدم إقدام الشاطري على الإفصاح عن مواقفه السياسية لاسيما حول الأحداث المعاصرة. ومع ذلك، فالأستاذ المؤرخ محمد أحمد الشاطري ترك لنا كثيرًا من النصوص التي سنحاول من خلال القراءة بين سطورها أن نبرز بعض الملامح التي يمكن أن تكشف لنا موقفه تجاه معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والكثيري.

فعندما عاد الشاطري من جزر الهند الشرقية في مايو 1940م وجد مدينته تريم تعيش في ظل نظام سياسي جديد بعد أن وقعت اتفاقية الاستشارة. وكان الناس في ذلك الحين يطلقون على ما حدث اسم (الانقلاب) ويقصدون به : تغيّر الوضع السياسي. وبعد وصول الشاطري إلى تريم أجرى معه الصحفي الشاب علي عقيل بن يحيى مقابلة طويلة في العدد 21 من صحيفة (الإخاء) يوليو 1940م. في هذه المقابلة سأل ابن عقيل الشاطري:

– هل رأيتم فرقًا جديرًا بالذكر بين الحالة التي غادرتم فيها حضرموت والحالة الحاضرة؟

– وقد أجاب الشاطري قائلاً:

في الواقع لم يكن هناك فرق أو تطور بين الحالتين جريٌّ بأن يلاحظ غير التطوّر السياسي.

ويرفض الشاطري أن يفصح عن رأيه حول هذا التطوّر أو عن نتائج لقائه مع انجرامس في سنغافورة فهو، عندما يسأله علي عقيل؛ ” – ما رأيكم أنتم الشخصي باعتباركم رئيس هيئة جمعية الأخوة والمعاونة في هذا الانقلاب أو بعبارة أدق في هذه الوضع السياسي؟

يردّ : ” بما أنّ الحديث المتبادل بيني وبينك غير شخصي لاعتبار وجودك عندي الآن كوجود مخبر لإحدى الصحف يريد أن يطلع قراءها على ما أفضي به إليه أرى أنّه ليس في إمكاني أن أدلي إليك برأي في وضعية حضرموت السياسية. ثم زم شفتيه في إشارة غير مباشرة إلى أن أقطع الرجاء في الوقوف على رأيه في هذا الشأن، وسكت مضطرًا على هذه الإشارة. ثم قلت:

هل لكم أن تفضوا إليَّ بخلاصة الحديث المتبادل بين المستر انجرامس إبان وجوده في مهجر الحضرميين، وبين أعيان الجالية الحضرمية وممثلي هيئاتها كما أن تطلعوني أيضًا على خلاصة حديثكم معه في مقابلتكم الشخصية له كما بلغنا؟.

وردّ الأستاذ محمد بن أحمد الشاطري قائلاً :

وهذا السؤال أيضًا أرجوكم المسامحة في الجواب عنه، ويمكنكم أن تدركوا بعض الشيء في ما نوَّهت به بعض صحف المهجر الصادرة في ذلك الوقت.

وبالمقابل لم يتردد الشاطري في المقابلة، من الكشف عن موقف الحضارمة في المهجر من المعاهدة حيث يقول : “الحضرميون في المهجر تجاه هذا الانقلاب ينقسمون إلى طوائف ثلاث: أما طائفة؛ فبالنظر إلى ما أعقب هذا الانقلاب من استتاب الأمن وإخماد للفتن وتسكين للقلاقل والفوضوية والإضطرابات، فتقابله بشعور حسن وودي، وترتاح له بعض الارتياح. وأما طائفة فتعارضه أشد المعارضة على ما فيه من مضارٍ ومنافع ولا تشعر نحوه إلا بالمقت والكراهية المتناهية، في حين تبرز الطائفة الثالثة تجاهه بصورة لا شعورية، وهذا لعدم فهمها مثل هذه الشئون ومترتباتها”.

وبعد سنتين من تلك المقابلة وعندما أخذت المجاعة تفتك بعشرات الآلاف من أبناء وادي حضرموت بدأت بعض الأصوات الحضرمية ترتفع لتحمّل انجرامس وأبا بكر الكاف مسؤولية هذه المجاعة. وفي منتصف سنة 1942م ألقى الأستاذ محمد بن أحمد الشاطري محاضرة بعنوان (علماء حضرموت والسياسة)، وذلك في دار جمعية الأخوة والمعاونة بتريم. وفي هذه المحاضرة لم يتردد الشاطري في الحديث عن الاستقلال والسيادة، حيث يقول في بدايتها:

“أيُّها الحاضرون الكرام، لي الشرف أن ألقي عليكم هذه المحاضرة التي أرجو أن تبعث نشاطنا السياسي الإسلامي الذي نحن غافلون عنه في هذا العصر الذي تقوم فيه الشعور المهضومة، بل وتضحي بكل عزيز وغالٍ من أجل نيل استقلالها السياسي الذي لن يتم لها الاستقلال التام الشامل في النواحي الأخرى إلا به. ويضيف : “ونحن حين نذكر السياسة هنا فإننا نعني بها السياسة الشرعية الإسلامية التي جاء بها الإسلام. فعلى الرغم من أنّ أولئك العلماء المتقين سياسيون؛ فإنّهم لا يغدرون في سياستهم ولا يبيعون ولو شبرًا واحدًا من أرضهم للأجنبي الدخيل وحاشاهم من ذلك بل أقلّ من ذلك مما لا يقره الإسلام ولا العروبة ولا الوطنية”.

وهذا الموقف الحذر الذي نلمسه في كتابات الشاطري السابقة نجده أيضًا في كتابه (أدوار التاريخ الحضرمي) الذي يقول في خاتمته أنّه قد انتهى من تحريره سنة 1966م. وفي هذا الكتاب يتناول الشاطري أولاً الاتفاقيات والمعاهدات التي وقعتها بريطانيا مع حكام الجنوب بشكل عام ويقول إنّها ينقصها التكافؤ بين الطرفين المتعاقدين، وهي تهدف بالنسبة لبريطانيا إلى تأمين احتلالها واستعمارها لعدن… وحكام الجنوب – بدورهم – يهدفون إلى الاطمئنان على ما تحت أيديهم من ملك فلا يطردهم منه أحد، لا من الأبعدين ولا من الأقربين، وقبض ما تنفحهم به من معاشات بسيطة أو معونات خفيفة، وبذلك بقيت هذه المنطقة مبعثرة، مقطعة الأوصال ينخر فيها سوس التخلف والانحطاط، وحضرموت أوسع وأبرز إماراتها”.

وعندما يتطرق لمعاهدتي الاستشارة اللتين وقعتهما بريطانيا مع القعيطي ومع الكثيري يتحفظ الشاطري عن رأيه الشخصي ويقدّم آراء من يسميهم بـ (المتكلّمين) وهو رأي يقترب من الآراء التي نقلها في سنة 1940م في مقابلته مع ابن عقيل في صحيفة (الإخاء) على لسان المهاجرين الحضارم في جزر الهند الشرقية. فهو يقول في صفحة 414 من (أدوار التاريخ) : “وقعت معاهدة الاستشارة مع القعيطي في أغسطس 1937م ومع الكثيري 1939م وهذه المعاهدات لم تتم إلا بعد مواصلات ومراسلات وتمنعات وأخذ ورد من قبل الحكام والشعوب التي اختلفت آراء المتكلمين فيها ما بين ساخط على وقوع هذه المعاهدات رهبة في العواقب الوخيمة الناتجة عنها، وما بين راضٍ به رغبة في أمن شامل يقضي على ما مني به هذا القطر من الفتن الهوجاء والحروب القبلية والظلم الفظيع، طبقًا للمثل القائل “أرحني ولى إلى النار” وكأنّهم يرون في هذا الأمن فرصة لعمل ما يمكنهم أن يقوموا به من تقدم وإصلاح”!!

وإذا كان الأستاذ المؤرخ محمد أحمد الشاطري لم ينتقد بشكل صريح معاهدة الاستشارة في متن كتابه “أدوار التاريخ الحضرمي” فهو يضع في هامش صفحة 420 منه ملاحظة ينتقد فيها ضمنيًا رموز المعاهدة. فالملاحظة هي:

“وقبل سنوات أنتشر الخبر بأنّ الحكومة البريطانية اشترت طريق الكاف من السيد أبي بكر بن شيخ الكاف بمبلغ 200.000 من الشلنات وأسمتها طريق الملكة، وإذا صح هذا فلا ندري من أيّهما نعجب وعليه نغضب أكثر أمن البائع الذي باع ما لا يملك أم من المشتري الذي اشترى ما لا يصح شراؤه، وقد نشرت هذا النبأ جريدة فتاة الجزيرة وغيرها وكما عرفه الكثير”.

ومن اللافت أيضًا أن المؤرخ الشاطري بعكس معظم من أرخوا لتلك الفترة في حضرموت لم يعط أي اهتمام بدور المصلح والثري أبي بكر بن شيخ الكاف الذي يعدّه البعض “مشيّد حضرموت الحديثة”.

وفي مقابل هذا التجاهل يكرس الشاطري الستة عشر صفحة الأخيرة من كتابه (أدوار التاريخ الحضرمي) لترجمة العلامة والمفكّر والمصلح الاجتماعي السيد أبي بكر بن شهاب العلوي.

وعند تناوله لإصلاحات ابن شهاب وأعماله السياسية يكتب ا لشاطري بعض السطور التي يمكن أن نلمح فهيا موقفه غير المباشرة تجاه أقطاب اتفاقية الاستشارة فهو يكتب:

“ومن أعظم أعماله الإصلاحية قيامه بالصلح بين السلطنتين القعيطية والكثيرية سنة 1294هـ إذ نشبت الحرب بينهما حوالي سنتين وتضرر منها الشعب الحضرمي فأخمد نارها بحكمته ومهارته السياسية. وكانت الحكومة البريطانية قد ضغطت عليه ومدّت له شباك الرغبة والرهبة لما اندلعت الحرب العظمى متوسلة به في أن يجعل من حضرموت قاعدة حربية لها ضد الأتراك والعرب المسلّحين المقيمين بعدن ولحج، ولكنه تخلّص منها ورفض كل ما عرضته عليه من مال ونقود وسلطة وقال إني أخاف الله واحترم شرفي وشرف أمتي وآبائي وأجدادي الذين يرقدون في هذه البقاع الطاهرة”.

في الأخير، أود أن اختتم حديثي بالتأكيد أن الشاطري، على الرغم من النبرة الانتقادية تجاه الاستعمار ورموز اتفاقية معاهدة الاستشارية التي لمحناها في ثنايا بعض السطور التي قرأناها، لم يتردد في تضمين كتابه (أدوار التاريخ الحضرمي) ذكر بعض الأعمال (الإيجابية) التي قامت بها بريطانيا في وادي حضرموت. فهو مثلاً يكتب:

“وبريطانيا – فيما يظهر – لا تكره أن يتم على يدها شيء من التقدم أو الإنقاذ أو الرفاه في هذه البلاد ما دام في مصلحتها أو على الأقل لا يمس بمصلحتها، وقد تجلى ذلك واضحًا فيما قامت به أثناء الحرب العالمية الأخيرة من مكافحة المجاعة التي وقعت فيها البلاد”.

ويشير كذلك في صفحتي 412 و413 إلى بعض إيجابيات الوجود البريطاني في حضرموت قائلاً : ” تساوى الناس بعد أن نظمت الضرائب بعض الشيء بقوة الإشراف البريطاني المباشرة ونظم الجند في السلطنتين، كما نظمت المالية وغيرها من المصالح الحكومية بواسطة الإشراف البريطاني المباشر على حضرموت”.

 ألقيت هذه الدراسة في الحفل التأبيني الذي نظمته الجمعية الخيرية الحضرمية – عدن

للمؤرخ محمد أحمد الشاطري وقد نشرت في كتاب أصدرته جامعة عدن.

 

 

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: