مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

كم زكي سوف ننسى؟

Posted by amshoosh في سبتمبر 9, 2011

كــمْ زكي ســوف ننســـى!

كــمْ زكي ســوف نذكــــــر!

كم عدن سوف نبكـــــــــي!

د. مسعود عمشوش

نتفات من سيرة شهيد:

في سنة 1943 ولد زكي بركات في مدينة سعاد الشحر، م/حضرموت. وتلقى فيها تعليمه الثانوي. ومن جامعة بغداد حصل على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية. وفي عام 1973 شرع في تحضير الدراسات العليا بالمعهد العالي في القاهرة وحصل على الدبلوم سنة 1975. وخلال تلك السنوات كان زكي بركات، الذي انظم إلى حزب الاتحاد الشعبي الديمقراطي – أول تنظيم سياسي يتبنى الفكر اليساري والذي أسسه المفكر الكبير عبدالله باذيب-، ينادي بضرورة العمل على توحيد فصائل العمل الوطني في إطار تنظيم سياسي واحد. لذلك فقد شارك بفعالية في النقاشات التي سبقت عملية التوحيد وبحثت في الصيغ المناسبة له. وقد اتسمت أطروحاته بالصدق والصراحة. و في النصف الأول من سنة 1975 شارك في أعمال المؤتمر العام التوحيدي للفصائل الثلاث -“الطليعة” و”الاتحاد الشعبي الديمقراطي” و”الجبهة القومية”-، كمندوب ضمن قائمة تنظيمه الاتحاد الشعبي الديمقراطي الذي أصبح زكي بركات أحد الأعضاء البارزين في لجنته المركزية. وبعد ذلك انتخب زكي بركات عضواً في اللجنة المركزية للتنظيم السياسي الموحد الذي تمخض عن المؤتمر العام التوحيدي للفصائل الثلاث، والذي انبثق عنه فيما بعد الحزب الاشتراكي اليمني. وعمل نائباً لسكرتير اللجنة المركزية للحزب بضع سنوات. وفي سنة 1980 انتخب عضواً مرشحاً للجنة المركزية في المؤتمر الاستثنائي للحزب الاشتراكي اليمني. وتولى رئاسة تحرير صحيفة “الثوري” لسان حال الحزب حتى يوم اعتقاله في الحرب الأهلية التي اندلعت في 13 يناير 1986.

وتعكس المقالات التي نشرها زكي بركات في الصحف المحلية تمسكه بمبدئي الصدق والصراحة، ومدى شجاعته في طرح وجهة نظره السياسية ورفضه للدخول في أي اصطفاف ضد أي طرف في الساحة اليمنية. كما تناولت كتاباته الأوضاع الاجتماعية والسياسية بعين فاحصة وناقدة وبأسلوب قوي ورصين سعى من خلاله إلى فضح الاتجاهات الفئوية والتآمرية وبوضوح مبدئي لا يهادن. وبسبب مواقفه الثابتة والمناهضة للتيارات الانتهازية والتكتلات القبلية والقروية داخل الحزب الاشتراكي خسر زكي بركات كل الأطراف المتصارعة. ومن المعلوم أنه انتخب رئيساً لمنظمة الصحفيين اليمنيين الديمقراطيين حتى تاريخ استشهاده. وتبوأ مركزاً مرموقاً في هيئات اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في فترة التأسيس.

ووفقا لما جاء في أحد تقارير منظمة العفو الدولية غادر زكي بركات مكتبه بالصحيفة في عصر ذلك اليوم المشئوم 13 يناير ووقع في أيدي من يخالفه الرأي واعتقل مع عدد كبير من رفاقه المفكرين. وفي المعتقل تعرض زكي للتعذيب الجسدي المبرح. وفي إحدى ليالي شهر مارس 1986 توفى الشهيد نتيجة لذلك التعذيب. وقال قائل إنما هي رصاصة أطلقها عليه أحد جلاديه – الذين لم يعجبهم تمسك المثقف زكي بركات بقناعاته الفكرية ونبذه لسياسة العنف والفئوية والإقليمية والقبلية والقروية الضيقة- التي أودت بحياته.

وكان الشهيد زكي بركات شاعراً ذا إحساس مرهف. وتحتوي أشعاره، التي تمتاز بإيقاعات سيمترية تذكرنا قصائد صلاح عبد الصبور ونجيب سرور، على مضامين مختلفة تعكس تفاعل الشاعر مع هموم الوطن وكذلك ثقافته العلمية الموسوعية. واحتفاء بالشهيد زكي بركات الذي تحل الذكرى العشرين لاستشهاده بعد ستة شهور أصدرت الأمانة العامة لاتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين في مطلع هذا العام كتيبا (آخر المطاف) يحتوي على سبع من قصائده. كما نظم اتحاد الأدباء والكتاب فرع عدن أمسية احتفائية خاصة به شارك فيها عدد كبير من الأدباء والمثقفون، من بينهم عبد الرحمن عبد الخالق وعبد الرحمن السقاف ومسعود عمشوش وأحمد السقاف وجنيد محمد الجنيد وعبد المطلب جبر وناصر بحاح ومبارك حسن الخليفة ومبارك سالمين ونجمي عبد المجيد، وذلك يوم الثلاثاء الماضي 3 مايو 2005. كما تجدر الإشارة إلى أن زكي بركات قد أسهم في مناقشة عدد من قضايا التراث والأدب والفكر وذلك في عدد من المقالات والمقابلات والدراسات التي نشرها وفي الصحف والمجلات وأعاد نشر جزء في كتاب أصدره في مطلع الثمانينات بعنوان (في سبيل الوعي العلمي).

زكي بركات ناقداً:

من خلال قراءتنا لنص الدراسة الطويلة التي كرسها الشهيد زكي بركات لـ(الزبيري شاعر الحرية) ونشرها في عددين من أعداد مجلة الثقافة الجديدة لعام 1974 وضمنها الأستاذ عبد العزيز المقالح في كتاب (الزبيري شاعرا ومناضلا) سنة 1977، يبدو لنا أن زكي بركات قد أراد، في النقد كما هو الحال في السياسة، أن يكون محاورا ومناقشا موضوعيا. فهو كرس الجزء الأول من دراسته الطويلة تلك (أكثر من 70 صفحة) لمناقشة آراء نقاد الزبيري وتحديدا آراء كل من عمر الجاوي وعبد الله البردوني ومحمد الشهاري.

ومن الواضح أن مناقشته تلك تنبع من حرصه الشديد على الدقة في استخدام المفاهيم والمصطلحات وتفنيد المواقف بطريقة تنسجم مع التحليل العلمي للواقع اليمني. فبالنسبة لعبد الله البردوني وعمر الجاوي اختلف معهما في طريقة استخدامهما لمفهوم الوطنية الذي استخدمه الجاوي في عنوان دراسته عن الزبيري شاعر الوطنية. فزكي بركات لا يرى في مقارعة الزبيري للنظام الإمامي موقفا وطنيا بل نضالا ضد الاستبداد، ويقول في صفحة 92 (إن النضال ضد التدخل الأجنبي هو وحده النضال الوطني، أما نضال الزبيري ضد الأئمة فقد كان نضالا سياسيا اجتماعيا وليس نضالا وطنيا)

ثم يناقش زكي بركات موقع الزبيري في حركة الأحرار اليمنيين وعلاقته مع بقية أفرادها ومع سيوف الإسلام. ويدافع عن الزبيري ويرفض أن يرى فيه ممثلا للإقطاع أو متورطا مع الإنجليز أو شخصية طائفية أو إقليمية، كما رأى كل ذلك الدكتور اليساري محمد الشهاري في كتابه (اليمن: الثورة في الجنوب والانتكاسة في الشمال).

أما في الجزء الثاني من الدراسة الذي يسميه المؤلف (الزبيري مناضلا في سبيل الحرية) فيحاول زكي بركات إبراز مواقف الزبيري ضد الإمامة من خلال قراءته لشعره ونثره وبعض أعماله. فهو يقدم أولا تعريف الزبيري للإمامة من خلال قراءته لكتابه القصير عن (خطر الإمامة على وحدة اليمن). ثم يتتبع تطور موقف الزبيري النضالي ضد الإمام يحي ثم ضد الإمام أحمد. ويبرر بشكل منطقي أسلوب المهادنة وبعض قصائد المديح التي قالها الزبيري في الأمير عبد الله. إلى أن يصل مرحلة الاقتناع بضرورة (التغيير عن طريق إسقاط حكم الطغاة)، تقديم النظام الجمهوري كبديل لا غنى عنه لليمن. وفي تقديمه لنضال الزبيري يستشهد زكي بركات بعدد كبير من أبيات الزبيري وهو الأمر الذي يعطي دراسته كثيرا من الموضوعية والجدية.

(كم عدن سوف ننسى!) مقطع من مقالة كتبها ســعدي يوســف في لندن في 24/6/2004

(أتذكّـرُ ، الآنَ ، ولغير مناسبةٍ ، كيف غادرتُ عدن أواخرَ 1986 …

كيف كنّـا في مَـمَــرٍّ آمنٍ على الشاطئ أمْـكَـنَ للصليب الأحمر الدولي تدبيره ، بينما كانت الغربان تنهشُ أجسادَ القتلى في الساحات الممتدة بين المطار ومركز المدينة .

كان الرصاصُ يئزُّ فوق الرؤوس ، تماماً ، ونحن منبطحون ، نتطلّـعُ إلى الزورق الذي سينقلنا إلى السفينة تَـطَلُّـعَ

الغريقِ إلى الهواء .

غورباتشوف كان ” يُـصَـفِّـي ” امبراطوريته ، مبتدئاً بالأطراف : الحبشة وعدن …

في ” مثلّث الدائرة” كتبتُ :

الشعب يقتتل.

جمهورية الفقراء تنتحر ، وفي انتحارها تقتل أبناءَها ، صالح مصلح ، زكي بركات ، أحمد سالم الحنكي ، عبد الفتاح اسماعيل ، جمال الخطيب …

جمهورية الفقراء تنتحر ، تقتلُ حتى ســلاحَها .

في الجبل المهيمن على خور مَكْسَــر ، الجبل المخزن ، الجبل مستودع السلاح ، ظلت الذخائر تتفجر ، تندلع من منافذ الجبل ، وتندفع في الفضاء ، نيراناً حمراءَ ، وبرتقالية …

ظلَّ الجبل البركانيّ يتفجّـر”. كــمْ زكي ســوف ننســـى! كــمْ زكي ســوف نذكــــــر! كم عدن سوف نبكـــــــــي!

من قصائد زكي بركات

آخر المطاف

وها أنتِ مثلُ النخيل تمامًا

يضيع جمالكِ عند النهارِ

فلا نلتقي

يعود جمالكِ عند المساءِ

فلا نلتقي

لأني أعيش النهارَ، فقطْ!

وأنتِ

تضيعين عند النهارِ

تعودين عند المساء، فقطْ

وها أنتِ مثل النخيل تمامًا

تموتين أنتِ اشتياقاً إليَّ

أموتُ اشتياقًا إليكِ

نموتُ اشتياقًا إلى بعضنا

فيمتدُّ جسرٌ من الحزن ما بيننا

وأحمل عمري، وأرحل، أبحث عن ضحكتي

فَتحْتَ السقوفِ

تساقطَ ضحكي كثيرًا

وفوق الحقول تساقط ضحكي كثيرًا

وبين عيون الجياع، وهم يعرقونَ

ليسقوا بذورا

«لأن السماءْ

أبَتْ أن تجود بقطرةِ ماءْ

فبين السماء وأرضي جفاءْ»

تساقط ضحكي كثيرا

كمثل النخيل أراك تمامًا

فيمتد جسرٌ من الحزن ما بيننا

ويمتدُّ جسرُ الفراقِ بدون لقاءْ

ويمتدّ ضِحْكي لحَدِّ البكاءْ

الرمز والتابوت

تمشَّتْ في ضجيج الصبحِ، أسرابٌ من الليلِ

وآهٍ، منه من ليلِ

فإنَّ الليلَ قوّالُ

وإن الليل فعّالُ

وعاش الصبحُ ما

في الليل من صمتٍ

ومِنْ وحشَهْ

ومن كَأْباءْ

فقد مات الفتى، بالموتِ قد أثرى حياة الغَدْ:

فيا موتُ

صراعُ الضدِّ للضِّدِّ

مداجاةٌ وجولاتُ

فإن يبدو

أزيزُ الرعدَ، زمّارًا

يثير الحزنَ والتَّبْكاءْ

فإن الحبّ في الإنسان إنسانٌ بلا تجريبْ

كمثل المهْمَهِ المهجورِ يوقف دفَّة الأزمانْ

وجيفارا

حبيبًا كان للإنسانْ

يناغيهِ

بحَبّاتٍ من القلبِ

يُناديه

بحبّاتٍ من الفِكْرِ

ويمسك مِرودَ العمرِ

يُزوّق وجهَه المسودّ من تشكيلة الفجرِ

فيا للرمز إذ يُنجرْ

بذات الرمز تابوتا

ويا للرمز إذ يُعلنْ

تعيش اليومَ أنغامي

على درب الذي قد ماتْ

مردّدةً:

قيودُ الليل لن تُكسرْ

سوى بالمعصم الدامي

ولا تُستَورد الثوراتْ

وهل

تُستورد الثوراتْ

ليست هذه آخر الكلمات

غفوْتُ على مركبٍ لا يريمْ

وحين أفقتُ أفقتُ لأغفو

وحلمي الذي لا يريم ترامَى

على مركبٍ آخرٍ لا يريمْ

-: وداعًا

هو البحرُ، آهٍ لثقل البحارْ

وبين البحارِ و بين رفاقي

شراعٌ قصيرٌ تسامقَ حتى استحال شراعا

وها هو ذا موكبُ العاشقينْ

عيونٌ تغازل قلبَ النجومْ

وتغرس في الطين أقدامَها

تَسُلُّ من الشمس سيفَ الجياعْ

وترنو، تهدهد أحلامَها

فيا بحرُ إن الرفاقَ رياحْ

وفي جيبِ كلِّ رفيقٍ كتابْ

يخطّ على لوحة العمر لونًا

ويصرخُ: هذا أنا وذلك لوني

فيا لعبةَ اللون لا تدخليني

وإن بعتُ لوني ابصقيني

– لماذا انتظرتْ؟

– لأني غَفَوْتْ

– وحين أفقتْ

– أفقتُ لأغفو

– وداعًا

هو البحر آهٍ، لثقل البحارْ

وبين البحارِ وبين رفاقي

شراعٌ غريقٌ تماوَجَ حتى استحال بِحارا

وها هو ذا موكبُ العاشقينْ

يحدِّدُ لوني

ويهدي لعمّال أرضي سلامًا وخبزًا

وزهرًا من الفحمِ والياسمينْ

ويصرخ فيهم:

ألا أيها العاملون اشهدوا

– وكان اللقاءُ وداعًا

– ولكنني لا أقول الوداعْ

هو البحرُ يا رفقتي مِنْ ورائي

وهذا الصديقُ أمامي

ولا مِنْ مَفَرْ

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: