مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

جمالية التلقي

Posted by amshoosh في أكتوبر 3, 2011

 جمالية التلقي

أ.د. مسعود عمشوش

(نشرت المقالة في الملحق الثقافي لصحيفة 14 اكتوبر الصادر في 15 مارس 1990)

إن التأمل الجيد في المسار الذي قطعته الدراسات الأدبية النظرية والتطبيقية منذ بداية القرن الماضي يساعدنا على رؤية المنعطفات التي مر بها ذلك المسار والتغيرات الكثيرة التي طرأت على مناهج الدراسات الأدبية وحقول اهتمامها. فبينما ركز جزء كبير من تلك الدراسات على المؤلف والمعطيات التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي أحاطت بنشأة النص، وتناول الأثر الفني – في بعض الأحيان – وكأنه مجرد انعكاس للواقع، اهتمت بعض الدراسات الأخرى بالنص بوصفه خلقا إبداعيا، والبحث عن (أدبيته أو مقوماته الفنية) وخصائصه الشكلية والأسلوبية والبنيوية ووظيفة اللغة فيه، وذلك بعيدا عن شخصية مؤلفة وما يحيط به من ظروف. ولا أحد يمكن أن ينكر جودة النتائج التي توصل إليها الكثير من تلك الدراسات؛ سواء أكانت تلك التي ربطت النصوص بمؤلفيها وسياقها التاريخي، أو تلك التي حاولت أن تفسر الظاهرة الأدبية من خلال تحليل بنية النص.

ومع ذلك، فهذان النوعان من الدراسات الأدبية لم يكونا ليكشفان عن جميع أسرار النص الأدبي. فالدراسات التاريخية والاجتماعية ,مثلا, لم تستطع أن تعلل أسباب إعجابنا بنصوص كتبت في ظروف اجتماعية واقتصادية وثقافية مختلفة عن ظروفنا . كما لم تفسر الدراسات البنيوية كيف أن أثرا كألف ليلة وليلة اعتبر في القرن الثاني عشر نصا تافها مجردا من أي قيمة أدبية أصبح اليوم من النصوص العربية القليلة التي استطاعت أن تتجاوز حدود أدبنا وتترجم إلى الكثير من اللغات الأجنبية.

وعندما أدرك بعض الباحثين تلك الثغرات وحاولوا سدها، تبين لهم أن ذلك يتطلب إجراء تغيير جذري في طبيعة الدراسات الأدبية. ولم يترددوا في المباشرة في إدخال التغيير المطلوب وتجسيده بالانتقال بمركز اهتمام الدراسات الأدبية من المؤلف والنص إلى القارئ.

وفي الحقيقة، يمكننا أن نلاحظ بروز بعض الاهتمام العابر بالقارئ في كتابات بعض نقاد نهاية القرن الماضي وفي دراسات أعضاء ((مجموعة بوردو)) الذين -عند قيامهم بالبحث في علم الاجتماع الأدبي- استنتجوا أن القارئ يقوم بدور كبير في عملية الإبداع الأدبي. كما اضطر عدد من البنيويين -عند تطبيقهم لنظرية التواصل التي وضعها جاكسون- أن يشيروا إلى القارئ كمتلق للنص. لكن من المؤكد أن القارئ لم يصل إلى مكان الصدارة في الدراسات الأدبية إلا بعد امن وضع هانز روبير ياوس الأستاذ في جامعة كونستانس الألمانية يعد المؤسس الفعلي للاتجاه النقدي الذي أطلق عليه: جمالية التلقي.

وكان هانز روبير ياوس قد قدم – سنة 1969 – منهجه كمحاولة لتجديد التاريخ الأدبي الذي كان، حسب اعتقاده، قد وصل إلى طريق مسدود لأنه لم يكن في الحقيقة سواء تاريخ للمؤلفين. وأكد أن جمالية التلقي ستشكل مرحلة جديدة في الدراسات الأدبية وذلك من خلال نقل محور تلك الدراسات من العلاقة بين المؤلف والنص التي استهلكت معظم الأبحاث السابقة إلى العلاقة بين النص والقارئ. ويرى ياوس إن الإهمال الذي اقترن بالقارئ في الماضي يكشف عن جهل النقاد للوظائف المهمة التي يقوم بها المتلقي. ففعل التلقي (أو القراءة) هو وحده الذي يجسد النص الأدبي ويجعله ظاهرة محسوسة والنص ليس له وجود فعلي إلا عندما يتلقاه القارئ. وقيمته التاريخية لا تأتي إلا من الخبرة التي يكتسبها المتلقي أثناء قراءاته له. لهذا أعطي ياوس أهمية كبيرة لحجم الأثر الذي يتركه النص في القارئ، وللمعنى الذي يلصقه القارئ بالنص.

وقد ربط ياوس فهمه هذا للتلقي والأدب بشكل عام بما اسماه (أفق انتظار القارئ). ولتعريف هذا المفهوم الرئيسي في جمالية التلقي ينطلق ياوس من أن النص الأدبي يكتب (أو يرسل) لقارئ واع تكوّن لديه، أثناء تعامله مع النصوص الأدبية السابقة، وبفضل إدراكه لنظمها التعبيرية، (أفق انتظار) يحدد معالم استعداده لتلقي أي نص جديد، ويؤكد ياوس أن المهمة الأولى التي ينبغي أن تضطلع بها جمالية التلقي تكمن في تحديد ملامح أفق انتظار القارئ الأول للنص، الذي يتألف من العناصر الآتية:

أ‌) معرفة القارئ بالجنس الأدبي الذي ينتمي إليه النص.

ب‌) طبيعة بنية ومضمون النصوص السابقة التي يفترض النص إلمام قارئه بها.

ج) طبيعة الاختلاف بين التعبير الأدبي والتعبير العادي وبين العالم الخيالي والواقع اليومي.

كما يرى ياوس إن قيمة النص الأدبي تزيد أو تنقص بقدر مدى (المسافة الجمالية) التي تفصل ذلك النص عن أفق انتظار قارئه، ومدى قدرته على الابتعاد عن ذلك الأفق. فالقارئ الجيد هو من يستطيع أن يرى الإبداع في النص الذي “يخيب أفق توقعه”. والنص الأدبي الرفيع هو الذي يترك لدى قارئه بالغ الأثر/الخيبة/المتعة. بينما يهبط النص الذي يتطابق مع أفق انتظار القارئ إلى مستوى النصوص الاستهلاكية عديمة الأثر.

وقد لاقت جمالية التلقي , خلال عقد السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الماضي نجاحا كبيرا في أوساط دارسي الأدب في الغرب، لاسيما في حقل الأدب المقارن الذي استفاد منها لتجديد دراسة ظاهرتي التأثير والتأثر. ومع ذلك، وعلى الرغم من محاولة هانز روبير ياوس إعطاء منهجه دفعة جديدة وذلك من خلال تقديم هذ المنهج – أثناء المؤتمر التاسع للجمعية العالمية للأدب المقارن – كنظرية متكاملة للتواصل الأدبي لم تستطع جمالية التلقي أن تصمد أمام منافسة (( نظرية القراءة)) التي طورها أستاذ آخر من جامعة كونستانس الألمانية: فلفانج أيزر، أو أمام ((المنهج التفكيكي أو التشريحي )) الذي وضع أسسه الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا. فهذان المنهجان استطاعا أن يتصدرا معظم الدراسات الأدبية خلال الثمانينات في أوربا وأمريكا. بل أن الكثير من النقاد العرب كصبري حافظ ومحمد بنيس وعبد السلام المسدي ويمنى العيد وإلياس خوري وسعيد يقطين وعبد الله الغذامي قاموا بتطبيق هذين المنهجين الغربيين عند (قراءاتهم) للنصوص العربية. بينما لم يقدر لجمالية التلقي أن تترك أي صدى يذكر في نصوص النقد العربي الحديث.

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: