مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

الصوراتولوجية

Posted by amshoosh في أكتوبر 15, 2011

من ميادين البحث في الأدب المقارن: الصوراتولوجية

أ.د. مسعود عمشوش

روّج الاتجاه الفرنسي في الأدب المقارن منذ وقت مبكر لمجال جديد من مجالات البحث في الأدب المقارن يُعنى بدراسة صورة الشعوب والبلدان في كتابات الآخر، وهو ما يسميه المقارنون اليوم: صورة الآخر الأجنبي أو”الصوراتولوجية”. ومما لا شكَّ فيه أنّ الصوراتولوجية، التي تتناول عدة مفاهيم مثل الآخرية والهوية والمثاقفة والاختراق الثقافي، تشكل اليوم ما أهم ميادين البحث حيوية في الأدب المقارن اليوم، كما أنها حقل يتداخل فيه عدد من العلوم الاجتماعية والإنسانية كالتأريخ والاجتماع والأنثروبولوجيا وكذلك السياسة. وإذا كان الباحث المقارن يستفيد بالضرورة من نتائج الباحثين في بقية التخصصات، فهو يعطي لدراسة صورة الآخر الأجنبي أبعاداً تؤكد على الطبيعة الأدبية لتخصصه. فبعكس الباحث السوسيولوجي الذي يمكن أن يسهم هو بنفسه في صياغة صورة الآخر من خلال قيامه ببعض الأبحاث الميدانية، يقوم الباحث المقارن بدراسة تحليلية لصورة الأجنبي وذلك من خلال قراءة عدد من النصوص الأدبية وغير الأدبية ألّفها أدباء ورحّالة ومفكرون وعلماء من مختلف التخصصات. وعلى الرغم من أنّ جزءاً من تلك النصوص، كالرواية والقصة القصيرة والحكاية، يقع صراحة في الفضاء الخيالي، فجميعها يدّعي في الغالب الدقة والموضوعية في التصوير. لذا فإنّ إحدى مهام الباحث المقارن تكمـن في التمييز بين الأبعاد الواقعية والأبعاد الخيالية السرابية لصورة الآخر الأجنبي التي يحتويها متنه، وفي إبراز الدور الذي قامت به الأحكام المسبقة في رسم ملامح تلك الصورة.

وبما أنّ صورة الآخر الأجنبي في إطار الأدب المقارن تُبنى على متنٍ نصّي، أي على خطاب، فالباحث يسعى أيضاً للكشف عن مختلف المرتكزات الأيديولوجية لذلك الخطاب. ومن الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أنّ الغاية الأولى لكتاب “الاستشراق” الذي ألّفه إدوارد سعيد، أستاذ النقد والأدب المقارن، تكمن في فضح المنطلقات الاستعمارية والأيديولوجية التي ينهض عليها معظم النصوص الغربية حول الشرق.

بالإضافة إلى ذلك، يقوم الباحث المقارن بتحليل الأبعاد الجمالية والرومانسية للنصوص التي يدرسها. هذا ما قمنا به مثلاً عند قراءتنا، في هذا الكتاب، لنصوص الرحّالة والأدباء الفرنسيين حول عدن. فهؤلاء الكتّاب، وبينهم شعراء وروائيون وعلماء اجتماع وتجار، يسعون جميعهم إلى إضفاء أبعادٍ جمالية وغرائبية على نصوصهم وذلك بهدف ضمان تلقيها من قِبل القارئ الغربي.

ومن ناحية أخرى، يجمع المهتمون بالصوراتولوجية على أن صورة الآخر الأجنبي تبرز بشكل أوضح في الأعمال الأدبية وكتب الرحلات وليس في الدراسات السوسيولوجية أو التاريخية. فالأستاذ محمد دياب، مثلاً، يرى أنّ الرواية تُعد الفن الأكثر حساسية في استبصار رؤية الغربي للآخر. لهذا السبب نجد أنّ كثيراً من علماء الاجتماع العرب يفضلون إجراء أبحاثهم حول متون أدبية، بما في ذلك كتب الرحلات، على القيام بدراسات ميدانية لدراسة صورة الآخر الأجنبي. هذا ما فعله مثلاً فتحي أبو العينين عند دراسته لـ”صورة الذات وصورة الآخر في الخطاب الروائي العربي”،أو جورج طرابيشي الذي كتب عن “صورة الأخرى في الرواية العربية، من نقد الآخر إلى نقد الذات”.

ويرى إدوارد سعيد، من جانبه، أنّ أنثروبولوجيا ما بعد الحداثة مارسها باحثون تأثروا أساساً بالنظرية الأدبية ومنظري الكتابة والخطاب مثل فوكو ورولان بارت وجاك ديريدا. ويؤكد إدوارد سعيد في دراسته “تمثيل المستعمَر” أنّ “عدداً من الأنثروبولوجيين لا يخفون حقيقة أنهم أكثر رغبة في أن تكون الأنثروبولوجيا والنصوص الأنثروبولوجية أشدّ أدبية وأوسع انخراطاً في النظرية الأدبية من حيث الأسلوب والإدراك”.(6)

وبالمقابل، وجّه عدد من أساتذة الأدب المقارن، لاسيما الأمريكيين، نقداً شديداً لبعض الأطروحات التي أُعدت في إطار الأدب المقارن، ورأوا أنها أقرب إلى التاريخ أو تاريخ الأفكار منها إلى الأدب المقارن. من بين أهم تلك الأطروحات دراسة ميشيل كادو حول “صورة روسيا في الحياة الثقافية الفرنسية”، ودراسة رينه ريموند عن “الولايات المتحدة أمام الرأي العام الفرنسي”.

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: