مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

فن المسرحية وتوفيق الحكيم

Posted by amshoosh في أكتوبر 18, 2011

توفيق الحكيم والمسرحية ونشاتها في الأدب العربي

(من مفردات مساق النثر العربي الحديث)

أولا: المسرحية المفهوم والنشأة

المسرحية جنس أدبي خيالي يعتمد التجسيد والتقديم المباشر (أو التمثيل)، وذلك بعكس الملحمة والرواية والقصة القصيرة التي تعتمد على السرد. حيث يقوم الممثلون بتصوير مواقف إنسانية مختلفة على خشبة المسرح وأمام الجمهور، معتمدين في الغالب على نصًّ مكتوب وبمساعدة مخرج. فبالإضافة إلى الشخصيات الخيالية والأحداث والصراع والحوار يعد الممثلون والمخرج والديكور والأزياء والإضاءة (وفي المسرحية القديمة الكورس) عناصر أساسية في أي مسرحية.

وقد نشأت المسرحية في الأدب اليوناني القديم عن الشعر الغنائي في صورتي الملهاة والمأساة . ويرجع أصل الملهاة إلى أناشيد المرح والسرور التي كان يرددها اليونانيين القدماء في أعياد الآلهة ، وذلك مثل آلهة الخصب والنماء والمرح ، ويقوم بالإنشاد في المهرجانات المقامة بمناسبة هذه الاحتفالات ما يسمى الجوقة أو الكورس .أما المأساة فتعد تطوراً لأشعار المديح ، وهي ذات طابع ديني ، وترجع أيضاً إلى أناشيد دينية غنائية تقوم بإنشادها جوقة تتغنى فيها بصفات بعض الآلهة ، ثم تدرجت فكانت تضيف إلى مدح الإله مدحاً لبعض الأبطال المعروفين . ولهذا السبب – عندما قام العرب بنقل كتاب ارسطو (فن الشعر) إلى العربية في العصر العباسي – ترجموا كلمة (مأساة أو تراجيديا tragedie) بـ قصيدة المديح، وترجموا كلمة (ملهاة أو كوميديا بـ comedie) بـ قصيدة الهجاء!!!

وقد بدأت بعض المسرحيات اليونانية بممثل واحد ، ثم بممثلين ، وبعد ذلك زاد عدد الممثلين إلى ثلاثة أو أكثر ، وعظم مع مر الأيام شأن المسرحية ، فالمأساة خطت خطوات واسعة على يد بعض الشعراء اليونانيين ، الذين أضفوا عليها الصفة الإنسانية ، وجعلوها أكثر تصويراً للعواطف والمشاعر الإنسانية .

وكذلك الأمر بالنسبة للملهاة ، فقد خطت خطوات واسعة ، وأصبح لها شعراؤها اليونانيين الذين برزوا في الأساليب المسرحية وفي الحوار المسرحي ، وأبرزوا الروح الفنية للعمل الدرامي ككل .

ثانيا: نشأة المسرح في الأدب العربي الحديث :

يبدو أن فن المسرح كما ظهر عند اليونان القدماء لم يعرف في الأدب العربي القديم. ومع ذلك تحتوي المقامات والحكايات العربية على بعض العناصر الحوارية والتمثيلية التي تعد من مقومات الفن المسرحي .

أما الأدب الشعبي العربي القديم ففيه بعض عناصر بدائية للتمثيل ، مثل فن (القراقوز) ، ومثل تلك التمثليات التي عرفت باسم (البابات) وهي منسوبة إلى ابن دنيال العراقي الأصل ، والذي انتقل إلى مصر وعاش بها في القرن الثالث عشر الميلادي وأوائل القرن الرابع عشر الميلادي ، أي في الفترة ما بين عامي 1248 م و 1310 م .

وبقيت من بابات ابن دنيال ، بابة (الأمير وصال) ، وبابة (عجيب وغريب) ، وبابة (المتيم والضائع الغريب) ، والبابة تقوم على عرائس من الورق المقوى أو الجلد تتحرك بطريقة خاصة ، ويوضع خلفها ليلاً مصباحاً يعكس ظلالها على ستارة بيضاء ، ويدور حوار ينطق به صاحب البابة مع مساعد آخر له ، بحيث يتغير الصوت بتغير الشخصيات وتنوع مواقفها .

وعندما جاءت النهضة الحديثة واتصلت الثقافة العربية بثقافة الغرب ، وأثمرت ثمارها ، كانت المسرحية من القوالب الأدبية التي عظم الاهتمام بها ، فأنشئ في عهد الخديوي / إسماعيل مسرح الكوميدي سنة 1869 م ، كما أنشأ دار الأوبرا المصرية القديمة ، ومثلت عليها ولأول مرة في الشرق أوبرا عايدة لفرداي الإيطالي.

ولكن أول من أدخل الفن المسرحي في البلاد العربية كان مارون نقاش، اللبناني الأصل ، وقد اقتبسه من إيطاليا حين سافر إليها سنة 1846 م ، وكانت أولى المسرحيات التي قدمها للجمهور العربي في لبنان ، مسرحية (البخيل ) للكاتب الفرنسي / موليير ، وكان ذلك في أواخر سنة 1847 م .

غير أن هذا الفن لم يقابل في أول الأمر بترحاب أو تقدير أو تشجيع ، إذ كان الجمهور العربي في لبنان أو في غيره من البلاد العربية بوجه عام يفضل الغناء والطرب والفكاهة ، ولذلك استقبل هذا الفن الطارئ أو الوافد ، الذي لم يألفه أو يتعود عليه بشئ من الفتور .

أما في مصر فأول مسرح عربي هو الذي أنشأه يعقوب صنوع ، والمعروف لنا بأبي نظاره ، وذلك سنة 1876 م ، وقد مثل خلال سنتين على مسرحه هذا ما يقرب من 32 مسرحية بين مقتبس من الأدب الغربي صبغه بأسلوبه صبغة محلية ، وما بين موضوع يعالج المشكلات الاجتماعية ، وكانت اللهجة العامية هي الغلبة على مسرحياته .

وفي أخريات سنة 1876 م ، وفد سليم نقاش ابن شقيق مارون نقاش ، تصحبه فرقة تمثيلية أخرجت مسرحيات مارون نقاش ، وأضاف إليها مسرحية (هوراس) للفرنسي / كورني ، ومسرحية (ميتردات) لراسين ، ثم استدعى إليه من لبنان صديقه / أديب اسحق لشد أزره ، وكان أديب قد ترجم من قبل مسرحية (أندروماك) لراسين ، ثم ترجم مسرحية (شارلمان) التي أعجب بها المصريون ، ولكن الخديوي إسماعيل على سليم نقاش وأديب اسحق عندما شاهد مسرحية (الظلوم) وظن أنهما يعرضان به ، فأمر بإغلاق المسرح .

ولما جاء أبو خليل القباني من دمشق إلى مصر سنة 1884 م مع فرقته التمثيلية ، دخل المسرح العربي في طور جديد ، لأن القباني اعتمد على التأليف المسرحي مستمداً موضوعاته من التاريخ العربي والإسلامي ، ومن التراث القصصي الشعبي مثل حكايات ألف ليلة وليلة وغيرها ، فمثلت فرقته مسرحيات : (عنترة ) و(الأمير محمود نجل شاه العجم) و (ناكر الجميل) و (نفح الربا) و (الشيخ وضاح) … وغيرها .

وقد كتب أبو خليل القباني كل مسرحياته باللغة العربية الفصحى المسجوعة على طريقة المقامات العربية التي شاعت في العصر العباسي ، وخلط فيها النسر المسجوع بالشعر ، وقلده في هذه الطريقة عدد كبير من الأدباء .

ويمكن الإشارة إلى أن الشاعر الكبير احمد شوقي كتب –بين سنة 1892 وسنة 1920-عددا لا بأس به من المسرحيات الشعرية، التي غلبت المقطوعات الغنائية الطويلة على عناصر الدراما المسرحية: الصراع والحوار .. ، مع عدم الدقة الفنية في التأليف ، والضعف العام في عملية الإخراج المسرحي .

وقد انتقل المسرح النثري العربي إلى مرحلة جديدة وذلك حين تهيأ له المؤلف المجيد ، والممثل الممتاز ، وذلك حين عاد جورج أبيض من باريس سنة 1910 م ، بعد أن درس هناك الفن المسرحي وأصوله ، وقد ألفت لهذا المسرح الجديد عدة مسرحيات اجتماعية ، مثل مسرحية (مصر الجديدة) التي كتبها فرح أنطون ، وشاهدها النظارة سنة 1913 م .

ونحب أن نشير هنا إلى أنه بعد ذلك عربت الكثير من المسرحيات العالمية بأسلوب راق ، كما فعل الشاعر / خليل مطران ، في تعريبه لروايات شكسبير (تاجر البندقية ) و (عطيل) و (ماكبث) و (هاملت) ، كما تم إعادة ترجمة بعض أعمال موليير بلغة فصيحة جميلة .

ونذكر يوسف وهبي الذي عاد هو الآخر من إيطاليا بعد أن درس السينما والمسرح ، وافتتح مسرح رمسيس بالقاهرة في 10 من مارس سنة 1923 م ، وقام على خشبته بتمثيل ما يقرب من مائتي مسرحية ما بين مترجمة ومؤلفة .

وبعد الحرب العالمية الأولى ظهرت في عالم المسرح العربي المدرسة الجديدة التي عنيت بالتأليف المسرحي ، وتناولت في المسرحيات معالجة المشكلات الاجتماعية علاجاً واقعياً ، ومن رواد هذه المدرسة : محمد تيمور في أعماله (عبد الستار أفندي) و (عصفور في القفص) و (الهاوية) ، ثم محمود تيمور في مسرحياته : (حفلة شاي) و (الصعلوك) و (أبو شوشة) و (الموكب) ، وغيرها من المسرحيات التي تأثر فيها بالأدب الفرنسي تأثراً كبيراً .

ثم ظهر أكبر كتاب المسرح العربي : توفيق الحكيم الذي اتصل اتصالاً وثيقاً بالأدب الفرنسي ، وقدم المسرحية العربية المكتملة في بنائها وموضوعها وحوارها وشخصياتها ، وتنوعت مسرحياته ، وكثرت وتعددت اتجاهاتها فكان منها التاريخية والاجتماعية والواقعية والفكرية ، ثم قدم مسرحيتين هما (يا طالع الشجرة) و (طعام لكل فم) ، وهما من مسرح اللامعقول ، وقد اهتم الغربيون بمسرحياته ، ونقلوا كثيراً منها إلى لغاتهم .

ولا يمكن لأي باحث أن ينكر الجهود الإبداعية التي قام بها لفيف من كتاب المسرح العربي في عصرنا الراهن ، مما أدى إلى تنوع المسرح العربي في اتجاهاته وفي بنائه الفني ، ونذكر من هؤلاء على سبيل الذكر لا الحصر : علي أحمد باكثير ، والفريد فرج ، وسعد الدين وهبة ، و يوسف إدريس ، ومحمود دياب .. وغيرهم ، وغيرهم ممن كان لهم الأثر الواضح في النهوض بالمسرح العربي .

ثالثا:

توفيق الحكيم ومسرحيته شهرزاد

يعد توفيق الحكيم إحدى العلامات البارزة في حياتنا الأدبية والفكرية والثقافية في العالم العربي فهو أحد رواد المسرحية النثرية العربية، وقد امتد تأثيره في أجيال متعاقبة من الأدباء والمبدعين، ويعد أيضا أحد مؤسسي المسرح الذهني ليس على مستوى الوطن العربي فحسب وإنما أيضا على المستوى العالمي.

ولد توفيق إسماعيل الحكيم بضاحية الرمل بمدينة الإسكندرية عام (1316هـ=1898م) لأب من أصل ريفي وأم من أصل تركي كانت ابنة لأحد الضباط الأتراك المتقاعدين، وترجع جذوره وأسرته إلى قرية “الدلنجات” بالقرب من “إيتاي البارود” بمحافظة البحيرة، وقد ورث أبوه عن أمه 300 فدان من أجود أراضي البحيرة، في حين كان إخوته من أبيه يعيشون حياة بسيطة ويكدون من أجل كسب قوتهم بمشقة واجتهاد.

وقد نشأ توفيق في وسط عائلي مترف عزبة والده بالبحيرة ، وتعلقت نفسه بالفنون الجميلة والموسيقى، وكان يميل إلى العزلة؛ فأحب القراءة والأدب والتاريخ، وعندما بلغ السابعة عشرة من عمره التحق بمدرسة دمنهور الابتدائية حتى انتهى من تعليمه الابتدائي سنة (1333هـ=1915م)، وقرر والده أن يلحقه بالمدرسة الثانوية ولم تكن بدمنهور مدرسة ثانوية؛ فرأى أن يوفده إلى أعمامه بالقاهرة ليلتحق بالمدرسة الثانوية في رعاية أعمامه، وقد عارضت والدته في البداية، ولكنها ما لبثت أن كفت عن معارضتها بعد حين.

وانتقل الحكيم ليعيش مع أعمامه في القاهرة والتحق بمدرسة محمد علي الثانوية، وفي تلك الفترة اشتعلت شرارة الثورة الشعبية المصرية سنة (1337 هـ = 1919م)، فشارك الحكيم وأعمامه مع جموع المصريين في تلك الثورة، فقبض عليهم واعتقلوا بالقلعة بتهمة التآمر على الحكم، وعندما علم أبوه بالخبر أسرع إلى القاهرة وسعى بأمواله وعلاقاته أن يفرج عن ابنه وإخوته، ولكن السلطات العسكرية لم تتساهل ومانعت بشدة الإفراج عن أي من المعتقلين، إلا أنه استطاع بعد جهد كبير أن ينقلهم من معسكر الاعتقال بالقلعة إلى المستشفى العسكري.

وبعد أن هدأت الأحداث بدأت السلطات العسكرية تفرج عن المعتقلين، وكان الحكيم وأعمامه من أول من أُفرج عنهم، فخرج من المعتقل، وقد تركت الحادثة أثرا قويا في نفسه بالنقمة على المستعمرين وشعورا دافقا بالوطنية والوعي التحرري.

وعاد الحكيم في سنة (1338 هـ=1920م) إلى دراسته، حيث نال إجازة الكفاءة ثم نال إجازة البكالوريا سنة (1339هـ=1921م)وبرغم ميل توفيق الحكيم إلى دراسة الفنون والآداب فإنه التحق بمدرسة الحقوق نزولا على رغبة أبيه، وتخرج فيها سنة 1925م

وخلال سنوات دراسته بالجامعة أخرج الحكيم عدة مسرحيات منذ عام (1340 هـ=1922م) مثلتها فرقة عكاشة على مسرح الأزبكية، وهي مسرحيات:

v العريس

v المرأة الجديدة

v خاتم سليمان

v علي بابا

السفر إلى فرنسا

لما أنهى الحكيم دراسته في كليه الحقوق في القاهرة قرر السفر إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا في القانون، ولكنه هناك انصرف عن دراسة القانون، واتجه إلى الأدب المسرحي والقصص، وتردد على المسارح الفرنسية ودار الأوبرا.

عاش توفيق الحكيم في فرنسا نحو ثلاثة أعوام حتى أواسط عام (1346هـ = 1928م) كتب خلالها مسرحية بعنوان “أمام شباك التذاكر”.

ثم عاد إلى مصر ليلتحق بسلك القضاء في وظيفة وكيل نيابة، وتنقل بحكم وظيفته بين مدن مصر وقراها، وكتب خلال هذه الفترة التي استمرت إلى عام (1352هـ=1934م) يومياته الشهيرة “يوميات نائب في الأرياف”، وعددا من المسرحيات مثل مسرحية “أهل الكهف” و”شهرزاد” و”أهل الفن”، وعددا آخر من القصص مثل “عودة الروح” و”عصفور من الشرق” و”القصر المسحور

الحكيم كاتبا مسرحيا

وقد تألق الحكيم، واشتهر ككاتب مسرحي بعد النجاح الذي حققته مسرحية “أهل الكهف” التي نُشرت عام (1351هـ = 1933م)، التي مزج فيها بين الرمزية والواقعية على نحو فريد يتميز بالخيال والعمق دون تعقيد أو غموض.

وأصبح هذا الاتجاه هو الذي يكوِّن مسرحيات الحكيم بذلك المزاج الخاص والأسلوب المتميز الذي عُرف به.

ويتميز الرمز في أدب توفيق الحكيم بالوضوح وعدم المبالغة في الإغلاق أو الإغراق في الغموض؛ ففي أسطورة “إيزيس” التي استوحاها من كتاب الموتى- فإن أشلاء أوزوريس الحية في الأسطورة هي مصر المتقطعة الأوصال التي تنتظر من يوحدها، ويجمع أبناءها على هدف واحد.

و”عودة الروح” هي الشرارة التي أوقدتها الثورة المصرية، وهو في هذه القصة يعمد إلى دمج تاريخ حياته في الطفولة والصبا بتاريخ مصر، فيجمع بين الواقعية والرمزية معا على نحو جديد، وتتجلى مقدرة الحكيم الفنية في قدرته الفائقة على الإبداع وابتكار الشخصيات وتوظيف الأسطورة والتاريخ على نحو يتميز بالبراعة والإتقان، ويكشف عن مهارة تمرس وحسن اختيار للقالب الفني الذي يصب فيه إبداعه، سواء في القصة أو المسرحية، بالإضافة إلى تنوع مستويات الحوار لديه بما يناسب كل شخصية من شخصياته، ويتفق مع مستواها الفكرى والاجتماعي؛ وهو ما يشهد بتمكنه ووعيه.

ويمتاز أسلوب توفيق الحكيم بالدقة والتكثيف الشديد وحشد المعاني والدلالات والقدرة الفائقة على التصوير؛ فهو يصف في جمل قليلة ما قد لا يبلغه غيره في صفحات طوال، سواء كان ذلك في رواياته أو مسرحياته.

ويعتني الحكيم عناية فائقة بدقة تصوير المشاهد، وحيوية تجسيد الحركة، ووصف الجوانب الشعورية والانفعالات النفسية بعمق وإيحاء شديدين.

وقد مرت كتابات الحكيم بثلاث مراحل حتى بلغ مرحلة النضج، وهي:

المرحلة الأولى: وهي التي شهدت الفترة الأولى من تجربته في الكتابة، وكانت عباراته فيها لا تزال قلقلة، واتسمت بشيء من الاضطراب حتى إنها لتبدو أحيانا مهلهلة فضفاضة إلى حد كبير، ومن ثم فقد لجأ فيها إلى اقتباس كثير من التعبيرات السائرة لأداء المعاني التي تجول في ذهنه، وهو ما جعل أسلوبه يشوبه القصور وعدم النضج. وفي هذه المرحلة كتب مسرحية أهل الكهف، وقصة عصفور من الشرق، وعودة الروح.

المرحلة الثانية: وقد حاول في هذه المرحلة العمل على مطاوعة الألفاظ للمعاني، وإيجاد التطابق بين المعاني في عالمها الذهني المجرد والألفاظ التي تعبر عنها من اللغة.

ويلاحظ عليها أنها تمت بشيء من التدرج، وسارت متنامية نحو التمكن من الأداة اللغوية والإمساك بناصية التعبير الجيد. وهذه المرحلة تمثلها مسرحيات شهرزاد، والخروج من الجنة، ورصاصة في القلب، والزمار.

المرحلة الثالثة: وهي مرحلة تطور الكتابة الفنية عند الحكيم التي تعكس قدرته على صوغ الأفكار والمعاني بصورة جيدة. وخلال هذه المرحلة ظهرت مسرحياته: “سر المنتحرة”، و”نهر الجنون”، و”براكسا”، و”سلطان الظلام”، و”بجماليون”.

رائد المسرح الذهني

وبالرغم من الإنتاج المسرحي الغزير للحكيم، الذي يجعله في مقدمه كتاب المسرح العرب وفي صداره رواده، فإنه لم يكتب إلا عددا قليلا من المسرحيات التي يمكن تمثيلها على خشبة المسرح ليشاهدها الجمهور، وإنما كانت معظم مسرحياته من النوع الذي يمكن أن يطلق عليه “المسرح الذهني”، الذي كُتب ليُقرأ فيكتشف القارئ من خلاله عالما من الدلائل والرموز التي يمكن إسقاطها على الواقع في سهولة ويسر؛ لتسهم في تقديم رؤية نقدية للحياة والمجتمع تتسم بقدر كبير من العمق والوعي.

وهو يحرص على تأكيد تلك الحقيقة في العديد من كتاباته، ويفسر صعوبة تجسيد مسرحياته وتمثيلها على خشبة المسرح؛ فيقول: “إني اليوم أقيم مسرحي داخل الذهن، وأجعل الممثلين أفكارا تتحرك في المطلق من المعاني مرتدية أثواب الرموز… لهذا اتسعت الهوة بيني وبين خشبة المسرح، ولم أجد قنطرة تنقل مثل هذه الأعمال إلى الناس غير المطبعة”.

ولا ترجع أهمية توفيق الحكيم إلى كونه صاحب أول مسرحية عربية ناضجة بالمعيار النقدي الحديث فحسب، وهي مسرحية “أهل الكهف”، وصاحب أول رواية بذلك المعنى المفهوم للرواية الحديثة وهي رواية “عودة الروح”، اللتان نشرتا عام (1350 هـ=1932م)، وإنما ترجع أهميته أيضا إلى كونه أول مؤلف إبداعي استلهم في أعماله المسرحية الروائية موضوعات مستمدة من التراث المصري.

وقد استلهم هذا التراث عبر عصوره المختلفة، سواء كانت فرعونية أو رومانية أو قبطية أو إسلامية، كما أنه استمد أيضا شخصياته وقضاياه المسرحية والروائية من الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي المعاصر لأمته.

موقفه من الأحزاب والمرأة

وبالرغم من ميول الحكيم الليبرالية ووطنيته؛ فقد حرص على استقلاله الفكري والفني، فلم يرتبط بأي حزب سياسي في حياته قبل الثورة؛ فلما قامت ثورة يوليو 1952م ارتبط بها وأيّدها، ولكن في الوقت نفسه كان ناقدا للجانب الديكتاتوري غير الديمقراطي الذي اتسمت به الثورة منذ بدايتها.

كما تبني الحكيم عددا من القضايا القومية والاجتماعية وحرص على تأكيدها في كتاباته، فقد عُني ببناء الشخصية القومية، واهتم بتنمية الشعور الوطني، ونشر العدل الاجتماعي، وترسيخ الديمقراطية، وتأكيد مبدأ الحرية والمساواة.

ومع ما أشيع عن توفيق الحكيم من عداوته للمرأة فإن كتاباته تشهد بعكس ذلك تماما فقد حظيت المراة بنصيب وافر في أدب توفيق الحكيم، وتحدث عنها بكثير من الإجلال والاحترام الذي يقترب من التقديس.

والمرأة في أدب الحكيم تتميز بالإيجابية والتفاعل، ولها تأثير واضح في الأحداث ودفع حركة الحياة، ويظهر ذلك بجلاء في مسرحياته شهرزاد، وإيزيس، والأيدي الناعمة، وبجماليون، وقصة الرباط المقدس، وعصفور من الشرق، وعودة الروح.

وقد تقلد الحكيم العديد من المناصب فقد عمل مديرا لدار الكتب القومية المصرية، كما عين مندوبا دائما لمصر في منظمة اليونسكو، وكان رئيسا لاتحاد كتاب مصر، كما اختير رئيسا شرفيا لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام، ونال عددا من الجوائز والأوسمة الرفيعة منها جائزة الدولة التقديرية للآداب وقلادة النيل وقلادة الجمهورية.

توفي توفيق الحكيم في (29 من ذي الحجة 1407 هـ=27 من يوليو 1987م) عن عمر بلغ تسعين عاما، وترك تراثا أدبيا رفيعا وثروة هائلة من الكتب والمسرحيات التي بلغت نحو 100 مسرحية و62 كتابا.

صورة المرأة عند توفيق الحكيم من خلال مسرحية شهرزاد

استلهم توفيق الحكيم في كتابة هذه المسرحية حكايات ألف ليلة وليلة العربية التي قصتها شهرزاد على زوجها شهريارو ذلك أنه فاجأ زوجته الأولى بين ذراعي عبد خسيس فقتلهما ثم أقسم أن تكون له كل ليلة عذراء يبيت معها ثم يقتلها في الصباح انتقاماً لنفسه من غدر النساء وحدث أن تزوج بنت أحد وزرائه (شهرزاد) وكانت ذات عقل ودراية فلما اجتمعت به أخذت تحدثه بقصصها الساحرة التي لا ينضب لها معين وكانت تقطع حديثها بما يحمل الملك على استبقائها في الليلة التالية لتتم له الحديث إلى أن أتى عليها ألف ليلة وليلة رزقت في نهايتها بطفل منه فأرته إياه اعلمته حيلتها فاستعقلها وأبقاها .

يبدأ توفيق الحكيم مسرحيته بنهاية الأسطورة فإن شهرزاد كشفت لشهريار عن معارف لا تحد لوأصبح ظامئاً للمعرفة ولم يعد يعنى بالجسد ولذاته فقد تحول عقلاً خالصاً يبحث عن الألغاز و الأسرارحتى ليريد أن ينطلق من قيود المكان لعله يطلع على مصادر الأشياء وغاياتها ويعرف كنهها وحقائقها والمسرحية في سبعة فصول حيث تلتقي في الفصل الأول بجلاد الملك وعبد أسود يحاوره في شأن الملك وما يقال عن خبله وكيف يغدو إلى كاهن يطلب منه حلاً لألغازه ونلتقي بوزيره قمر ويتراءى لنا العبد مثالاً للبوهيمية التي تقبع داخله أن يرى عذراء مع الجلاد فيتحول متسائلاً عن شهرزاد وننتقل إلى الفصل الثاني فنجد قمراً الوزير مع الملكة في قاعتها ونعرف من الحوار أنه يحبها محبة العابد لمعبوده لامحبة العاشق لمعشوقته فقد سما بعواطفه ازائها سمواً بعيداً وهي تعرف ذلك وتعبث به ويخشى أن تكشف سره فينقل إلى الملك .

يظهر الحديث على النحو التالي:

قمر ـ اني ـ أردت أن أقول إنك غيرته وأنه انقلب انساناً جديداً منذ عرفك.

شهرزاد ـ إنه لم يعرفني.

قمر ـ لقد قلت لك من قبل اليوم أن الملك بفضلك قد أمسى أيضا لغزاً مغلقاً أمامي وكأنما كشف لبصيرته عن أفق آخر لا نهاية له فهو دائما يسير مفكراً باحثاً عن شيء منقباً عن مجهول هازئاً بي كلما أردت اعتراض سبيله اشفاقاً على رأسه المكدور.

شهرزاد ـ أتسمي هذا فضلاً يا قمر؟

قمر ـ وأي فضل يا مولاتي، فضل من نقل الطفل من طور اللعب بالأشياء إلى طور التفكير بالأشياء.

ويشيد قمر بحبها للملك فتعترضه قائلة ………… ما أبسط عقلك يا قمر! أتحسبني فعلت ما فعلت حباً للملك؟

قمر ـ لمن غيره إذن؟

شهرزاد ـ لنفسي.

قمر ـ لنفسك ماذا تعنين؟

شهرزاد ـ اعني إني فعلت غير أني احتلت لأحيا.

أما شهريار فيمضي متحدثاً عن حقيقة شهرزاد وكيف تحولت في نفسه إلى لغز عقلي هائل ويقول موجهاً الخطاب اليها عنها: (( قد لاتكون إمرأة من تكون؟ إني أسألك من تكون؟ هي

في خدرها طول حياتها تعلم ما في الأرض كأنها الأرض! هي التي ماغادرت خميلتها قط تعرف مصر والهند والصين هي البكر تعرف الرجال كإمرأة عاشت ألف عام بين الرجال! وتدرك طبائع الإنسان من سامية وسالقة هي الصغيرة لم يكفها علم الأرض فصعدت إلى السماء تحدث عن تدبيرها كأنها مربية الملائكة وهبطت إلى أعماق الأرض تحكي عن مردتها وشياطينها و ممالكها السفلى العجيبة كأنها بنت الجن من تكون تلك التي لم تبلغ العشرين عاماً، أم ليس لها عمر! أكانت محبوسة في مكان أم وجدت في كل مكان؟ إن عقلي ليغلي في وعائه يريد أن يعرف أهي امرأة تلك التي تعلم ما في الطبيعة كأنها الطبيعة)) .

تلك صورة شهرزاد في عين شهريار بالمسرحية فهي لغز عميق ينطوي على أسرار الوجود أما في عين قمر الوزير فملاك سماوي بينما هي في عين العبد الأسود القبيح بنت الأرض بغريزتها الجسدية وكأنها المرأة المعقولة.

شهريار بحيرته وتنقيبه عن المجهول وأسراره…….. والوزير بطهارة روحه وسمو نفسه و العبد بغريزته الحيوانية التي ستكشف لنا عما قليل لاعنده بل عند شهرزاد أيضاً التي تخضع كغيرها من النساء لمطالب المرأة الجسدية .

في الفصل الثالث تتصاعد أزمة شهريار وتشتد فنجده مع الساحروقمر مصمماً على الرحيل في أطراف العالم ويحاول قمر أن يرده عن عزمه قائلاً: (( رد هل يحسب مولاي لو جاب الدنيا طولاً وعرضاً أنه يعلم أكثر مما يعلم وهو في حجرته هذه)) وتظهر شهرزاد وتحاول أن ترجعه إليها قائلة: (( أن رجلاً بقلبه قد يصل إلى ما لا يصل آخر بعقله)) ولكنه يصمم على الرحيل حتى بتحرر من عقال المكان ويرحل في الفصل الرابع مع وزيره وتلتقي شهرزاد بالعبد رمز الشهوة وفي الفصل الخامس تنغمس معه في إثم الخطيئة رغم سواده وغلظته وضعة أصله ومنبته. و يدخل شهريار مع وزيره في الفصل السادس (( خان )) أبي ميسور ويعلمان خيانة شهرزاد وترتجف نياط القلب للعبد الولهان……….

قمر يعود بمولاه في الفصل السابع إلى شهرزاد لعله ينتقم من زوجته و عبدها الخسيس ولكن شهريار قد تحول وأصبح فكراً محضاً وينتحر قمرويحس مولاه بالهزيمة و انه لايستطيع انطلاقاً من المكان من الأرض (( دائماً هذه الأرض لاشيء غير الأرض، هذا السجن الذي يدور، إنّا لا نسير، لانتقدم ولانتأخر، لانرتفع ولا ننخفض إنما نحن ندور، كل شيء يدور)) .

قد اتضحت فلسفة توفيق في هذه المسرحية أنه يؤمن بالقلب أكثر مما يؤمن بالعقل الذي يحطم حياة الناس ومع ذلك تحكم به الطبيعة البشرية وتحاول عن طريقه أن تكشف أسرار الكون و تجتاز حدود المكان وفي ذلك اندحارها وهزيمتها كما انهزم شهريار. وقد دفعت ضرورة المسرحية الكاتب إلى وضع شهرزاد في الوضع الشائن رغم ما عرفت به من رزانة عقل و حكمة حيث سقط بها سقطة شنيعة وحولها إلى صورة جديدة غير صورتها التاريخية التي عرفت بها.

 

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: