مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

توفيق الحكيم وثورة الشباب

Posted by amshoosh في أكتوبر 27, 2011

ثورة الشباب لتوفيق الحكيم

مسعود عمشوش

في عام 1975 كنت أتعاون مع الزميل محمد بن قاضي الذي كان حينها مسئولا على مكتبة سيئون العامة، وأرابط في المكتبة. وأتاحت لي تلك المرابطة الطويلة الاطلاع على كثير من المجلات والكتب الحديثة. من بين تلك الكتب: كتاب توفيق الحكيم (ثورة الشباب) بعيد صدوره مباشرة. وبعد أن التهمته قمت بمحاولة إعداد مسرحية منه بعنوان: ثورة الشباب. والكتاب عبارة عن مجموعة مقالات طويلة كتب معظمها في سنتي 1947 و1948. وكتب الجزء الأخير منها (قضية القرن الحادي والعشرين) والمقدمة في مطلع السبعينات.

في مقالات كتاب (ثورة الشباب) يركز توفيق الحكيم -الذي شارك في ثورة 1919 التي قادها سعد زغلول وصورها في روايته الأول عودة الروح- على صدام الأجيال وتلاقيها، ويتنبأ بقيامهم بثورة سلمية في مصر.

وفي مقدمة الكتاب يبيّن الحكيم ضرورة ابتعاد الآباء والشيوخ عن دور الواعظ والمرشد تجاه الشباب. كما يؤكد على ضرورة أن يميّز الشباب بين الثورة و”الهوجة”. فهو يرى أن الثانية تقتلع كل ما أمامها دون تمييز؛ بينما الثورة تحرص على الحفاظ على القديم النافع وتقضي على القديم الضار. لكنه يضيف ويقول إن الثورة قد تضطر لأساليب الهوجة لانتزاع كل ما قبلها؛ كي لا تتكالب عليها عناصر الماضي لإخمادها.

وفي ما يلي الصفحتان الأولى والثانية من المقدمة:

“كل ثورة دليل حيوية، والشباب هو الجزء الحيوي من الجسم، فلا عجب أن يقوم بالثورة الشباب، والثورة مادامت متصلة بالحيوية فلابد أن تكون منشطة لهذه الحيوية ومجددة لها، وإلا اتخذت اسماً آخر وهو «الهوجة»، والفرق بين الثورة والهوجة هو أن الهوجة تقتلع الصالح والطالح معاً، أما الثورة فهي تبقى النافع وتستمد منه القوة، وتقضى فقط على البالي المتهافت المعوق للحيوية، الواقف في طريق التجديد والتطور.

لكن الثورة والهوجة تختلطان أحياناً، فالثورة كي تؤكد ذاتها وتثِّبت أقدامها تلجأ إلى عنف الهوجة لاقتلاع كل ما كان قبلها، وتجعل بداية كل خير بدايتها، وتاريخ كل شيء تاريخها، ولا يتغير هذا الحال إلا عندما تشعر الثورة بصلابة عودها وتوقن أنه قد أصبح لها وجه واضح وشخصية متميزة، عندئذ تنبذ عنها عنصر الهوجة وتعود بكل اطمئنان إلى تاريخ الأمة العام لتضع كل قيمة في مكانها الصحيح، وتضع نفسها فى الحجم المعقول داخل إطار التسلسل الطبيعي لتطور أمة ناهضة.

وإذا عرفنا ذلك كان من الميسور أن نفهم حركات الأجيال الجديدة أو ما يسمى اليوم بثورة الشباب. ما من أحد منا لم يشعر في شبابه برغبة ما في الانطلاق عبر بعض القيود، ذلك مظهر من مظاهر الحيوية والحركة والتحرر وتأكيد الذات، ولكى نؤكد ذاتنا ونبرز شخصيتنا الخاصة كان لابد لنا من الانفصال عن شخصية السلف، ووسائلنا في ذلك مفتعلة كوسائل كل ثورة فى صباها، وهى الرفض لكل ما يقوله السلف.

ثم يعمد الحكيم إلى التمييز بين عصر شبابه في مطلع القرن العشرين وبين مطلع السبعينات في مصر – حينما سمع الشباب المصري عن ثورة الشباب في فرنسا- فيقول: “في أيامنا نحن لم تكن الهوة سحيقة كما هي اليوم بين الآباء والأبناء. فلم يكن العالم قد شاهد بعد حروبا عالمية و لا مخترعات جهنمية. كان كل شيء مستقرا في قوالب جامدة وصناديق مختومة والدنيا هادئة نائمة تغط في عاداتها المرعية وتقاليدها المقدسة، ولكننا اليوم في عصر مستيقظ يموج بالتغييرات المستمرة والتحركات الفكرية والعلمية والسياسية التي تسبق كل خيال، ما من شيء راكد أو يسمح له بالركود… وما من شيء مقدس او بسمح له بعدم الخضوع للبحث والمناقشة. ووسائل الاتصال بين العالم من إذاعات وتلفزيونات واقمار صناعية قد جعلت الأفكار في تحررها وجموحها وسموها وانحطاطها في متناول كل شخص.

مثل هذا العالم اليوم ما تأثيره على الشباب الذي يريد أن يؤكد ذاته ويكون له رأي في تحقيق شخصيته ودور في تشكيل المستقبل؟

ذلك كله يجب أن نعيه ونضعه في اعتبانا ونحن نواجه الشباب اليوم، ومن واجبنا أن نبصره: أنه الحق إذا كان من حقه أن تكون له ثورة، فواجبه أن يعرف الفرق بين الثورة والهوجة .. عليه أن يدرس ما يبقيه ويحافظ عليه ويضيف إليه، وما يلقيه وينبذه ويطرحه بعيدا عن طريق نموه وتطوره وزمنه الجديد.

والحذر كل الحذر من الوعظ والإرشاد في كل حين، أو أن نترك الجوهر ونحادثه دائماً عن المظهر، ونظن القيامة قد قامت لاختياره شكلاً من أشكال اللبس أو نمطاً من أنماط شعر الرأس! نحن الآن في عصر الفكر المتحرك، ولا أمل في مواجهة ثورة الشباب إلا بوضعها في إطار الفكر والعقل والجوهر، فلنترك للشباب حريته في اختيار الشكلين الخارجي والداخلي لحياته كما يفرضها عليه زمنه الجديد، ولا نطالبه إلا بشيء واحد، هو الإحاطة المتعمقة بحصيلة هذه الحضارة التي أوجدته ورضع من لبنها، ليحافظ وينمى ويضيف إلى خير ما فيها، ويطرح ويغير ويمحو ما فيها من شر وزيف، ويجب أن يذكر دائماً الفرق بين الثورة والهوجة.

 

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: