مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

أغطية الرأس الرجالية في اليمن

Posted by amshoosh في نوفمبر 2, 2011

أغطية الرأس الرجالية في اليمن: التنوع والوظيفة

 أضف صورة

أ.د. مسعود عمشوش

أولا: غطاء الرأس في الموروث البشري

لقد خلق اللهُ الإنسانَ في أحسن تقويم. وكثيرا ما يقاس جمال المرء من خلال النظر إلى رأسه. ويبدو أن الوجه والشعر هما أهم عناصر جمال جسم الإنسان. ومع ذلك اعتاد كثير من الناس، رجالا ونساءً، على وضع غطاء للرأس؛ للشعر وربما للوجه. وقد عرفت الحضارات القديمة أنواعا مختلفة من أغطية الرأس. واليوم، كما هي الحال في الماضي، تختلف الوظائف والدلالات التي تلصق بغطاء الرأس باختلاف الأمم والشعوب والديانات.فالقانون البابلي، مثلا، كان يميز النساء الحرات عن الإماء والجواري بواسطة غطاء الرأس. واشتهر غطاء الرأس في التراث اليوناني والفارسي أيضا. ومع أن التوراة لا تلزم إلا رجال الدين (الرهبان) بوضع غطاء للرأسl’Exode 28: 4) ) فوفقا لبعض أحكام الديانة اليهودية القديمة يُغطى وجه المرأة ولا يظهر منه سوى عين واحدة. وعند اليهود لا تزال القبعة (الكبه أو الكوفية) ترمز إلى احترام الرب الذي يعلو فوق كل شيء. وهم يعدونها تاجا ويواظبون على لبسها ويدعون ربهم كل صباح أن “يتوج” اسرائيل بالازدهار.

و في الدين المسيحي تنص بعض الفتاوى المنقرضة على إلزام المرأة بلبس غطاء على رأسها احتراما منها للملائكة. وهذا ما تفعله الراهبات إلى يومنا هذا.

وتعد العمامة رمزا مهما من الرموز الدينية المقدسة عند السيخ و يسمونها “داستار”. و يحرم على الرجل منهم أن ينزعها. وقد اضطر عدد منهم إلى التوقف عن الذهاب إلى المدارس الحكومية الفرنسية حينما منعت فرنسا لبس أغطية الرأس ذات الدلالة الدينية. ويرتدي الهندوس عمامة برتقالية مزركشة باللون الذهبي في طقوس الزواج.

 أغطية الرأس الرجالية عند العرب والمسلمين

أ- العمامة:

تعد العمامة من لباس العرب قبل الإسلام. وهي أقدم أغطية الرأس عندهم. ولا تزال باقية حتى يومنا وأصبحت تراثا موروثا. ولها أشكال وأنواع كثيرة ومختلفة. وإلى وقت قريب قد ينظر في المشرق العربي للرجل الذي يبدو عاري الرأس من العمامة وكأنه ناقص المروءة أو تارك للآداب. وكانوا لا يجيزون خلع العمامة وكشف الرأس إلا في أوقات العبادة أو أداء المناسك الدينية. وقد وصف أبو الأسود الدؤلي العمامة قائلا إنها (جُنَّة في الحرب، ومِكنَّة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار في الندي، وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة، وهي تعد عادة من عادات العرب).

وكانت العرب تعد العمامة لباس عز وفخر، ودليلا للهيبة والوقار؛ فإذا أراد شخص أنْ يضفي على نفسه الهيبة والوقار أو أنْ يتصدر المجلس فإنّه يعتني بعمامته. وقد قال عنترة بن شداد العبسي في إحدى قصائده:

وما الفخر إلا أنْ تكون عمامتي مكورة الأطراف بالصارم بالندي

وجاء النبي صلى الله عليه وسلم ولبس العمامة تبعا للعرف السائد. وقد اختلف رجال الدين الإسلامي في دلالة العمامة ووظيفتها. فهناك من يرى أن لبس العمامة يعد من باب العرف وليس من باب تطبيق السنة؛ فلبسها ليس سنة تشريعية يجب أن يتقيّد بها الجميع؛ فمن شاء لبسها ومن شاء تركها. وهنالك من يؤكد ضرورة لبس العمامة من باب السنة لاسيما بالنسبة لرجال الدين الذين يؤكدون أن الإسلام يحث على لبس العمامة. ويروى عن النبي (ص) أنه قال: (العمائم تيجان العرب فإذا وضعوا العمائم وضع الله عزهم). وروي عن الإمام الباقر: (كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر).

وفي إيران وعند الشيعة بشكل عام تلبس العمامة تيمنا بالعمامة (السحاب) التي ألبسها النبي (ص) الإمام علي في يوم الغدير. ويقال إن الوهابية حاربت العمامة واستبدلتها بإسدال الشماغ أو الغترة على الرأس بدون عقال. وهناك أحكام وفتاوى وهابية مختلفة في من يلبس العقال فوق الشماغ أو من يلبس العقال تحت الشماغ.

وفي أفغانستان ميّز الطالبانيون أنفسهم بارتداء عمائم طويلة يتركون لها طرفا ينزل من على الكتف و يرمي إلي الأمام. وهم في هذا يتبعون حديثا يقول: “سئل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتم؟ فقال: كان يدور كور عمامته على رأسه ويغرزها من ورائه ويرسلـــها على كتفيه”. وأغلب الأفغان من البشتون لا يلبسون العمامة بل الكوفية أو القبعة البشتونية.

وينبغي أن نشير هنا إلى أن لبس العمامة لم ينحصر في العرب المسلمين فقط. فالعرب المسيحيين في بعض الأقطار العربية لبسوا وما زالوا يلبسون العمامة. وللدروز نصيب من هذا الغطاء إذ يسهل التعرّف إليهم بعمائمهم الكبيرة من الأزرق القاتم. ويؤكد الأب غوته أنّ أفراد الطائفة الدرزية يمتازون عن سائر طوائف لبنان بحجم عمامتهم الهائل. أمّا الشاعر الفرنسي لامارتين فذكر أنّ العمامة عند المسيحيين كانت – في القرن التاسع عشر- مصنوعة من نسيج ملون، لكنّ فلوبير يؤكد أنّها كانت مصنوعة من الحرير الأحمر المحبوك بخيوط فضية، ويحيط بها منديل يتدلّى حتى يبلغ الكتفين.

ب- الطربوش

وقد ظهر الطربوش في البلاد العربية حينما غزا إبراهيم باشا بلاد الشام، ثم انتشر في معظم الأقطار العربية. والطربوش غطاء لرأس الرجل ذو شكل اسطواني منتظم مبطّن بالقش وله ذؤابة أي شرابة من خيوط حريريّة سوداء. ويراوح لونه ما بين الأحمر الفاقع والخمري الداكن. ويقال إنه في الأصل كان لباس النمساويين وأخذه عنهم الأتراك العثمانيون. ولبسه في بلاد الشام الأمراء الشهابيون أولاً ثمّ انتشر حتّى صار لباسًا لرأس العامة من الناس غنيّهم وفقيرهم مع اختلاف في ألوانه وأنواعه وأسعاره في كثير من الدول العربية والإسلامية إذ أنه صار يوما ما رمزا لأنصار حركة (الجامعة الإسلامية). وهذا الطربوش التركي يختلف عن نوع آخر من الطرابيش وهو الطربوش المغربي وهو قصير سميك له شرّابة ناعمة وثخينة. أمّا أصل لفظة طربوش فهو من (سر بوش) الفارسية ومعناها غطاء الرأس عرّب أول الأمر باسم «الشربوش» ثمّ استبدلت كلمة الشربوش بالطربوش.

ج- الكوفية:

تعد الكوفية أبسط أنواع أغطية الرأس. وهي في الأصل قطعة قماش أو نسيج مغزول يدويا بشكل نصف كرة، ويتم وضعه فوق أعلى الرأس. واليوم هناك أنواع عدة من الكوافي سنتطرق لها في الصفحات اللاحقة.

د- (القاوق): نوع من أغطية الرأس الكثيرة التي تستخدم في بعض مناطق الحجاز واليمن وجزر الأرخبيل الهندي. وهو نوع من الكوافي السميكة والجافة. (انظر صفحة رقم 3)

ثانيا: أغطية الرأس الرجالية في اليمن

أ‌- التنوع:

هناك أنوع عدة من أغطية الرأس التي استخدمها اليمنيون أو لا يزالون يستخدمونها. ولتنوع أغطية الرأس الرجالية في اليمن أسباب مختلفة. فالرحالة البريطانية فريا ستارك تربط بين تنوع أغطية الرأس في حضرموت وبين كثرة البلدان التي هاجر إليها الحضارم قائلة في سياق وصفها لعرس حضرته في مدينة تريم سنة 1935:

” وبعد لحظات وصل موكب الزواج، أو بالأحرى موكب العروس الشاب الذي يزور هذا المساء بيت عروسته. كان لابسا قميصا أبيض، ويمشي الهوينى تحت مظلة نسائية عريضة بينما يقوم أحد الرجال بالترويح فوقه. وأمامه اصطف ستة من (أخدام السقاف)؛ ثلاثة منهم يحملون طبولا، والثلاثة الآخرون نايات. وفي المقدمة ارتص وجهاء المدينة كلهم وهم يرتدون مختلف أنواع أغطية الرأس؛ فمنهم من يضع طاقية جاوية بيضاء أنيقة ذات حواف مطرزة بالذهب، ومنهم من يحمل القلنسوة المكية العريضة المزينة بخطوط مطرزة وقد لفت حول جزئها العلوي عمامة صغيرة، وهناك أيضا (السدارة) العراقية، والطربوش المصري والطربوش السوري. أما بعضهم فقد عمم رأسه بشال ضخم. وعند مشاهدتي لذلك الحشد من الرؤوس المغطاة من شباك نافذتي أدركت كم هي كثيرة تلك الأراضي، القريبة والبعيدة، التي سافر إليها الحضارم” (انظر كتاب د. مسعود عمشوش : حضرموت في كتابات فريا ستارك).

ويؤكد ظاهرة تنوع أغطية الرأس والأزياء اليمنية بشكل عام الأستاذ د. عبد العزيز المقالح في تعقيبه على شهادة القاضي علي أبو الرجال (استعادة ذكريات شخصية: نشأة الجمهورية وجدال الارتباط أو الربط للزي) إذ يقول: “وبالمناسبة أستطيع القول دون مبالغة إنه لا يوجد شعب في العالم يمتلك من التنوع في الأزياء الرجالية والنسائية مثلما يمتلكه الشعب، كما لا يوجد في أنحاء العالم تنويعات لغطاء الرأس كما هو موجود في اليمن. ولا أخفي أنني أقف في كثير من الاجتماعات العامة حائرا مندهشا للتنوع في استخدام غطاء الرأس الواحد وفي وضعه على الرأس. وحاولت البحث عن اثنين من ألف شخص يتفقان على وضع غطاء الرأس المصنوع من القطن أو الصوف أو الحرير بطريقة واحدة فلم أجد. ويكاد هذا التنوع في لف الرأس يؤكد حالة نفسية يحتشد فيها الإحساس بالفردية حيث يتمسك كل شخص بأسلوبه المخالف والمختلف في طي الغطاء الواحد”.(رداء الدولة، ص148)

ومن أهم أغطية الرأس الرجالية في اليمن:

1-العمامة: وحسب علمنا يطلق اليمنيون لفظة “عمامة” على كل قطعة القماش تلف حول رأس الرجل، بطريقة أو أخرى. وعادة يتم وضع كوفية أو قاوق أو غيره قاعدة للعمامة. وتختلف العمائم حسب اللون ونوع القماش والنظافة، وطريقة اللف. وقد قدمت أ. أمة الرزاق يحيى جحاف العمامة اليمنية في (الندوة الدولية الثانية لرداء الدولة 2005) على النحو الآتي: “قطعة مستطيلة من القطن أو الحرير الخفيف أو الزرزف الأبيض، ترتب فوق بعضها في طبقات ثم تلف بطريقة دائرية معينة. وهناك أنواع كثيرة من العمائم؛ فالعمائم “المعذبة” كانت خاصة بالإمام وسيوف الإسلام، والعمائم “المقولبة” يلبسها من يتولون مناصب مهمة في المملكة الهاشمية، والعمامة العادية يلبسها بقية الهاشميين والقضاة ونعتقد أنه لم يكن يسمح بلبسها قبل مرحلة البلوغ حينما يتم استبدال الكوفية بها”. (رداء الدولة، ص 44).

وقد ذكرت مارثا موندي في دراسة أعدتها عن (اللباس الصنعاني في الفترة من 1920 إلى 1975) أن العمامة اليمنية “تتكون من إطار من الورق المقوى يشبه العلبة الصغيرة يلف حوله شال، أو حسبما هو شائع اليوم قطعة من الشاش الأبيض. ويقال إن النموذج الأقدم لقاعدة العمامة كان عبارة عن إطار أسود محشو (قاوق ثلاثي) تلف حوله قطعة قماش مطرزة… ويعتقد أن هذا الطراز من العمائم ظهر بعد عام 1948 وذلك عندما قامت مجموعة من الشخصيات البارزة التي سجنها الإمام أحمد في سجن حجة بصناعة هذه العمائم”. (اليمن كما يراه الآخر، ص 124-125)

وينبغي علينا أن نميّز بين العمامة و(الألفية) التي تشبهها. والألفية عبارة عن “قاوق أو كوفية مصنوعة من الجوخ القاسي الملون وتثبـّت حول جزئها الأعلى قطعة قماش بيضاء، ويلبسها العلماء والقضاة والسادة والأشراف والعروس –في عدد من الفئات- يوم عقد قرانه.

وبالنسبة لنا، يعد (القبع) (وهو قطعة قماش صغيرة مصبوغة بالنيلة تلف حول الرأس بدون قاعدة، ويلبسها عامة الناس من القبائل في الأجزاء الشمالية من اليمن) نوعا من العمائم. ويمكننا أن نعمم ذلك على (الصماطة) و(المشدة) بما فيها “المشدة السلاطيني أو العمامة الديولي» المشهورة بـ”الرشوان” التي كان يرتديها الوجهاء والميسورين في المناسبات الاجتماعية في عدن.

2-الكوفية: وهي كما ذكرنا أبسط أنواع أغطية الرأس. وعلى الرغم من انتشار لبس الكوفية في معظم أقطار الشرق الأوسط يقال إن الكوفية اليمنية جاءت من جنوب شرق آسيا وشرق إفريقيا. واليوم لا تزال الكوفية (الجاوية أو السواحلية الزنجبارية) تلبس لوحدها في بعض المدن في حضرموت ومحافظة تعز عدن ولحج. وفي المدن والقرى التهامية لا تزال الكوافي الخيزرانية تلبس حتى اليوم.

3- الطربوش: من منتصف القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين تقريبا لبس عدد من اليمنيين الطرابيش التركية التي جاء بها المهاجرون من مصر والحجاز والعراق وقد ظلت محدودة الانتشار ولبسها كل من استطاع شرائها أو أهديت له. كما لبسها السلاطين في المكلا والقطن ولحج.

4- القاوق: ويمكن أن نجد نوعين من القاوق في اليمن: (قاوق العطب) الذي يصنع من قماش قطني بشكل كوفيتين يوضع بينهما قليل من القطن. وكان يلبسه الفقراء والأطفال الصغار. وكثيرا ما يستخدم هذا القاوق قاعدة للعمامة.

وهناك (قاوق القص) الذي تفنن المسلمون في جنوب شرق آسيا في صناعته وبهرجته بالرسوم أو حتى بالآيات القرآنية. ولا يزال الاسماعليون والبهرة اليمنيون يستخدمون أنواعا منه ويطلقون عليها أسماء مختلفة.

ب- الوظيفة:

تبيّن مارثا موندي في دراسة أعدتها عن (اللباس الصنعاني في الفترة من 1920 إلى 1975) أن لغطاء الرأس في اليمن وظيفة اجتماعية وسياسية كبيرة مثلما هي الحال بالنسبة للباس بشكل عام. وتستند على بعض المصادر اليمنية لتؤكد أن “الفقه الزيدي كان يعتبر نزع الغطاء عن الرأس في التجمعات العامة نوعا من العقوبة وإلحاق العار”. (اليمن ما يراه الآخر، ص124)

وفي دراسة عن (الرمزية السياسية للملابس اليمنية) يؤكد الأستاذ الدكتور عبد الكريم قاسم أن “أيديولوجية اللباس في اليمن قبل الثورة تقوم رسميا على التمييز بن الشرائح والفئات الاجتماعية التي كان ينقسم إليها المجتمع اليمني قسمة تتداخل فيها العوامل الاقتصادية بالعوامل الدينية والمهنية”. ويضيف: “ولهيئة اللباس أهمية فاصلة في تمييز الشرائح الاجتماعية عن بعضها، وقد فـُرض نظام صارم للباس ليكون علامة بصرية مميزة بناء على الهرمية الاجتماعية؛ فالمكانة المحترمة يجب أن تحظى بما تستحقه من احترام بمجرد وقوع النظر على صاحبها”. (رداء الدولة، ص 53-54)

ويعترف الأستاذ الدكتور عبد العزيز المقالح بوجود وظيفة اجتماعية وسياسية للملابس في اليمن قبل الثورة. فهو يقول في تعقيبه على شهادة القاضي علي أبو الرجال (استعادة ذكريات شخصية: نشأة الجمهورية وجدال الارتباط أو الربط للزي): “تجدر الإشارة إلى أنه حتى أواخر الخمسينات كان ارتداء الرجال للجوارب أمرا معيبا، وكذلك استخدام الجزمات والاكتفاء بالحذاء التقليدي. كما كان من المكروه أن يرتدي الشخص (الزنة) ذات الأكمام المزررة أو المزودة بقلبات عند الرقبة. وكان ذلك من أكثر الموانع الهادفة إلى المحافظة ورفض أي جديد. وفي ظل احتقار الثقافة وانعدام الحرية كان أي خروج على التقاليد السائدة يعتبر زندقة والزندقة كلمة مرادفة للكفر” (رداء الدولة، ص 148)

وفي اعتقادنا أنه من الصعب أن نعطي للبس العمامة بشكل عام أي دلالة اجتماعية أو سياسية محددة حتى قبل الثورة، إذ أن معظم اليمنيين، فقيرهم وغنيهم، يتعممون منذ وقت طويل. ويؤكد رأينا هذا الأستاذ الدكتور عبد العزيز المقالح حينما يقول: “وقد رافقني لفترة غير قصيرة العسيب بجنبيته الثمينة، وكان ارتداؤه يعتبر علامة الرجولة، ثم ألقيت به مع ما يرافقه من أثواب مقتنعا بأن الرجولة ليست في أنواع الثياب وطريقة ارتدائها ولا في السيوف والخناجر. وعندما حاول بعض الزملاء إقناعي بارتداء العمامة لأنها غطاء رأس السادة والقضاة وكبار المسئولين في الدولة رفضت مشيرا إلى أن العمامة لم تكن وقفا على هؤلاء، بل كانت غطاء رأس شامل لمعظم التجار والحرفيين في مدينة صنعاء بخاصة” (رداء الدولة، ص 148)

وإذا كنا نعتقد أنه من الصعب أن نقرن العمامة بشكل عام بدلالة اجتماعية أو سياسية معينة فمما لاشك فيه هو أن هناك أنواعا من العمائم اكتسبت بعض الدلالات السياسية قبل قيام الثورة. “فالإمام وأولاده يلبسون حلة السادة مع فوارق تميزهم في طريقة اعتمار العمامة. فأولاد الإمام في العادة يلبسون عمامة عليها عذبة ممتدة من الخلف حتى منتصف الظهر إشارة إلى أنهم أولاد الإمام، بينما عمامة الإمام لها عذبتان عذبة من تتدلى فوق خده الأيسر وعذبة من الخلف وهذه شارة خاصة بالإمام”.(رداء الدولة، ص 55)

ويتميز سلاطين حضرموت القعيطيون، الذين ظلوا وثيقي الصلة بالهند، بارتداء عمامة تشبه العمامة التي يلبسها المهراجا الهندي. أما سلاطين حضرموت الكثيريون في سيؤن فقد فضلوا فضلوا وضع “الغترة البيضاء والعقال” فوق رؤوسهم مثلما يفعل أمراء الحجاز والحجاز. وسبق إن ذكرنا أن “الألفية” لا يلبسها إلا العلماء والقضاة والسادة والأشراف. وبالمقابل لا نعتقد أن لبس الطربوش قد اكتسب أي دلالة اجتماعية في اليمن. ففي حضرموت لبسه المزارعون كما لبسه الأمير علي بن صلاح القعيطي. ولن يكون الأمر دقيقا إذا ربطنا لبس الكوفية البيضاء في حضرموت بأنصار الصوفية وربطنا إسدال الشماغ الحجازي من فوق الرأس بتيار ديني معين. فالكثير في حضرموت يلبسون الكوفية والشماغ بحكم العادة والتقليد ودون أن يكترثوا بأي موقف ديني معيّن.

تطوّر أغطية الرأس الرجالية وتغيّر دلالتها:

ومن الواضح أن اليمنيين بشكل عام قد استخدموا – ولا يزالون- أنواعا مختلفة من أغطية الرأس التي أخذوها من الشعوب الأخرى التي احتكوا بها. فمن من المعلوم أن اليمنيين يهاجرون كثيرا. ولم تمنعهم أي عصبية من ارتداء ملابس الشعوب التي عاشوا وسطها. وربما أننا لا نبالغ إذا قلنا إن معظم مكونات ثياب الرجل اليمني في محافظتي عدن وحضرموت ليست يمنية الأصل. بل هي أثر من آثار الهجرة.

وبما أن هجرة اليمنية الحديثة – لاسيما من حضرموت إلى الهند وجزر الأرخبيل الهندي وسواحل شرق إفريقيا- قد بدأت منذ نهاية القرن الثامن عشر فعلينا أن لا نربط بشكل عام بين قيام الثورة اليمنية وتطور أغطية الرأس وتغير دلالتها الاجتماعية والسياسية. ونعتقد أن هجرة أعداد كبيرة من اليمنيين –والحضارم منهم بشكل خاص – منذ نهاية القرن الثامن عشر قد أدى إلى بروز خلخلة في التركيبة الاجتماعية التراتبية منذ بداية القرن العشرين في داخل اليمن نفسها. فبفضل الهجرة وجد المال بين أيدي أفراد ينتمون إلى مختلف فئات المجتمع تقريبا. وهذا المال ساعد على تضييق الهوة بينها اقتصاديا وشكليا. فالطربوش أو الصارون أو (قاوق القص) لم تكن حكرا على أي فئة في حضرموت منذ ظهورها.

كما أن وجود الاستعمار في جنوب اليمن قد ترك أثرا في تلك التركيبة الاجتماعية و”أيديولوجية الملابس” المرتبطة بها. ولاشك أن انتشار لبس البنطلون في عدن ثم في المدن اليمنية الأخرى قد تزامن مع التخلص من أغطية الرأس.

ومع أن القاضي علي أبو الرجال يؤكد في شهادته (استعادة ذكريات شخصية… رداء الدولة ص145) إن “وطأة المظاهر الملزمة على الناس خفت” منذ قيام ثورة 1948، يبدو أن هناك إجماعا حول مقولة إن قيام ثورة 26 سبتمبر سنة 1962 كان عاملا حاسما لتراجع الدلالة الاجتماعية والسياسية للملابس في المناطق الشمالية من اليمن. فالأستاذ الدكتور عبد العزيز المقالح يربط بين قيام الثورة اليمنية وبين تراجع الوظيفة الاجتماعية للملابس قائلا: “أما الآن، [سنة 2005] وبعد أربعين عاما من قيام الثورة اليمنية- سبتمبر وأكتوبر- فقد تحققت الحرية في هذا المجال كأفضل ما تكون، وأصبح من حق المواطن أن يرتدي ما يشاء من ثياب أو أغطية الرأس كالطربوش والعمامة أو الشال. وصار الإنسان حرا فيما يختاره لجسده من ملابس تتناسب مع أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية. ويصح القول عموما وباختصار شديد: أن الملابس ارتبطت قبل الثورة بالحياة الاجتماعية والسياسية، وأنها إلى ما قبل الثورة كانت تمثل للطبقات والفئات التي ترتديها وتبرز من خلالها وظائفها الاجتماعية وفقا لما تم التعارف عليه مع وجود استثناءات لا تكاد تذكر”. (رداء الدولة، ص148)

ومن المعلوم أن ثورة 26 سبتمبر 1962 في الشمال قد ثارت خلال السنوات الخمس الأولى من عمرها ضد العمائم. وقد كتب الأستاذ الدكتور عبد الكريم قاسم في (الرمزية السياسية للملابس في اليمن، رداء الدولة، ص57) “وعندما قامت ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وأعلنت ضمن أهدافها العمل على إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات –حيث كان المظهر الصارخ للامتيازات والفوارق بين الطبقات يتمثل في الملبس- ولأن الثورة قامت لتستبدل النظام الملكي بالنظام الجمهوري وإنهاء احتكار السادة للسلطة فقد كانت النقمة منصبة على هذه الشريحة (التي كانت تشكل النخبة السياسية) وأصبح لباس الإمام والسادة والقضاة رمزا للنظام القديم، وعلى ذلك قامت الإذاعة لفترة من الحط من قدر ما أسمته بـ”العمامة النجسة” ويبدو أن الرئيس السلال (أول رئيس للجمهورية) قد أطلق هذه التسمية لكنه تراجع عن قوله عندما احتج بعض أصحاب العمائم من مؤيدي الجمهورية حيث أوضح أنه لم يكن يعني سوى بيت آل حميد الدين”. (انظر أيضا: اليمن كما يراه الآخر، ص 138 وص 154)

ويؤكد القاضي علي أبو الرجال في شهادته أنه يتذكر “كيف أثر هذا الشعار (لا عمامة بعد اليوم) على مواقفي أنا وأكثر أصدقائي قربا لي في ذلك الحين وهم عبد الكريم الغسالي وطه مصطفى ومحمد الشاطبي عندما ذهبنا إلى القصر الجمهوري. ربما حدث ذلك بعد ثلاثة أيام أو أربعة أيام من الثورة. وكان الناس يرددون شعار لا عمامة بعد اليوم. وحدث عندي رد فعل وهو أن العمامة ليست رمزا للتخلف أو التقدم. أما هم فقد أبعدوا العمامة وأزاحوها من على رؤوسهم، ولم أوافق بل أبقيتها”.

وعلى الرغم من أن بعض الباحثين، مثل سعيد ثابت سعيد، حاولوا في الندوة الدولية الثانية لرداء الدولة أنْ يبينوا أنّ طريقة لبس بعض الشخصيات السياسية المرموقة للعمامة والشال لا تزال اليوم تحتوي على دلالات سياسية واجتماعية عميقة، (رداء الدولة، ص101). فهناك باحثون آخرون بينوا أن ملابس المسئولين اليمنيين لا تحتوي على أبعاد اجتماعية أو سياسية عامة إذ أنها باتت تختلف باختلاف ذوق كل مسئول. فمحمد المنصور يقول في تعقيبه حول ورقة ا. سعيد ثابت سعيد (الأصالة والمعاصر…رداء الدولة، ص 114) إن هناك اليوم ” ثمة حرية ومرونة في الإضافة والابتكار والتطوير تحددها مجموعة عوامل ذاتية وموضوعية تختلف باختلاف المكان والزمان لكنها في غالب الأحوال غير ذات دلالة بالتوصيف الطبقي والفئوي للمجتمع اليمني” ومن ناحيته يرى د. عبد الكريم قاسم أن الشال الذي كان يضعه المرحوم الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر “ملفوف بطريقة تجمع بين العمامة والقبع والصماطة”. (رداء الدولة، ص 61)

 

 

 

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: