مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

محمد بن هاشم والدعوة إلى التحديث في حضرموت

Posted by amshoosh في نوفمبر 7, 2011

محمد بن هاشم: رائد الدعوة إلى التحديث في حضرموت (الجزء الأول 1/3)

أ.د. مسعود عمشوش

لن يستطيع أي دارس لتاريخ الهجرة الحضرمية أو الدولة الكثيرية أو الصحافة اليمنية أن يتجاوز اسم صاحب (رحلة إلى الثغرين) و(الدور الكافي أو الثروة الكافية) و(تاريخ الدولة الكثيرية). ورغم ذلك لا تزال نادرة جدا هي المعلومات عن الصحفي والمؤرخ والتربوي محمد بن هاشم بن طاهر العلوي: رائد الدعوة إلى التحديث ومحاربة الجمود في حضرموت.وقبل نحو عشر سنوات تحدثت مع الأستاذ عمر بن أحمد الشاطري حول ضرورة الكتابة عنه. وبينما ظللت أنا أتردد كتب الأستاذ عمر مقالة بعنوان (محمد بن هاشم شيخ الصحافة الحضرمية) ونشرها في صحيفة الأيام في مطلع هذا القرن. وفي عام 2005 قام الأستاذ محمد أبوبكر باذيب بنشر مجموعة من المقالات التي نشرها ابن هاشم في مجلة (الإخاء) التي صدرت في تريم في سنتي 1939 و1940. وفي مقدمة الكتاب قام بنقل ما كتبه عبدالله أحمد السقاف عن ابن هشام في (تاريخ الشعراء الحضرميين)، وما كتبه عبد القادر الجنيد عنه في كتابه: (العقود الجاهزة في تراجم بعض الشخصيات البارزة). ولاشك أن الترجمة التي وضعها الباحث علي بن أنيس الكاف في مقدمة كتابه (مختارات من كتابات شيخ الصحافة الحضرمية الأستاذ محمد بن هاشم، 2008) تعد أفضل ما كتب عن ابن هاشم حتى اليوم. وفي خضم التحضيرات لفعاليات (تريم عاصمة للثقافة الإسلامية) اقترحت على عدد من الأفراد والمؤسسات تنظيم ندوة عن الأستاذ محمد بن هاشم. وللأسف لم يلق المقترح آذانا صاغية!

ورغم الحيرة، والتردد، وانعدام أي دراسة سابقة عن كتابات ابن هاشم – بين يدي- رأيت أن أقدم هذه الدراسة الأولية والموجزة عن محمد بن هاشم الذي يعد اليوم الرائد الأول للدعوة إلى التجديد ومحاربة الجمود في حضرموت. وقد اخترت أن أكرس الجزء الأول منها لمحاربة ابن هاشم للجمود ودعوته إلى التحديث¬¬. وفي الجزء الثاني تناولت دعوته إلى الانفتاح على الآخر، وفي الجزء الأخير حاولت أن أتبين موقف ابن هاشم من الوجود الاستعماري البريطاني في حضرموت، وذلك من خلال قراءة كتابه (رحلة إلى الثغرين) وما نشره من مقالات في مجلة (الإخاء)- التي أعاد محمد أبوبكر باذيب نشر جزء منها في كتابه (مقالات الأستاذ محمد بن هاشم العلوي)، ومقالاته ومحاضراته وخطبه التي جمعها الباحث علي بن أنيس الكاف في (مختارات من كتابات شيخ الصحافة الحضرمية الأستاذ محمد بن هاشم).

أولا: محاربة ابن هاشم للجمود ودعوته إلى التحديث في حضرموت وجاوا

ولد محمد بن هاشم بن طاهر العلوي في سنة 1883 بقرية مسيلة آل شيخ التي تبعد حوالي ستة أميال جنوب مدينة تريم. وفي المسيلة وتريم وسيؤن تعلم على أيدي أشهر علماء عصره مثل عبد الله عمر الشاطري وحسن علوي بن شهاب ومحمد عثمان بن يحيى. “ولشدة ذكائه وسريع فهمه فاق زملاءه حتى أصبح ينوب عن شيوخه في غيابهم”(عمر الشاطري).ولا شك في أن ابن هاشم قد تأثر في نزعته التنويرية تلك باثنين من أساتذته اللذين سبقاه في الدعوة إلى التجديد في مجال الأدب، وهما العلامة: محمد بن عقيل بن يحيى، والشاعر أبوبكر عبد الرحمن بن شهاب الذي اضطر أن يغادر حضرموت إلى الهند بسبب ميوله النهضوية.

وبسبب ميوله النهضوية أختار الشاب ابن هاشم مغادرة حضرموت في مطلع عام 1907. فقد “أدرك أن الوضع المرير الذي تعيشه حضرموت من فوضى وفتن، وما تعانيه من الجمود الفكري والاقتصادي الذي لا يسمح ببلورة آرائه وأفكاره، ولا بظهورها إلى حيز الوجود، فقرر السفر إلى جاوا (إندونيسيا) التي كانت محطة لهجرة كثير من الحضارم”.(علي أنيس الكاف ص29)

ولبضعة شهور فقط رضي محمد أن يجرب العمل بالتجارة، لكنه سرعان ما تركها والتحق بمهنة التدريس، أولا في مدينة باليمبانغ التي تولى فيها إدارة (مدرسة المُنوَّر) التابعة للجالية الحضرمية. ولأنه لم يكتف بإدارة المدرسة والتدريس بها بل أقدم على تغيير مناهجها التقليدية وتضمينها عددا لا بأس به من المواد الحديثة كعلوم الطبيعة والإنشاء والخطابة التي لا شك أنه قد قرأ عنها الكثير في أعداد مجلة (المنار) المصرية، فقد هاجمه بعض مواطنيه (الجامدين) بشدة حتى أبعدوه منها.

ومن المعلوم أن صاحب المنار محمد رشيد رضا – شامي الأصل- قد أكد مرارا أن هدفه من المجلة هو:”الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة، وبيان أن الإسلام يتفق والعقل والعلم ومصالح البشر، وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام” .كما حرص رشيد رضا أن يكون الإصلاح عن طريق التربية والتعليم، وهو في ذلك يتفق مع شيخه محمد عبده في أهمية هذا الميدان، “فسعادة الأمم بأعمالها، وكمال أعمالها منوط بانتشار العلوم والمعارف فيها”. ومن أهم العلوم التي رأى رشيد رضا إدخالها في ميدان التربية والتعليم لإصلاح شئون الناس، ودفعهم إلى مسايرة ركب العلم والعصر:الطبيعة والتاريخ والجغرافيا والاجتماع والحساب والاقتصاد والتدبير المنزلي، والصحة، ولغة البلاد، والخط، بالإضافة إلى علم أصول الدين، وعلم فقه الحلال والحرام والعبادات.

وقد أكد محمد بن هاشم، في سياق تقديمه لترجمة زميل صباه المحسن عبد الرحمن بن شيخ الكاف، في كتابه (الدور الكافي: تاريخ الثروة الكافية ورجالها، ص116) أنه قد بدأ في قراءة مجلة المنار في تريم، قائلا: “وظهرت مجلة المنار، فاشتركنا فيها، وكانت سمعتها غير محمودة لدى المحافظين. وجاء بعضهم إلى والد عبد الرحمن وأخبره أن ابنه عبد الرحمن يطالع المنار المبتدعة، وبعد غداء ذات يوم سأل المغفور له ابنه عن صحة ما يقال من مطالعته للمنار. فأجاب بالإيجاب، وأن محمد بن هاشم هو المشترك فيها، وطلب أبوه أعدادا منها أخذها معه إلى حيث يضطجع وقت القيلولة، ثم أعادها قائلا: عجبا لماذا يسخطون عليها؟ أنا لم أرَ فيها ما يُنكر”.

لكن رأي السيد شيخ بن عبد الرحمن الكاف هذا يختلف تماما عن رأي مفتي جاوا عثمان بن عقيل بن يحيى، الذي كان أيضا مستشارا للحكومة الهولندية هناك. فقد كتب أولا –في سنة 1908- إلى جعفر بن شيخ السقاف نقيب الحضارم في باليمبانغ، ومحمد عبد الرحمن المنور صاحب المدرسة، يطلب فيها المساعدة في تصحيح سلوك (الولد العاق) محمد بن هاشم، ووضع حد لما يقوم به من تدمير للتعليم. (نيكو باكتين ص7). وعندما لم يستجب المذكوران لطلبه اضطر عثمان بن يحيى – في يناير 1912- أن يلصق منشورا/نصيحة لأهالي المدينة يطلب منهم إبعاد أبنائهم عن المدارس الحديثة.

ويذكر الأستاذ الباحث الهولندي نيكو باكتين في الورقة التي قدمها إلى مؤتمر (تطور المجتمع الحضرمي في جنوب شرق آسيا: التجارة، والإسلام الثقافة، سنغافورة ، 10-11 أبريل 2010) بعنوان (الجدل بين السيد محمد بن هاشم بن طاهر والسيد عثمان بن يحيى حول إنشاء المدارس الحديثة في باليمبانغ) أن المفتي عثمان بن يحي – الذي كان يقترب من سن التسعين- كتب في 4 نوفمبر 1912 رسالة إلى مستشار الحكومة الهولندية سنوك هورجونيه في لايدن يشتكي له فيها من أن أتباع محمد رشيد رضا ومجلة المنار، الذين ظهروا مؤخرا في جاوا، يقومون بنشر مذهب في مدارس حديثة تابعة لهم. ويذكر أن جعفر بن شيخ السقاف ومحمد بن هاشم هما اللذان يقودان هذا المذهب. (نيكو ص7)

ونجد إشارة إلى ذلك الجدل في مقالة بعنوان (حالة المسلمين في جاوا والإصلاح) نشرها ابن هاشم نفسه في المجلد الرابع عشر من مجلة (المنار، أكتوبر 1911)، وربط فيها بين تخلف التعليم وحالة الجمود، ورفض التجديد التي يعاني منها الحضارم، قائلا: “من أية وجهة أشرقت علينا معشر الحضارم؟ لا تشاهد إلا منظرا يصهر الفؤاد ويذرف العيون، ويفتت الأكباد، ويرقق قلب الشامت … أخذ الجمود من كبرائنا مأخذه، وتمكن في نفوسهم اعتقاد أن كل جديد ضار، وأن العكوف على العادات القديمة أنفع ما كان وما يكون، وأن ما سبقنا إليه رجال أوروبا من الخير لا يجوز لنا فعله شرعا. رسخ هذا الاعتقاد في قلوبهم، وامتزج بعقولهم وأرواحهم، حتى صدهم عن استماع الدين، وسدوا فجاج الإصلاح، ودفعوا في صدر الأمة، حتى قهقروها عن التقدم، زاعمين أن التحسين والتنظيم وتسهيل وسائل التعليم مخل بالنسب الكريم أو الدين القديم، ومعاذ الله أن يكونوا في هذا من الصادقين، فإن الفتن في الإصلاح شيء، والدين والأنساب شيئان آخران. وبلغ من تعصب كبرائنا أن حظروا جعل المدارس على الطريقة الحديثة من إقامة طاولات ومكتبات قدام التلاميذ، توضع عليها أدواتهم، وسرر يجلسون عليها ولوح خشبي توضح فيه مشكلات المسائل، وعدوا ذلك من المنكرات، والواجب تغييرها باليد لمن قدر عليهم، لأن في هذا كما لا يخفى تشبها بالكفار ومجاراة لأصحاب النار، بل الواجب علينا أن نقشف مداركنا ونهين تلاميذنا، فنجلسهم على قاعة المدرسة مباشرة أو بواسطة حصير في هذه البلاد الندية، حتى يصابوا بمرض البيري بيري المخوف فيموتوا قريبا، وننفض أيدينا منهم نفض الأنامل من تراب الميت، وحينئذ نستريح من انتظار نفعهم في المستقبل… ولكن مع كل هذا نرى الجامدين والمتعصين من قومنا العرب لم يرضهم فعلنا، بل قاموا يشتموننا ويقدحون في أعراضنا، ويصادرون نهضتنا، وينفرون الناس عن مدرستنا، في وقت نحن أحوج الناس فيه إلى مساعدتهم”.(انظر مختارات من كتابات شيخ الصحافة الحضرمية الأستاذ محمد بن هاشم، جمع وتحقيق علي أنيس الكاف، مكتبة تريم الحديثة، تريم 2008، ص120-121)

ومن فاليمبانغ انتقل الأستاذ محمد بن هاشم إلى العاصمة باتافيا (جاكرتا حاليا) للتدريس في مدرسة جمعية خير. ثم انتقل إلى وسط جاوا ليؤسس مدرسة شمائل الهدى فيها. وفي سوربايا– قبلة المهاجرين الحضارم- أسس (مدرسة حضرموت). وفي جميع تلك المدارس سار ابن هاشم على النهج نفسه الذي اتبعه في (مدرسة المنور).

وفي سنة 1924 اختير محمد بن هشام رئيسا لأول بعثة علمية تضم 17 طالبا أرسلت من جزر جاوا (إندونيسيا) للالتحاق بالجامعات المصرية. وفي أرض الكنانة لم يتوقف عن ممارسة نشاطه الصحافي والثقافي وكتب العديد من المقالات في صحيفة (وادي النيل) وجريدة (السياسة). كما ألقى عددا من المحاضرات عن حضرموت ومشاكلها في نادي الموظفين ودار (الرابطة الشرقية).

وفي سنة 1926، وبسبب ذيوع صيته، استدعاه الثري المحسن عبد الرحمن بن شيخ الكاف من مصر ليقوم بإدارة المدارس التي أنشأها في بعض مدن حضرموت. وكما فعل في مدارس جاوا لم يتردد ابن هاشم في تحديث مناهج في مدارس مدينته تريم المشهورة بمدارسها وأربطتها العلمية. وحينما أدار مدرسة (جمعية الحق) بتريم أدخل على مناهجها كثيراً من التحديث؛ فضمنها تدريس الطبيعة والعلوم والفلك، والحساب، والنشاط المدرسي كالجمعيات الأدبية والصحافة والخطابة والرياضة، وكذلك الأناشيد المدرسية. وبسبب ذلك تعرض للنقد الشديد من قبل الجامدين.

لهذا ارتفع صوت الأديب علي أحمد باكثير – الذي تعرض هو أيضا لهجوم الجامدين عندما حاول أن يجدد مناهج مدرسة النهضة في سيؤن في العام نفسه- للدفاع عن الأستاذ محمد بن هاشم، وكتب في العدد الثامن من صحيفة (التهذيب 1930) ما يلي:

“ماذا يقول القارئ في أمة بلغ جمودها على القديم إلى حد أن نسبت النقص والتضعضع الحاصلين في بعض مدارسها إلى إدارة الأستاذ الكبير النابغة السيد محمد بن هاشم إذ تولى إدارتها حينا من الزمن، فنسبت كل نقص وخلل وقع في المدرسة بعد خروجه منها إليه. وهو هو ذلك الرجل المتفوق ذو الخبرة التامة بشؤون المدارس وأنظمة التعليم الذي قضى صفوة عمره وعنفوان شبابه في تأسيس المدارس في المهجر والعمل على رفع شأن الحضارمة وإعلاء مقامهم”.

ومن الواضح أن محمد بن هاشم لم يستطع أن يفرض آراءه التربوية الحديثة في تريم وإن كان قد قبل عضوا في مجلس إدارة مدرسة الكاف الكبرى التي تأسست هناك في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي. ففي مطلع عام 1931 ألقى ابن هاشم نص كتابه (رحلة إلى الثغرين) في شكل محاضرة في حفل تأسيس (نادي الشبيبة المتحدة) بتريم. وقد أكد في هذه المحاضرة أن “حضرموت كلها ليس بها للمعارف سوق ولا رواج، وأن وجدت بها كتاتيب الأطفال فإنما هي أمكنة حقيرة وظيفتها إخراج من يؤمها من عمق الأمية إلى طرفها. وفي أمهات المدن كتريم وسيئون وغيرهما معاهد مبعثرة تقتصر على تدريس الفقه والنحو وسرد من التفسير والحديث وكلام السلف”.(محمد بن هاشم، رحلة إلى الثغرين الشحر والمكلا، مطبعة حجازي، القاهرة، بدون تاريخ، ص 11) ويمكن أن نذكر أن العلامة حسن بن علوي بن شهاب – أحد أساتذة رباط تريم والمنادين بإصلاح التعليم آنذاك- قد كتب في رسالته (النحلة لإنهاض الوطن ومن به فطن، سنغافورة 1330) “إن أمر التعليم في حضرموت قد صار عند الكثيرين من الرسوم والتقاليد التي تؤدّى فقط. وغالب تلك الطرق المتبعة في التدريس والإرشاد مفوتة للغرض مضيعة للزمن”.

ويمكن أن نذكـّر هنا أن الأديب علي أحمد باكثير يربط بين اكتشاف داء الجمود والتخلف الذي تعاني منه حضرموت وبين المهاجرين الحضارم الذين عادوا من المهجر إلى بلادهم للنهوض بها، لكن “لم يسعهم إلا الرضوخ لقضاء الله والاستسلام لما جاء به”. و قد كتب في العدد الثالث من (التهذيب):

“إن كثيرا من عقلائنا المفكرين ورجالنا العالمين يعودون من مهاجرهم بجزائر الهند الشرقية وما والاها، بعد ما اختلطوا بعظماء الأجانب، واقتبسوا من أفكارهم، وأثرت في نفوسهم تلك البيئة المثقفة، فلا يكادون يصلون إلى الوطن حتى يروا ما فيه من نكد الحال وشظف العيش وسوء الانحطاط. وتظهر لهم المقارنة صورة التقهقر المشين والتأخر المؤسف واضحة جلية، فلا يلبثون بعد ذلك أن ينثلوا لإخوانهم ما في كنانتهم من النصائح الثمينة والآراء السديدة، ويصيحوا بملء أفواههم في المجالس والمحافل داعين إخوانهم إلى الإصلاح والتعبير، متأسفين مما انكشف لهم وحل ببلادهم من فوضى مهلكة وفراغ شائن وظلم غير مدفوع، وشباب لا هم له إلا في المآكل والمشارب والملاهي والملابس، فتشق مريطاؤهم وتبح أصواتهم، ولا يستجيب لهم عند ذاك مجيب، فيضطرهم الحال إلى إخماد جمرتهم المتوقدة والدخول راغمين في ذلك التيار الجارف.لا يستطيع أن ينكر هذا منكر ولا يكذب به مكابر. فهل تعرف ما السبب الحامل لذاك المفكر على ما بثه بلهجة الناصح الأمين وما هي العلة في عدم إجابة ندائه؟ لا جرم أن ذلك المفكر لما مكث في بلاد راقية آخذة بنصيبها الأوفى من الحضارة والعمران، أفاده مكثه واحتكاكه بالأجانب الحنكة والبصيرة بطرق النفع والضر. فلما عاد إلى وطنه ظهر له الفرق العظيم والتباين البعيد فانقض انقضاض النجم ليقاوم تلك الجوانح، وينقذ الوطن من مخالبها. ولكن لما كان مواطنوه – اللهم إلا أفرادا لا يجاوزون عدد الأنامل ولا حركات العوامل- لا يفهمون للرقي معنى، ولا يهتدون للحياة السعيدة سبيلا، لم يلتفتوا إلى قوله بل أقطعوه جانب الإهمال حتى ذهبت أقواله سدى ونادته نفسه تقول: /لقد أسمعت لو ناديت حيا/ولكن لا حياة لمن تنادي/فلم يسعه إلا الرضوخ لقضاء الله والاستسلام لما جاء به”.(انظر مجلد مجموعة أعداد السنة الأولى من صحيفة (التهذيب)، ص135-136)

يتبع

ابن هاشم والانفتاح على الاخر

:

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: