مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

بماذا تقدم الغربيون؟ للقمان

Posted by amshoosh في نوفمبر 8, 2011

خطاب ما بعد الاستعمار وتجلياته في اليمن

أ‌. د. مسعود عمشوش

أ- خطاب ما بعد الاستعمار

من المعلوم أن الأدب المقارن قد سعى منذ نشأته في مطلع القرن التاسع عشر إلى دراسة العلاقات الأدبية والثقافية التي تربط مختلف الشعوب والأمم بعضها ببعض. إلا أن تحقيق ذلك الهدف ظل بعيد المنال بسبب تركيز المقارنين الأوائل على الآداب والقيم والثقافات الغربية. ومن الواضح أيضا أن معظم الدارسين والباحثين الغربيين، بمن فيهم المقارنون قد كرسوا في دراساتهم مركزية أوروبية غربية جعلت من بقية بقاع العالم “هوامش” تنحصر أهميتها في مساعدة المركز على إدراك هويته. وقد نجحت هذه العملية الإقصائية في تهميش العالم المستعمَر ثم “ما بعد المستعمَر”. وإذا كان بعض الباحثين المقارنين الغربيين- مثل رينه اتيامبل- قد دعا في مطلع السبعينات من القرن الماضي إلى ضرورة توسيع مجال المقارنة لتشمل آداب العالم كلها لاسيما آداب العالم الثالث والآداب الآسيوية فهم في الحقيقة لم يلتفتوا حينها إلى الآثار الثقافية التي تركتها ظاهرة الاستعمار والامبريالية في النصوص التي كتبها المستعمِرون والمستعمَرون. وفي منتصف السبعينات من القرن العشرين تناول إدوارد سعيد (1935-2003)، أستاذ الأدب المقارن والأدب الإنجليزي، ومؤلف كتاب (الاستشراق، 1978)، آثار الاستعمار الغربي في الثقافات الشرقية قبل استقلالها العسكري وبعده. وفي عام 1993 نشر كتابه (الثقافة والإمبريالية)، وتناول فيه مختلف العلاقات بين “المركز الغربي الحديث” وبقية أصقاع العالم الواقعة في ما وراء البحار. وإذا كان ادوارد سعيد قد سعى في كتابه الأول إلى فضح آليات الخطاب الاستشراقي وكيفية توظيفه لتبرير الاستعمار، فهو في كتابه الثاني تناول أيضا بعض الأخطاء التي ارتكبتها حركات التحرر في حق شعوبها وبلدانها الأصلية. لهذا يرى كثير من الباحثين في ادوارد سعيد أحد أبرز مؤسسي دراسات ”خطاب ما بعد الاستعمار”، التي مهدت لها كتابات الفرنسي المارتينيكي فرانز فانون.

ومع ذلك فنقد (أو نظرية) “ما بعد الاستعمار”، لم تتبلور معالمه بشكل واضح ومستقل إلا في أواخر ثمانينات القرن العشرين، وذلك حينما نشر بل اشكروفت وجايث جريفش وهيلين تيفن كتاب (الإمبراطورية تكتب الرد: النظرية والتطبيق في آداب ما بعد الاستعمار، 1989). ووفقا لما كتبه المؤلفون في مقدمة هذا الكتاب “يغطي مصطلح ما بعد الاستعمار كل مجالات الثقافة المتأثرة بالعملية الاستعمارية، ماضيا وحاضرا، من اللحظة التي بدأت فيها تلك العملية وحتى اليوم”. لذلك فنظرية ما بعد الاستعمار (post-colonialism) تسعى إلى الربط بين تحليل الخطاب الاستعماري نفسه لمعرفة أبعاده الفكرية، وتأثيره في الثقافات والآداب المحلية، وبين دراسة النصوص التي كتبها المستعمَرون أنفسهم في ظل الاستعمار وفي مرحلة ما بعد الاستقلال (العسكري). ومن هذا المنطلق لا يقتصر مصطلح (أدب ما بعد الاستعمار) على الثقافة الوطنية التالية لجلاء الاستعمار عسكريا، بل يغطي كل النصوص التي تأثّرت بالسياق الاستعماري/الامبريالي منذ بروز الاستعمار في العصور الحديثة حتى اليوم.

ويبدو أن دراسات (أو نقد) خطاب ما بعد الاستعمار قد برزت بسبب عجز النظرية الأوروبية عن التعامل بشكل صحيح مع النصوص التي كتبت خارج المركز الأوروبي وامتداده الأمريكي، ومع مصادرها الثقافية المتنوعة، لاسيما أن تلك النظريات الأوروبية تنطلق من تقاليد ثقافية خاصة بها حتى وإن تلبست مسوح ” العالمية أو الكونية”، ورفعت شعارات حوار الحضارات والانفتاح على الآخر.

ويختلف الباحثون حول تحديد الآداب التي يمكن إدخالها في قائمة أدب ما بعد الاستعمار. فمنهم من يرى أن آداب البلدان الإفريقية، ومعظم بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية، وكذلك استراليا، وكندا، ونيوزلندا تدخل جميعها في إطار أدب ما بعد الاستعمار. وهنالك من يضع جزءا كبيرا من أدب الولايات المتحدة الأمريكية، لاسيما الذي كتبه المهاجرون الملونون، ضمن هذا الإطار. فجميع تلك الآداب نهضت في خضم التجربة الاستعمارية وأكدت ذاتها من خلال احتكاك كتابها بالقوى الاستعمارية/الامبريالية، ومن السعي إلى تبيان اختلافاتها عن آداب المركز. ويبدو “أن ما يقارب ثلاثة أرباع سكان العالم يعيشون اليوم في عالم حددت لهم التجربة الاستعمارية فيه نمط حياتهم، ومجالات سياساتهم”.

وفي دراسة حول (أدب ونقد ما بعد الكولونيالية، علامات في النقد، ج54، ديسمبر 2004، ص88) يؤكد الأستاذ خالد سليمان أهمية دراسات أدب ما بعد الاستعمار بالنسبة لنا نحن العرب، قائلا: “إذا كانت التجربة الاستعمارية قد تركت آثارها الحياتية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية بشكل واضح وجلي في الأمم التي وقعت تحت السيطرة الاستعمارية لفترة ما، فإن إدراك تأثيرها في البنية العقلية لتلك الأمم، ليس بمثل تلك السهولة التي نستطيع رصدها أو إدراكها في المجالات السياسية والاقتصادية. والأدب يوفر لنا الطرق الأكثر أهمية التي تعكس التأثر المستتر، وقد وظفه الجانب المستعمِر توظيفا ماهرا وماكرا في لغته وثقافته من أجل رسم صورة دونية وهامشية للطرف “الآخر”. ونحن العرب جزء من هذا الآخر. وقد نلنا من تلك الصورة الدونية نصيبا وافرا، ليس فقط في كتب الرحلات والأسفار والشعر لكن أيضا في وسائل الثقافة والاتصال المعاصر”.

واليوم يميل الباحثون إلى تقسيم نصوص ما بعد الاستعمار إلى ثلاث مراحل مختلفة ومتشابكة في الوقت نفسه. وتتزامن المرحلة الأولى منها مع فترة الكتابة في ظل الاستعمار، بلغته أو باللغة المحلية أو بإحدى لغات المهاجرين. وفي الغالب ينتمي كتاب هذه المرحلة إلى المركز الاستعماري نفسه أو إلى النخبة المتعلمة القريبة بشكل أو آخر من المستعمِر (والمستوطنون، والرحالة، والسيّاح، والموظفون الاستعماريون، والدبلوماسيون والجنود هم أبرز كتاب تلك المرحلة). وهناك كثير من النصوص التي تدخل في إطار هذا الأدب وتتعلق بجنوب اليمن، وكتبتها أسماء مشهورة مثل فريا ستارك وانجرامس وبول نيزان ودي جوبينو وبليفير وفان دن ميولن وماكنتوش وجافين ووترفيلد، والألماني هانس هيلفريتس…الخ. ومن المؤكد أن تلك النصوص، التي تركز على الوصف المفصّل للمشاهد الغرائبية، والأزياء والعادات واللغات المحلية، لم تسع لتشكيل أساس لثقافة وطنية أو التكامل مع الثقافة التي كانت قائمة في هذه البلدان قبل الغزو الاستعماري. وهذا ما تبيّن لنا بجلاء خلال قراءتنا للنصوص التي كتبها الرحالة الفرنسيون حول عدن بين سنة 1855 وسنة 1950، أو للنصوص التي كتبتها فريا ستارك عن حضرموت في الثلاثينات من القرن العشرين. فقد ظلت تلك النصوص، على الرغم من ادعائها الموضوعية والعلمية، منحازة للمركز ومتماهية مع الخطاب الاستعماري الذي تنتمي إليه أصلا.

أما المرحلة الثانية فتغطي الفترة التي تمكـّن خلالها عدد من الكتـّاب المحليين، الذين صاروا ينتمون إلى طبقة خاصة متميزة تتمتع بقدر من التعليم والثقافة ووقت الفراغ اللازم للكتابة، أن ينتجوا “بترخيص أو بدون ترخيص استعماري” نصوصا بلغتهم أو بلغة المستعمِر. ومما يميّز نصوص تلك المرحلة تصويرها لقسوة النظام القائم، ومظاهر الظلم الاجتماعي، وكذلك اهتمامها بإبراز الثقافات المحلية وتراثها الغني. ومع ذلك من الصعب رصد خطاب مناهض للاستعمار في غالبية تلك النصوص، إذ أن المؤسسة الثقافية في المستعمرات ظلت – في معظم الأحيان- تحت سيطرة الطبقة الاستعمارية الحاكمة التي يعود لها وحدها – في الغالب- السماح بنشر الأعمال المكتوبة وتوزيعها. ويمكن أن نتأكد من هذا الأمر – فيما يخص مستعمرة عدن- من خلال قراءتنا للمقالات والدراسات والنصوص الأدبية التي نشرتها أول صحيفة مهمة صدرت باللغة العربية في عدن سنة 1940.

وقد كتب د. علوي عبد الله طاهر في مؤلفه (لطفي أمان: دراسة وتاريخ، ص 26) أن “فتاة الجزيرة كانت تنشر أخبار القادة والمسئولين الإنجليز باستمرار وبعض الإصلاحات كبناء مدرسة أو إصلاح طريق، والحفلات واللقاءات، وتتبع أخبار السلاطين وزياراتهم لعدن أو مغادرتهم لها. ولم تكن بقادرة على أن تنهج خطا مستقلا، لأن الاستعمار لم يكن حينها ليسمح بإصدار صحيفة خاصة في المستعمرة إن لم تسلك الخط العام الذي يرسمه هو لها. وكان رئيس تحريرها محمد علي لقمان من الناحية الثقافية قائد حركة إصلاحية أدبية بعيدة عن العمل الوطني. وكان يدعو على صفحات جريدته إلى نشر التعليم وتحرير المرأة من الحجاب وإعطائها حقها من التعليم، كما طالب ببناء المستشفيات في عدن. وبحكم ثقافته وتعليمه في الهند كان يريد أن يجعل من المجتمع العربي جزءا من المجتمع البريطاني”.

ومن اللافت أن بعض النقاد الذين تصدوا لقصائد لطفي جعفر أمان التي نشرها في تلك المرحلة – أي في ظل وجود الاستعمار في عدن- قد وظـّفوا عدم مقارعة الشاعر للاستعمار في تلك القصائد للتشكيك في وطنيته. ففي مجلة (المعارف، يونيو 1961) البيروتية نشر سعيد الشيباني دراسة بعنوان (نظرة في الشعر اليمني الحديث) أشار فيها إلى أن لطفي جعفر أمان يفتقد الروح النضالية “بحكم موت الدافع الوطني في أعماقه”. ويؤكد د. عبد المطلب جبر أن محمد الزرقة كتب في سنة 1963 ما يشبه هذا التناول في مجلة (الآداب) البيروتية. ويبدو أن لطفي أمان أراد، بعد جلاء الاستعمار، أن يعطي لبعض قصائد تلك المرحلة نفسا ثوريا من خلال تغيير عناوينها أو إضافة بعض الإشارات في مفتتحها. فقصيدة (غريب) نشرت في ديوان (الدرب الأخضر،طــــ1 دار المعارف ، مصر 1962، ص69) واحتوت التقديم الآتي:(طريق الرحيل إلى كينيا سنة 1951). وفي الطبعة الثانية من الديوان التي نشرها الشاعر في المكتب التجاري – بيروت 1970، تحولت عبارة التقديم للقصيدة إلى (في طريق الهجرة إلى كينيا عام 1951 : بعد أن طردني الاستعمار من وطني يوماً .. ثم طردت الاستعمار من وطني إلى الأبد). وكان لطفي أمان قد نشر هذه القصيدة سنة 1953 في مجلة (الأديب) البيروتية بعنوان (شريد).

وتتزامن المرحلة الثالثة من خطاب ما بعد الاستعمار مع يقظة الشعوب المستعمَرة وتطور الوعي الوطني فيها وطرد المستعمر عسكريا من أراضيها. وتعكس هذه المرحلة نمو الآداب “المستقلة” التي وضعت حداً للهيمنة الاستعمارية (المباشرة على الأقل) على المؤسسات الثقافية بشكل عام. وفي الحقيقة تباينت ردود الفعل التي عبرت عنها تلك الآداب تجاه الغرب. فبعضها أكد رفضه التام للخطاب الاستعماري القائم عادة على التمركز الغربي، أي رؤية أوروبا على أنها مركز العالم. ومن الواضح أن رغبة تلك الآداب في التخلص من الآثار الثقافية للاستعمار الغربي وتأكيد اختلافها عن آداب “المركز” قد دفعتها في بعض من الأحيان إلى تبني المنطلقات الثقافية السائدة في أقطار المعسكر الاشتراكي حينذاك (مثل مذهب الواقعية الاشتراكية).

وفي المقابل حاولت بعض نصوص (خطاب) ما بعد الاستقلال التعايش مع المركزية الغربية واحتفظت بقنوات اتصال مع الآخر الغربي الذي جاء وذهب بعد أن ترك بصمات لا تمحى في طريقة تفكير الشعوب المستعمرة. ويرى كتاب تلك النصوص أن مقاومة المركزية الغربية ينبغي أن تكون حضارية وسلمية وتسمح بالحوار الثقافي والحضاري إذ أنه من المستحيل أن يستطيع أي شعب أن يعيش اليوم بمعزل عن الغرب الذي لم يتردد هو نفسه من الاستفادة من المعطيات الثقافية المتجددة لدى الشعوب المتحررة، فـ “الهامش” أصبح اليوم مصدراً غنيا للطاقة المبدعة في الغرب نفسه. ويرى روبرت يونج في كتابه الصادر في عام 2001 بعنوان (ما بعد الاستعمار: مقدمة تاريخية) أن حركات الاستقلال عن الاستعمار الأوربي قد فضحت الآثار السلبية للاستعمار الأوربي في المجتمعات الشرقية، وقدمت نقدا للثقافة الغربية من منطلقات أبناء الشرق المستعمر أنفسهم، وهي بذلك أسهمت في بلورة مراجعة للذات الغربية في علاقتها بمستعمراتها السابقة في الشرق. وقد شارك في تلك المراجعة كثير من أبناء الشرق الذين هاجروا لظروف مختلفة إلى الغرب بعد الحرب العالمية الثانية واستقروا في أوربا وأمريكا ورفضوا – مع ذلك- الذوبان في المجتمعات الغربية، لإيمانهم بأن دورهم التاريخي يكمن في مساعدة حركات الاستقلال الوطنية والشعوب المستقلة حديثا في التخلص من أثار الاستعمار، وكذلك إيصال وجهة نظر الشرق إلى الشعوب الغربية. ومن بين أبرز الأسماء الشرقية التي أسهمت في تلك المراجعة النقدية للخطاب الاستعماري الغربي نجد الفلسطيني إدوارد سعيد، والهنديين هومي ك. بابا وجاياتري سبيفاك.

ب- خطاب ما بعد الاستعمار في كتاب (بماذا تقدم الغربيون) لمحمد علي لقمان

في سنة 1898، أي قبل عام واحد من وصول التاجر الفرنسي أنتونين بس إلى عدن، ولد في هذه المدينة محمد علي لقمان الذي سيصبح أحد أبرز رواد حركة التنوير في اليمن. ومنذ صباه، عمل محمد علي لقمان في شركات التاجر الفرنسي أنتونين بس (ِAntonin Besse)، وأصبح مسئولا عن تدبير أمور شئون بيوته المتعددة في عدن. وقد شجعه البس على تلقي أكبر قدر من التعليم في عدن ثم في الهند التي حصل منها على شهادة جامعية في الحقوق. وبما أن البس كان شديد الثقة بمحمد علي فقد أوكل إليه عددا من المهام الأخرى من بينها الإشراف على فرع شركته في بربرة بالصومال التي حرر فيها كتابه (بماذا تقدم الغربيون؟) سنة 1933.

ومن المعلوم أن مدينة عدن قد شهدت منذ العشرينات من القرن الماضي نشأة عدد من الأندية الثقافية من أبرزها (نادي الإصلاح العربي الإسلامي) في الشيخ عثمان والتواهي وكريتر(عدن). وأصبح محمد علي لقمان (المحامي) رئيس النادي الذي تأسس في كريتر سنة 1930. وقد أخذ هذا النادي على عاتقه مهمة التصدي لمحاولات طمس الوجه العربي الإسلامي لمدينة عدن. ويؤكد محمد علي لقمان في خاتمة كتابه (بماذا تقدم الغربيون؟) إلى أن رغبته في تثقيف أعضاء ذلك النادي -عن بعد- ونصيحة من صديقه الأديب علي أحمد باكثير تقفان وراء مشروع تأليف الكتاب الذي صدر في القاهرة سنة 1934، وقام اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين بإعادة طباعته في مطلع هذا العام 2005.

في مقدمة الكتاب يؤكد محمد علي لقمان أن أوروبا قد استطاعت أن “تمتلك ناصية الشرق وتبلغ أوج الكمال في التمدن البشري لأسباب عديدة”. ولكنه أختار أن يحصر بحثه في تقديم جملة من السمات الأخلاقية التي، في رأيه، أدت إلى تقدم الغرب، وكان غيابها عند الشرقيين سببا في تأخرهم. ومن أبرز تلك الصفات الأخلاقية التي يلصقها لقمان بالغربيين: حب النظام والترتيب في العمل، الاهتمام بالتعليم بما في ذلك تعليم البنات، الاعتماد على النفس منذ الصغر، حب السفر واغتنام الفرص، الاتحاد والتحلي بمشاعر الانتماء القومي، احترام الفكر وحريته، وكذلك احترام المبادئ والمصالح العامة.

ولا شك أن التفسير “الأخلاقي” الذي يقدمه لقمان لتقدم الغرب في كتابه (بماذا تقدم الغربيون؟) يعكس معايشته للواقع الذي حوله والذي تغيب فيه أدنى مقومات النهوض والتقدم. فمحمد علي لقمان يدعو الشرقيين إلى الاقتداء بالغربيين وإرسال أبنائهم إلى الغرب نفسه إن هم أرادوا أن ينهضوا، قائلا “ومرماي أن يتحلى بهذه الأخلاق أبناء الشرق فيبنون مدنيتهم على أنقاض الثقافة الأوروبية الزائلة والحضارة الأوروبية المتهدمة”.(ص 14) ويضيف: “إن واجب الشرقيين اليوم هو أن يحذوا حذو الغربيين في الاستعداد للطوارئ، ولا توجد طريقة أجدى وأحمد من تعلم الناشئة والبنات بالثقافة الإسلامية والشرقية عموما وبث العلم وتشجيعه والبذل بسخاء لعمارة المدارس والمعاهد العلمية وإرسال البعثات من نجباء الشبان إلى أوروبا للتخرج من كلياتها لإعلاء كلمة الشرق والأوطان”.(ص65)

وإذا كان من الطبيعي ألا يغفل لقمان، وهو يخاطب أعضاء النادي العربي الإسلامي، تقديم بعض النماذج من التاريخ العربي الإسلامي، فمعظم النماذج التي يتكرر ذكرها في كتابه غربية. وكان محمد علي لقمان قد نبّه في المقدمة إلى أنه يستند في كتابه على ملاحظته الشخصية للأوروبيين “من إنكليز وافرنسيس وألمان وروس وطليان وبلجيك وهولنديين ودانماركيين ونمساويين وأسبانيين وغيرهم”، إذ أنه قد قضى معظم عمره بينهم. (وطبعا ليس في أقطارهم كما ذكر ذلك عبد الفتاح الحكيمي في كتابه (المعارك الأدبية في اليمن)، بل في مكاتب شركات البس في عدن. (ونذكـّر هنا أن الفيلسوف الروائي الفرنسي بول نيزان الذي عمل أيضا في شركات البس في عدن في نهاية العشرينات من القرن الماضي، كتب أن “عدن العربية” هي في الواقع “نسخة مركزة لأمنا أوروبا”).

وتأتي في مقدمة تلك النماذج الأوروبية التي يقدمها لنا لقمان في كتابه رب عمله التاجر الفرنسي أنتونين بس (البس)، ويتحدث عنه مرات عدة في الكتاب. فمرة يشيد بحبه للرياضة قائلا “عرفت في عدن التاجر العبقري الخواجة بيس المشهور وعليه من الأعمال والواجبات وأعباء تجارته الكبيرة ما ينوء بحملها عشرات الرجال، ولكنه لا ينقطع يوما واحدا عن الرياضة بتسلق جبل شمسان أو بالتجديف أو السباحة أو بركوب الخيل، ولهذا تراه وكأنه لم يبلغ الأربعين من عمره بينما هو اليوم في العقد السابع ومتمتعا بأبهى حلل الصحة والعافية”. (ص 49) كما يرى المؤلف في البس مثالا للاستعداد ودقة النظام والترتيب اللذين يفتقدهما التاجر اليمني. فهو يقول “هكذا عرفت الخواجة بيس العصامي الفرنسي، فإن تراكم الأشغال بين يديه لا يعيق قيامه بالألعاب الرياضية، وكثرة واجباته لا تمنعه عن ملاحظة مستخدميه والسؤال عنهم وفحص أشغالهم وما ذلك إلا لأن الغربي تعوّد أن يضع كل شيء في محله ويقوم بكل واجب في حينه، فإذا ما وصل خطاب وضعه في الملف المعد له عند وصوله. أما العربي اليمني وغير اليمني مثلا فإنه يجمع خطاباته التجارية خطابا فوق خطاب، السنة إثر السنة، وإذا ما جاء يوم الحاجة إلى أحدها تراه مضطرا إلى تقليب أوراقه وفحصها ورقة ورقة…”.(ص 73) كما ضمّن محمد علي لقمان كتابه (عدن تطلب الحكم الذّاتي) الشهادة الآتية: “توجد في عدن عدة جاليات من هندوس وفرس وجوانيز وبهرة وأوروبيين وعدد كبير من الجاليات الأخرى. ولكن لم يقم أي ثري كبير منها بالتبرع لمشروع عدني، وإن كانوا يتبرعون أحياناً بمبالغ صغيرة لمدرسة أو ملعب. والمحسن الوحيد الذي جاد ببعض ماله لعدن هو الخواجة بس”. وبالمقابل، في نهاية ربيع سنة 1951، قبل رحيله الأخير من عدن، استدعى البس (باتل) كبير محاسبيه وأوصاه بالاهتمام بمحمد علي لقمان الذي “عمل من أجله أكثر من أي شخص آخر”.

وبالإضافة إلى النماذج الغربية، يقدم لنا محمد علي لقمان بعض النماذج الهندية. فبعكس أحمد محمد الأصنج الذي هاجم في كتابه (نصيب عدن من الحياة الفكرية الحديثة، 1934) مختلف العناصر غير العربية في عدن، لم يهاجم محمد علي لقمان أيا من الأقليات القاطنة في عدن. بل على العكس من ذلك فهو يستشهد ببعض النماذج الهندية من الرجال – كغاندي- والنساء مثل “الشاعرة نايدو التي لم يفسد أخلاقها العلم والأدب” (ص 25). ويرى لقمان في الدكتور الهندي عطا حسين، – الذي شغل منصب ناظر المعارف في عدن بين سنة 1921وسنة 1930- نموذجا ينبغي الإقتداء به في طريقة إدارة الوقت حيث يقول عنه “عرفت عطا حسين مثالا للنظام والترتيب في جميع أعماله، يعد العدة للسنة من أول يوم فيها بل قبل حلولها بأسبوع؛ فيضع لنفسه برنامجا يسير على جادته وقلما يضطر إلى مخالفته فيتمم عمل كل يوم في ذلك اليوم غير تارك لليوم الآخر أي عمل من الأعمال التي يجب إتمامها في اليوم السابق”. (ص 72)

وربما نجد ما يبرر سلوك لقمان هذا في ما كتبه هشام علي في كتابه (المثقفون اليمنيون والنهضة، ص 119) حينما يؤكد أن دعوة بعض اليمنيين في عدن إلى التحرر من النفوذ الهندي الذي يرون فيه وسيطا للسيطرة البريطانية “تحمل وعيا زائفا، لاسيما في مطلع القرن العشرين. وربما كانت السلطات البريطانية وراء مثل تلك الدعوات خاصة أن هذه المرحلة شهدت بدايات الوعي القومي في الهند ومطالبتهم بالاستقلال عن بريطانيا. وقد حمل بعض المسئولين الهنود بعض الوعي الوطني إلى الأهالي في عدن على نحو ما نرى في تقرير المسئول التعليمي في بومبي الذي زار عدن وكتب عن مناهج التعليم في المدينة وكيف أنها لا تعبر عن الثقافة القومية لسكان المدينة”. ويشير هشام علي إلى أن محمد علي لقمان قد نشر سنة 1933 كتيبا باللغة الإنجليزية باسم مستعار تحت عنوان (هل هذه قصاصة ورق؟)، واستعان فيه بآراء ناظر المعارف الهندي عطا حسين. (ص 92)

نقد الغرب

هل تعكس النماذج الغربية والأفكار التي أوردها محمد علي لقمان في كتابه (بماذا تقدم الغربيون) انبهاره بالغرب؟ يرى الدكتور أحمد علي الهمداني – في مقدمة كتابه (المجاهد محمد علي لقمان المحامي: افتتاحيات ومقالات فتاة الجزيرة، ص43) أن “محمد علي لقمان لم يكن يعاني الانبهار أمام الحضارة الأوروبية في أية صورة من الصور، وفي أي شكل من الأشكال. لقد حاور هذه الحضارة حوارا جادا. بعيدا عن التعصب والأذى المتبادل. مبينا ما لها وما عليها. منتقدا الجوانب السلبية في صورة لا تشوبها شائبة. مظهرا العناصر الإيجابية في وضوح كبير. وهو لا يدعو مطلقا إلى الأخذ بأسباب هذه الحضارة من دونما تحفظ. إنه يتحفظ على أشياء كثيرة فيها. يرفضها ويدينها من منطلق العربي المسلم. لكنه لا يعادي هذه الحضارة ولا ينفيها، إنه يحاورها ويتبنى أجمل ما فيها حتى تتحقق أحلامه في نهضة العالم العربي والعالم الإسلامي على السواء. ولابد أن يرجع القارئ إلى أعمال محمد علي لقمان ليطمئن إلى ما نقول”.

وفي الحقيقة، إذا كان محمد علي لقمان قد أراد في كتابه (بماذا تقدم الغربيون) أن يبيّن لنا الأسباب التي ساعدت الغربيين على النهوض والتقدم، وأن يدعونا إلى الأخذ بتلك الأسباب، فهو لم يمنع نفسه من تضمين كتابه نقدا صريحا للغرب الاستعماري الذي يرى فيه أحد أسباب تقهقر الشرق وتخلفه. ومن اللافت أن المؤلف يبني نقده للغرب على بعض من تلك السمات الأخلاقية التي كان قد قدمها كأسباب لتقدمه. فإذا كان الشعور القومي يشكل مبدأ مهما في حياة جميع الشعوب فهو أصبح عند الغربيين مصدرا للتعصب والشوفينية والعنصرية. ويلاحظ لقمان أن “الغربي يغض الطرف عن سقطات أبناء جنسه”، و”الغربيون الذين يتناصحون ويرشد بعضهم بعضا، جبلوا على انتحال الأعذار لبعضهم البعض واحتقار الأجانب والعمل بالمثل السوري: أنا وأخي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب. وهم في خارج أوطانهم أشد تمسكا برابطتهم الغربية، فلم نسمع قط أن أحد الأفرنسيس والطليان أو الإنكليز والألمان تخاصموا وتنابذوا بالألقاب لا في الحبشة ولا في الصين كما فعل العلويون والإرشاديون في جاوا مثلا” (ص 110-111). وعملا بمبدأ منرو “حافظ الغربيون على منع غيرهم من دخول المستعمرات فكان لهم ما اشتهوه، وأصبحت كندا واستراليا وزيلندة الجديدة وأفريقيا الجنوبية محرمة على غير الجنس الأبيض. فالغربي أخو الغربي لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره. والغربيون محافظون على هذه التعاليم، أما نحن فقد نسيناها بل أننا خالفناه” (ص124).

والأمر كذلك بالنسبة لمبدأ الاعتماد على النفس. فكثير من “الناس يقاسون في الغرب من جراء اعتماد كل فرد على نفسه حتى أصبح الرأسماليون لا يبالون بما يصيب الفقراء والبؤساء من شظف العيش وويلات الحياة”. (ص35) وقد تحول هذا المبدأ الأخلاقي إلى جشع. والجشع هو الذي دفع بالغربيين إلى استعمار الشرق وتقهقره بعد أن كان متحضرا وصانعا للمعجزات.(ص38) وإذا كان “الشرق قد أضاع تلك المزايا الفاخرة فالاستعمار مسئول عن هذا التقهقر أمام الأجيال المقبلة لأن الجشع الاستعماري أباد العباقرة في الشرق حتى أصبحنا لا نعرف كيف نعمر ديارنا بعد أن كنا نعمر مثل تاج محل والأهرام وقطب منار”. ويرى لقمان أن “أوروبا لم تقم إلا بالعلم والأخلاق. وقد يقول قائل إن لأوروبا الفضل في الرقي المشهود في مصر وسوريا والعراق وتونس والجزائر والهند وإيران ولكن الحق الذي لا يأتيه الباطل هو أن اليابان بلغت إلى ما بلغت إليه لآن أوروبا لم تستعمرها ولم تدخلها فتجعل أعزة أهلها أذلة. ولولا أوروبا لكانت الحضارة في الشرق غير ما هي عليه اليوم ولكان الناس أسعد حالا وأروح بالا، لأن المدنية الأوروبية أحدثت رقيا ماديا صرفا وهو خلاصة تفكير شعب واحد ولو كانت الشعوب الشرقية طليقة حرة لبلغت المدنية البشرية مستوى رفيعا ولتقدمت الإنسانية كثيرا ولما نكبت بالويلات والأرزاء التي تئن من آلامها الساعة لجشع أوروبا الهائل التي تبيح لنفسها كل وسيلة لبلوغ غايتها وإشباع نهمها”.(ص 138) ويضيف “والسياسة هي أشد الأسلحة فتكا بحرية الفكر لأنها تقضي بالاستبداد التام والمستعمرات الأوروبية هي أنطق الشواهد على نتائج الضغط الذي ترك الشعوب الشرقية من عرب وصومال وهنود وصينيين وجاويين في أحط درجات الجهل وفساد الأخلاق لأن الاستعمار سلط الصعاليك والأسافل على الأشراف الأماثل وخذل الشرف والمجد وبدد التاريخ المجيد حيث حل وسكن”.(ص128)

ويبدو لنا أن استخدام محمد علي لقمان لكلمة “سياسة” للدلالة على “الاستعمار” في الفقرة السابقة يعكس تأثير الوجود الاستعماري في عدن في الخطاب الذي استخدمه في أول كتبه (بماذا تقدم الغربيون؟). كما يتجلى هذا التأثير في استخدامه لكلمة “العرب أو العرب اليمنيين” للدلالة على اليمنيين في عدن. ومن اللافت للانتباه أيضا أن محمد علي لقمان يردد في كتابه – دون قصد وبتأثير خطاب المستعمرين والمستشرقين- بعض آراء الكتاب الغربيين بشأن انتشار الإسلام، وذلك حين يكتب في صفحة 21 “وإذا رجعنا إلى التاريخ وجدنا أن الصين والهند في العصور الغابرة لم تستعمر البلدان كما فعل العرب والفرس الذين كانوا في زمن ما من كبار دول الاستعمار، وقد كان الحجازيون حملة ألوية الدولة العربية للحاجة الداعية إلى المستعمرات من جهة، ولنشر الثقافة الإسلامية من جهة أخرى، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث من بينهم”.

ويمكننا أن نلمس صدى آخر للخطاب الاستعماري الغربي في طريقة تقديم محمد علي لقمان لمبدأ الرحمة والتكافل الاجتماعي المتبع في كثير من بلدان الشرق. حيث يكتب في (بماذا تقدم الغربيون؟) أن “الشرقي جبل على الرحمة والميل إلى مساعدة البائسين حتى صار جل الشرقيين فقراء لهذا السبب. وهو خلق كريم لكنه يساعد كثيرا جدا على البطالة، وقد أدى بالعدد العظيم من الخلائق إلى طرق الاستجداء وتكفف أيدي الناس”. (ص 35-36)

من خلال هذه القراءة السريعة في (بماذا تقدم الغربيون؟) الذي يدعو فيه مؤلفه الشباب العرب إلى الأخذ ببعض عادات الغربيين إن هم أرادوا النهوض والتقدم، تتسرّب بعض مكونات خطاب المستعمِـر الغربي في ثنايا خطاب المستعمَـر محمد علي لقمان. ومن جهة أخرى، نرى أن النقد الشديد الذي يوجهه المؤلف للاستعمار الغربي ينسجم تماما مع ما يمكن أن ننتظره من رئيس (نادي الإصلاح العربي الإسلامي) محمد علي لقمان الذي يؤكد- كما سبق إن ذكرنا- أنه قد وضع الكتاب استجابة لنصيحة صديقه الأديب الإسلامي علي أحمد باكثير، وبهدف تثقيف أعضاء هذا النادي الذي أخذ على عاتقه مهمة التصدي لمحاولات المستعمِـر البريطاني الرامية إلى طمس الوجه العربي الإسلامي لمدينة عدن.

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: