مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

ثالثا: موقف ابن هاشم من الاستعمار

Posted by amshoosh في نوفمبر 13, 2011

ثالثا: موقف ابن هاشم من الاستعمار (نسخة أولية)

أ.د. مسعود عمشوش

أ‌- موقفه من الاستعمار بشكل عام:

لكونه أحد الرواد في نشر أفكار دعاة الإصلاح المصريين في جاوا فقد ظل محمد بن هاشم موضع ريبة من قبل السلطات الاستعمارية الهولندية هناك التي شكت في أنه يروج أيضا لأفكار الجامعة الإسلامية. وظلت تراقبه عن كثب، ووضعت صحيفة (البشير) التي أسسها سنة 1914 تحت مراقبة قاسية. (نيوك باكتين ص8) وكان ابن هاشم أكثر ذكاءً من أن يعبر جهارا عن أي شعور سلبي تجاه السلطات الهولندية. لهذا أكد المستشار الهولندي رينكز في تقريره عن الصحيفة أن لا شيء في (البشير) يمس هولندا. بل أن السلطات الهولندية ارتاحت للقصيدة التي ألقاها ابن هاشم سنة 1923 بمناسبة الذكرى الـ25 لتتويج الملكة الهولندية: ويلهلمينا. ويبدو أن المراقبين الهولنديين لم يطلعوا على القصيدة التي كتبها ابن هاشم في السنة نفسها ونشرها في العدد الثاني من صحيفة حضرموت (سنة 1923) بعنوان (الغرب والشرق) التي تمجد جميع أفكار دعاة الجامعة الإسلامية السائرة في تلك الفترة، بما فيها الإشادة برجال مصطفى ترك ونائبه عصمت، ويقول فيها:

برح الخفاء وزاغت الأحلام     ودرى بما يُنوَى له الإسلام

وتقشعت عنه الشكوك فلم تعد     تطغى كما كانت به الأوهام

يكفيه من غفلاته فلطالما       ألقت عليه دروسها الأيام

ولطالما عاثت ذئاب الغرب في    عرصاته والمسلمون نيام

لم يسل بعدُ ذهاب مصر وتونس   إلا وراح عراقه والشام

أواه لو بعث النبي ولو رأى    لعراه مما قد جرى إيلام

مهلا بني الغرب الجشوع ليكفكم    جشع يذل ونهمة وأوام

مهلا فقد جرتم على جيرانكم  المال يُنهب والنفوس تضام

فزنوا قليلا فالعيون يواقظ  والحقد يربو والقصاص يرام

وارعوا ذمام اللائذين بعهدكم     أم لا فليس على القوي ذمام

أنّى لعهد الطرس يوثق باغيا    ما العهد إلا مدفع وحسام

هبّوا بني الشرق المجيد فأنتم الـ    مستضعفون وتلكم الحكام

يتربعون ذرى السيادة بينكم    فهم الرؤوس بأرضكم والهام

إنا لنأنف أن نقــــر بأنهم      سادوا البـــلاد وإننا خـــدام

لكننا بالرغم عــــنا لا نرى     إلا نُذلّ لخسفهــــم ونُســــام

ليعش رجال الترك وليحيوا فقد   هبوا لتجديد الفخار وقاموا

لم تلق أطماع الفرنجة منفذا     فيهم ولم يحصل بهم إلمام

طارت شعاعا مذ أتاها مصطفى    والذئب يجفل إذ أتى الضرغام

بطل سرى في الكون طيب ثنائه   وزهت لفاخر نصره الأعلام

ويعينه بالرأي عصمت من له   في الفكر سهم صائب ومقام

قادوا الجحافل كي يصونوا محتدا       الذل دون مناله والسأم

وحموا حمى الإسلام أن تنتابه          سفل تلطخ سوحه وطغام

ولأهل وادي النيل ألف تحية      يقف بها الإجلال والإكرام

فقد اقتفوا أثر العلا وتوغلوا       في نيلها وعنوا بذاك وهاموا

حتى ارتووا  بنميرها وغدوا وهم      بين البرية ماجدون كرام

نبذوا حفاظ الانكليز بهمة      قعساء تكبوا دونها الأفهام

أطوائف الإسلام هبوا وأقدموا     يكفيكم الإهمال والإحجام

والدين مبدؤه التقدم والعلا       والجد والإجهاد والإقدام

فعلى المخالف نقمة وتعاسة     وعلى المطيع  تحية وسلام

وفي مقالة نشرها – وهو في سن الثانية والأربعين- في العدد 26 من صحيفة حضرموت (سنة 1924) التي كانت تصدر في سوربايا كتب داعيا بني قومه إلى توطيد الرابطة الوطنية ومنبها إياهم إلى خطورة الاستعمار البريطاني- الذي في نظره أخذ يبسط جناحيه على حضرموت بموجب اتفاقية 1882 و1918- قائلا: “أي بني حضرموت الكرام من سادة وقبائل ومشايخ، هبوا حفظكم الله إلى توطيد عرى الرابطة الوطنية بينكم وأحبوا ما بقيتم بعضكم بعضا، فإن الأمواج المتكسرة على شواطئ المحيط الهندي والبحر الأحمر لتردد ما كان لأسلافكم رحمهم الله من قوة الوحدة، وعزة الوطنية، وتنذركم إذا لم تلجئوا إلى التضامن الوطني بحلول الخسف الأوروبي والنير الإنجليزي المنبعث من تحت القبعات الصليبية التي لم تعلموا عنها حتى الآن شيئا سوى سرابها الخادع وبرقها الخلاب اللامعين على بقاع المستعمرات البريطانية. إنه وإن يكن الاستعمار الإنجليزي قد ظل باسط جناحيه وهميا على بلادنا المحبوبة تجهما واختلاسا من تفريط أشخاص تربعوا على منصات الملك وتاجروا بوطن الأمة وذهبوا. والمسئولية باهظة. والجريرة فادحة. واللون الأحمر الذي لوّن الإنجليز به موضع وطننا من خرائطهم كأنما هو مذاب من قلوب الشعب ومعتصر من أفئدته. أجل إنه وإن لم يكن الأمر كذلك إلا أنه لا يزال لدينا من ليوث بني الأحقاف الخوادر، وسيوفهم البواتر من يرد تلك الأطماع الأشعبية حسرى ويصد عن الوطن المقدس من أراد به شرا”.(علي أنيس ص51-52)

ب: موقف ابن هاشم من الوجود البريطاني في حضرموت:

وفي الصحيفة نفسها نشر ابن هاشم – في شهر فبراير من عام 1926- مقالا آخر بعنوان (إلى متى هذا الحال؟) ينتقد فيه بشدة جميع أصحاب النفوذ في حضرموت، ويحملـّهم مسئولية تردي الأوضاع فيها، ويتهمهم أنهم بمواقفهم تلك إنما يرمون (الوطن) في أحضان الاستعمار. ويقول فيها: “أين السيد حسين بن حامد المحضار بطل الإصلاح ورسول السلام وخدين الأمن؟ ألم يأن لسيادته أن يعجل لتلك البلاد السيئة الحظ بجزء مما احتكره من معدات السلام، وانتحله من دعوى الإصلاح؟ وهو يسمع ويرى ما يجري بأعلى حضرموت وأسفلها مما ترجف لذكره القلوب وتقشعر لهوله الأبدان من قتل النفوس وشن الغارات وقطع السبل، وتقويز النخل، وإيباس الزرع، وتخريب السواقي، وتدمير المساكن؟ والإقدام على فضيعة تستنزل البؤس وتستمطر اللعنات؟

أين أولائك سلاطين البلد وأمرائها الذين يحبون الجبايات ويمسكون المكوس، ويتصدون لمزاولة الحكم، وإصدار الأمر والنهي، ويميسون عجبا بألقابهم الضخمة، وبيوتاتهم الرفيعة؟ ثم هم هؤلاء يرون الأهواء تتلاعب حولهم، والمفاسد تتأصل في وطنهم، وهم ثمالى بصهباء الإعجاب، وأسارى في ربقة الملاذ. فأية شبهة تبرر سكوتهم تجاه هذه الفواقر، وأية معذرة تخلصهم من ثقل المسئولية؟ وفي أية بالوعة سيرمون بوجههم هربا من النكال عندما تحق الصفقة ويتقدم الوطن جائرا إلى الأجنبي من تفاقم الشر وعدم النصير؟.

وأين ذوو المناصب السلفية، والزوايا الإصلاحية، أين الذي نصبوا أنفسهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإسعاف البائس، ونصرة المظلوم، وترميم الخارب، وإطفاء الفتن؟ فمتى سيمثلون دورهم الإصلاحي إن لم يكن في هذه الأيام السوداء، والآونات العصيبة، والبلاد ترزح تحت نيرا العتو، وتئن من تبعات الجهالة المطلقة؟

ثم أين رجال العلم وحملة الشريعة، وأرباب المعارف، وقادة العامة وهداة الشعب؟ هلا يستخدمون أفكارهم، ويحركون ألسنتهم يهزون أقلامهم في درء المفاسد وإزاحة البلايا وإنقاذ البلاد والعباد؟

أفلا يجد كل من تساءلنا عنهم أن يعملوا لصلاح وطنهم ولو بمعشار ما يؤدونه لأغراضهم الخاصة؟ أفلا يحتم ذلك عليهم الواجب الديني قبل الواجب الوطني؟

أجل والله. وأين الآخرون من فطاحلة النقود وأبطال الثروة والصناديد الذين ساعدتم الظروف، وواتتهم الجدود فثقلت جيوبهم، وخفت أحلامهم، إلا من وفقه الله منهم – وقليل هم – فأشاد المدارس وعمر المساجد، ونشر المعارف، وبعث البعثات العلمية، واستجلب وسائل العمران، وأخذ بأسباب المدنية، وغمر من استطاع أن يغمره من سكان حضرموت بأياديه البيضاء وإغاثته الكريمة؟”.(علي أنيس ص62-63)

وفي مقدمة البيان الذي نشرته جمعية الأخوة والمعاونة بتريم- عام 1932- جاء ما يلي: “إن حضرموت في نصف القرن الرابع عشر الهجري قد بلغت منتهى درجات التأخر والانحطاط والفوضى في جميع نواحيها: سياسيا وثقافيا واجتماعيا، حيث منيت بسلاطين مستبدين وعشائر حضرية وبدوية تثير الفتن والقلاقل لأتفه الأسباب. وليس لها من شغل سوى قطع الطرق ونهب الأموال وإرهاب العزل وقتل الأنفس وإرساء الخوف والرعب والقلق. وفي المدن لا توجد عدالة تحمي حقوق الناس ولا محاكم شرعية أو مدنية للفصل في قضايا المظلومين وهم يبقون تحت رحمة السلاطين وزعماء المماليك ورؤساء القبائل وأرباب المناصب الروحية والمال”.

ج- موقف ابن هاشم من معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والكثيري

قبل سبع سنوات كتبت دراسة موجزة عن (موقف المؤرخ محمد أحمد الشاطري تجاه معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والكثيري)، وقلت في بدايتها “يبدو أنّ عوامل ذاتية واجتماعية وعلمية قد تضافرت وتداخلت في تشكيل موقف الأستاذ المؤرخ محمد أحمد الشاطري الحذر تجاه معاهدة الاستشارة بين السلطنة الكثيرية في وادي حضرموت وبريطانيا، التي وقّعت سنة 1939، بعد جهود ومساعٍ كبيرة بذلها كل من هارولد انجرامس والسيد أبي بكر بن شيخ الكاف. ومن تلك العوامل ما يتعلّق بشخصية محمد بن أحمد الشاطري في كل مرحلة من مراحل عمره. فهو عند توقيع المعاهدة كان شابًا شديد الذكاء ومثقفًا طموحًا يتطلع للمشاركة الفعلية في مختلف نواحي الحياة الأدبية والسياسية والاقتصادية في البلاد. وكان العنصر الأكثر نشاطًا في جمعية الأخوة والمعاونة في تريم التي أصدرت سنة 1938 صحيفة (الإخاء. وقد سافر إلى جزر الهند الشرقية سنة 1936 ليدرس في مدرسة الجنيد في سنغافورة وهناك التقى هو أيضًا بانجرامس. وفي سنة 1944 عُيِّن عضوًا في المجلس العالي للقضاء في المكلا. وفي سنة 1945 تولى لفترة قصيرة الإفتاء في مجلس الدولة الكثيرية.وفي سنة 1964م طلب منه المشاركة في تأسيس المدرسة الثانوية في سيئون التي درس فيها سنوات عدة.

لهذا لم يكن من المتوقع أن يعبّر الأستاذ محمد بن أحمد الشاطري كتابيًا عن آراء يمكن أن تضعه صراحةً ضمن ما يمكن أن يحسب أنّه معارضة سياسية ويمكن أن تحرمه بالتالي من القيام بأي دور فعلي في الحياة الاجتماعية والسياسية في بلاد لم تكن تعرف في ذلك الحين شيئًا اسمه الديمقراطية وتعدد الآراء السياسية. ولاشك أيضًا أن الميول العلمية للمؤرخ الشاطري قد أسهمت هي أيضًا في عدم إقدام الشاطري على الإفصاح عن مواقفه السياسية لاسيما حول الأحداث المعاصرة. ومع ذلك، فالأستاذ المؤرخ محمد أحمد الشاطري ترك لنا كثيرًا من النصوص التي سنحاول من خلال القراءة بين سطورها أن نبرز بعض الملامح التي يمكن أن تكشف لنا موقفه تجاه معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والكثيري”.

والشيء نفسه ينبغي علي أن أكرره عند الحديث عن موقف محمد بن هاشم تجاه معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والسلطنة الكثيرية. فمنذ سنة 1930 أصبح ابن هاشم يتردد كثيرا على عاصمة السلطنة التي صارت مستقرا لكبار رجال عائلة آل الكاف الذين اضطروا إلى مغادرة تريم منذ تلك السنة. وأصبحت سيؤن مستقرا لمحمد بن هاشم أيضا منذ منتصف الثلاثينات وحتى مطلع الخمسينات. فقد عينه السلطان علي بن منصور سكرتيرا له في عام 1936. وتم اختياره أيضا أمين سر لجنة أمان حضرموت التي شكلها السلطان علي بن منصور الكثيري والسلطان صالح بن غالب القعيطي وأشرف عليها الكولونيل هارولد انجرامس. وحينما توفي السلطان علي بن منصور اختير ابن هاشم عضوا في لجنة أهل الحل والعقد التي توجت جعفر بن منصور سلطانا خلفا لأخيه المتوفي وعيّنت حسين بن علي بن منصور وليا للعهد. وحالما اعتلى السلطان جعفر العرش عيّن محمد بن هاشم سكرتيرا له، وقام كذلك بتوقيع معاهدة الاستشارة. ومن اللافت للانتباه أن سكان حضرموت قد أطلقوا على المعاهدة وما ترتبت عليه من تغيير سياسي كلمة: (انقلاب)!

وهذا يعني أن محمد بن هاشم – مؤرخ السلطنة الكثيرية- كان قريبا جدا من موقع اتخاذ القرار في السلطنة الكثيرية في حضرموت في عهد توقيع اتفاقية الاستشارة والحماية التي أبرمتها السلطنة الكثيرية مع بريطانيا في مطلع عام 1939. ويؤكد علي بن أنيس الكاف أن محمد بن هاشم (ص36) “شارك في أغلب الإصلاحات التي شهدتها البلاد في تلك المرحلة والتي تعد من أهم المراحل في التاريخ الحضرمي”.

ومن المعلوم أيضا أن بريطانيا قد أدركت في الثلاثينات من القرن الماضي أن اتفاقياتي 1882 و1918 لم تعد تكفي لضمان سيطرتها على حضرموت. وأرسلت عددا من الضباط لإقناع السلاطين بالقبول بما تريد. وأصبحت الحاجة الى شكل متقدم من العلاقة بين بريطانيا والسلاطين ملحة ومستعجلة بعد أن أصبحت عدن تابعة مباشرة للتاج البريطاني اعتبارا من الأول من يناير 1937، وبعد أن بيّنت زيارة هاري سانت جون فيلبي (المشهور بالحاج عبد الله فيلبي) أن من بين سكان حضرموت وسلاطينها من يستهويه التقرب من الملك عبد العزيز. وإذا كان السلطان صالح بن غالب القعيطي لم يتردد في القبول بنص معاهدة الاستشارة ووقعها مباشرة بعد أن وافقت بريطانيا على تعيين ابنه وليا للعهد في 13 أغسطس من سنة 1937، فالسلطان علي بن منصور ماطل كثيرا (وربما رفض حسب ما كتبه محمد سعيد بن داوود)، ولم يوقع أبدا المعاهدة، رغم أن ما سبق إن قام به الضابط هارولد انجرامس على أرض الواقع جعل محمد بن هاشم يرى أن بريطانيا قد تدخلت فعلا في شئون السلطنة الكثيرية بشكل مباشر منذ عام 1355/1936، وتحديدا منذ أن حلّ الضابط هارولد انجرمس في حضرموت، ولجأ إلى سلاح الطيران لكسر شوكة البدو. ففي نهاية مقالته (إلى أين؟) التي نشرت في العدد 30 (1357هـ) من صحيفة الترجمان، يتحدث ابن هاشم عن حال السياسية في حضرموت، ويقول: “تدخلت حكومة عدن [البريطانية] في داخلية حضرموت أواخر سنة 1355 من جراء قضية القبطان… ثم عقدت صلحا عاما بين العشائر، وأعلنت تأمين السبل، وأخذت تهدد وتتوعد، وتقتص وتؤدب بحجة أنها إنما تفعل ذلك صيانةً للأمن بطلب من حكومتي القطر. وتعلن أنها ليس لها في البلاد أي مطمع، وإنما هي تتصرف هذه التصرفات لمجرد مساعدة السلاطين على استتاب الأمن فحسب، ثم قاولت شركة البس لحمل البوسطة الجوية من عدن إلى حضرموت، وارتضت إقامة مستشار لها مقيم بالمكلا وسيؤن، وشملت العسكر النظامي بسيؤن والمكلا برعايتها، ومهـّدت لها مطارات شتى في داخل القطر. وفعلت وفعلت وستفعل وتفعل، والناس شاخصون بإبصارهم يتساءلون إلى أين؟!!”(علي أنيس ص73)

ويكشف لنا محمد ابن هاشم -مؤرخ السلطنة الكثيرية – مماطلة السلطان علي بن منصور في توقيع اتفاقية الاستشارة في نص الكلمة التي ألقاها في حفل تأبين عميد الأسرة الكافية المحسن عبد الرحمن بن شيخ الكاف سنة 1367 أي بعد عشر سنوات من وفاة السلطان علي بن منصور في 18 شعبان 1357. ففي نهاية تلك الكلمة يقول ابن هاشم: “وجاء الانقلاب الأخير أو كما يسميه بعضهم النظام الحديث، فكان لعبد الرحمن فيه المشاركة التامة. وقام رحمه الله بمساعدة لجنة أمان حضرموت مساعدة لولاها لما قامت تلك اللجنة التي دوخت حضرموت وكانت هي باكورة النظام الحاضر ومقدمته. واستمرت مساعدات الفقيد القولية والعملية تجري مجراها حتى استتب الأمر وتم النظام. فكم مرة يصعد وإيّاي إلى الحصن لمواجهة السلطان وإقناعه أو إرشاده إلى ما ينبغي تنفيذه لمصلحة سلطنته ورعيته. وكم مرة نتحمل امتعاض سمو السلطان أو سخط المستر انجرامس في سبيل سعينا في التأليف بين وجهتي نظرهما. وحدث ذات مرة أن المستر انجرامس أصر على أمر وصمم السلطان علي بن منصور على خلافه، فأظهر انجرامس الغيظ والعودة إلى حكومته وأعلن أنه سيخبرها ببطلان كل شيء. ثم أمر الضابط العسكري غلام حيدر بجمع البنادق والعتاد وأن يأمر الجند بالاستعداد للرحيل من سيؤن. وهرعت أنا حائرا إلى أبي بكر بن شيخ أسأله كيف الأمر؟ فقال لي: لا تخف كله كذب. وبدت لصاحب السمو مهمة إلى العقدة فأرسلني إليها وبالي مشغول بقضية انجرامس. فلما عدت قيل لي إن عبد الرحمن قد حل المشكل. فذهبت إليه ووجدته مع جماعة في مصلى دار بنقاله، وهمست في أذنه: كيف عملتم في القضية؟ فأجابني متبسما ومفاكها: سدِّينا بينهم بقميص ونقبة. ثم انتحى بي ناحية وشرح لي الحال”. (علي أنيس ص225-226)

وإذا كان ابن هاشم لم يجرؤ أن يعبّر عن رأيه بصراحة عن (الانقلاب الأخير) وتدخل حكومة عدن البريطانية في داخلية حضرموت، فقد لجأ إلى تقمص شخصية (حسناء) وكتب على لسانها مقالة استشرافية نشرها في العدد التاسع من مجلة الإخاء (رمضان 1357هـ/ نوفمبر 1938) بعنوان (بعد خمسين سنة [أي 1407هـ/1987]) ويقول فيها: “وهبّ المصلحون من غفلتهم وعملوا على تقريض الحكومتين فملوهما. وخاطب السلاطين حكومة عدن في إسعادهم على إصلاح بلادهم، وسرعان ما خضدت شوكة الباطل وقامت موازين الحق. وكـبُر على الجامدين ذلك الانقلاب، وأرجف المرجفون، وتكهن الخراصون، وسد صراخهم الأفق، بأن هذا هو الاستعمار، تتبعه الحرية الشائنة والخمر والفجور والتبشير والالحاد. والآن وقد مضت على هذا الانقلاب السياسي خمسون سنة، وأصبحت خريطة العالم السياسية غيرها بالأمس، وتعاقبت على حضرموت مدة متناقضة الألوان، تكتسي فيها مرة حللا من الحرير الفضفاض وأخرى نسيجا من أشواك القتاد، فنحن الآن إن شكونا من شيء فإنما نشكو من تشبث حكومة عدن [البريطانية] بحماية القطر الحضرمي، بعد أن قدمت لها حكوماتنا المتحدة برنامجها الذي تطلب به الانضمام إلى الحلف العربي، مع حفظ شيء من الحقوق السياسية لحكومة الإنجليز، حفظا للجميل وتذكارا للمعروف”.(باذيب ص71-72)

ومن المقالات التي يعبر فيها ابن هاشم عن رأيه في الاستعمار بشكل غير مباشر مقالة (داء الغفلة) التي نشرها في العدد الثالث من صحيفة الإخاء (مايو 1939) أي غداة توقيع اتفاقية الاستشارة. ويبدو لنا أن الأبعاد السياسية لهذه المقالة أكثر من أبعادها الأخلاقية؛ فهو يحذر فيها من مغبة الغفلة والسكوت عما يجري في البلاد، ويدعو – ضمنيا- إلى تأسيس حزب يساعد على الحفظ على الكيان القومي، قائلا: “إننا – معشر الحضارمة- نفرح ونمرح، ويهزأ بعضنا ببعض، ويسخر بعضنا من بعض، غافلين عن أن لنا مصيرا سنصير إليه ويصير إليه وطننا، وأن هذا المصير ليس إلا نتيجة من نتائج سعينا اليوم، أو مغبة من مغبات إهمالنا. وإننا أمة –إن صح إطلاق هذا اللفظ علينا- لها أذواقها وعاداتها ومشاربها واجتماعياتها ومقوماتها وحريتها في شعائرها وأحكامها، وإنها إذا لم تحتفظ بهذه المميزات فقد ذهب خيرها، واضمحل أمرها، وتلاشت قوميتها، ودخلت في خبر كان كما يقول سادتنا النحاة. ولقد كان يسوؤنا ويؤلمنا ما كنا نسمعه من عزم تركيا سابقا على تتريك العرب، والآن يؤلمنا ما يصل إلينا من تطلين الطرابلسيين والبنغازيين، وفرنسة الجزائريين والتونسيين، بل أننا نتألم من ذلك. لكن لسنا بغالين ولا مبالغين إذا قلنا إننا –نحن الحضارمة- من أسرع الطوائف العربية وغير العربية إلى نبذ المميزات القومية، وأوسعا انطلاقا إلى اعتناق التقاليد الأجنبية، إذا نحن وجدنا من بهرج الدعاية الأوروبية إلى ذلك ما يجده غيرنا من الشعوب المغلوب على أمرها…

ولا جرم أننا إذا بقينا هكذا نغدو ونروح إلى منتدياتنا، عاكفين على بطالتنا وعلى أشغالنا الجزئية الخاصة، غير آبهين بما يحيق بوطننا وبنشئنا القادم من التطورات الصالحة والطالحة، ولا عاملين على صد التيارات العنيفة الآتية نحونا، فإن ما معنا من التراث النفيس الصالح سيذهب ضحية الغفلة والجمود اللذين ضربا في الوقت الحاضر على الآذان، وأخذ بالخناق، وجعلانا نرتع في مأمن مما تمكر به حوادث الزمان، ويفجع به تنازع البقاء، فلا رحم الله الغفلة والجمود، فقد أذهلانا على التعاضد في المصالح الوطنية، وألهيانا عن الدفاع عن الكيان القومي، فنحن نحن، لا نؤسس حزبا، ولا ننكر منكرا، ولا نرفع صوتا بشكر محسن ولا بإساءة مسيء، ولا لتنشيط مصلح، ولا لردع مستبد”.(باذيب ص107-108)

وبعد مرور عام واحد من توقيع اتفاقية الاستشارة، ينشر ابن هاشم مقالا بعنوان (بين الأمس واليوم) في العدد التاسع من مجلة (الإخاء ابريل 1940)، يعبر فيه عن تفضيله للأمس السعيد الذي كانت حضرموت فيه تنعم بلذة استقلالها الاقتصادي والسياسي، قائلا: “كانت حضرموت –إبان ذلك العهد الرهيب- في عزلتها التامة، لا تعرف أقدام الأوروبيين، ولا جوها طياراتها، ولا أهلها مصنوعاتها إلا في ما ندر. فكانت سعيدة بنفسها، غنية بحاصلاتها. فمطعمات أهلها من مائها وترابها، وملبوساتهم من مغازلها ومناسجها، ومراكيبهم من منتجاتها ومربياتها. في ذلك العصر السعيد كانت حضرموت تتمتع حقيقة بلذة الاستقلال الاقتصادي والسياسي، وكانت سليمة من رعونات المتمدنين ومغامز المترفهين، ومرونة المحكومين، بل كانت –بسادتها وسلاطينها ومناصبها وقبائلها وأبناء حاراتها – تكوّن وطنية متينة المراس، وصالحة لجلائل الأعمال، لو وجدت لها إمام قائدا يتغلغل نفوذه في قرارات نفسها”.(باذيب ص121-122)

 

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: