مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

محمد بن هاشم رائد التحديث

Posted by amshoosh في نوفمبر 17, 2011

محمد بن هاشم: رائد الدعوة إلى التحديث في حضرموت

(نسخة أولية)

 

 

أ.د. مسعود عمشوش

كلية الآداب جامعة عدن

 “ثلاثة نفر في هذا القطر الحضرمي سيُذكرون إذ يدبّج تاريخه الحديث كطليعة لقادة الفكر الجديد، وزعماء النهضة الإصلاحية، ودعاة انقلاب، انقلاب يشمل كافة مرافق الحياة، وينفخ الروح في هذا الجسد الذي افتقدها منذ مئات السنين، وعاش بعيدا عنها، في عالم غير عالمها، إن أمكن أن تكون لجسد من غير روح حياة، اللهم إذا جاز أن يُعد من الأحياء خلق عصمته الأقدار من الفناء بعد فراق روحه إلى دار البقاء. هذا النفر، أو هذه السلسلة الذهبية النيرة تبدأ بالسيد أبي بكر بن عبد الرحمن بن شهاب، ثم بالسيد محمد بن عقيل، وأخيرا بالسيد محمد بن هاشم مؤلف تاريخ الدولة الكثيرية”.(1)

تمهيد

لن يستطيع أي دارس لتاريخ الهجرة الحضرمية أو الدولة الكثيرية أو الصحافة اليمنية أن يتجاوز اسم صاحب (رحلة إلى الثغرين) و(الدور الكافي أو الثروة الكافية) و(تاريخ الدولة الكثيرية). ورغم ذلك لا تزال نادرة جدا هي المعلومات عن الصحفي والمؤرخ والتربوي محمد بن هاشم بن طاهر العلوي: رائد الدعوة إلى التحديث ومحاربة الجمود في حضرموت. وقبل نحو عشر سنوات تحدثت مع الأستاذ عمر بن أحمد الشاطري حول ضرورة الكتابة عنه. وبينما ظللت أنا أتردد كتب الأستاذ عمر مقالة بعنوان (محمد بن هاشم شيخ الصحافة الحضرمية) ونشرها في صحيفة الأيام في مطلع هذا القرن. وفي عام 2005 قام الأستاذ محمد أبوبكر باذيب بنشر مجموعة من المقالات التي نشرها ابن هاشم في مجلة (الإخاء) التي صدرت في تريم بين سنتي 1938 و1940. وفي مقدمة الكتاب قام بنقل ما كتبه عبدالله أحمد السقاف عن ابن هشام في (تاريخ الشعراء الحضرميين)، وما كتبه عبد القادر الجنيد عنه في كتابه: (العقود الجاهزة في تراجم بعض الشخصيات البارزة). ولاشك أن الترجمة التي وضعها الباحث علي بن أنيس الكاف في مقدمة كتابه (مختارات من كتابات شيخ الصحافة الحضرمية الأستاذ محمد بن هاشم، 2008) تعد أفضل ما كتب عن ابن هاشم حتى اليوم. وفي خضم التحضيرات لفعاليات (تريم عاصمة للثقافة الإسلامية) اقترحت على عدد من الأفراد والمؤسسات تنظيم ندوة عن الأستاذ محمد بن هاشم. وللأسف لم يلق المقترح آذانا صاغية!

ورغم الحيرة، والتردد، وندرة الدراسات السابقة عن كتابات ابن هاشم، رأيت أن أقدم هذه الدراسة عن محمد بن هاشم الذي يعد اليوم الرائد الأول للدعوة إلى التجديد ومحاربة الجمود في حضرموت. وقد اخترت أن أكرس الجزء الأول منها لمحاربة ابن هاشم للجمود ودعوته إلى التحديث¬¬. وفي الجزء الثاني تناولت دعوته إلى الانفتاح على الآخر. أما في الجزء الأخير فقد حاولت أن أتبين موقف ابن هاشم من الوجود الاستعماري البريطاني في حضرموت، وذلك من خلال قراءة كتبه: (رحلة إلى الثغرين) و(تاريخ الدولة الكثيرية) و(الدور الكافي: تاريخ الثروة الكافية ورجالها)، وما نشره من مقالات في مجلة (الإخاء)- التي أعاد محمد أبوبكر باذيب نشر جزء منها في كتابه (مقالات الأستاذ محمد بن هاشم العلوي)، ومقالاته ومحاضراته وخطبه وقصائده التي جمعها الباحث علي بن أنيس الكاف في (مختارات من كتابات شيخ الصحافة الحضرمية الأستاذ محمد بن هاشم).(2)

أولا: محاربة ابن هاشم للجمود ودعوته إلى التحديث في حضرموت

ولد محمد بن هاشم بن طاهر العلوي في سنة 1883 بقرية مسيلة آل شيخ التي تبعد حوالي ستة أميال جنوب مدينة تريم. وفي المسيلة وتريم وسيؤن تعلم على أيدي أشهر علماء عصره مثل عبد الله عمر الشاطري وحسن علوي بن شهاب ومحمد عثمان بن يحيى. “ولشدة ذكائه وسريع فهمه فاق زملاءه حتى أصبح ينوب عن شيوخه في غيابهم”(عمر الشاطري). ولا شك في أن ابن هاشم قد تأثر في نزعته التنويرية تلك باثنين من أساتذته اللذين سبقاه في الدعوة إلى التجديد في مجال الأدب، وهما العلامة: محمد بن عقيل بن يحيى، والشاعر أبوبكر عبد الرحمن بن شهاب الذي اضطر أن يغادر حضرموت إلى الهند بسبب ميوله النهضوية.

وبسبب ميوله النهضوية أختار الشاب ابن هاشم مغادرة حضرموت في مطلع عام 1907. فقد “أدرك أن الوضع المرير الذي تعيشه حضرموت من فوضى وفتن، وما تعانيه من الجمود الفكري والاقتصادي الذي لا يسمح ببلورة آرائه وأفكاره، ولا بظهورها إلى حيز الوجود، فقرر السفر إلى جاوا (إندونيسيا) التي كانت محطة لهجرة كثير من الحضارم”.(علي أنيس ص29)

ولبضعة شهور فقط رضي محمد أن يجرب العمل بالتجارة، لكنه سرعان ما تركها والتحق بمهنة التدريس، أولا في مدينة باليمبانغ التي تولى فيها إدارة (مدرسة المُنوَّر) التابعة للجالية الحضرمية. ولأنه لم يكتف بإدارة المدرسة، بل أقدم على تغيير طرائق التدريس بها، ومناهجها التقليدية التي ضمنها عددا لا بأس به من المواد الحديثة كعلوم الطبيعة والإنشاء والخطابة واللغة الإنجليزية، فقد هاجمه بعض مواطنيه (الجامدين) بشدة حتى أبعدوه منها. ويعترف محمد بن هاشم أنه قد استمد طرائق التربية والتدريس تلك من مجلة (المنار) المصرية.(انظر الجزء الثاني من هذه الدراسة)

ومن المعلوم أن صاحب (المنار) محمد رشيد رضا – شامي الأصل- قد أكد مرارا أن هدفه من المجلة هو: “الإصلاح الديني والاجتماعي للأمة، وبيان أن الإسلام يتفق والعقل والعلم ومصالح البشر، وإبطال الشبهات الواردة على الإسلام”. كما حرص رشيد رضا أن يكون الإصلاح عن طريق التربية والتعليم، وهو في ذلك يتفق مع شيخه محمد عبده في أهمية هذا الميدان. “فسعادة الأمم بأعمالها، وكمال أعمالها منوط بانتشار العلوم والمعارف فيها”. ومن أهم العلوم التي رأى رشيد رضا إدخالها في ميدان التربية والتعليم لإصلاح شئون الناس، ودفعهم إلى مسايرة ركب العلم والعصر: الطبيعة والتاريخ والجغرافيا والاجتماع والحساب والاقتصاد والتدبير المنزلي، والصحة، ولغة البلاد، والخط، بالإضافة إلى علم أصول الدين، وعلم فقه الحلال والحرام والعبادات.

وقد أكد محمد بن هاشم، في سياق تقديمه لترجمة زميل صباه المحسن عبد الرحمن بن شيخ الكاف، في كتابه (الدور الكافي: تاريخ الثروة الكافية ورجالها، ص116) أنه قد بدأ في قراءة مجلة المنار في تريم، قائلا: “وظهرت مجلة المنار، فاشتركنا فيها، وكانت سمعتها غير محمودة لدى المحافظين. وجاء بعضهم إلى والد عبد الرحمن وأخبره أن ابنه عبد الرحمن يطالع المنار المبتدعة، وبعد غداء ذات يوم سأل المغفور له ابنه عن صحة ما يقال من مطالعته للمنار. فأجاب بالإيجاب، وأن محمد بن هاشم هو المشترك فيها، وطلب أبوه أعدادا منها أخذها معه إلى حيث يضطجع وقت القيلولة، ثم أعادها قائلا: عجبا لماذا يسخطون عليها؟ أنا لم أرَ فيها ما يُنكر”.

 

لكن رأي السيد شيخ بن عبد الرحمن الكاف هذا يختلف تماما عن رأي مفتي جاوا عثمان بن عقيل بن يحيى، الذي كان أيضا مستشارا للحكومة الهولندية هناك. فقد كتب أولا – في سنة 1908- إلى جعفر بن شيخ السقاف نقيب الحضارم في باليمبانغ، ومحمد عبد الرحمن المنور صاحب المدرسة، يطلب فيها المساعدة في تصحيح سلوك (الولد العاق) محمد بن هاشم، ووضع حد لما يقوم به من تدمير للتعليم. (نيكو باكتين ص7). وعندما لم يستجب المذكوران لطلبه اضطر عثمان بن يحيى – في يناير 1912- أن يلصق منشورا/نصيحة لأهالي المدينة يطلب منهم إبعاد أبنائهم عن المدارس الحديثة.

ويذكر الأستاذ الباحث الهولندي نيكو باكتين في الورقة التي قدمها إلى مؤتمر (تطور المجتمع الحضرمي في جنوب شرق آسيا: التجارة، والإسلام الثقافة، سنغافورة ، 10-11 أبريل 2010) بعنوان (الجدل بين السيد محمد بن هاشم بن طاهر والسيد عثمان بن يحيى حول إنشاء المدارس الحديثة في باليمبانغ) أن المفتي عثمان بن يحي – الذي كان يقترب من سن التسعين- كتب في 4 نوفمبر 1912 رسالة إلى مستشار الحكومة الهولندية سنوك هورجونيه في لايدن يشتكي له فيها من أن أتباع محمد رشيد رضا ومجلة المنار، الذين ظهروا مؤخرا في جاوا، يقومون بنشر مذهب في مدارس حديثة تابعة لهم. ويذكر أن جعفر بن شيخ السقاف ومحمد بن هاشم هما اللذان يقودان هذا المذهب. (نيكو ص7)

ونجد إشارة إلى ذلك الجدل في مقالة بعنوان (حالة المسلمين في جاوا والإصلاح) نشرها ابن هاشم نفسه في المجلد الرابع عشر من مجلة (المنار، أكتوبر 1911)، وربط فيها بين تخلف التعليم وبين حالة الجمود ورفض التجديد التي يعاني منها الحضارم، قائلا: “من أية وجهة أشرقت علينا معشر الحضارم؟ لا تشاهد إلا منظرا يصهر الفؤاد ويذرف العيون، ويفتت الأكباد، ويرقق قلب الشامت … أخذ الجمود من كبرائنا مأخذه، وتمكن في نفوسهم اعتقاد أن كل جديد ضار، وأن العكوف على العادات القديمة أنفع ما كان وما يكون، وأن ما سبقنا إليه رجال أوروبا من الخير لا يجوز لنا فعله شرعا. رسخ هذا الاعتقاد في قلوبهم، وامتزج بعقولهم وأرواحهم، حتى صدهم عن استماع الدين، وسدوا فجاج الإصلاح، ودفعوا في صدر الأمة، حتى قهقروها عن التقدم، زاعمين أن التحسين والتنظيم وتسهيل وسائل التعليم مخل بالنسب الكريم أو الدين القديم، ومعاذ الله أن يكونوا في هذا من الصادقين، فإن الفتن في الإصلاح شيء، والدين والأنساب شيئان آخران. وبلغ من تعصب كبرائنا أن حظروا جعل المدارس على الطريقة الحديثة من إقامة طاولات ومكتبات قدام التلاميذ، توضع عليها أدواتهم، وسرر يجلسون عليها ولوح خشبي توضح فيه مشكلات المسائل، وعدوا ذلك من المنكرات، والواجب تغييرها باليد لمن قدر عليهم، لأن في هذا كما لا يخفى تشبها بالكفار ومجاراة لأصحاب النار، بل الواجب علينا أن نقشف مداركنا ونهين تلاميذنا، فنجلسهم على قاعة المدرسة مباشرة أو بواسطة حصير في هذه البلاد الندية، حتى يصابوا بمرض البيري بيري المخوف فيموتوا قريبا، وننفض أيدينا منهم نفض الأنامل من تراب الميت، وحينئذ نستريح من انتظار نفعهم في المستقبل… ولكن مع كل هذا نرى الجامدين والمتعصبين من قومنا العرب لم يرضهم فعلنا، بل قاموا يشتموننا ويقدحون في أعراضنا، ويصادرون نهضتنا، وينفرون الناس عن مدرستنا، في وقت نحن أحوج الناس فيه إلى مساعدتهم”.(انظر مختارات من كتابات شيخ الصحافة الحضرمية الأستاذ محمد بن هاشم، جمع وتحقيق علي أنيس الكاف، مكتبة تريم الحديثة، تريم 2008، ص120-121)

ومن فاليمبانغ انتقل الأستاذ محمد بن هاشم إلى العاصمة باتافيا (جاكرتا حاليا) للتدريس في مدرسة جمعية خير. ثم انتقل إلى وسط جاوا ليؤسس مدرسة شمائل الهدى فيها. وفي سوربايا – قبلة المهاجرين الحضارم- أسس (مدرسة حضرموت). وفي جميع تلك المدارس سار ابن هاشم على النهج نفسه الذي اتبعه في (مدرسة المُنَوَّر).

وفي سنة 1924 اختير محمد بن هشام رئيسا لأول بعثة علمية تضم 17 طالبا أرسلت من جزر جاوا (إندونيسيا) للالتحاق بالجامعات المصرية. وفي أرض الكنانة لم يتوقف عن ممارسة نشاطه الصحافي والثقافي وكتب العديد من المقالات في صحيفة (وادي النيل) وجريدة (السياسة). كما ألقى عددا من المحاضرات عن حضرموت ومشاكلها في نادي الموظفين ودار (الرابطة الشرقية).

وفي سنة 1926، وبسبب ذيوع صيته، استدعاه الثري المحسن عبد الرحمن بن شيخ الكاف من مصر ليقوم بإدارة المدارس التي أنشأها في بعض مدن حضرموت. وكما فعل في مدارس جاوا لم يتردد ابن هاشم في تحديث مناهج في مدارس مدينته تريم المشهورة بأربطتها العلمية. وحينما أدار مدرسة (جمعية الحق) بتريم أدخل على مناهجها كثيراً من التحديث؛ فضمنها تدريس الطبيعة والعلوم والفلك، والحساب، والنشاط المدرسي كالجمعيات الأدبية والصحافة والخطابة والرياضة، وكذلك الأناشيد المدرسية. وبسبب ذلك تعرض للنقد الشديد من قبل الجامدين.

لهذا ارتفع صوت الأديب علي أحمد باكثير – الذي تعرض هو أيضا لهجوم الجامدين عندما حاول أن يجدد مناهج مدرسة النهضة في سيؤن في العام نفسه – للدفاع عن الأستاذ محمد بن هاشم، وكتب في العدد الثامن من صحيفة (التهذيب 1930) ما يلي:

“ماذا يقول القارئ في أمة بلغ جمودها على القديم إلى حد أن نسبت النقص والتضعضع الحاصلين في بعض مدارسها إلى إدارة الأستاذ الكبير النابغة السيد محمد بن هاشم إذ تولى إدارتها حينا من الزمن، فنسبت كل نقص وخلل وقع في المدرسة بعد خروجه منها إليه. وهو هو ذلك الرجل المتفوق ذو الخبرة التامة بشؤون المدارس وأنظمة التعليم الذي قضى صفوة عمره وعنفوان شبابه في تأسيس المدارس في المهجر والعمل على رفع شأن الحضارمة وإعلاء مقامهم”.

ومن الواضح أن محمد بن هاشم لم يستطع أن يفرض آراءه التربوية الحديثة في تريم وإن كان قد قبل عضوا في مجلس إدارة مدرسة الكاف الكبرى التي تأسست هناك في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي. ففي مطلع عام 1931 ألقى ابن هاشم نص كتابه (رحلة إلى الثغرين) في شكل محاضرة في حفل تأسيس (نادي الشبيبة المتحدة) بتريم. وقد أكد في هذه المحاضرة أن “حضرموت كلها ليس بها للمعارف سوق ولا رواج، وأن وجدت بها كتاتيب الأطفال فإنما هي أمكنة حقيرة وظيفتها إخراج من يؤمها من عمق الأمية إلى طرفها. وفي أمهات المدن كتريم وسيئون وغيرهما معاهد مبعثرة تقتصر على تدريس الفقه والنحو وسرد من التفسير والحديث وكلام السلف”.(محمد بن هاشم، رحلة إلى الثغرين الشحر والمكلا، مطبعة حجازي، القاهرة، بدون تاريخ، ص 11) ويمكن أن نذكر أن العلامة حسن بن علوي بن شهاب – أحد أساتذة رباط تريم والمنادين بإصلاح التعليم آنذاك- قد كتب في رسالته (النحلة لإنهاض الوطن ومن به فطن، سنغافورة 1330) “إن أمر التعليم في حضرموت قد صار عند الكثيرين من الرسوم والتقاليد التي تؤدّى فقط. وغالب تلك الطرق المتبعة في التدريس والإرشاد مفوتة للغرض مضيعة للزمن”.

ويمكن أن نذكـّر هنا أن الأديب علي أحمد باكثير يربط بين اكتشاف داء الجمود والتخلف الذي تعاني منه حضرموت وبين المهاجرين الحضارم الذين عادوا من المهجر إلى بلادهم للنهوض بها، لكن “لم يسعهم إلا الرضوخ لقضاء الله والاستسلام لما جاء به”. و قد كتب في العدد الثالث من (التهذيب):

“إن كثيرا من عقلائنا المفكرين ورجالنا العالمين يعودون من مهاجرهم بجزائر الهند الشرقية وما والاها، بعد ما اختلطوا بعظماء الأجانب، واقتبسوا من أفكارهم، وأثرت في نفوسهم تلك البيئة المثقفة، فلا يكادون يصلون إلى الوطن حتى يروا ما فيه من نكد الحال وشظف العيش وسوء الانحطاط. وتظهر لهم المقارنة صورة التقهقر المشين والتأخر المؤسف واضحة جلية، فلا يلبثون بعد ذلك أن ينثلوا لإخوانهم ما في كنانتهم من النصائح الثمينة والآراء السديدة، ويصيحوا بملء أفواههم في المجالس والمحافل داعين إخوانهم إلى الإصلاح والتعبير، متأسفين مما انكشف لهم وحل ببلادهم من فوضى مهلكة وفراغ شائن وظلم غير مدفوع، وشباب لا هم له إلا في المآكل والمشارب والملاهي والملابس، فتشق مريطاؤهم وتبح أصواتهم، ولا يستجيب لهم عند ذاك مجيب، فيضطرهم الحال إلى إخماد جمرتهم المتوقدة والدخول راغمين في ذلك التيار الجارف. لا يستطيع أن ينكر هذا منكر ولا يكذب به مكابر. فهل تعرف ما السبب الحامل لذاك المفكر على ما بثه بلهجة الناصح الأمين وما هي العلة في عدم إجابة ندائه؟ لا جرم أن ذلك المفكر لما مكث في بلاد راقية آخذة بنصيبها الأوفى من الحضارة والعمران، أفاده مكثه واحتكاكه بالأجانب الحنكة والبصيرة بطرق النفع والضر. فلما عاد إلى وطنه ظهر له الفرق العظيم والتباين البعيد فانقض انقضاض النجم ليقاوم تلك الجوانح، وينقذ الوطن من مخالبها. ولكن لما كان مواطنوه – اللهم إلا أفرادا لا يجاوزون عدد الأنامل ولا حركات العوامل- لا يفهمون للرقي معنى، ولا يهتدون للحياة السعيدة سبيلا، لم يلتفتوا إلى قوله بل أقطعوه جانب الإهمال حتى ذهبت أقواله سدى ونادته نفسه تقول: /لقد أسمعت لو ناديت حيا/ولكن لا حياة لمن تنادي/فلم يسعه إلا الرضوخ لقضاء الله والاستسلام لما جاء به”.(انظر مجلد مجموعة أعداد السنة الأولى من صحيفة (التهذيب)، ص135-136)

 

ثانيا: محمد بن هاشم والموقف من الآخر

من المؤكد أن العصامي محمد بن هاشم قد عكف على تثقيف نفسه منذ أن وطئت قدماه جزر الهند الشرقية. وثابر على قراءة كل ما تقع بين يديه من كتب ومجلات. وتعلم اللغة الملايوية واللغة الإنجليزية. كما لم تمنعه مهامه التعليمية والتربوية من الشروع في تحرير المقالات الصحفية التي تتناول مختلف الموضوعات. وقد ظهرت مقالاته أولا في مجلة (المنار) المصرية، ثم في صحيفة (الإصلاح) التي أسسها المرحوم كرامة سعيد بلدرم في سنغافورة سنة 1908. وفي سنة 1914 أصدر في مدينة بتافيا (جاكرتا) جريدته الخاصة: (البشير) باللغتين العربية والملاوية، وكذلك مجلة (مرآة الإسلام) بالملاوية. ثم أصبح رئيسا لتحرير جريدة (الإقبال) في سوربايا سنة 1916 لصاحبها المرحوم محمد سالم بارجاء. وفي سنة 1924 تولى رئاسة تحرير صحيفة (حضرموت) التي أسسها عيدروس المشهور بمدينة سوربايا.

 

وتـُعد الدعوة إلى رفض الجمود والانفتاح على الحضارات الإنسانية الأخرى للاستفادة من خيرها وإيجابياتها من أهم مكونات المقالات الصحفية التي كتبها ابن هاشم قبل عودته إلى حضرموت سنة 1926. وقد لفتت أهمية هذا المكون انتباه الأستاذ المنصب الحبيب علي بن عبد القادر الحبشي الذي كتب في تقديمه لكتاب علي بن أنيس الكاف: (مختارات من كتابات شيخ الصحافة الحضرمية الأستاذ محمد بن هاشم، ص13) “وانظر إليه وهو في عنفوان شبابه ولم يكمل بعد العقد الثالث، رافضا للجمود، ومطالبا بالاستفادة من كل الخبرات الإنسانية الإيجابية وترك السلبية فيقول في مقال (حال المسلمين في جاوا): “أخذ الجمود من كبرائنا مأخذه وتمكن في نفوسهم اعتقاد أن كل جديد ضار، وأن العكوف على العادات القديمة أنفع ما كان وما يكون، وأن ما سبقتنا إليه رجال أوروبا من الخير لا يجوز لنا فعله شرعا. رسخ هذا الاعتقاد في قلوبهم وامتزج بعقولهم وأرواحهم حتى صدهم عن استماع الدين، وسد فجاج الإصلاح، ودفعوا في صدر الأمة حتى قهقروها عن التقدم، زاعمين أن التحسين والتنظيم وتسهيل وسائل التعليم مخل بالنسب الكريم أو الدين القويم. ومعاذ الله أن يكونوا في هذا من الصادقين، فإن الفتن في الإصلاح شيء والدين والأنساب شيئان آخران”.

والحقيقة أن محمد بن هاشم قد أعجب عند وصوله إلى جاوا ببعض طرق التدريس الغربية. ولأنها “أحسن الطرائق” فقد دعا إلى الاستفادة منها في المدارس العربية في جاوا أولا ثم في حضرموت. هذا ما فعله مثلا في المقالة التي أشار إليها الأستاذ المنصب الحبيب علي بن عبد القادر الحبشي، حينما قال: “كنـّا لمـّا أن رأينا العجمة الجاوية تمكنت جيدا في أولاد العرب هنا، حتى أن بعضهم لا يفهم لفظ الأعداد البسيطة بالعربية، ورأينا الأوروبيين يدأبون في نشر لغتهم وعقائدهم الدينية بين أولاد الجاويين، ويحاولون ردهم عن دينهم الإسلامي الذي ما بقوا متمسكين إلا باسمه، ورأينا إخواننا العرب جامدين سامدين لا يتألمون ولا يتكلمون، لمـّا رينا كل ذلك نهضنا على ما بنا بمساعدة بعض الإخوان، وفتحنا مدرسة لتعليم اللغة إجمالا: فأولا يُدرس فيها إتقان الألفاظ وتركيبها، ثم النحو والصرف وغيرها من الفنون العربية، ويُدرس أيضا فيها الجغرافيا والتاريخ الإسلامي والعقائد الإسلامية وطرفا من اللغة الإنجليزية. وقد باشرت التعليم العربي بنفسي، فجعلت تعليمهم اللغة على أحسن الطرائق الناجعة الرائجة في هذا العصر، وهي طريقة برليتز الأمريكاني، التي هي عبارة عن نظر في المحسوسات والمشاهدات، وعلم في العمليات، انظر المنار م8 ج22ص87. وهي أشبه شيء بطريقة تعلم الطفل لغة أبيه وأمه؛ إذ يدرس التلميذ الأفعال بالأعمال كما يحمل الكتاب ويفتحه، ثم يطبقه ويقوم ويذهب على اللوح الأسود ويمسك بالطباشير بيده ثم يكتب. وتعرض على سمعه مشاهد الحياة اليومية فيسهل عليه تأليف جمل صغيرة يتزايد كل يوم عددها بسرعة عجيبة. وهذه الطريقة هي بدون شك أحسن طريقة لتعليم اللغات، فقد جربناها فوجدناها نافقة نافعة، كما شاهدنا تأثيرها فينا حينما تعلمنا اللغة الإنكليزية عليها، وكما يشهد المنصفون تأثيرها أيضا في تلاميذنا الذين يطلبون العربية عندنا على خطتها، بل قد جـُرِّبت هذه الطريقة في أجمل عواصم أوروبا، وما برحت مدارسها تتكاثر بتلك الأصقاع حتى صارت اليوم تعد بالمئات، وكلها أسفرت عن نجاح أكيد، وارتقاء عظيم، واقتصاد في الوقت والمال. انظر المنار”.(علي أنيس ص122-123)

وحتى حينما بلغ سن السادسة والخمسين لم يتردد محمد بن هاشم في التعبير عن إعجابه ببعض السلوك الغربية الحديثة، وقدمها مثالا ليحتذي به الشباب في حضرموت. نلمس ذلك مثلا في مقالة بعنوان (الوطنية والحضارم) نشرها ضمن العدد الأول من صحيفة (الحَلـَـبة) التي صدرت في المسيلة – مسقط رأسه- في مارس 1938. فهو يشيد فيها بقوة روح التضامن والانتماء للوطن لدى الغربيين سواء أكانوا سياسيين أو علماء، قائلا: “الوطنية بمعناها العصري لم تك إلا شعاعا من أشعة روح العصر التي لم تعهد في الشرق قبل بزوغ القرن الرابع عشر الهجري، ولم تلمح لها في الغرب برقة إلا بعد أن جمع كلمة الجرمان داهيتهم بسمارك. ثم جاءت الثورة الفرنسية فجعلت للوطنية شأنا غير شأنها الأول، وجعلت من لوازمها التفاني في خدمة الوطن والتضحية بكل غال ورخيص في سبيله. ولعل اليد الطولى في تحقيق الأماني الوطنية الخالصة إنما هو لواشنطون بطل الثورة الأمريكية ومحرر القارة الأمريكية من مخالب الأسد البريطاني. والوطنية هي قومية عنيدة بلغت أشد أدوارها منذ الحرب العمومية [العالمية] حتى الآن، وهي تدل على طهارتها وقداستها. وقد تتعدى طور الاعتدال وتذهب مذهبا شاذا تستنكره العقول وتمجه الأذواق السليمة.

وأنت ترى أن العرب في العصور الأخيرة لم تكن لهم قاطبة وطنية بالمعنى العصري إلا بعد مشاهدة ويلات الحرب العامة الكبرى والجثث المكدسة تحت رايات حب الأوطان. فالعرب كانوا ينتحلون الجامعة الإسلامية ويحاولون أن يستديموا تحت ظل الهلال التركي حرصا على تلك الجامعة المقدسة. وربما يحسب بعض الناس أن اتجاه الوطنية إنما يكون دائما وأبدا نحو الوجهة السياسية فقط، وأن المرء الذي لا تستهويه توقيعات السياسيين ونقراتهم، ولا هو ممن يحسن الرقص على عزفهم وضوضائهم لهو المرء المنبوذ من حظيرة الوطنية، والممقوت في نظر وطنه العزيز. ولا ريب أن هذا الحسبان لبعيد كل البعد عن الصحة والحقيقة. إذ لم تكن الوطنية يوما ما هي السياسة. ولا السياسة هي الوطنية. بل الأمر اجل من ذلك وأوسع. فإن الذين أفادوا أوطانهم من رجال العلم والصناعة والاقتصاد مثل إديسون ملك الكهرباء وهنري فورد وريكفلر ومن على شاكلتهم، كل هؤلاء ليعدون من أبطال الوطنية وأقطابها، لأن نظرات هؤلاء العباقرة في أوطانهم هي نفس نظراتهم في شخصياتهم أنفسهم، ولأن كل واحد منهم يشعر بالإهانة التي توجه إلى وطنه وإلى مواطنيه شعوره بما يوجه إلى صميم فؤاد نفسه”.(علي أنيس ص54-56)

وفي مقالة له نشرها في العدد الثالث من مجلة عكاظ الحضرمية (1349/1930)، بعنوان (الموسيقى الحضرمية وأغانيها) يربط ابن هاشم بين تحسن مستوى “الألحان الحضرمية وتحولها من مجراها الجاف وجمودها الشائن” وبين تقبّل الحضارم “للروح العصري والاحتكاك بالأمم الأجنبية بجاوا والهند وإفريقيا الشرقية”. ويدعو في هذه المقالة مواطنيه إلى اتباع طريقة الغربيين في طريقة كتابتهم للموسيقى. “فقد احتذت جميع الأمم الشرقية حذو الأوروبيين في كتابة الألحان وتدوين ما لديهم من الموسيقى والسير صعدا بهذا الفن الجليل، فلم يبق للحضرمي في مناحي القطر إلا الالتفات إلى ترقيته وضبط قواعده والخروج من ظلام الأمية الغنائية والجمود الموسيقي إلى ساحات الإتقان والإبداع”.(علي أنيس ص113-114)

ومن مظاهر انفتاح محمد بن هاشم للآخر وتقبله له مسارعته في استقبال جميع الوفود الأجنبية التي قدِمت إلى تريم خلال وجوده فيها. ومن المعلوم أن جزءا كبيرا من سكان هذه المدينة المحافظة ظل يرفض دخول (النصارى) إليها. (أنظر حضرموت في كتابات فريا ستارك ص93). وكما أشاد معظم الرحالة الغربيين الذين زاروا وادي حضرموت خلال الثلاثينات من القرن الماضي كثيرا بكرم السيد أبوبكر بن شيخ الكاف، أشادوا كذلك بشخصية العالم الأستاذ محمد بن هاشم وذكائه في كثير من كتاباتهم.

فالقنصل الهولندي فان دن ميولن التقى به خلال زيارته الأولى إلى حضرموت في سنة 1932. وقال في كتابه (حضرموت: إزاحة النقاب عن بعض غموضها، ص156) “كم كانت دهشتي كبيرة حينما التقيت مرة أخرى هنا في تريم بالسيد محمد بن هاشم بن طاهر، العالم الحضرمي الذي – لفترة طويلة – قام بدور مهم في مجالي التعليم والصحافة في مهجر الحضارم: جاوا!”. وفي كتابه (رحلة في جنوب شبه الجزيرة العربية، ص227) الذي يسرد فيه رحلته الثانية إلى حضرموت (1939-1940) يكتب فان دن ميولن: “وكان امتيازا خاصا أن نلتقي مرة أخرى بأولئك الأصدقاء القدامى الذين هم رفاق السيد أبي بكر الكاف اليوميين، وأن نرى الجيل الجديد الناشئ من عائلة الكاف، الذين كنا نسبح معهم في حوض بستان نخيل السيد عمر. والسيد محمد بن هاشم أكثر الحضارم علما ما زال هنا مع حلقته القديمة من الأصدقاء. يربطني تعاطف مشترك مع السيد هاشم يرجع إلى الوقت عندما كان منهمكا في الصحافة والعمل التربوي في سربايا والقاهرة. وقد تعلمت في ذلك الوقت تقديره كرجل سريع الذكاء مع رقة العالم. لكنه اليوم ترك – مثل السيد عمر- حياة النضال والحركة في مدينة كبيرة حديثة، مفضلا الحياة الهادئة بلا إزعاج، والثراء الوافر في تريم. ولم يستطع أي منهما أن يتخلص من قبضتها. وحينما ناشدتهما أن يعود إلى العالم الصاخب في الخارج هز السيد هاشم رأسه الجميل الذي خطه الشيب، و قال إن عليه ملازمة والدته في المرحلة الأخيرة من رحلة عمرها. ثم تحدث السيد هاشم – بالنسبة لي دائما قورو هاشم- بدفء عن انجرامس وعمله. وكانت تلك علامة جيدة. وذكر أيضا بعض الأخطاء والقصور. ومثل هؤلاء الأصدقاء سيكونون عونا كبيرا للإدارة الجديدة. دعونا نأمل أن تكون هذه الإدارة بدرجة كافية من التعقل لتقديرهم والاستفادة منهم”.

وحقا، لقد استفاد المستشار البريطاني هارولد انجرامس كثيرا من محمد بن هاشم، الذي – بفضل إتقانه للغة الإنجليزية، قام بترجمة للمحاضرة الطويلة التي ألقاها انجرامس عن (الأمان في حضرموت) باللغة الإنجليزية أمام أعضاء الجمعية الجغرافية الآسيوية الملكية بلندن في 30 يوليو من سنة 1938. وقد تمّ نشر تلك الترجمة في أربعة من أعداد مجلة (الإخاء) التريمية: في العددين السادس والسابع: أغسطس وسبتمبر 1939، والعدد الثامن مارس 1940، والعدد الثاني عشر يوليو 1940). (باذيب ص135-150)

وفي نهاية الأربعينات من القرن الماضي ألقى محمد بن هاشم كلمة ترحيبية بالمستشرق البريطاني روبيرت سرجنت في النادي الأدبي بتريم. وتعكس تلك الكلمة اطلاع ابن هاشم الواسع بما يكتبه المستشرقون عن الأدب واللغة العربية. فبعد الإشادة بموضوعية الباحث سرجنت يتحدث ابن هاشم بإسهاب عن الاستشراق قائلا: “والاستشراق شأن عظيم له جلالته وخطورته وأثره القوي المنتشر في عالم العلم والثقافة في الشرق والغرب. والاستشراق هو الذي نبش الكنوز العلمية من مدافنها، وأذاع الكتب المطمورة في خزاناتها، وبعث لنا من أسلافنا ما كادت تأتي عليه القرون الطويلة. وإذا كان من المستشرقين رجال قليلون لم يخلصوا الخدمة للعلم وحده بل تسوقهم أغراض أخرى إما سياسية أو تبشيرية، فإن منتجاتهم العلمية تستوجب الإعجاب والشكر. فذلك العالم الكبير المستعرب مارجليوت أستاذ اللغة العربية في أكسفورد منذ سنين وحتى توفي في أيام الحرب كان يعتبر إماما لعلماء اللغة العربية من الإنجليز. كما كان يتمتع بشهرة واسعة في الأوساط الأدبية في الشرق، فضلا عن أنه نشر عدة رسائل بالإنكليزية عن الدين والتاريخ الإسلامي…”. (علي أنيس، ص246)

ومن المعلوم أن روبيرت سرجنت قد خص المؤرخ العالم محمد بن هاشم بتقديم مميّز في كتابه (حول مصادر التاريخ الحضرمي، ترجمة د. سعيد عبد الخير النوبان، مطبعة جامعة الكويت بدون تاريخ، ص 92)

“إن المؤرخين المشهورين في تريم هما السيد محمد بن هاشم آل يحي من مسيلة آل الشيخ، والسيد عبد اللاه بن حسن بلفقيه. لكن هناك آخرين يهتمون بالتاريخ خصوصا ما يتعلق منه بالسادة. لقد التقيت ببعضهم، ولم أقابل آخرين، لأن الطبيعة المتحفظة لهذه المدينة تمنع بعض العلماء من مقابلة غير المسلمين. وناقشت بعض ما كتبه محمد بن هاشم بشيء من الإسهاب. وهو شخصية مرموقة ومرحة وذات أفق واسع، ونظرة تحررية إلى عصره وأخلائه. وقد تعرف في جاوا على سنوك هرجروني الذي يحكي عنه كثيرا. وقد كان ابن هاشم يعيش من قلمه ومن التدريس. ودخل إلى حظيرة المؤرخين عن طريق الصحافة والسياسة. وفي يوم من الأيام كان سكرتيرا للدولة الكثيرية. وإذا ما تركنا جانبا مقالاته فأن أعماله المنشورة تكشف بجلاء بأن وراءه سندا مهما يتمثل في: (رحلة إلى الثغرين) التي تحوي بعض المعلومات التاريخية، وقصة آل الكاف بعنوان (الدور الكافي) التي أطلعت على جزء من مخطوطتها في بيت جمال الليل بن عبد الرحمن، وتغطى فترة تاريخية تقرب من130 عاما. وقد ظهر الجزء الأول من كتابه (تاريخ الدولة الكثيرية) في القاهرة عام 1948. وميل ابن هاشم إلى آل كثير واضح جدا. لكن يا لفداحة الخسارة!. فقدْ فــَقـَد ابن هاشم بصره وهو شيخ، وخشي أن لن تكمل الأجزاء الختامية. إن المصادر التي أثبتها في تاريخه لا تشمل (شنبل). فقد قرأت جزءا منه عام 1953. لكن الكتاب يشير إلى ابن حميد. إن الجزء الهام من الكتاب هو دراسته لجهود جده طاهر بن الحسين انسجاما لما في حضرموت لأن روايته لذلك تنم عن تقليد عريق داخل العائلة. وقد استخدم ابن هاشم ما وصفه علي باعبود بالمواثيق والعهود على السادة والعبيد والجنود للإمام طاهر بن الحسين، التي يقول إنه وجدها في المكتبات في حضرموت. وبالرغم من القيمة التاريخية لتاريخ ابن هاشم، فلابد أن يعترف المرء أن التاريخ لا يخلو من أخطاء يمكن أن يتجنبها لو كانت الظروف مواتية. وإضافة إلى مختلف نشاطاته فقد كان ابن هاشم متحمسا لجمع الشعر الحميني. فهو شاعر. كما أنه جمع اللهجة المحلية لمدينة تريم”.

 

ثالثا: موقف ابن هاشم من الاستعمار

أ‌- موقفه من الاستعمار الهولندي:

لكونه أحد الرواد في نشر أفكار دعاة الإصلاح المصريين في جاوا فقد ظل محمد بن هاشم موضع ريبة من قبل السلطات الاستعمارية الهولندية هناك التي شكت في أنه يروج أيضا لأفكار الجامعة الإسلامية. وظلت تراقبه عن كثب، ووضعت صحيفة (البشير) التي أسسها سنة 1914 تحت مراقبة قاسية. (نيوك باكتين ص8) وكان ابن هاشم أكثر ذكاءً من أن يعبر جهارا عن أي شعور سلبي تجاه السلطات الهولندية. لهذا أكد المستشار الهولندي رينكز في تقريره عن الصحيفة أن لا شيء في (البشير) يمس هولندا. بل أن السلطات الهولندية ارتاحت للقصيدة التي ألقاها ابن هاشم سنة 1923 بمناسبة الذكرى الـ25 لتتويج الملكة الهولندية: ويلهلمينا.

ويبدو أن المراقبين الهولنديين لم يطلعوا على القصيدة التي كتبها ابن هاشم في السنة نفسها ونشرها في العدد الثاني من صحيفة حضرموت (سنة 1923) بعنوان (الغرب والشرق) التي تمجد جميع أفكار دعاة الجامعة الإسلامية السائرة في تلك الفترة، بما فيها الإشادة برجال مصطفى ترك ونائبه عصمت، ويقول فيها:

برح الخفاء وزاغت الأحلام ودرى بما يُنوَى له الإسلام

وتقشعت عنه الشكوك فلم تعد تطغى كما كانت به الأوهام

يكفيه من غفلاته فلطالما ألقت عليه دروسها الأيام

ولطالما عاثت ذئاب الغرب في عرصاته والمسلمون نيام

لم يسل بعدُ ذهاب مصر وتونس إلا وراح عراقه والشام

أواه لو بعث النبي ولو رأى لعراه مما قد جرى إيلام

مهلا بني الغرب الجشوع ليكفكم جشع يذل ونهمة وأوام

مهلا فقد جرتم على جيرانكم المال يُنهب والنفوس تضام

فزنوا قليلا فالعيون يواقظ والحقد يربو والقصاص يرام

وارعوا ذمام اللائذين بعهدكم أم لا فليس على القوي ذمام

أنّى لعهد الطرس يوثق باغيا ما العهد إلا مدفع وحسام

هبّوا بني الشرق المجيد فأنتم الـ مستضعفون وتلكم الحكام

يتربعون ذرى السيادة بينكم فهم الرؤوس بأرضكم والهام

إنا لنأنف أن نقــــر بأنهم سادوا البـــلاد وإننا خـــدام

لكننا بالرغم عــــنا لا نرى إلا نُذلّ لخسفهــــم ونُســــام

ليعش رجال الترك وليحيوا فقد هبوا لتجديد الفخار وقاموا

لم تلق أطماع الفرنجة منفذا فيهم ولم يحصل بهم إلمام

طارت شعاعا مذ أتاها مصطفى والذئب يجفل إذ أتى الضرغام

بطل سرى في الكون طيب ثنائه وزهت لفاخر نصره الأعلام

ويعينه بالرأي عصمت من له في الفكر سهم صائب ومقام

قادوا الجحافل كي يصونوا محتدا الذل دون مناله والسأم

وحموا حمى الإسلام أن تنتابه سفل تلطخ سوحه وطغام

ولأهل وادي النيل ألف تحية يقف بها الإجلال والإكرام

فقد اقتفوا أثر العلا وتوغلوا في نيلها وعنوا بذاك وهاموا

حتى ارتووا بنميرها وغدوا وهم بين البرية ماجدون كرام

نبذوا حفاظ الانكليز بهمة قعساء تكبوا دونها الأفهام

أطوائف الإسلام هبوا وأقدموا يكفيكم الإهمال والإحجام

والدين مبدؤه التقدم والعلا والجد والإجهاد والإقدام

فعلى المخالف نقمة وتعاسة وعلى المطيع تحية وسلام

وحينما سافر بن هاشم من جاوا إلى مصر سنة 1925، على رأس مجموعة من الطلبة للدراسة هناك، ظلت هولندا تراقبه. فالقنصل فان دن ميولن– مساعد المستشار سنوك هورجونيه– لم يتخلف عن حضور أي من المحاضرات العديدة التي ألقاها الأستاذ بن هاشم هناك وتحدث فيها عن حضرموت والحضارم في الأرخبيل الهندي. وربما بسبب تلك المراقبة لم يستطع ابن هاشم أن ينتقد بوضوح الممارسات الاستعمارية هناك مما جعله عرضة لانتقاد المستمعين العرب.

ففي محاضرة طويلة عن (إقليم حضرموت العربي الشهير في التاريخ القديم وموطن عاد وأقيال التتابعة وملوك حمير وكندة ثم موطن السادة العلوية في الوقت الحاضر وغيرهم) ألقاها بدار نقابة الموظفين بمصر ونشرتها صحيفة (حضرموت) في جاوا، تحدث ابن هاشم عن وضع الحضارم في جزائر الهند الشرقية، والعراقيل التي وضعتها السلطات الاستعمارية للحد من تنقلهم بين المدن خشية من نشرهم للإسلام بين السكان المحليين، قائلا: “لقد أقلقت مسالة الحضارمة الحكومة المستعمرة بتلك البلاد برهة طويلة، حيث التجأت إلى دوس عدالتها بالضغط عليهم، وتنفير الأهالي منهم، ومنعهم بتاتا من دخول بعض المقاطعات الجاوية إلى عهد غير بعيد، إذ تصدى المستشرق الشهير سنوك هورجونيه لهذه المسألة فحلها حلا نهائيا، وبذلك زال سؤ التفاهم السائد بين الدولة والحضارمة وحل مكانة الوئام والثقة المتبادلة.

ثم أن هناك بجاوا مسالة مهمة يقال لها مسالة الحضارم، وهذه تكرث الحكومة الهولندية أكثر من كل مسالة سواها في الجاوا، لأنه معلوم كون أهل حضرموت من أقدم أهل الأرض على الأسفار، وأن فقر بلادهم مع مضاء عزيمتهم يحملانهم على جوب الآفاق. وأكثر ما ينتشرون في جزائر الجاوا والحر المحيط. فكانت الحكومة الهولندية تحسب لهم حسابا كبيرا لشدة ما يضيق صدرها بهجرتهم إلى تلك البلاد خشية أن ينشروا الدعوة الإسلامية، أو ينبهوا الأهالي السذج إلى الأمور التي لولا الحضارمة ربما لا ينتبهون إليها، فما زالت تضع الحواجز أمام نزولهم في تلك الديار، وتراقب حركاتهم وسكناتهم، وهي تحتج لذلك بكونهم في الأكثر أفاقين لا يأتون إلى جاوا بشيء من رؤوس الموال وأنهم يمنعون غير المسلمين من دخول بلادهم حضرموت، فلا يحق لهم إذا أن يطالبوا بدخول بلاد هولندا، وبناء على ذلك فقد ضويق الحضارمة”.(علي أنيس ص168-169)

ب: موقف ابن هاشم من الوجود البريطاني في حضرموت:

من الواضح أن محمد بن هاشم استطاع أن يعبّر بوضوح وحرية عن موقفه الرافض للاستعمار البريطاني لحضرموت حينما كان مقيما في جاوا، أي قبل سفره إلى مصر سنة 1925، والعودة إلى حضرموت سنة 1926. ففي مقالة نشرها – وهو في سن الثانية والأربعين- في العدد 26 من صحيفة حضرموت (سنة 1924) التي كانت تصدر في سوربايا كتب داعيا بني قومه إلى توطيد الرابطة الوطنية ومنبها إياهم إلى خطورة الاستعمار البريطاني- الذي في نظره أخذ يبسط جناحيه على حضرموت بموجب اتفاقية 1882 و1918- قائلا: “أي بني حضرموت الكرام من سادة وقبائل ومشايخ، هبوا حفظكم الله إلى توطيد عرى الرابطة الوطنية بينكم وأحبوا ما بقيتم بعضكم بعضا، فإن الأمواج المتكسرة على شواطئ المحيط الهندي والبحر الأحمر لتردد ما كان لأسلافكم رحمهم الله من قوة الوحدة، وعزة الوطنية، وتنذركم إذا لم تلجئوا إلى التضامن الوطني بحلول الخسف الأوروبي والنير الإنجليزي المنبعث من تحت القبعات الصليبية التي لم تعلموا عنها حتى الآن شيئا سوى سرابها الخادع وبرقها الخلاب اللامعين على بقاع المستعمرات البريطانية. إنه وإن يكن الاستعمار الإنجليزي قد ظل باسط جناحيه وهميا على بلادنا المحبوبة تجهما واختلاسا من تفريط أشخاص تربعوا على منصات الملك وتاجروا بوطن الأمة وذهبوا. والمسئولية باهظة. والجريرة فادحة. واللون الأحمر الذي لوّن الإنجليز به موضع وطننا من خرائطهم كأنما هو مذاب من قلوب الشعب ومعتصر من أفئدته. أجل إنه وإن لم يكن الأمر كذلك إلا أنه لا يزال لدينا من ليوث بني الأحقاف الخوادر، وسيوفهم البواتر من يرد تلك الأطماع الأشعبية حسرى ويصد عن الوطن المقدس من أراد به شرا”.(علي أنيس ص51-52)

وفي الصحيفة نفسها نشر ابن هاشم – في شهر فبراير من عام 1926- مقالا آخر بعنوان (إلى متى هذا الحال؟) ينتقد فيه بشدة جميع أصحاب النفوذ في حضرموت، ويحملـّهم مسئولية تردي الأوضاع فيها، ويتهمهم أنهم بمواقفهم تلك إنما يرمون (الوطن) في أحضان الاستعمار. ويقول فيها: “أين السيد حسين بن حامد المحضار بطل الإصلاح ورسول السلام وخدين الأمن؟ ألم يأن لسيادته أن يعجل لتلك البلاد السيئة الحظ بجزء مما احتكره من معدات السلام، وانتحله من دعوى الإصلاح؟ وهو يسمع ويرى ما يجري بأعلى حضرموت وأسفلها مما ترجف لذكره القلوب وتقشعر لهوله الأبدان من قتل النفوس وشن الغارات وقطع السبل، وتقويز النخل، وإيباس الزرع، وتخريب السواقي، وتدمير المساكن؟ والإقدام على فضيعة تستنزل البؤس وتستمطر اللعنات؟

أين أولائك سلاطين البلد وأمرائها الذين يحبون الجبايات ويمسكون المكوس، ويتصدون لمزاولة الحكم، وإصدار الأمر والنهي، ويميسون عجبا بألقابهم الضخمة، وبيوتاتهم الرفيعة؟ ثم هم هؤلاء يرون الأهواء تتلاعب حولهم، والمفاسد تتأصل في وطنهم، وهم ثمالى بصهباء الإعجاب، وأسارى في ربقة الملاذ. فأية شبهة تبرر سكوتهم تجاه هذه الفواقر، وأية معذرة تخلصهم من ثقل المسئولية؟ وفي أية بالوعة سيرمون بوجههم هربا من النكال عندما تحق الصفقة ويتقدم الوطن جائرا إلى الأجنبي من تفاقم الشر وعدم النصير؟.

وأين ذوو المناصب السلفية، والزوايا الإصلاحية، أين الذي نصبوا أنفسهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإسعاف البائس، ونصرة المظلوم، وترميم الخارب، وإطفاء الفتن؟ فمتى سيمثلون دورهم الإصلاحي إن لم يكن في هذه الأيام السوداء، والآونات العصيبة، والبلاد ترزح تحت نيرا العتو، وتئن من تبعات الجهالة المطلقة؟

ثم أين رجال العلم وحملة الشريعة، وأرباب المعارف، وقادة العامة وهداة الشعب؟ هلا يستخدمون أفكارهم، ويحركون ألسنتهم يهزون أقلامهم في درء المفاسد وإزاحة البلايا وإنقاذ البلاد والعباد؟

أفلا يجد كل من تساءلنا عنهم أن يعملوا لصلاح وطنهم ولو بمعشار ما يؤدونه لأغراضهم الخاصة؟ أفلا يحتم ذلك عليهم الواجب الديني قبل الواجب الوطني؟

أجل والله. وأين الآخرون من فطاحلة النقود وأبطال الثروة والصناديد الذين ساعدتم الظروف، وواتتهم الجدود فثقلت جيوبهم، وخفت أحلامهم، إلا من وفقه الله منهم – وقليل هم – فأشاد المدارس وعمر المساجد، ونشر المعارف، وبعث البعثات العلمية، واستجلب وسائل العمران، وأخذ بأسباب المدنية، وغمر من استطاع أن يغمره من سكان حضرموت بأياديه البيضاء وإغاثته الكريمة؟”.(علي أنيس ص62-63)

وفي مقدمة البيان الذي نشرته جمعية الأخوة والمعاونة بتريم- عام 1932- جاء ما يلي: “إن حضرموت في نصف القرن الرابع عشر الهجري قد بلغت منتهى درجات التأخر والانحطاط والفوضى في جميع نواحيها: سياسيا وثقافيا واجتماعيا، حيث منيت بسلاطين مستبدين وعشائر حضرية وبدوية تثير الفتن والقلاقل لأتفه الأسباب. وليس لها من شغل سوى قطع الطرق ونهب الأموال وإرهاب العزل وقتل الأنفس وإرساء الخوف والرعب والقلق. وفي المدن لا توجد عدالة تحمي حقوق الناس ولا محاكم شرعية أو مدنية للفصل في قضايا المظلومين وهم يبقون تحت رحمة السلاطين وزعماء المماليك ورؤساء القبائل وأرباب المناصب الروحية والمال”.

ج- موقف ابن هاشم من معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والكثيري

قبل سبع سنوات كتبت دراسة موجزة عن (موقف المؤرخ محمد أحمد الشاطريتجاه معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والكثيري)، وقلت في بدايتها “يبدو أنّ عوامل ذاتية واجتماعية وعلمية قد تضافرت وتداخلت في تشكيل موقف الأستاذ المؤرخ محمد أحمد الشاطري الحذر تجاه معاهدة الاستشارة بين السلطنة الكثيرية في وادي حضرموت وبريطانيا، التي وقّعت سنة 1939، بعد جهود ومساعٍ كبيرة بذلها كل من هارولد انجرامس والسيد أبي بكر بن شيخ الكاف. ومن تلك العوامل ما يتعلّق بشخصية محمد بن أحمد الشاطري في كل مرحلة من مراحل عمره. فهو عند توقيع المعاهدة كان شابًا شديد الذكاء ومثقفًا طموحًا يتطلع للمشاركة الفعلية في مختلف نواحي الحياة الأدبية والسياسية والاقتصادية في البلاد. وكان العنصر الأكثر نشاطًا في جمعية الأخوة والمعاونة في تريم التي أصدرت سنة 1938 صحيفة (الإخاء. وقد سافر إلى جزر الهند الشرقية سنة 1936 ليدرس في مدرسة الجنيد في سنغافورة وهناك التقى هو أيضًا بانجرامس. وفي سنة 1944 عُيِّن عضوًا في المجلس العالي للقضاء في المكلا.وفي سنة 1945 تولى لفترة قصيرة الإفتاء في مجلس الدولة الكثيرية .وفي سنة 1964م طلب منه المشاركة في تأسيس المدرسة الثانوية في سيئون التي درس فيها سنوات عدة.

لهذا لم يكن من المتوقع أن يعبّر الأستاذ محمد بن أحمد الشاطري كتابيًا عن آراء يمكن أن تضعه صراحةً ضمن ما يمكن أن يحسب أنّه معارضة سياسية ويمكن أن تحرمه بالتالي من القيام بأي دور فعلي في الحياة الاجتماعية والسياسية في بلاد لم تكن تعرف في ذلك الحين شيئًا اسمه الديمقراطية وتعدد الآراء السياسية. ولاشك أيضًا أن الميول العلمية للمؤرخ الشاطري قد أسهمت هي أيضًا في عدم إقدام الشاطري على الإفصاح عن مواقفه السياسية لاسيما حول الأحداث المعاصرة. ومع ذلك، فالأستاذ المؤرخ محمد أحمد الشاطري ترك لنا كثيرًا من النصوص التي سنحاول من خلال القراءة بين سطورها أن نبرز بعض الملامح التي يمكن أن تكشف لنا موقفه تجاه معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والكثيري”.

والشيء نفسه ينبغي علي أن أكرره عند الحديث عن موقف محمد بن هاشم تجاه معاهدة الاستشارة بين بريطانيا والسلطنة الكثيرية. فمنذ سنة 1930 أصبح ابن هاشم يتردد كثيرا على عاصمة السلطنة التي صارت مستقرا لكبار رجال عائلة آل الكاف الذين اضطروا إلى مغادرة تريم منذ تلك السنة. وأصبحت سيؤن مستقرا لمحمد بن هاشم أيضا منذ منتصف الثلاثينات وحتى مطلع الخمسينات. فقد عينه السلطان علي بن منصور سكرتيرا له في عام 1936. وتم اختياره أيضا أمين سر لجنة أمان حضرموت التي شكلها السلطان علي بن منصور الكثيري والسلطان صالح بن غالب القعيطي وأشرف عليها الكولونيل هارولد انجرامس. وحينما توفي السلطان علي بن منصور اختير ابن هاشم عضوا في لجنة أهل الحل والعقد التي توجت جعفر بن منصور سلطانا خلفا لأخيه المتوفي وعيّنت حسين بن علي بن منصور وليا للعهد. وحالما اعتلى السلطان جعفر العرش عيّن محمد بن هاشم سكرتيرا له، وقام كذلك بتوقيع معاهدة الاستشارة. ومن اللافت للانتباه أن سكان حضرموت قد أطلقوا على المعاهدة وما ترتبت عليه من تغيير سياسي كلمة: (انقلاب)!

وهذا يعني أن محمد بن هاشم – مؤرخ السلطنة الكثيرية- كان قريبا جدا من موقع اتخاذ القرار في السلطنة الكثيرية في حضرموت في عهد توقيع اتفاقية الاستشارة والحماية التي أبرمتها السلطنة الكثيرية مع بريطانيا في مطلع عام 1939. ويؤكد علي بن أنيس الكاف أن محمد بن هاشم (ص36) “شارك في أغلب الإصلاحات التي شهدتها البلاد في تلك المرحلة والتي تعد من أهم المراحل في التاريخ الحضرمي”.

ومن المعلوم أيضا أن بريطانيا قد أدركت في الثلاثينات من القرن الماضي أن اتفاقياتي 1882 و1918 لم تعد تكفي لضمان سيطرتها على حضرموت. وأرسلت عددا من الضباط لإقناع السلاطين بالقبول بما تريد. وأصبحت الحاجة الى شكل متقدم من العلاقة بين بريطانيا والسلاطين ملحة ومستعجلة بعد أن أصبحت عدن تابعة مباشرة للتاج البريطاني اعتبارا من الأول من يناير 1937، وبعد أن بيّنت زيارة هاري سانت جون فيلبي (المشهور بالحاج عبد الله فيلبي) أن من بين سكان حضرموت وسلاطينها من يستهويه التقرب من الملك عبد العزيز. وإذا كان السلطان صالح بن غالب القعيطي لم يتردد في القبول بنص معاهدة الاستشارة ووقعها مباشرة بعد أن وافقت بريطانيا على تعيين ابنه وليا للعهد في 13 أغسطس من سنة 1937، فالسلطان علي بن منصور ماطل كثيرا (وربما رفض حسب ما كتبه محمد سعيد بن داوود)، ولم يوقع أبدا المعاهدة، رغم أن ما سبق إن قام به الضابط هارولد انجرامس على أرض الواقع جعل محمد بن هاشم يرى أن بريطانيا قد تدخلت فعلا في شئون السلطنة الكثيرية بشكل مباشر منذ عام 1355/1936، وتحديدا منذ أن حلّ الضابط هارولد انجرمس في حضرموت، ولجأ إلى سلاح الطيران لكسر شوكة البدو. ففي نهاية مقالته (إلى أين؟) التي نشرت في العدد 30 (1357هـ) من صحيفة الترجمان، يتحدث ابن هاشم عن حال السياسية في حضرموت، ويقول: “تدخلت حكومة عدن [البريطانية] في داخلية حضرموت أواخر سنة 1355 من جراء قضية القبطان… ثم عقدت صلحا عاما بين العشائر، وأعلنت تأمين السبل، وأخذت تهدد وتتوعد، وتقتص وتؤدب بحجة أنها إنما تفعل ذلك صيانةً للأمن بطلب من حكومتي القطر. وتعلن أنها ليس لها في البلاد أي مطمع، وإنما هي تتصرف هذه التصرفات لمجرد مساعدة السلاطين على استتاب الأمن فحسب، ثم قاولت شركة البس لحمل البوسطة الجوية من عدن إلى حضرموت، وارتضت إقامة مستشار لها مقيم بالمكلا وسيؤن، وشملت العسكر النظامي بسيؤن والمكلا برعايتها، ومهـّدت لها مطارات شتى في داخل القطر. وفعلت وفعلت وستفعل وتفعل، والناس شاخصون بإبصارهم يتساءلون إلى أين؟!!”(علي أنيس ص73)

ويكشف لنا محمد ابن هاشم – مؤرخ السلطنة الكثيرية – مماطلة السلطان علي بن منصور في توقيع اتفاقية الاستشارة في نص الكلمة التي ألقاها في حفل تأبين عميد الأسرة الكافية المحسن عبد الرحمن بن شيخ الكاف سنة 1367 أي بعد عشر سنوات من وفاة السلطان علي بن منصور في 18 شعبان 1357. ففي نهاية تلك الكلمة يقول ابن هاشم: “وجاء الانقلاب الأخير أو كما يسميه بعضهم النظام الحديث، فكان لعبد الرحمن فيه المشاركة التامة. وقام رحمه الله بمساعدة لجنة أمان حضرموت مساعدة لولاها لما قامت تلك اللجنة التي دوخت حضرموت وكانت هي باكورة النظام الحاضر ومقدمته. واستمرت مساعدات الفقيد القولية والعملية تجري مجراها حتى استتب الأمر وتم النظام. فكم مرة يصعد وإيّاي إلى الحصن لمواجهة السلطان وإقناعه أو إرشاده إلى ما ينبغي تنفيذه لمصلحة سلطنته ورعيته. وكم مرة نتحمل امتعاض سمو السلطان أو سخط المستر انجرامس في سبيل سعينا في التأليف بين وجهتي نظرهما. وحدث ذات مرة أن المستر انجرامس أصر على أمر وصمم السلطان علي بن منصور على خلافه، فأظهر انجرامس الغيظ والعودة إلى حكومته وأعلن أنه سيخبرها ببطلان كل شيء. ثم أمر الضابط العسكري غلام حيدر بجمع البنادق والعتاد وأن يأمر الجند بالاستعداد للرحيل من سيؤن. وهرعت أنا حائرا إلى أبي بكر بن شيخ أسأله كيف الأمر؟ فقال لي: لا تخف كله كذب. وبدت لصاحب السمو مهمة إلى العقدة فأرسلني إليها وبالي مشغول بقضية انجرامس. فلما عدت قيل لي إن عبد الرحمن قد حل المشكل. فذهبت إليه ووجدته مع جماعة في مصلى دار بنقاله، وهمست في أذنه: كيف عملتم في القضية؟ فأجابني متبسما ومفاكها: سدِّينا بينهم بقميص ونقبة. ثم انتحى بي ناحية وشرح لي الحال”. (علي أنيس ص225-226)

وإذا كان ابن هاشم لم يجرؤ أن يعبّر عن رأيه بصراحة عن (الانقلاب الأخير) وتدخل حكومة عدن البريطانية في داخلية حضرموت، فقد لجأ إلى تقمص شخصية (حسناء) وكتب على لسانها مقالة استشرافية نشرها في العدد التاسع من مجلة الإخاء (رمضان 1357هـ/ نوفمبر 1938) بعنوان (بعد خمسين سنة [أي 1407هـ/1987]) ويقول فيها: “وهبّ المصلحون من غفلتهم وعملوا على تقريض الحكومتين فملوهما. وخاطب السلاطين حكومة عدن في إسعادهم على إصلاح بلادهم، وسرعان ما خضدت شوكة الباطل وقامت موازين الحق. وكـبُر على الجامدين ذلك الانقلاب، وأرجف المرجفون، وتكهن الخراصون، وسد صراخهم الأفق، بأن هذا هو الاستعمار، تتبعه الحرية الشائنة والخمر والفجور والتبشير والالحاد. والآن وقد مضت على هذا الانقلاب السياسي خمسون سنة، وأصبحت خريطة العالم السياسية غيرها بالأمس، وتعاقبت على حضرموت مدة متناقضة الألوان، تكتسي فيها مرة حللا من الحرير الفضفاض وأخرى نسيجا من أشواك القتاد، فنحن الآن إن شكونا من شيء فإنما نشكو من تشبث حكومة عدن [البريطانية] بحماية القطر الحضرمي، بعد أن قدمت لها حكوماتنا المتحدة برنامجها الذي تطلب به الانضمام إلى الحلف العربي، مع حفظ شيء من الحقوق السياسية لحكومة الإنجليز، حفظا للجميل وتذكارا للمعروف”.(باذيب ص71-72)

ومن المقالات التي يعبر فيها ابن هاشم عن رأيه في الاستعمار بشكل غير مباشر مقالة (داء الغفلة) التي نشرها في العدد الثالث من صحيفة الإخاء (مايو 1939) أي غداة توقيع اتفاقية الاستشارة. ويبدو لنا أن الأبعاد السياسية لهذه المقالة أكثر من أبعادها الأخلاقية؛ فهو يحذر فيها من مغبة الغفلة والسكوت عما يجري في البلاد، ويدعو – ضمنيا- إلى تأسيس حزب يساعد على الحفظ على الكيان القومي، قائلا: “إننا – معشر الحضارمة- نفرح ونمرح، ويهزأ بعضنا ببعض، ويسخر بعضنا من بعض، غافلين عن أن لنا مصيرا سنصير إليه ويصير إليه وطننا، وأن هذا المصير ليس إلا نتيجة من نتائج سعينا اليوم، أو مغبة من مغبات إهمالنا. وإننا أمة –إن صح إطلاق هذا اللفظ علينا- لها أذواقها وعاداتها ومشاربها واجتماعياتها ومقوماتها وحريتها في شعائرها وأحكامها، وإنها إذا لم تحتفظ بهذه المميزات فقد ذهب خيرها، واضمحل أمرها، وتلاشت قوميتها، ودخلت في خبر كان كما يقول سادتنا النحاة. ولقد كان يسوؤنا ويؤلمنا ما كنا نسمعه من عزم تركيا سابقا على تتريك العرب، والآن يؤلمنا ما يصل إلينا من تطلين الطرابلسيين والبنغازيين، وفرنسة الجزائريين والتونسيين، بل أننا نتألم من ذلك. لكن لسنا بغالين ولا مبالغين إذا قلنا إننا –نحن الحضارمة- من أسرع الطوائف العربية وغير العربية إلى نبذ المميزات القومية، وأوسعا انطلاقا إلى اعتناق التقاليد الأجنبية، إذا نحن وجدنا من بهرج الدعاية الأوروبية إلى ذلك ما يجده غيرنا من الشعوب المغلوب على أمرها…

ولا جرم أننا إذا بقينا هكذا نغدو ونروح إلى منتدياتنا، عاكفين على بطالتنا وعلى أشغالنا الجزئية الخاصة، غير آبهين بما يحيق بوطننا وبنشئنا القادم من التطورات الصالحة والطالحة، ولا عاملين على صد التيارات العنيفة الآتية نحونا، فإن ما معنا من التراث النفيس الصالح سيذهب ضحية الغفلة والجمود اللذين ضربا في الوقت الحاضر على الآذان، وأخذ بالخناق، وجعلانا نرتع في مأمن مما تمكر به حوادث الزمان، ويفجع به تنازع البقاء، فلا رحم الله الغفلة والجمود، فقد أذهلانا على التعاضد في المصالح الوطنية، وألهيانا عن الدفاع عن الكيان القومي، فنحن نحن، لا نؤسس حزبا، ولا ننكر منكرا، ولا نرفع صوتا بشكر محسن ولا بإساءة مسيء، ولا لتنشيط مصلح، ولا لردع مستبد”.(باذيب ص107-108)

وبعد مرور عام واحد من توقيع اتفاقية الاستشارة، ينشر ابن هاشم مقالا بعنوان (بين الأمس واليوم) في العدد التاسع من مجلة (الإخاء ابريل 1940)، يعبر فيه عن تفضيله للأمس السعيد الذي كانت حضرموت فيه تنعم بلذة استقلالها الاقتصادي والسياسي، قائلا: “كانت حضرموت –إبان ذلك العهد الرهيب- في عزلتها التامة، لا تعرف أقدام الأوروبيين، ولا جوها طياراتها، ولا أهلها مصنوعاتها إلا في ما ندر. فكانت سعيدة بنفسها، غنية بحاصلاتها. فمطعمات أهلها من مائها وترابها، وملبوساتهم من مغازلها ومناسجها، ومراكيبهم من منتجاتها ومربياتها. في ذلك العصر السعيد كانت حضرموت تتمتع حقيقة بلذة الاستقلال الاقتصادي والسياسي، وكانت سليمة من رعونات المتمدنين ومغامز المترفهين، ومرونة المحكومين، بل كانت –بسادتها وسلاطينها ومناصبها وقبائلها وأبناء حاراتها – تكوّن وطنية متينة المراس، وصالحة لجلائل الأعمال، لو وجدت لها إمام قائدا يتغلغل نفوذه في قرارات نفسها”.(باذيب ص121-122)

الخاتمة

في نهاية دراستنا هذه عن موقف ابن هاشم من الاستعمار، ودعوته إلى التحديث والانفتاح على الأخر للاستفادة مما لديه من خير، علينا أن نشير إلى أن نبرة ابن هاشم في مقالاته الداعية إلى التحديث والانفتاح على الآخر قد تغيّرت بعض الشيء في نهاية الثلاثينات من القرن الماضي وأصبحت أكثر تفصيلا. فهو، مثلا، في العدد الثاني من مجلة (الإخاء، 1938)، يؤكد في مقالٍ بعنوان (هيئتنا الاجتماعية) على ضرورة التمييز بين التقدم العلمي الذي أنجزه الغرب وبين أخلاقه وتقاليده. ويقول: “وإذا مجت أذواق الغربيين مثلا تقاليدنا نحن العرب ومقوماتنا فما عسى أن نفعل؟ أرى اننا نفعل كل شيء ولا ننسلخ من قوميتنا إرضاءً لتلك الأذواق المزكومة، ومن ذا الذي ينتحي الخلط بين الآداب الموروثة والتقدم العلمي إلا من أبعد في البلاهة وأغرق في الحماقة؟! وإلا فما الذي أدخل مثلا: توقير الكبير ورحمة الصغير وإكرام الضيف وارتداء الجبة واحتجاب المرأة واشتمال الملاءة، ما الذي أدخل شيئا من هذا في نسبية آينشتين وجاذبية نيوتن وأسرار الكربون ودقائق الأشعة وأمواج الأثير؟ وغير ذلك من لطائف المعارف وغرائب الطبيعة، التي حيرت الألباب، وأدهشت الأفكار، وفرضت على الكثيرين من شبان الشرقيين وأغرارهم تأليه الغرب وتقديس عاداته وتقاليده، وجده وهزله، وتنسكه وخلاعته”(باذيب ص50-51)

ولا شك في أنه قد طرأ تغيّر في آراء ابن هاشم منذ نهاية الثلاثينات وتحديدا بعد توقيع معاهدة الاستشارة بين السلطان جعفر الكثيري وبريطانيا، وبشكل واضح خلال السنوات الأخيرة من حياته التي اختار أن يقضيها في تريم، وبعد أن أصبح “شيخا”، كما يقول سرجنت. وبما أن (المحافظة) سمة عامة نجدها لدى جميع الشيوخ، وبما أن مسار الأمم والحضارات وتقدمها يظلان رهنا لحماسة الشباب وقدرتهم على العطاء والتغيير، نرى إن محمد بن هاشم سيظل شيخ الصحافة الحضرمية، وأول من دعا إلى التحديث ومكافحة الجمود في حضرموت، وأنه من الصعب اختزال مواقف ابن هاشم وآرائه وكفاحه في الهوامش التي وضعها في نهاية حياته لوصية السيد شيخ بن عبد الرحمن الكاف لأبنائه، وضمنها الباحث أنيس على الكاف كتابه ((عميد الأسرة الكافية السيد عبدالرحمن بن شيخ الكاف، ص267-268)، ويقول فيها:

“أما أولئك الذين ثملوا من خندريس العلم الأوربي فاصطبغوا بالصبغة التي يقال لها مدنية عصرية فإنك تلقي بنظرك وسمعك في الوطن باحثاً عنهم شرقا وغرباً وجنوباً وشمالاً فما تحس منهم من أحد أو تسمع له ركزا. وللتقاليد القومية والأنظمة المتبعة أثرها في نفوس العامة بل وغيرهم وقد علمتنا التجارب وهدتنا الاختبارات الطويلة المتعددة إلى أن الخروج عن منهج التقاليد العلوية والثورة على الآداب السلفية لا ينتجان إلا عكس ما يرام، ولاسيما بحضرموت ذلك القطر الديني المحض والذي لا يزال أهله منذ القديم يرتلون آيات الوداد والإجلال للسادة العلوية، ويضعونهم بمنصة عالية، يرجعون إليهم بها عند المشاكل والمعاضل، ويتخذونهم مصابيح للهدى وقبلة للرشاد ورمزاً للمكارم. ولم يك كل هذا إلا بداعي الدين والأخلاق الفاضلة التي رأوها مجسمة في مجموع بني علوي. فالعلم والعمل والسخاء والتواضع ولين الجانب والصبر والاحتمال والبشاشة هي خلال اتصف بها العلوي مع ما تشعر به النفوس فيه من شرف النسب النبوي. كل هذا ألزم الطباع على إكباره وإجلاله. فأي امرئ مهما قسى قلبه وعتى طبعه وعمق مكره لا يستلين ولا يخضع لصولة هذه الخلال وجلالها ولا يضطر إلى احترام صاحبها. بلى وإن لرجال الهيئة العلمية الدينية بحضرموت زياً شريفاً لا يشاركهم فيه غيرهم من رجال الهيئات الأخرى. فالسادة العلويون والمشايخ العريقون في الفضل والعلم كآل بافضل والخطيب ومن جرا مجراهم لهم زيهم الذي يكسبهم ما يكسبهم من الحشمة والإجلال. إننا لنتأكد أن بين القراء الآن من يفند ويسفه فينا اهتمامنا مذ اليوم بلزوم التقاليد القومية والنُظُم الوطنية، وربما لـُمِزنا على هذا بالرجعية والتقهقر إلى الوراء، ونـُعيُ علينا العودة إلى الجمود على القديم، ومناوأة الروح العصري الذي يقضي على كل رث وقديم ويصيح بالمتنورين إلى التجديد وكسر القيود والأغلال التي كبلتنا بها تلك الرمم البالية .إن يستمد قوم هذه الآراء المتطرفة من مطالعة الجرائد والمجلات وما أشبهها، أو من أفكار قرائها والمولعين بها فليتكرموا هنيهة بالإصغاء من شخص قد أكل وشرب ونهل وعلـَى وبلغ الشأو الأقصى من الغوص في قرارات المشارب العصرية، وقد هام بالجرائد والمجلات حتى صار من محرريها، وحتى أصبح من كبار الصحفيين الذين دوى صيتهم في أكناف الشرق الأقصى بل والشرق الأدنى، وحتى أضحى يصدر في آن واحد جريدة أسبوعية ومجلة نصف شهرية عربية وملاوية، ويشارك في جريدة يومية من كبريات الصحف واندمج في غمار الصحفيين وحملة الأقلام من أوروبيين وصينيين ويابانيين وأندونيسيين ومصريين وسوريين وغيرهم، وتشبع بأفكارهم ودرس وطنياتهم ونفسياتهم، ثم نظر إلى اتجاهات تلك النزعات والنفسيات وآثارها في المجتمع ونتائجها وحاول أيضاً تطبيق تلك الحركات والأفكار وثوراتها، وحاول أن يجربها على بني وطنه في المهجر، فثار وكافح وحارب وصالح وطفق يطبق ويحلل ويركّب ويبدل ويصنف ويكتب ويبذل جهود الجبابرة قريباً من ربع قرن، ثم انثنى من هذه التجارب الطويلة خارجاً من المعمعة بشيء واحد فقط هو وجوب التمسك بالتراث الذي تركه لنا أسلافنا العلويون من رسوم ظاهرة وأخلاق طاهرة مع الأخذ من أهداب المدنية العصرية بما يفيد ولا ينافي ديناً ولا أدباً ولا زيا”.

 

الهوامش:

 

 

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: