مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

أستاذي الأول:الشهيد محمود سالم صقران

Posted by amshoosh في نوفمبر 18, 2011

أستاذي الأول:المناضل الشهيد محمود سالم صقران

تتناول هذه الدراسة الموجزة ما أعرفه عن أستاذي محمود سالم صقران الذي عاصر فترة زمنية اتسمت بالمراهقة والتطرف ويتمنى الكثير لو أنها لم تكن لكننا عشناها بمرها وحلوها وسؤالي إليكم: هل تصلح هذه المقالة للنشر كتابيا في كتاب؟؟ أرجو المساعدة!!

أستاذي الأول: المناضل الشهيد محمود سالم صقران

أ‌. د. مسعود عمشوش

يُعَد محمود سالم صقران من أوائل أبناء حي القرن – في سيؤن الطويلة بحضرموت- الذين استطاعوا بفضل عصاميتهم أن يحصلوا على قسط لا باس به من التعليم قبل الاستقلال. كما أنه من أوائل الشباب الحضارم الذين انضموا إلى حركة القوميين العرب في صيف عام 1960. وقد كتب زميله المناضل عبد القادر باكثير في مذكراته: “تعرفت على المناضل محمود مدحي عندما جاءني إلى مستشفى سيؤن واقترح علي الالتحاق بحركة القوميين العرب، فانضممت إلى أول حلقة فيها ومعي المناضل محمود صقران وسالم تومه وسالم عبد الرحمن السقاف. وكان الأخ سالم تومه يزودنا بكتب ساطع ألحصري وغيره من السياسيين ويطلب منا قراءتها وتلخيصها واستيعابها، وكانت كلها سياسية”.

ويؤكد باكثير في الجزء الأول من كتابه (مذكرات عن مراحل النضال والتحرير في حضرموت 1960-1969،، مكتبة الشافعي، المكلا 2008، ص45) أن حلقة القوميين العرب في سيؤن قد دعمت فكرة تأسيس مدرسة أهلية في حي القرن وإبرازها إلى حيز الوجود من خلال عضوها الشاب محمود سالم صقران. ويقول “افتتحت مدرسة القرن الأهلية رسميا في 15 يونيو 1961 في ضاحية القرن بسيؤن. وكان المؤسس والمفكر هو الأخ محمود صقران”. وفي الحقيقة كانت لجنة تأسيس المدرسة قد شكلت في عام 1960 وتضم أيضا: صالح سعيد بارماده وعوض سالم بارماده وحميد عوض عفيف ويسلم هادي الدقيل ومبارك احمد بن زيلع وصالح أحمد بن زيلع وسعيد عوض بريك ومحفوظ حيمد باسعيدة وصالح سعيد بارماده وسعيد أحمد بن زيلع وجمعان سلمان بارماده. وقد أصبح محمود سالم صقران أول مدير للمدرسة ودرّس وناضل فيها. وسافر بمعية الأخ يسلم هادي الدقيل إلى الكويت والسعودية لجمع التبرعات لها. واستطاعا أن يجمعا ما يعادل 1105 دينارا من المواطنين في السعودية وما يعادل 3740 دينارا من المواطنين في الكويت. وتحصلت المدرسة على دعم من حكومات الجمهورية العربية المتحدة ودولة الكويت والعراق. ومحليا تبرع الشيخ سالم عبيد باحبيشي بمبلغ 4250 دينارا لتغطية قيمة الأثاث. وتعهد كذلك بتغطية صيانة المبنى الذي شيده أبناء القرن بأنفسهم ولمدة خمس سنوات.

وبوصفه مديرا لمدرسة القرن الأهلية استطاع محمود سالم صقران أن يستقطب إليها اثنين من أبرز المناضلين: (علوي سالم مولى الدويلة وعوض باعباد)، للتدريس فيها، وكذلك في صفوف محو الأمية في حي القرن الذي تم فيه استقطاب عناصر ومناصرين للجبهة القومية ثم بعض الفدائيين (منهم المناضل سعيد بن وليد)، بالإضافة إلى العمل التوعوي الذي مارسه هؤلاء الأساتذة حتى على مستوى المجلات الحائطية التي كان يشرف عليها الفنان القدير الشهيد علوي سالم مولى الدويلة. وقد كتب الأستاذ عوض باعباد يصف زميله محمود صقران بأنه “هامة وطنية لعبت دورا محوريا في مرحلة مفصلية على صعيد النضال الوطني التحرري في وادي حضرموت. وكان لي وزميلي الفقيد علوي سالم مولى الدويلة رحمه الله بمثابة الأب الروحي والمعلم والمرشد قبل أن يكون رفيق درب عاصرناه في أدق مراحل النضال التحرري. وكان عصاميا في سلوكه وراقيا في تعامله، واقعيا في تعاطيه مع المشكلات، ومدافعا صلبا عن قناعاته، ومثقفا مرهف الأحاسيس والمشاعر، ومربيا فاضلا في عمله، مدافعا عن المظلومين. ويتخذ من (العمرين) ابن الخطاب وابن عبدالعزيز قدوة. وقد أكسبته تلك السجايا احتراما ومحبة كل من حواليه ومن تعامل معه”.

كما بادر محمود سالم صقران إلى تأسيس الجمعية التعاونية بحي القرن. وعلى مستوى سيؤن شارك محمود صقران في إحياء نادي الشباب الثقافي في عام 1964، واختير عضوا في أول هيئة إدارية له مع كل من سالم محمد تومة ومحمد احمد السقاف وعبد القادر باكثير وعلي احمد الحبشي وعبد اللاه بارجاء وأحمد حسن السوم السقاف ويونس صقران. وقد أدركت السلطنة الكثيرية حقيقة النشاط السياسي الذي يقوم به أعضاء النادي وأصدرت أمرا بإغلاقه في 11 ابريل 1966. وقامت بمضايقة كثير من أعضائه. (مذكرات باكثير، ص100)

وحسب ما جاء في مذكرات الأخ عبد القادر باكثير (ص78) أصبحت حلقة سيؤن في حركة القوميين العرب جزءا من الجبهة القومية منذ منتصف ديسمبر من عام 1962. وبصفته عضوا في الجبهة القومية حضر محمود سالم صقران معظم اجتماعات الشعبة التنظيمية لمنطقة حضرموت في مدينة المكلا. ويقول المناضل عبد القادر باكثير في إحدى شهاداته “ما كادت القيادة السياسية في المنطقة تشعر بنضج الظروف الذاتية والموضوعية حتى بدأت في تنفيذ الخطوات العملية لبدء الكفاح المسلح بعد التفاهم مع القيادة السياسية العليا في عدن حول النضال المسلح في منطقة حضرموت، وتحديد نوعية الكفاح المسلح والأهداف التي ينبغي أن توجه إليها أسلحة الجبهة القومية وعلى رأسها دار الاستشارة البريطانية والضباط الإنجليز حتى يمكن جرهم إلى ساحة المعركة، وهو ما حدث بالفعل وما أكبر صدق توقعاتنا. ففي عصر يوم الاثنين الأول من يناير 1967م اجتمعت الشعبة التنظيمية لمنطقة حضرموت في أحد بيوت أعضائها في المكلا لتتدارس ومناقشة أمر هذا الكفاح المسلح في حضرموت، وقد حضر الاجتماع أعضاء القيادة العامة والشعبة التنظيمية في منطقة حضرموت التالية أسماؤهم:

1- خالد محمد عبد العزيز عضو القيادة العامة منطقة حضرموت.

2- علي سالم البيض عضو القيادة العامة منطقة حضرموت.

3- فيصل علي العطاس عضو القيادة العامة منطقة حضرموت.

4- عبد الباري قاسم المسئول التنظيمي لمنطقة حضرموت المكلف من قبل القيادة العامة.

5- عباس حسين العيدروس عضو الشعبة التنظيمية.

6- سعيد عمر العكبري عضو الشعبة التنظيمية.

7- خالد أبوبكر باراس عضو الشعبة التنظيمية.

8- سالم علي الكندي عضو الشعبة التنظيمية.

9- محمد محفوظ باحشوان عضو الشعبة التنظيمية.

10- سالم محمد تومه منطقة داخل حضرموت.

11- صالح سالم الصيعري منطقة داخل حضرموت.

12- محمود سالم صقران منطقة داخل حضرموت.

13- يسلم محفوظ ديان منطقة داخل حضرموت.

ومن أبرز قرارات هذا الاجتماع: بدء الكفاح المسلح في حضرموت بعملية كبيرة ومؤثرة في المكلا يوم الاثنين 15 مايو من عام 1967، وتكليف ممثلي حضرموت الداخل: سالم تومه ويسلم ديان ومحمود صقران بإنزال هذه القرارات على الروابط التنظيمية التي يتحملون مسئوليتها ومناقشتها، وإعداد أعضاء التنظيم ومناصريهم وأصدقائهم للمرحلة القادمة، ودراسة إمكانيات مد الكفاح إلى مناطق أخرى خارج المكلا لاسيما والشعبة التنظيمية تتوقع أن يقوم الإنجليز بإرسال وحدات من قواتهم إلى أكثر من منطقة في حضرموت بعد نجاح العملية الأولى.”

ويروي باكثير الإجراءات والترتيبات التي قام بها عناصر الجبهة القومية في الوادي لضمان تسليم نائب السلطان الكثيري وما تبقى له من عسكر السلطة للجبهة القومية من دون مواجهة عسكرية. وفي (الليلة الحاسمة) ليلة 2 أكتوبر 1967، عقد اجتماع في بيوت أحد العمال بحي القرن، تمّ فيه تحرير وثيقة تسليم السلطة التي قدمت في الصباح لنائب السلطان للتوقيع عليها، مقابل عدم القبض عليه. وفي يوم استلام السلطة في سيئون انتخب أعضاء التنظيم لجنة قيادية برئاسة محمود سالم صقران وعضوية كل من سالم محمد تومه ومحمود سعيد مدحي واحمد سالم العامري واحمد سعيد العامري وعلوي سالم مولى الدويلة وعبد القادر احمد باكثير واحمد حسن السقاف السوم وسالم عبد الله العامري. وكلف صالح عوض العامري بقيادة الحرس الشعبي. وقد تدخلت اللجنة بحزم وألزمت العناصر التي قبضت على نائب السلطان والدكتور عبد الله الكثيري وحسين بن صالح الكثيري بإطلاق سراحهم فورا والالتزام باتفاقية تسليم السلطة. (مذكرات باكثير ص158)

ومن المؤسف أن التباينات والخلافات العقائدية التي برزت داخل التنظيم السياسي الجبهة القومية في عدن قد أخذت طريقها إلى حضرموت بشكل صارخ وخطير منذ غداة يوم الاستقلال. وقد سارع ممثلو التيار اليساري في عدن في إرسال عبد الله الأشطل في مطلع عام 1968 لضم أعضاء الجبهة القومية في حضرموت إلى صفهم، وقدم الأشطل ورقة عمل بعنوان (الوقفة الجادة) إلى الروابط التنظيمية في حضرموت تدعو الجبهة القومية إلى تحديد موقفها من المعسكرين الامبريالي والاشتراكي، وانحيازها إلى الدول الاشتراكية في المعسكر اللارأسمالي، وتبني الاشتراكية العلمية كأيديولوجية. وكتب باكثير في مذكراته (ص200) “وقد شكلت هذه الفكرة هزة عنيفة في أوساط التنظيم في الداخل والساحل، وأحدثت جدلا ومناقشات طويلة انقسم إثرها أعضاء التنظيم إلى ثلاث فئات: فئة رفضت الفكرة من أساسها واعتبرتها خروجا على الميثاق الوطني وانكفأت على نفسها، وفئة ثانية اعتبرتها خيانة للوطن والثورة كونها تدعو إلى الإلحاد والشيوعية، والفئة الثالثة وهم من الطلبة وبعض أفراد من القطاع الفدائي والحرس الشعبي الذين تبنوا الفكرة”. وقد عقد المؤتمر الأول لتنظيم الجبهة القومية بمحافظة حضرموت في الأسبوع الأول من فبراير 1968 وقدمت تلك الورقة. ويقول باكثير (ص201) إن “قيادة المؤتمر لم تمارس الديمقراطية وأصبحت تصنف كل يعارض الوقفة الجادة بأنه يميني عفن، وسادت الفوضى. ويمكن أن تؤرخ هذه الفترة بأنها اللحظة التي انشق فيها تنظيم الجبهة القومية بحضرموت على نفسه، وأصبح البعض يدعى يميني والآخر يساري”. وصنف الأستاذ محمود سالم صقران ضمن أصحاب اليمين العفن المحسوبين على قحطان الشعبي وذلك على الرغم من أنه “ينحدر من طبقة العمال” ص45)، وقاعدته كانت في معظمها من أبناء سيؤن الفقراء ومنهم العمال في حي القرن. وقد ظل معظم سكان حي القرن وسيؤن مخلصين لمحمود صقران وأصحابه، ضد عناصر اليسار الذين اعترفوا أنهم قد مارسوا التطرف اليساري حتى قبل أصحاب عدن. وقد سرد الأخ عبد القادر باكثير بعض ملابسات تلك المرحلة وذكر أن “عبد الله الأشطل عاد إلى سيؤن في نهاية مارس 1968 مع بعض قيادات التنظيم من المكلا وطلبوا عقد اجتماع موسع عاجل لأعضاء الروابط التنظيمية لمناقشة موضوع هام، واستدعي الأخ محمود صقران للاجتماع فاعتذر، فأحضر مخفورا، ولم يتكلم وظل مسندا ظهره لرئاسة الاجتماع”.(ص205-206) وفي هذا الاجتماع اتخذ قرار المجلس الشعبي الأعلى في المحافظة الخامسة بتأميم المؤسسة الوطنية للخدمات العمومية وشركتي السينما الأهليتين في المكلا وسيؤن، وشركة الكهرباء بسيؤن و”البيتين التابعين لمالكي شركة الكهرباء بسيؤن [باحبيشي والعمودي] واللذين بنيا من الأرباح الفاحشة التي تجنيها هذه الشركة من عرق هذا الشعب”.! ونكاية بمحمود صقران أممت سيارة مدرسة القرن وسيارة صهره باصبيع وعدد كبير من بيوت الفقراء في حي القرن بسيؤن مثل دار باسعيدة ودار جعفر السقاف التي عند مسجد عمر حيمد، وعلى أساس ولاءات شخصية ليس لها أي علاقة بيسار أو يمين أو صراع طبقي.

وبعد يومين توجه محمود صقران إلى عدن وشرح موقفه الرافض لتلك الإجراءات لرئاسة الجمهورية، وبعد أن تمت طمأنته بتصحيح الأخطاء عاد إلى سيؤن واستقبل بمظاهرة تأييد قادها الأخ عبد القادر أحمد باكثير وشارك فيها عدد كبير من المواطنين الذين تم تأميم ممتلكاتهم وسياراتهم الشخصية. (ص212) إلا أن أفراد ما يسمى بالسرية التاسعة قامت بقمع المسيرة وألقت القبض على عدد كبير من أبناء القرن وحبستهم في دار العمودي الذي أمم وعذبوا فيه وتم تسفير جزء منهم إلى سجن المنورة بالمكلا. ويسرد باكثير نتفا من تلك الأحداث قائلا (ص215-216) “وبعد يومين علمت بوصول يونس صقران وأخيه صالح صقران إلى منزل جدهما وهما في حالة إعياء من هول التعذيب الذي لحق بهما حيث تعرضوا للكي بالنار في أماكن حساسة”. ويذكر عبد القادر باكثير أن السرية التاسعة قامت أيضا “بسحب سيارات المواطنين وممتلكات بعض الأعضاء القياديين، بما في ذلك الدراجات النارية وغيرها”. (ص228)

وكان هذا قمة في التطرف غرضه إسكات أي صوت محسوب على قحطان الشعبي في حضرموت، ولم يكن لدى محمود صقران أي قوة عسكرية أو قدرة على إصدار أي أمر ذي طابع عسكري منذ الاستقلال. وفي حين توفي زميله علوي سالم مولى الدويلة في حادث مروري غامض وانسحب بعضهم إلى الخارج أو القرى، سافر هو إلى عدن، ثم ضاقت به الحال هناك وعاد إلى سيؤن. وظل تحت رحمة التوقيع اليومي، مثله مثل المرحوم المنصب الحبيب عبد القادر الحبشي، إلى أن تمت تصفيته أيضا. وإلى الآن لم تبلغ أسرته رسميا بوفاته. ولا شك في أن هناك من دون بشكل يومي وتفصيلي ما جرى في تلك الأيام ومطلوب منه اليوم أن يدلي بشهاداته قبل أن يفارق هذه الدار ويمكن المحتالين من تزوير تاريخنا. وتجدر الإشارة إلى أن الأستاذ جعفر السقاف قد أشار في المقدمة التي وضعها لمذكرات الأخ عبد القادر باكثير إلى أن الكتاب لم يتناول “بعض القضايا الغامضة كقضية اختفاء زميله محمود صقران” (ص4). وقد وعد باكثير –في الهامش- أنه سيتناول ما حصل للأخ محمود صقران بعد 22 مايو 1969 في الجزء الثاني من مذكراته الذي سيكون عنوانه (22 مايو وإرهاصات الثورة وانحرافها). (ص4)

وقد كان محمود سالم صقران هو أول أساتذتي. وأحد حفظة كتاب الله . وكان يلزمنا بحضور (الحزب) في المساجد ويتابع قراءتنا للقرآن دون مصحف. وكان متحمسا بشكل كبير لأفكار محمد عبده وساطع الحصري. وعاشقا للأدب. ففي عام 1966، ألف مسرحية شعرية بعنوان (ثورة شعب)، وقمت بتمثيل دور الطالب فيها. كنت حينها في العاشرة.

 

 

 

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: