مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

الحضرمي بين أرض المهجر وأرض الأجداد 1- الكاف

Posted by amshoosh في نوفمبر 19, 2011

المهاجر الحضرمي بين أرض المهجر وأرض الآباء والأجداد

أولا : شيخ الكاف أنموذجا

أ.د. مسعود عمشوش

منذ أقدم العصور ظل الإنسان الحضرمي يعشق السفر والترحال. وأينما اتجه أخذ معه قيمه وعاداته الثقافية والإنسانية العريقة التي مكنته من النجاح في التعامل مع الآخرين وكسب ثقتهم واحترامهم، وهذا ما مكنه من الإسهام في نشر الإسلام في بقاع كثيرة من العالم، ومن تكوين ثروات ضخمة استطاع بواسطتها المشاركة في تنمية وطنه والبلاد التي هاجر إليها. وهناك كثير من الأسماء التي نجدها لمغتربين يمنيين استطاعوا بفضل نجاحهم الباهر أن يتركوا بصماتهم في كل أرض نزلوا بها، وأصبحوا رموزاً هناك وفي وطنهم. فمن منا لم يسمع عن ابن محفوظ أو العيسائي أو بقشان أو العمودي أو الكاف؟ وإيمانا منا بضرورة الانتقال من الحديث العام عن تاريخ الهجرة الحضرمية ودور المغتربين في التنمية إلى تسليط الضوء على بعض النماذج البارزة من المهاجرين اليمنيين الذين جسدوا نجاح المغترب اليمني في خدمة بلاد المهجر ووطنه, اخترنا في هذه الدراسة التركيز على دور شيخ بن عبد الرحمن الكاف الذي يعد المؤسس الفعلي للثروة الكافية في سنغافورة.

في الجزء الأول من هذه الدراسة سنحاول أن نقدم نتفاً من سيرة السيد شيخ بن عبد الرحمن الكاف الذي لم يحظ حتى الآن باهتمام أي باحث بعكس نجليه أبوبكر بن شيخ الكاف وعبد الرحمن بن شيخ الكاف. فقد قام علي أنيس الكاف وجعفر السقاف بتأليف كتاب عن أبي بكر بن شيخ الكاف الذي لا يعد مغترباً، وقام علي أنيس الكاف بتكريس كتاب آخر لعبد الرحمن بن شيخ الكاف.

وفي الجزء الثاني سنبيّن كيفية إسهام شيخ الكاف في تأسيس النهضة التجارية والعمرانية في سنغافورة التي هاجر إليها في نهاية الخمسينيات من القرن التاسع عشر. وسنكرس الجزء الأخير لتقديم الدور الذي قام به مؤسس الثروة الكافية في وضع اللبنات الأولى للنهضة الاقتصادية والسياسية والتعليمية والعمرانية التي شهدها وادي حضرموت منذ مطلع القرن العشرين. وسنشير في نهاية الدراسة إلى المصاعب والسلبيات التي التصقت بتجربة المغترب الرائد شيخ الكاف في الإسهام في التنمية في الوطن وفي أرض المهجر.

أولا: نتف من سيرة شيخ الكاف

ولد شيخ بن عبد الرحمن بن أحمد الكاف في مدينة تريم سنة 1839 (1255هـ). وعاش طفولته مع أبيه وإخوته الستة أبي بكر وعلي وأحمد وحسين وعبد الله ومحمد “على فقر مدقع”. وفيها تعلم القرآن وحفظه. وحضر الدروس الفقهية لعدد من علماء حضرموت في تريم وسيئون وحريضة والخريبة حيث أقام مدة من الزمن عند العلامة الشيخ عبد الله أحمد باسودان وحفظ على يديه كتاباً في الفقه:(الإرشاد). ولأن خطه كان جميلاً فقد نسخ بيده هذا الكتاب نحو سبعين نسخة وباعها ليكسب لقمة العيش.

ومثل كثير من الحضارم في تلك الفترة شجع الوالد عبد الرحمن الكاف جميع أولاده – باستثناء عبد الله- على السفر إلى جزر الأرخبيل الهندي. وقد توفي كل من أبي بكر وعلي وأحمد في جاوه. وليس لهم أي دور يذكر في تكوين الثروة الكافية. أما حسين فمن المؤكد أنه قد مارس التجارة في سنغافورة وجاوة. وبما أن وصول أول شخص من أسرة الكاف إلى سنغافورة يعود إلى سنة 1852 فنرجح أن يكون حسين هو أول من استقر بها. وبما أنه لم يترك عقباً حينما توفي بجاوه سنة 1280 (1863) فقد آلت ممتلكاته لأخويه محمد وشيخ. وقد كتب محمد بن هاشم في (الدور الكافي: تاريخ الثروة الكافية ورجالها،ص 59) ما يلي: “وكان لهؤلاء الأخوة الأشقاء أخ من أبيهم يدعى حسينا قد هاجر إلى جاوة قبل محمد فساعده الحظ هناك وأقبلت عليه الثروة تخطبه؛ فامتلك بسنغافورة عقارات واتسعت تجارته غير أن الأجل لم يمهله حتى يصل إلى آماله التي يطمح إليها، فعاجلته المنية، وتوفي بجاوة حوالي 1280. ولم يترك نسلاً فوضع إخوته أيديهم على ما ترك من ثروة، وكان بمثابة أساس شيدت عليه هذه الثروة الكافية المباركة”. وفي السنة نفسها 1280 توفي والدهم في حضرموت.

ووصل محمد سنغافورة نهاية سنة 1272 (1855). وبعد أن مكث بها مدة قصيرة غادرها إلى مدينة سرباية في جاوة. وفيها بدأ يمارس التجارة “برأس مال هو النزاهة وعلو الهمة وقوة الإرادة”. وقد لحق به أخوه علي وشاركه التجارة.

وفي سنة 1275 (1859) غادر شيخ بدوره حضرموت متوجهاً إلى سرباية للعمل عند أخيه محمد. لكنه، حينما وصل إلى سنغافورة في طريقه إلى جاوة، استلم من أخيه محمد رسالة يأمره فيها أن يستقر في سنغافورة ويعمل بها.

وعندما ازدهرت تجارة شيخ الكاف في سنغافورة انتقل إليها محمد. ولإدارة الأعمال في سرباية أحضرا من حضرموت عليا ابن أخيهما الأكبر عبد الله الذي شرع في إدارة الأموال الطائلة التي ترسل من سنغافورة وجاوة إلى حضرموت. لهذا نجد في بعض الوثائق القضائية لجزيرة سنغافورة أن الإخوان الثلاثة شيخ ومحمد وعبد الله هم الملاك الأصليين لعقارات الكاف في سنغافورة.

وبعد وفاة الأخ الأكبر عبد الله في حضرموت سنة 1879 1297هـ اضطر محمد للعودة إلى حضرموت وتولى زعامة بيت الكاف هناك خلفاً لأخيه المتوفي. وانفرد شيخ بإدارة تجارة وأملاك الكاف في شرق آسيا. ولمساندته أحضر من حضرموت ابنه أحمد وعبد الرحمن ابن أخيه عبد الله.

وبعد بضع سنوات من عودته إلى حضرموت أصيب محمد بحالة نفسية و”تخلى عن الدنيا واعتزل الناس بمسجد واكتفى من اللباس بشملة يستر بها عورته فقط. وتمادى بذلك طوال السنين بسبب جذبة جذبها إثر فقدانه لصديق له توفي فجأة”. ويقول محمد بن هاشم في (الدور الكافي): “في السنوات الأخيرة من عمره نبذ السيد محمد الكاف الدنيا بتاتاً وراء ظهره وابتعد عن جليلها وحقيرها ونفض يديه نفضاً تاماً عما لصق بهما من ذراتها وهبائها وركن إلى الإنزواء والخمول والاعتكاف في زوايا المساجد وقاعات المعابد ولم يشأ أن يخاطبه أحد من الناس وما هم عليه، واعتراه شذوذ اجتماعي حمل الناس على أن يصموه بوصمة الجذب والخلط العقلي، وهكذا الناس حديثاً وقديماً لا يعتبرون من العقلاء إلا من اندفع في تيارهم ورقص على موسيقاهم وأحب ما يحبون وكره ما يكرهون”.

وفي سنة 1310هـ (1892)، وبعد أن أمضى خمساً وثلاثين سنة في الغربة، عاد شيخ الكاف نهائياً إلى حضرموت مستصحباً نجليه الصغيرين عبد الرحمن وأبا بكر، وذلك بعد أن عهد بإدارة أعمال الكاف التجارية في سنغافورة لابن أخيه: عبد الرحمن بن عبد الله الكاف، ويساعده فيها ابنه احمد بن شيخ الكاف.

وفي سنة 1328 (1910) توفي شيخ بن عبد الرحمن الكاف عن عمر يناهز الثلاث والسبعين سنة. وقد أنجب تسعة من الأبناء هم: أحمد الأكبر وعلوي وحسين وعبد الرحمن وأبوبكر وحسن وعبد القادر وعمر وأحمد الأصغر، وثلاث بنات هن: علوية وفاطمة وسيدة.

ثانيا: شيخ الكاف وأرض المهجر (سنغافورة)

من المعلوم أن المهاجرين الحضارم وأحفادهم قد قاموا بدور مهم في مختلف نواحي الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية في معظم جزر الأرخبيل الهندي منذ نهاية القرن الثامن عشر. وبفضل أخلاقهم وسلوكهم استطاعوا أن يكسبوا ود السكان المحليين، وكثير منهم اندمجوا وسطهم وصاروا جزءا من نسيج تلك المجتمعات التي استقروا وسطها. وقد مكنهم ذلك من نشر الدين الإسلامي في تلك البقاع وأن يتبوأوا عدداً من المناصب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية.

وفي ما يتعلق بمدينة سنغافورة بالتحديد، من المؤكد أن الحضارم قد قاموا بدور مهم جداً في نشأتها وتنمية الحركة التجارية والعمرانية فيها. فعندما قرر الجنرال البريطاني ستامفورد رافلز إنشاء تلك الجزيرة/المدينة سنة 1819 كان يدرك دور الحضارم في تسيير التجارة في جزر الأرخبيل الهندي، وسعى إلى اجتذاب التجار الحضارم المستقرين في جاوة إلى مدينته الجديدة. وبحلول عام 1824 كان هناك نحو عشرين مواطناً حضرمياً في الجزيرة. وبما أنه كان يشعر أن الهجرة الحضرمية سوف تتزايد بشكل سريع قرر (ستامفورد) أن يحدد منطقة للجالية العربية (الحضرمية). وفي بيان لجنة الإسكان السنغافورية لعام 1822 جاء ما يلي: “سوف يتم أخذ العرب ومتطلباتهم بعين الاعتبار، وأعتقد أنه من الأفضل أن يكون مقر إقامتهم بجوار مقر سكن السلطان”.

لهذا نلاحظ أن من أهم ميزات الهجرة الحضرمية إلى سنغافورة كونها هجرة غير مباشرة. فكثير من الحضارم انتقلوا إليها من جاوة وبعد أن حققوا شيئاً من النجاح التجاري وتعرفوا إلى عادات المجتمع الملايوي وحظوا باحترامه، واستطاعوا أن ينشروا فيه الإسلام.

ويبدو أن أول من وصل إلى سنغافورة من الحضارم عام 1819 اثنان من التجار الأثرياء من سومطرة؛ وهما محمد بن هارون الجنيد وابن أخيه عمر بن علي الجنيد. وفي سنة 1824 استقر في سنغافورة عدد من أفراد أسرة السقاف. وتبيّن الوثائق الرسمية للجزيرة أن تاجراً من أسرة الكاف وصل الجزيرة سنة 1852.

وسبق أن ذكرنا أن محمداً، الأخ الأكبر لشيخ الكاف قد وصل سنغافورة نهاية سنة (1855). وبعد أن مكث بها مدة قصيرة غادرها إلى مدينة سرباية في جاوة. وحينما استقر شيخ بن عبد الرحمن الكاف في سنغافورة بأمر من أخيه محمد – سنة 1859- توظف في إحدى مؤسسات التاجر الحضرمي سالم السري بمرتب شهري لا يتجاوز الثلاثين بوروم.

ولاشك أن شيخاً كان يتمتع بمواهب فطرية واستعداد وحدس عاليين أهلاه لتحقيق نجاح باهر وسريع في عالم التجارة بسنغافورة. إذ “سار لا يلتفت يمنة ولا يسرة بل ظل يغتنم الفرص إذا لاحت له، ويكد ويكدح ويحاول فينجح. وهو علاوة على أداء واجبه في وظيفته لم يرض أن يقف عند هذا الحد، بل طفق يبذل جهود الجبابرة في الاقتصاد، وفي العمل خارج وظيفته، والاستفادة من مركزه، وكذا الاعتبار بكل ما يمر أمامه، وابتدأ يراسل رجالاً في الخارج ويخدم آخرين، وينصب نفسه (كوميشن). وموظفوه يعلمون ذلك منه ولكنهم لا يزالون حريصين عليه لحسن خدمته ونزاهته وقيامه بواجبه لديهم أتم قيام”.

وبعد أن لمس الأخ الأكبر – محمد- مدى اكتساب شيخ كل شروط ومقومات النجاح في التجارة، كتب إليه من سرباية وأمره أن يقدم استقالته من مؤسسة آل السري ويبدأ يعمل لحسابه الخاص. وقد حاول آل السري إقناعه بالاستمرار في العمل معهم واقترحوا أن يكون له راتب كبير بل وأن يجعلوه شريكاً لهم في تجارتهم، لكنه رفض “شاكراً لهم حسن صنعهم وجميل معاشرتهم”.

وعندئذ اتفق الأخوان شيخ ومحمد على توحيد تجارتهما في سربايا وسنغافورة، وتبودلت بينهما البضائع، وسرعان ما ذاعت شهرتهما وتدفقت عليهما الأرباح والتوكيلات والتسهيلات من كل ناحية. ولم يتردد شيخ في اقتحام عالم العقارات. فاشترى كثيراً من الأراضي والمباني في مواقع كانت نائية من سنغافورة لكنها سرعان ما أصبحت في قلب المدينة وتضاعفت إيجاراتها عشرات المرات في فترة قصيرة.

 

ثم تزايد بشكل سريع نشاط الكاف التجاري في سنغافورة. وأسهمت الأسرة في بداية تعمير المدينة، حيث قام آل الكاف ببناء عدد كبير من العمارات وقاموا بشق الطرق. وقاموا أيضا ببناء أحد الجسور الشهيرة هناك، وإحدى أجمل الحدائق، ومسجد الكاف. كما شارك شيخ الكاف في تأسيس أول مستشفى للفقراء بناه الحضارم بسنغافورة.

 

ويعد شيخ الكاف في سنغافورة من بين أوائل التجار اليمنيين الحضارم الذين بادروا إلى رصد جزء من ممتلكاتهم وثروتهم للأعمال الخيرية المتنوعة، إما المباشرة أو في إطار ما يعرف بالأوقاف. فهو فتح بيوته للضيوف العرب في كل وقت، ولا يضيق بأي ضيف ينزل عنده في طريقه من وإلى إندونيسيا، أو من وإلى حضرموت. وقد انتهى به الأمر أن جعل من إحدى عماراته وسط سنغافورة (دارا للغرباء) يأوي إليه المسافرون من وإلى الوطن. وتبين وصايا شيخ الكاف أنه قد أوقف عددا من عماراته لـ(الغرباء) وطلاب العلم والمدارس في سنغافورة وتريم وسيؤون. ويؤكد الباحث أمين علي بن طالب في مقال له عن (الحضارم في سنغافورة Hadramis in Singapore) أن “معظم الأراضي التي تقع اليوم في الحي التجاري بوسط سنغافورة كانت ذات يوم ملكاً للأوقاف الحضرمية”. أما فان دن بيرخ فيقول في كتابه (المستوطنات العربية في الأرخبيل الهندي 1886) إن 80% على الأقل من العقارات في الأراضي الخاضعة للحكم البريطاني [أي في سنغافورة] يمتلكها الحضارم المقيمون هناك.

وبسبب حجم الأعمال الخيرية للكاف في سنغافورة في نهاية القرن التاسع عشر، وبفضل مكانته التجارية اكتسب الكاف سمعة طيبة بين السكان المحليين بشكل عام، وصار اسم الكاف يضاهي في سنغافورة اسم البس في عدن. وتمكنت أسرة الكاف من المشاركة في الشؤون البلدية للجزيرة. وتذكيراً بدور شيخ بن عبد الرحمن الكاف في التنمية التجارية والعمرانية في سنغافورة قامت السلطات هناك بوضع تمثال له من الشمع في متحف سانتوسا.

المصاعب التي واجهت الثروة الكافية في سنغافورة

بفضل حنكته وخبرته استطاع شيخ الكاف – خلال الثماني عشرة سنة الأخيرة من عمره التي قضاها في تريم – أن ينمي الثروة الكافية في شرق آسيا وحضرموت. فقد ظل يراقب عن كثب أداء الأبناء في تسيير دفة الأمور هناك، ويبعث لهم توجيهاته ووصاياه.(أنظر وصيته لابنه عبد الرحمن حفيد أخيه أبي بكر في الملحق رقم1) وقد استمر عبد الرحمن وأحمد يديران تجارة الكاف في سنغافورة إلى سنة 1315هـ حينما أمر شيخ الكاف بعودة ابنه أحمد بصحبة بقية أفراد العائلة. وفي سنة 1317هـ أمر ابنه احمد وابن أخيه حسين بن عبد الله بالتوجه إلى سنغافورة بعد أداء مناسك الحج ليستلما زمام الأمور في سنغافورة من عبد الرحمن بن عبد الله الكاف الذي عاد إلى تريم. وقد عاد حسين – الذي لم يتحمل طبيعة الحياة في سنغافورة – إلى حضرموت سنة 1320 هـ ، وعاد أحمد سنة 1323 هـ واستلم منه الإدارة عبد الرحمن بن عبد الله. وفي سنة 1325 هـ أمر شيخ الكاف ابنه عبد الرحمن بن شيخ الكاف وحفيد أخيه حسين بن عبد الله بالتوجه إلى سنغافورة لإدارة الأعمال هناك.

ومع ذلك، من الواضح أن هناك عوامل عدة جعلت شيخ الكاف يواجه، رغم حنكته، بعض الصعوبات في إدارة أعماله في سنغافورة من حضرموت. فالعقلية الحضرمية كانت – وربما لا تزال- تفضل الإبقاء على إدارة الأعمال من قبل أفراد العائلة. كما أن شيخ الكاف، كان يرفض اللجوء إلى المحامين والمحاكم. وأوصى أولاده أن يفعلوا مثله ويتجنبوا “الدعاوى والمحامين والمحاكم”.

ومع ذلك، بعد وفاة أبيهم شيخ الكاف مباشرة سنة 1328هـ (1910)، اضطر الأبناء إلى تأسيس (شركة الكاف وشركاه) وسجلوا موادها ووثائقها في المحكمة العليا بسنغافورة.

كما أن شيخ الكاف لم يتحمس لإلحاق أبنائه بالمدارس الحديثة التي افتتحت في سنغافورة حينذاك أو إرسالهم إلى مصر أو الغرب للتعليم، وفضّل، مثل معظم المهاجرين الحضارم في جزر الهند الشرقية- ولأسباب قومية ودينية- إرسالهم أو إعادتهم للوطن، وذلك لضمان تعلمهم لغتهم الأم ومبادئ وقيم عقيدتهم ووطنهم.

ولاشك أن طبيعة الثروة الكافية التي تقوم أساساً على تأجير العقارات والأراضي التي اشتراها شيخ بن عبد الرحمن الكاف في نهاية القرن التاسع عشر قد سهلت لهؤلاء الأبناء تسيير شؤون الثروة بشكل أو بآخر. إلا أنهم – مثل غيرهم من أبناء المهاجرين الحضارم- لم يستطيعوا بتلك العقلية والمؤهلات أن ينافسوا رجال الأعمال الصينيين والأوروبيين الذين أصبحوا سادة التجارة في سنغافورة (وجاوة) منذ مطلع القرن العشرين.

كما أصيبت ثروة الكاف في سنغافورة بخسائر وهزات عنيفة بسب القوانين التي اتخذتها السلطات المحلية بشأن ملكية الأراضي، وإيجارات العقارات، وإلغاء الإشراف العائلي على ممتلكات الأوقاف. وبسبب تلك القوانين الجديدة، ونتيجة لاعتماد شيخ بن عبد الرحمن الكاف في وصاياه على أسس (الوقف الخيري والوقف العائلي) برزت عدد من قضايا توزيع الثروة بين الورثة من الأحفاد.

ثالثاً: شيخ الكاف والوطن

طوال فترة إقامته في سنغافورة،التي امتدت خمساً وثلاثين سنة، ظل شيخ الكاف يحتفظ بصلات وثيقة مع أرض الوطن. فهو، حينما بدأت الثروة تطل عليه لم ينس أبدا أفراد عائلته المحتاجين في حضرموت. وعلى الرغم من طموحه الشديد إلى مضاعفة رأسماله وأملاكه العقارية في سنغافورة، فقد دأب منذ السنوات الأولى من غربته على بعث الحوالات المالية إلى أهله للمساعدة والاستثمار. وأرسل أيضا الهبات للمساجد والمدارس والمؤسسات الخيرية والدينية الأخرى هناك. وحينما أطمأن إلى حجم ثروته وأصبح أحد أبرز الأغنياء في سنغافورة، وبما أنه كان – بعقليته التقليدية – يدرك أن «مال ما هو في بلدك، لا لك ولا لولدك»، فقد انتظم في تحويل مبالغ ضخمة إلى حضرموت؛ أولاً باسم أخيه عبد الله ثم إلى أخيه محمد، وذلك بهدف استثمارها في الوطن، وذلك في القرن التاسع عشر!

ويؤكد محمد بن هاشم في كتابه (الدور الكافي، ص62-63) أن شيخ الكاف عاد ذات مرة من الشرق إلى تريم في حياة أخيه عبد الله، وسأله عما يفعل بالنقود التي يرسلها إليه من سنغافورة بعد المصاريف العائلية والضيافات والصدقات، فأمر عبد الله ابنه حسين بإحضار كيس وفتحه “وإذا هو مملوء بوثائق مشتريات نخيل وأطيان زراعية؛ وأخذ يقرأ: هذه وثيقة مكان كذا بثمن كذا، وهذه غراسة بثمن كذا، واستمر قارئاً إلى أن صاح أخوه شيخ: كفى كفى، يا لها من بركة عظيمة، إفعل ما شئت أيها الأخ”.

وبعد فترة قصيرة من عودته النهائية إلى تريم سنة 1310هـ مع أبنائه الصغار وجزء لا بأس به من ثروته قرر شيخ الكاف أن يطور استثمارات العائلة في حضرموت والتي تركزت أساسا في مجال الزراعة. إذ شرع في استصلاح أراض زراعية جديدة في ضواحي تريم، وأنفق على حفر العديد من الآبار وتمهيد مجاري السيول وقنوات الري. لكن سرعان ما برزت عدد من العراقيل أمام تلك المشاريع الاستثمارية البسيطة: منها عدم وجود عملة يمكن الوثوق بها. لهذا قرر شيخ الكاف سنة 1315هـ/1897م ضرب عملة من الفضة يتم التعامل بها محلياً بضمانته الشخصية سنة 1315هـ وهي عبارة عن ثلاث قطع فضية أم 6 وأم 12 وأم 24. وقد صدرت وثيقة تبين موافقة السلطان على ضرب عملة باسم الكاف يطلق عليها (خماسي الكاف). واستمر التداول بخماسي الكاف حتى سنة 1363هـ / 1943م حينما فرضت بريطانيا الروبيات الهندية ثم الشلنات الإفريقية 1371 / 1951م في جميع محمياتها في جنوب اليمن.

ومن أبرز العراقيل التي تعرضت لها مشاريع الكاف الاستثمارية في الوطن في تلك الفترة: غياب الأمن وابتزاز سلاطين تريم وعسكرهم لهم. وقد ضمن محمد بن هاشم كتابه (الدور الكافي، ص68-69) سرداً لحادثة تبيـّـن مدى ما تعرضت له أسرة الكاف من ابتزاز (رسمي) في نهاية القرن التاسع عشر. “ففي سنة 1300هـ هاج عبيد الدولة ضد بيت الكاف وأخذوا يطلبون منه نقوداً، مصحوباً بطلبهم التهديد، وربما هجموا على بعض مستودعات التمر فكسروا بابها وأخذوا ما شاؤا منها، وكان بين الكاف وصالح بن عائض العامري رئيس العوامر اتصال وصداقة، فتصدى هذا لخفارة بيت الكاف وحط عدداً من رجاله في الجانب الشرقي من بيت الكاف تجاه مسجد الشيخ علي بمثابة خفراء. وغاض هذا الأمر السلطان محسن رحمه الله وصعد نفسه إلى أعلى مئذنة مسجد الشيخ علي وخاطب العوامر بالخروج من الدار فلم يرضوا. وأخيرا أمر عبيده فهجموا وتسوروا الدار ودخلوا على القوم وأخرجوهم قسرا. وبعد هذه الحادثة غادرت الأسرة الكافية تريم إلى ضواحيها الجنوبية وسكنت في بعض قراها ومكثت بها أسابيع قلائل حتى تدخل المصلحون بينهم وبين السلطان فعادوا إلى تريم بعد أن استلموا وثيقة تبرئهم من تبعة ما لعله يحدث بين السلطان والعوامر من جراء تلك الحادثة”.

وفي سنة 1900م تعرض شيخ الكاف لابتزاز مماثل يسرده المؤرخ الشاعر عبد الرحمن بن عبيد الله السقاف في كتابه المخطوط: (بضائع التابوت في نتف من تاريخ حضرموت، ص160)، بشكل تفصيلي وشيق حيث يقول: “وفي سنة 1317 تكدر الجو بين سلاطين آل كثير وبين المثري الشهير السيد شيخ بن عبد الرحمن الكاف بسبب أنهم طالبوه بمال لم تسمح به نفسه. فحبسوه هو وولده حسين وبعض بني أخيه عبد الله ..”. وقد صمم الكاف على رفضه دفع أي مبلغ إضافي. غير أن بعض أقاربه لم يتحملوا الوضع وقاموا بدفع المبلغ من جيوبهم دون علم شيخ الكاف الذي غضب لذلك وانتقل سرا إلى بلدة دمون التي تقع شرق تريم وتخضع للسلطان القعيطي. وقد تطورت المماحكات بين السلاطين وآل الكاف حينما استنجد الكاف بطالب بن جعفر بن سالم بن مرعي بن طالب. وكادت أن تشتعل رحى الحرب بين السلاطين وبين عدد من القبائل لولا تدخل آل عون وقبول طرفي النزاع بتوقيع اتفاقية طويلة يضمنها ابن عبيد الله كتابه (بضائع التابوت). ومن المعلوم أن الخلافات بين آل الكاف وبين سلاطين تريم وعبيدهم تجددت بعد وفاة شيخ الكاف وتسببت إلى انتقال أبي بكر بن شيخ الكاف وعائلته نهائيا إلى سيؤون عام 1929م.

الأعمال الخيرية لشيخ الكاف في حضرموت:

بعد فترة قصيرة من عودته النهائية إلى تريم سنة 1310هـ /1892 قرر شيخ الكاف تخصيص ثلث من ثروته في سنغافورة للأعمال الخيرية الجارية، ووثق ذلك في وصيته الثالثة التي حررها في فاتحة شهر ربيع الأول من عام 1316 للهجرة أي قبل وفاته بثماني عشرة سنة. وتنص تلك الوصية على طريقة توزيع ذلك الثلث الموقوف؛ مثل صرف مبالغ وشراء أراضي لدور العلم (الأربطة والمعلامات) وطلبته في تريم وسيؤون، وتعمير سقايات لماء الشرب في أي مكان، وحفر قلوت للماء في طريق الشحر، وتجهيز دار وغذاء للغرباء في تريم. كما تضمنت الوصية أسماء نحو مئتي شخص وخمسين مسجداً مع المبالغ التي ينبغي أن تدفع لكل منها.

ويمكن أن نشير هنا إلى أن عدداً من أولاد شيخ بن الكاف، لاسيما عبد الرحمن وأبو بكر، قد أكملوا ما بدأه والدهم من أعمال خيرية. فقد قام الأول، مثلا، بالإشراف على تأسيس مدارس الكاف في عدد من مدن حضرموت. وقام الثاني بالإشراف على افتتاح طريق السيارات بين وادي حضرموت والساحل، وبذل أموالاً طائلة في سبيل حمل القبائل المتناحرة على توقيع معاهدات السلام بينها وذلك قبل مجيء المستشار البريطاني هارولد انجرامس الذي استطاع أن يوظف جهود وأموال أبي بكر بن شيخ الكاف لصالحه.

الخاتمة:

لاشك أن هذا العرض السريع لمسار مؤسس الثروة الكافية شيخ بن عبد الرحمن الكاف يساعدنا على إدراك الحجم الفعلي للدور الذي قام به المغتربون اليمنيون في القرن التاسع عشر في سبيل المشاركة في تعمير كثير من جزر الأرخبيل الهندي وتأسيس النشاط التجاري فيها، وكذلك نجاحهم في ترك سمعة طيبة بين السكان المحليين هناك، مما سهّل استقبال الموجات اللاحقة من المغتربين الحضارم، ليس فقط في تلك البقاع لكن أيضا في مناطق أخرى من العالم، بما في ذلك سواحل شرق إفريقيا ثم الخليج العربي.

ومن خلال ما قام به شيخ الكاف من محاولات استثمارية في قطاع الزراعة في حضرموت استطعنا أن نلمس أن المغترب اليمني يحرص دائماً على استثمار جزء كبير من ثروته في وطنه، وذلك مهما كانت بسيطة وصعبة الظروف التي يمر بها هذا الوطن.

وفي الختام نتمنى أن يتأمل المغتربون اليوم، ومختلف الجهات المسؤولة عن المغتربين، في تجربة هذا المغترب الرائد، والاستفادة من نقاط قوته، والعمل على تجنب المصاعب والإخفاقات التي واجهته. فبذلك فقط يمكن أن نمكن المغتربين من القيام بدور فاعل في تنمية حضرموت.

 

 

Advertisements

Sorry, the comment form is closed at this time.

 
%d مدونون معجبون بهذه: