مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

قراءة أولى في مذكرات (ود علي)

Posted by amshoosh في نوفمبر 24, 2011

قراءة أولى في مذكرات (ود علي)

(أيام لها إيقاع)

أ.د. مسعود عمشوش

شجع الانفتاح الذي شهدته الأقطار العربية في النصف الثاني من القرن العشرين عددا من الأدباء والفنانين والتربويين والمفكرين والسياسيين على تدوين تجاربهم الذاتية وصوغها في أشكال تعبيرية مختلفة تقع كلها في دائرة “كتابة الذات”: سير ذاتية، مذكرات، ذكريات، شهادات، مراسلات، يوميات… فمنذ أكثر من عقدين تقريبا أصبحنا نقرأ بين الفينة والأخرى عددا من النصوص “الذاتية” لشخصيات عربية متنوعة المشارب. واليوم أضحت ظاهرة كتابة المذكرات الشخصية جزءاً من المشهد السياسي والثقافي ليس في اليمن فقط بل في كثير من الأقطار العربية، بل وفي العالم كله، إذ لا يكاد يمر أسبوع أو شهر من دون أن تصدر مذكرات شخصية لهذا الرئيس أو ذلك الزعيم السياسي أو تلك الشخصية “الاعتبارية”. ولا ريب في أن التعددية السياسية قد دفعت بعض محترفي السياسة أو عشاقها إلى الإدلاء بدلوهم أو شهادتهم إسهاما منهم في “كتابة” التاريخ الصاخب للقرن العشرين. ولاشك أن الأشكال المختلفة لكتابة الذات، التي تعد السيرة الذاتية أبرزها، أخذت تتداخل بشكل كبير إلى درجة أنه بات من الصعب تبيان الحدود الفاصلة بشكل قاطع بين السيرة الذاتية وبين الأشكال الأخرى للتعبير عن الذات. ففي حين يركز كاتب السيرة الذاتية على تفاصيل حياته الشخصية يهتم كاتب “المذكرات” بتصوير البيئة والمجتمع والمشاهد العامة أكثر من اهتمامه بتصوير حياته الخاصة، اللهم إلا بوصفها إحدى مفردات تلك البيئة العامة. إما الاعترافات فيغلب عليها التبرير والتسويغ والمراوغة والتمويه.‏

ويبدو أن أهم ما يميز المذكرات عن السيرة الذاتية هو أن اهتمام المؤلف في الثانية ينصب على أحداث حياته وتكوين شخصيته ومسارها، في حين أن كاتب المذكرات يهتم بالعالم والأحداث المعاصرة والتاريخية والناس الذين التقى بهم، ويكون مدار نصه الأحداث العامة التي شاهدها أو شارك فيها. لهذا غالبا ما تكون المذكرات مرادفة للشهادة على العصر.

ومن الحضارم الذين قاموا بنشر مذكراتهم خلال السنوات العشر المنصرمة الأستاذ محمد علي باحميد المعروف في سيؤن بـ(ود علي). فقبل أربع سنوت – في عام 2007- أصدر دار حضرموت للدراسات والنشر كتابا لمحمد علي باحميد بعنوان (أيام لها إيقاع، مذكرات تربوي). وفي مقدمة الكتاب – وقبل أن يقدم لنا السببين اللذين دفعاه إلى كتابة مذكراته – ينبّه (ود علي) القارئ إلى أن لا ينتظر العثور فيه على حوادث بطولية خارقة فهو يكتب: “حياتي المتواضعة جدا والعادية جدا والبسيطة كل البساطة، يحياها ألوف من أمثالي البسطاء والعاديين من الناس، فليس في حياتي بطوله أو مجد، أو مغامرات أو مفاجآت، أو لفت نظر من أي نوع، وإنما هي حياة كل الزملاء من المعلمين الموظفين التعساء”. ص5

أما الأسباب التي دفعته لكتابة المذكرات فهي: “أ- غياب هذا النوع من الكتابة في مجتمع كمجتمع سيؤن الذي تطوقه رتابة الحياة المملة، وأخذ أفراده بأسباب الحذر والحيطة دائما في كل شيء، والتهيّب من كل نبش الحال الذي هو عليه بكل ما فيه من خير وشر وسلبيات وإيجابيات. ب- إن الذي كتبته يمثل جزءا من تاريخ فترة زمنية مضى عليها اليوم عمر جيل بأكمله، أردت أن يكون مرجعا تعليميا ورياضيا وثقافيا تستفيد منه كل الأجيال الحاضرة واللاحقة”. ورغم أنني لم أعثر في مذكرات محمد علي باحميد على معلومات يمكن أن تخدش الحياء – مثلما هو الحال في سير أو مذكرات بعض الكتاب الغربيين أو المغاربة- أو تسيء لأي شخص، فقد أخذ الكاتب حيطته وأنهى المقدمة على النحو الآتي: “إن هذه المذكرات ربما تبدو العديد من فقراتها صريحة للغاية، بل وجريئة إلى حد كبير، وقد تناولت بالنقد بعض المؤسسات والأشخاص، بيد أنني أود التأكيد على أنني أكنّ لكل تلك المؤسسات والأشخاص كل تقدير واحترام لآرائهم واختلاف وجهات النظر معهم أمر وارد ولا يفسد للود قضية، وبالطبع فأنني لا أدعـّي الصواب في كافة المواقف التي اتخذتها أو الآراء التي عبرت عنها، وأحترم الرأي الآخر، وأقبل النقد برحابة صدر”.ص6

وقد تمّ تقسيم الكتاب إلى ستة فصول يبيّن عنوان كل واحد منها محتواه بشكل دقيق. ففي الفصل الأول (النشأة والدراسة) يسرد (ود علي) – بنبرة كتاب السيرة الذاتية-مولده بمدينة الغرفة غرب مدينة سيؤن. وقدّم أسرته واصفا إياها بـ “الأسرة متوسطة الحال”. أما أبوه “الكادح إلى ربه” فكان يعمل موظفا حكوميا في سيؤن. وقد توفي في 3 فبراير 1996.

ويذكر المؤلف أساتذته في المدرسة الابتدائية في الغرفة وفي المدرسة الحكومية في سيؤن ثم في المدرسة الوسطى ووفي ثانوية سيؤن وثانوية المكلا.

ورغم أن (ود علي) لم يشر إلى أي مشاركة سياسية شخصية له فهو يذكر أنه قد تعرض للسجن مدة أسبوع بعيد الاستقلال في معسكر مدرم (حصن الحوارث)، وذلك من قبل أفراد من الجبهة القومية الذين كانوا يطاردون – على ما يبدو سالم محمد السقاف- الذي كان منتميا لجبهة التحرير حسب المذكرات.(ص34-35)

وفي الفصل الثاني يتناول الأستاذ محمد علي باحميد تجربته الطويلة في حقل التربية والتعليم. فهو بدأ التدريس في مدرسة الأخوة والمعاونة في تريم. ثم عمل مدرسا في مدرسة جيل الثورة التي درَس بها حينما انتقل إلى سيؤن في مطلع الستينات. وفي عام 1975 أصبح الفنان الخطاط محمد علي باحميد مدرسا للتربية الفنية في ثانوية سيؤن. وكان له دور كبير في إنجاح المعارض الفنية المتميزة لتلك المدرسة. ومن ثانوية سيؤن انتقل إلى دار المعلمين المتوسط ثم إلى معهد إعداد وتدريب المعلمين، ثم انتدب للعمل في كلية التربية بسيؤن. وفي نهاية هذا الفصل يحكي محمد علي بمرارة المشاكل الإدارية (أو ما يسميه الازدواج الوظيفي) التي واجهها – ولا يزال- من قبل إدارات التربية المختلفة.

وفي الفصل الثالث من الكتاب يتناول المؤلف (رحلته مع الرياضة). فقد كان لـ(ود علي) جهودا بارزة في تنشيط هذا النادي لاسيما في الجوانب الثقافية. واختير رئيسا لنادي شعلة الوادي الرياضي الثقافي.

ومن أفضل فصول المذكرات بالنسبة لي الفصل الذي تناول فيه ود علي نشاطه وإسهاماته في (واحة اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين). وأجزم هنا أن (ود علي) كان في كثير من السنوات الدينامو الفعلي لشعبة سيؤن لاتحاد الأدباء والكتاب. وقد تضمنت المذكرات عناوين المداخلات التي ألقاها في تلك الشعبة وكثير منها يتعلق بأديب سيؤن الاول علي أحمد باكثير. ولهذا حرصت – العام الماضي -2010- أن يكون اسمه ضمن المكرمين بدرع الذكرى الأربعين لتأسيس جامعة عدن الذي تم منحه لعدد من الذين أسهموا في إبراز تراث باكثير خلال ندوة باكثير التي نظمت في سيؤن في نهاية شهر ديسمبر الماضي.

وفي الفصل الخامس تناول محمد علي باحميد إسهاماته في مجال الصحافة والإعلام. وذكر عدد من المقالات التي أخذت طرقها للنشر في صحف (الأيام والثورة والصحوة)، وكذلك تلك التي تم حجبها من قبل القائمين على تلك الصحف!

اما الفصل الأخير فقد كرسه المؤلف لتقديم ست شخصيات قامت بدور متميز في حياته وهي: أبوه علي محمد بن عمر باحميد والشاعر سالم زين باحميد والأستاذ أحمد محمد بن صافي والشاعر المؤرخ محمد بن أحمد الشاطري والأستاذ الباحث عبد القادر محمد الصبان والأستاذ عبد الرحمن عبد اللاه بارجاء.

ومثل غيره من كتاب المذكرات سعى الأستاذ محمد علي إلى ترسيخ الجانب التاريخي والتوثيقي لمذكراته من خلال تضمينها مجموعة كبيرة من الوثائق المتنوعة والصور.

وأخيرا ينبغي الإشارة إلى أن المؤلف قد أهدأ مذكراته إلى زوجته (أم الأولاد التي تذوقت معها نعيم السكن والمودة والرحمة”. وقد وقّـع محمد علي هذا الإهداء بكنيته: أبو عادل. فـ(ود علي) – كما هو معلوم – والد الدكتور عادل محمد علي باحميد الذي يعمل اليوم من أجل حضرموت على جبهات عدة

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: