مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

  • صاحب المدونة

  • الحضارم في الأرخبيل الهندي

  • عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين

  • حصن الفلس

  • رامبو في عدن

رفاعة رافع الطهطاوي

Posted by amshoosh في يناير 21, 2012

 رفاعة الطهطاوي

إن تجربة الالتقاء الحضاري الشامل بين المجتمع العربي الإسلامي والحضارة الأوروبية في بداية القرن التاسع عشر الميلادي الموافق القرن الثالث عشر الهجري، وما خلفته من آثار ما زالت الأمة تتجرع مرارتها حتى الآن ـ لجديرة بالتأمل والتدبر وإمعان التفكير، ذلك لأنه قد صبغت وجهة العالم الإسلامي وحددت مساره النفسي والفكري والقيمي لفترة طويلة، وأفرزت عند الأمة هذا المسخ العقلاني القبيح المسمى بالعلمانية التي تسللت لحياة المسلمين واحتلت جانبًا كبيرًا من عقولهم وقلوبهم من حيث لا يعلمون، ولولا رحمة الله عز وجل لهذه الأمة ثم الدعوة والصحوة الراشدة التي صححت مسار الأمة بعدما كانت على شفا هلاك وغرق حتمي في مستنقع العلمانية النتن.

والجدير بالذكر أن كافة الانحرافات التي تتصدى لها الصحوة اجتماعيًا وأخلاقيًا وثقافيًا وإعلاميًا جاءت عند حدوث الصدمة الحضارية التي وقعت لبعض المسلمين عندما التقوا مع الحضارة الغربية، وهذه الصدمة أدت للانبهار والهزيمة النفسية والوعي المنقوص، والرغبة في رقي المسلمين كما ارتقى الغربيون، فوقع الخلل، وانحرف المسار، وتشوه التفكير، وانحرفت الأمة إلى طريق التبعية والتقليد الأعمى للغرب، فصارت حضارة المسلمين مثل حضارة القرود تقلد ما تراه ولا تعلم معناه، ونحن على هذه الصفحة نقلب دفاتر أول رائد للتغريب، وأول من تلقى الصدمة الحضارية، لنعلم مدى الأثر البالغ التي خلفته تلك الصدمة المشئومة.

في أتون المواجهات العسكرية العنيفة بين الشعب المصري المسلم في صعيد البلاد وبين قوات الحملة الفرنسية النابليونية وبالتحديد سنة 1801 هـ ولد رفاعة رافع بمدينة (طهطا) من أعمال مديرية (جرجا) بمحافظة المنيا، بعائلة تؤكد شرف انتسابها لآل البيت من الفرع الحسيني، وهذه الدعوة منتشرة بأرض مصر خصوصًا.

نشأ رفاعة كعادة أبناء جيله على حفظ القرآن الكريم حتى أتمه، وحفظ بعض المتون الشرعية المتداولة حتى توفي أبوه وهو صغير السن، فانتقل للدراسة بالجامع الأزهر، ولم تمر عليه بضع سنين حتى ظهرت نجابته وقوة فهمه وتحصيله العلمي حتى فاق أقرانه، وانتقل إلى طبقة المدرسين وهو في العشرين من عمره، ولكن ضيق ذات اليد كانت تكدر عليه صفو حياته وتعطل مسيرته العلمية وتفرغه للتدريس.

الشيخ المجهول:

ونعني به الشيخ (حسن العطار)، وكان من كبار علماء الأزهر، حتى إنه قد تولى مشيخة الأزهر في مرحلة من حياته، وكان هذا الشيخ أستاذ رفاعة في الأزهر، وكان له الأثر البالغ في حياة وتفكير رفاعة الطهطاوي رغم جهل الكثيرين بهذا الرجل، ويعتبر حسن العطار أول مشايخ الأزهر افتتانًا بالحضارة الغربية، أو بعبارة أدق أول مصدوم بها، وذلك عندما جاءت الحملة الفرنسية على مصر، واتصل حسن العطار برجالها وتأثر بما عندهم من علوم وتقدم، واشتغل بتعليمهم اللغة العربية، واندمج إلى حد كبير معهم وأنشد في رقيهم و أعيادهم الأشعار، وتوثقت العلاقة بين محمد علي وحسن العطار بعد رحيل الحملة الفرنسية، وأصبح محط ثقته وأحد الركائز التي يعتمد عليها محمد علي في مشروعة الحضاري الجديد القائم في الأصل على الحضارة الغربية.

كان حسن العطار يبث في عقول تلاميذه ـ ومنهم رفاعة الطهطاوي ـ ضرورة التغيير في أوضاع الأمة المسلمة ونقل الحضارة الغربية، ثم جاءت الفرصة عندما طلب محمد علي من حسن العطار أن يرشح له (إماما) يؤم البعثة المصرية العلمية المتوجهة إلى فرنسا في الصلاة والفتوى، فرشح العطارُ الطهطاوي لتلك المهمة، فتوجه الطهطاوي إلى فرنسا سنة 1241هـ / 1826م، وقد طلب حسن العطار من رفاعة طلبًا خاصًا ألا وهو: تدوين كل ما يراه ويسمعه أثناء هذه الرحلة التي استمرت ست سنوات.

الصدمة الأولى:

الرحلة التي قام بها رفاعة الطهطاوي كانت تمثل اللقاء الأول بين الفكر الإسلامي الأصيل التقليدي والحضارة الغربية في أوج عنفوانها وقوتها عقب الثورة الفرنسية الشهيرة، فوقعت الصدمة الأولى عند هذا الرجل صاحب الثقافة الإسلامية والحضارة التي نبذت لتوها الدين وتخلصت من سلطان الكنيسة بعد الثورة المعروفة، وكانت الحسرة تملأ قلب رفاعة عندما يرى التمدن والحضارة الجديدة قوية راقية مرتفعة ويرى أن المسلمين أولى بتلك القوة من بلاد الكفر، وأن المسلمين أولى من هؤلاء الكفرة بالأخذ بأسباب الحضارة. وهذه كانت بداية الصدمة؛ لأن المسار انحرف بعد ذلك.

مكث رفاعة الطهطاوي ست سنوات يسجل كل ما يراه ويكتبه ويعلق عليه وذلك في كتابه الشهير (تخليص الأبريز في تلخيص باريس) ووصل بعد هذه الرحلة ـ أو الصدمة الحضارية ــ لعدة قَناعات حددت بعد ذلك مسار حياته عندما رجع إلى مصر.

قَناعات الطهطاوي:

ضرورة التقريب بين الأحوال الإسلامية والأحوال الغربية خاصة فيما يتعلق بفكرة التشريع. فيقول في كتابه: (ومن زاول علم أصول الفقه، وفَقِهَ ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد جزم بأن جميع الاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنة ـ يقصد أوروبا ـ إليها وجعلوها أساسًا لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهم قلَّ أن تخرج عن تلك الأصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية).

وهو بذلك يجعل الشرع الحنيف على قدم سواء مع تشريعات أوروبا الوضعية، فيعتبر بذلك أول من مهد لدخول هذه التشريعات لبلاد المسلمين، وقد ظهر ذلك واقعيًا وعمليًا عندما عاد إلى مصر وقام بترجمة قوانين أوربا الوضعية ونقلها للعربية بناءً على أوامر محمد علي، وما أدى بعد ذلك لاستبدال الشريعة بهذه القوانين الوضعية.

تقديم مفهوم الوطنية من وجهة النظر الأوروبية للعالم الإسلامي لأول مرة بديار الإسلام، فقال في كتابه: (وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والولوع بحمايته مما يفضلون به عن سائر الأمم في القوة والمنعة يسمونه ـ أي الأوروبيون ـ محبة الوطن).

وهو بذلك يروج للوطنية على المسلمين السذج مما يمهد السبيل لقطع علائق المسلمين بعضهم ببعض بدعوى ابتعاد أوطانهم واختلافها.

نقل الحرية بالمعنى والمفهوم الفرنسي إلى بلاد المسلمين، بسبب حالة القهر والظلم التي مارسها الطاغية محمد علي على البلاد، مما جعل هذا الشيخ الوافد ينبهر بالحرية التي عليها الناس في أوروبا، فنراه يثني ويدافع عن مراقصة الرجال للنساء ويصفه بأنه نوع من الرياضة والأناقة والفتوة، ويقول عن الاختلاط بين الجنسين: ‘ليس داعيًا إلى الفساد !!!!).

ضرورة تحرير المرأة الشرقية والمسلمة. ويكون بذلك أول من أثار هذه القضية بديار المسلمين، فسن بذلك أسوأ السنن حيث حمل بعده رجال راية (تحرير المرأة) على النمط الغربي، فخُلع الحجاب، وعم الفساد، وانتشر الاختلاط، وضاعت الأنساب.

الحيرة والتخبط:

إن أزمة رفاعة الطهطاوي حقًا تتلخص في الصدمة الحضارية الشديدة التي تلقاها عندما سافر إلى فرنسا، فهو لم ينحرف أو يضل أو يترك شيئًا من عقائده وصلواته، فهو قد ابتعد إيمانيًا عن فرنسا النصرانية، ولكنه اصطدم حضاريًا إلى حد التبعية والتقليد لحضارة فرنسا، ففشل في الجمع بينهما كما فعل الأوائل عندما فهموا ما عند الغير من العلوم وهضموها جيدًا ووظفوها وطوروها بما يخدم أمة الإسلام دون تقليد أو انبهار. ونلمس هذه الحيرة والتخبط في تفكير رفاعة الطهطاوي وأشعاره فمنها:

أيوجد مثل باريس ديـــار شموس العلم فيها لا تغيب

وليل الكفر ليس له صباح أما هذا وحـقكـــم عجيـــب

لقد كان رفاعة الطهطاوي أول من وضع الأفكار النظرية موضع التنفيذ وأنتج أعمالا فكرية تمهد لخطة اجتماعية عملية في التشريع، وفي التعليم، وفي السلوكيات، وكان موضع ثقة محمد علي وأولاده من بعده في تطبيق فكرة التغريب والتحديث الأوروبي في كل الميادين، حتى إن الخديوي ‘إسماعيل’ طلب منه أن يقنع علماء الأزهر وشيوخه بقبول التشريع الأوروبي الوضعي ودار بينهما هذا الحوار:

قال الخديوي إسماعيل: إنك منهم ونشأت معهم، وأنت أقدر على إقناعهم، أخبرهم أن أوروبا تضطرب إذا هم لم يستجيبوا إلى الحكم بشريعة نابليون.

قال رفاعة: إنني يا مولاي قد شخت، ولم يطعن أحد في ديني فلا تعرضني لتكفير مشايخ الأزهر إياي في آخر حياتي، وأقلني من هذا الأمر. فوافق إسماعيل.

انزوى رفاعة الطهطاوي في آخر حياته عن الساحة وترك مكان الصدارة الذي ظل يشغله طيلة خمسين سنة يترجم علوم وأفكار أوروبا والقوانين الوضعية ويرأس تحرير جريدة (الوقائع المصرية)، ويكتب المقالات، ويؤلف الكتب ويقنن الأفكار، حتى وافته المنية في 1 ربيع الآخر سنة 1289هـ/1873م.

رفاعة الطهطاوي هو المؤسس الأول لنهضة مصر الفكرية في القرن الماضي.

مولده ونسبه وحياته: ينتهي نسب رفاعة الطهطاوي، من أبيه إلى سيدنا الحسين، ومن أمه إلى الخزرج

وقد مكث رفاعة في فرنسا خمسة سنوات استقى فيها الكثير من العلوم والمعارف، وعاد إلى مصر وهو مملوء بالمعاني الجديدة فبدأ في إنشاء المدارس وترجمة الكتب وتبسيط العلوم والمعارف، ونشر الكتب، وتحرير المقالات الصحفية. وقد اكتسبت الصحافة على يديه تقدما في فن المقالة الصحفية، وتخرج على يديه جيل المترجمين الأوائل الذين أثروا الحياة الثقافية في مجالي الفكر والعمل.

أعماله :

إنشاء مدرسة الألسن وتأسيسها عام 1835م.

تحرير جريدة الوقائع المصرية.

تحرير مجلة روضة المدارس.

دعوته إلى التجديد والإيمان بقيم إنسانية جديدة في الفكر والعمل.

تخليص المرأة من ربقة الأوهام والمخاوف والتقاليد الجائرة. ودفعها إلى الحياة للمشاركة في بنائها.

من مؤلفاته:

 تخليص الإبريز في تلخيص باريز.

 مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية.

 المرشد الأمين للبنات والبنين.

 أنوار توفيق الجليل، في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل.

 نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز.

هذا بالإضافة إلى ما ترجمه من كتب لعل من أهمها:

مواقع الأفلاك في وقائع تليماك، الذي ترجمه عن كتاب فيلنون

telemaque de aventures Les

قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل والأواخر، الذي ترجمه عن كتاب ديبنج

Apercu historique sur les moeurs et usages des nations

لماذا يُعد رفاعة علما من أعلام رواد النثر الحديث؟

 أغنى النثر بالمصطلحات ، وأطل به على حضارة العصر ومكتسباته العقلية والمادية.

 إغناء الفكر العربي الحديث والإشراف به على آفاق الحياة المعاصرة.

 تيسير اللغة وتطويعها وإغناء معجمها بمصطلحات الحضارة الحديثة.

 تبسيط التعبير والبعد عن التكلف والقيود.

 إدخال أسلوب العرض المباشر التقريري الواضح.

ظل رفاعة الطهطاوي طوال حياته معلمًا ومربيًا بالفطرة والسليقة. فقد بدأها شيخًا يتحلق حوله طلبة الأزهر، وأنهاها معلمًا للأمة، لا يرى سبيلا لتقدمها إلا بالعلم يتاح لكل الناس لا فرق فيه بين غني وفقير أو ذكر وأنثى، وبذل من نفسه ما بذل من جهد لتحقيق هذا الغرض، ووضع الكتب والمؤلفات التي تعين على ذلك.

ذهب إلى فرنسا إماما للبعثة التي أرسلها محمد علي والي مصر الطموح سنة (1241 = 1826م) لتلقي العلوم الحديثة، فلم تقعد به همته عند حدود وظيفته التي كلف بها، بل سعى من أول لحظة إلى أن يقف على حضارة الغرب وثقافته، وبدأ في تعلم الفرنسية وهو على ظهر السفينة التي تقل البعثة إلى باريس.

وما فعله هذا الشيخ النابه كان وليد قرار قد اعتزمه في نفسه من قبل، بفعل اتصاله بالشيخ حسن العطار الذي تتلمذ عليه وسمع منه عن علوم الفرنسيين الواسعة وفنونهم.

وكان العطار قد اقترب من علماء الحملة الفرنسية وأدرك الهوة الواسعة التي اتسعت بين الغرب والعالم الإسلامي في مجال الحضارة والتقدم.

ولم تكن مثل هذه الفرصة تفوت على رفاعة الطهطاوي الشغوف بالمعرفة، المحب للإصلاح، الراغب في الجديد، الداعي إلى الإحياء والتجديد. فانكب على الدرس والتحصيل والقراءة والترجمة، وتحول الإمام الفقيه إلى دارس يتعلم ويبحث، وغدا إمام البعثة أنجب المبعوثين. ولما رجع إلى الوطن أدرك ما يحتاجه البعث والنهوض فتبنى حركة الترجمة المنظمة، وأنشأ مدرسة الألسن، وبعث حياة جديدة في التعليم والصحافة.

النشأة والتكوين الثقافي

في مدينة طهطا إحدى مدن محافظة سوهاج بصعيد مصر، ولد رفاعة رافع الطهطاوي في (7 من جمادى الآخرة 1216 هـ= 15 أكتوبر 1801 م)، ونشأ في أسرة كريمة الأصل شريفة النسب، فأبوه ينتهي نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب. وأمه فاطمة بنت الشيخ أحمد الفرغلي، ينتهي نسبها إلى قبيلة الخزرج الأنصارية.

وقد لقي رفاعة عناية من أبيه، على الرغم من تنقله بين عدة بلاد في صعيد مصر، فحفظ القرآن الكريم، ثم رجع إلى موطنه طهطا بعد أن توفي والده. ووجد من أسرة أخواله اهتماما كبيرا حيث كانت زاخرة بالشيوخ والعلماء فحفظ على أيديهم المتون التي كانت متداولة في هذا العصر، وقرأ عليهم شيئا من الفقه والنحو.

ولما بلغ رفاعة السادسة عشرة من عمره التحق بالأزهر وذلك في سنة (1232 هـ= 1817م)، مسلحا بما سبق أن تعلمه على يد أخواله، الأمر الذي ساعده على مواصلة الدراسة مع زملائه الذين سبقوه في الالتحاق بالأزهر. وشملت دراسته في الأزهر الحديث والفقه والتصوف والتفسير والنحو والصرف… وغير ذلك. وتتلمذ عل يد عدد من علماء الأزهر العظام، وكان من بينهم من تولى مشيخة الجامع الأزهر، مثل الشيخ حسن القويسني، وإبراهيم البيجوري، وحسن العطار، وكان هذا الأخير ممن وثق الطهطاوي صلته بهم ولازمهم وتأثر بهم. وتميز الشيخ العطار عن أقرانه من علماء عصره بالنظر في العلوم الأخرى غير الشرعية واللغوية، كالتاريخ والجغرافيا والطب، واستفاد من رحلاته الكثيرة واتصاله بعلماء الحملة الفرنسية.

وبعد أن أمضى رفاعة في الأزهر ست سنوات، جلس للتدريس فيه سنة (1237 هـ = 1821 م) وهو في الحادية والعشرين من عمره، والتف حوله الطلبة يتلقون عنه علوم المنطق والحديث والبلاغة والعروض. وكانت له طريقة آسرة في الشرح جعلت الطلبة يتعلقون به ويقبلون على درسه، ثم ترك التدريس بعد عامين والتحق بالجيش المصري النظامي الذي أنشأه محمد علي إماما وواعظا لإحدى فرقه، واستفاد من هذه الفترة الدقة والنظام.

في باريس

وفي سنة (1324هـ= 1826م) قررت الحكومة المصرية إيفاد بعثة علمية كبيرة إلى فرنسا لدراسة العلوم والمعارف الإنسانية، في الإدارة والهندسة الحربية، والكيمياء، والطب البشري والبيطري، وعلوم البحرية، والزراعة والعمارة والمعادن والتاريخ الطبيعي. وبالإضافة إلى هذه التخصصات يدرسون جميعا اللغة والحساب والرسم والتاريخ والجغرافيا.

وتنوع تخصصات هذه البعثة يشير إلى عزم الوالي محمد علي النهوض بمصر والدفع بها إلى مصاف الدول المتقدمة، والوقوف على الحضارة الأوروبية الحديثة.

وحرصا على أعضاء البعثة من الذوبان في المجتمع الغربي قرر محمد علي أن يصحبهم ثلاثة من علماء الأزهر الشريف لإمامتهم في الصلاة ووعظهم وإرشادهم. وكان رفاعة الطهطاوي واحدا من هؤلاء الثلاثة، ورشحه لذلك شيخه حسن العطار.

وما إن تحركت السفينة التي تحمل أعضاء البعثة حتى بدأ الطهطاوي في تعلم الفرنسية في جدية ظاهرة، وكأنه يعد نفسه ليكون ضمن أعضاء البعثة لا أن يكون مرشدها وإمامها فحسب، ثم استكمل تعلم الفرنسية بعدما نزلت البعثة باريس؛ حيث استأجر لنفسه معلما خاصًا يعطيه دروسًا في الفرنسية نظير بضعة فرنكات كان يستقطعها من مصروفه الشخصي الذي كانت تقدمه له إدارة البعثة، وأخذ يشتري كتبًا خاصة إضافية غير مدرجة في البرنامج الدراسي، وانهمك في قراءتها. ومن شدة حرصه على مداومة القراءة والدرس تأثرت عينه اليسرى، ونصحه الطبيب بعدم الاطلاع ليلاً، لكنه لم يستجب لنصحه، واستمر في إشباع نهمه للمعرفة.

وأمام هذه الرغبة الجامحة في التعلم قررت الحكومة المصرية ضم رفاعة إلى بعثتها التعليمية، وأن يتخصص في الترجمة؛ لتفوقه على زملائه في اللغة العربية والثقافة الأزهرية. وقد لقي الفتى النابه عناية ظاهرة من العالم الفرنسي جومار الذي عهد إليه محمد علي بالإشراف العلمي على البعثة، ومن المستشرق الفرنسي الكبير دي ساسي، واجتاز كل الامتحانات التي عقدت له بنجاح باهر، وكانت التقارير التي ترسل إلى محمد علي تتابع أخبار البعثة تخص رفاعة بالثناء والتقدير.

وقبل أن يتقدم رفاعة للامتحان النهائي كان قد أنجز ترجمة اثني عشر عملاً إلى العربية في التاريخ والجغرافيا والهندسة والصحة، بالإضافة إلى مخطوطة كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز” وهو الكتاب الذي ارتبط اسمه به، ووصف فيه الحياة في باريس وعادات أهلها وأخلاقهم، وهو ليس وصفًا لرحلة أو تعريفًا لأمة بقدر ما هو دعوة للارتقاء، وصرخة للبعث والنهوض.

ميدان التعليم

عاد الطهطاوي إلى مصر سنة (1247هـ = 1831م) تسبقه تقارير أساتذته التي تشيد بنبوغه وذكائه، وكان إبراهيم باشا ابن محمد علي أول من استقبله من الأمراء في الإسكندرية، ثم حظي بمقابلة الوالي محمد علي في القاهرة.

وكانت أولى الوظائف التي تولاها رفاعة بعد عودته العمل مترجمًا في مدرسة الطب، وهو أول مصري يشغل هذه الوظيفة، ومكث بها عامين، ترجم خلالهما بعض الرسائل الطبية الصغيرة، وراجع ترجمة بعض الكتب، ثم نقل سنة (1349هـ= 1833م) إلى مدرسة الطوبجية (المدفعية) لكي يعمل مترجمًا للعلوم الهندسية والفنون العسكرية.

ولما اجتاح وباء الطاعون القاهرة سنة (1250هـ = 1834م) غادرها إلى طهطا، ومكث هناك ستة أشهر، ترجم في شهرين مجلدًا من كتاب بلطبرون في الجغرافيا، وعندما عاد إلى القاهرة قدم ترجمته إلى محمد علي، فكافأه مكافأة مالية.

مدرسة الألسن

كان رفاعة الطهطاوي يأمل في إنشاء مدرسة عليا لتعليم اللغات الأجنبية، وإعداد طبقة من المترجمين المجيدين يقومون بترجمة ما تنتفع به الدولة من كتب الغرب، وتقدم باقتراحه إلى محمد علي ونجح في إقناعه بإنشاء مدرسة للمترجمين عرفت بمدرسة الألسن، مدة الدراسة بها خمس سنوات، قد تزاد إلى ست. وافتتحت المدرسة بالقاهرة سنة (1251هـ = 1835م)، وتولى رفاعة الطهطاوي نظارتها، وكانت تضم في أول أمرها فصولاً لتدريس اللغة الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والتركية والفارسية، إلى جانب الهندسة والجبر والتاريخ والجغرافيا والشريعة الإسلامية.

وقد بذل رفاعة جهدًا عظيمًا في إدارته للمدرسة، وكان يعمل فيها عمل أصحاب الرسالات ولا يتقيد بالمواعيد المحددة للدراسة، وربما استمر في درسه ثلاث ساعات أو أربعا دون توقف واقفًا على قدميه دون ملل أو تعب يشرح لهم الأدب والشرائع الإسلامية والغربية. وقد تخرجت الدفعة الأولى في المدرسة سنة (1255هـ = 1839م) وكان عددها عشرين خريجًا، وكانت مترجمات هؤلاء الخريجين قد طبعت أو في طريقها إلى الطبع.

وقد اتسعت مدرسة الألسن، فضمت قسمًا لدراسة الإدارة الملكية العمومية سنة (1261هـ=1844م)، لإعداد الموظفين اللازمين للعمل بالإدارة الحكومية، وقسمًا آخر لدراسة الإدارة الزراعية الخصوصية بعد ذلك بعامين، كما ضمت قسمًا أنشئ سنة (1263هـ = 1847م) لدراسة الشريعة الإسلامية على مذهب أبي حنيفة النعمان لإعداد القضاة، وأصبحت بذلك مدرسة الألسن أشبه ما تكون بجامعة تضم كليات الآداب والحقوق والتجارةوكان رفاعة الطهطاوي يقوم إلى جانب إدارته الفنية للمدرسة باختيار الكتب التي يترجمها تلاميذ المدرسة، ومراجعتها وإصلاح ترجمتها.

إغلاق ونفي

ظلت المدرسة خمسة عشر عامًا، كانت خلالها مشعلاً للعلم، ومنارة للمعرفة، ومكانًا لالتقاء الثقافتين العربية والغربية، إلى أن عصفت بها يد الحاكم الجديد عباس الأول، فقام بإغلاقها لعدم رضاه عن سياسة جده محمد علي وعمه إبراهيم باشا وذلك في سنة (1265هـ = 1849م)، كما أمر بإرسال رفاعة إلى السودان بحجة توليه نظارة مدرسة ابتدائية يقوم بإنشائها هناك، فتلقى رفاعة الأمر بجلد وصبر، وذهب إلى هناك، وظل هناك فترة دون عمل استغلها في ترجمة رواية فرنسية شهيرة بعنوان “مغامرات تلماك”، ثم قام بإنشاء المدرسة الابتدائية، وكان عدد المنتظمين بها نحو أربعين تلميذًا، ولم يستنكف المربي الكبير أن يدير هذه المدرسة الصغيرة، ويتعهد نجباءها برعاية خاصة.

عود حميد

وبعد وفاة عباس الأول سنة (1270هـ= 1854م) عاد الطهطاوي إلى القاهرة، وأسندت إليه في عهد الوالي الجديد “سعيد باشا” عدة مناصب تربوية، فتولى نظارة المدرسة الحربية التي أنشأها سعيد لتخريج ضباط أركان حرب الجيش سنة (1277هـ = 1856م)، وقد عنى بها الطهطاوي عناية خاصة، وجعل دراسة اللغة العربية بها إجبارية على جميع الطلبة، وأعطى لهم حرية اختيار أجدى اللغتين الشرقيتين: التركية أو الفارسية، وإحدى اللغات الأوربية: الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية، ثم أنشأ بها فرقة خاصة لدراسة المحاسبة، وقلمًا للترجمة برئاسة تلميذه وكاتب سيرته صالح مجدي، وأصبحت المدرسة الحربية قريبة الشبه بما كانت عليه مدرسة الألسن.

مع التراث

ولم يكتف رفاعة بهذه الأعمال العظيمة، فسعى إلى إنجاز أول مشروع لإحياء التراث العربي الإسلامي، ونجح في إقناع الحكومة بطبع عدة كتب من عيون التراث العربي على نفقتها، مثل تفسير القرآن للفخر الرازي المعروف بمفاتيح الغيب، ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص في البلاغة، وخزانة الأدب للبغدادي، ومقامات الحريري، وغير ذلك من الكتب التي كانت نادرة الوجود في ذلك الوقت

غير أن هذا النشاط الدءوب تعرض للتوقف سنة (1277هـ = 1861م) حيث خرج رفاعة من الخدمة، وألغيت مدرسة أركان الحرب، وظل عاطلاً عن العمل حتى تولى الخديوي إسماعيل الحكم سنة (1279هـ = 1863م)، فعاد رفاعة إلى ما كان عليه من عمل ونشاط على الرغم من تقدمه في السن، واقتحم مجالات التربية والتعليم بروح وثابة يحاول أن يأخذ بيد أمته إلى مدارج الرقي والتقدم، فأشرف على تدريس اللغة العربية بالمدارس، واختيار مدرسيها وتوجيههم، والكتب الدراسية المقررة، ورئاسة كثير من لجان امتحانات المدارس الأجنبية والمصرية.

قلم الترجمة

ومن أبرز الأعمال التي قام بها رفاعة في عهد الخديو إسماعيل نظارته لقلم الترجمة الذي أنشئ سنة (1280هـ = 1863م) لترجمة القوانين الفرنسية، ولم يكن هناك من أساطين المترجمين سوى تلاميذ الطهطاوي من خريجي مدرسة الألسن، فاستعان بهم في قلم الترجمة، ومن هؤلاء: عبد الله السيد وصالح مجدي ومحمد قدري.

وكان مقر قلم الترجمة حجرة واحدة بديوان المدارس، ولم يحل ذلك دون إنجاز أعظم الأعمال، فترجموا القانون الفرنسي في عدة مجلدات وطبع في مطبعة بولاق، ولم تكن هذه المهمة يسيرة، إذ كانت تتطلب إلمامًا واسعًا بالقوانين الفرنسية وبأحكام الشريعة الإسلامية، لاختيار المصطلحات الفقهية المطابقة لمثيلاتها في القانون الفرنسي.

روضة المدارس

حين عهد إلى الطهطاوي إصدار مجلة روضة المدارس، سنة (1287هـ = 1870م) جعل منها منارة لتعليم الأمة ونشر الثقافة بين أبنائها، فقد نظمها أقسامًا، وجعل على رأس كل قسم واحدًا من كبار العلماء من أمثال عبد الله فكري الأديب الكبير، وإسماعيل الفلكي العالم الرياضي والفلكي، ومحمد باشا قدري القانوني الضليع، وصالح مجدي، والشيخ حسونة النواوي الفقيه الحنفي المعروف، وغيرهم. وكانت المجلة تنشر مقالات تاريخية وجغرافية واجتماعية وصحية وأدبية وقصصا وأشعارا، كما كانت تنشر ملخصًا لكثير من الدروس التي كانت تلقى بمدرسة “دار العلوم”.

واعتادت المجلة أن تلحق بأعدادها كتبًا ألفت لها على أجزاء توزع مع كل عدد من أعدادها بحيث تكون في النهاية كتابًا مستقلاً، فنشرت كتاب “آثار الأفكار ومنثور الأزهار” لعبد الله فكري، و”حقائق الأخبار في أوصاف البحار” لعلي مبارك، و”الصحة التامة والمنحة العامة” للدكتور محمد بدر، و”القول السديد في الاجتهاد والتجديد” للطهطاوي.

وكان رفاعة قد نيف على السبعين حين ولي أمر مجلة الروضة، لكنه ظل مشتعل الذكاء وقاد الفكر، لم تنل الشيخوخة من عزيمته، فظل يكتب فيها مباحث ومقالات حتى توفي في (1 من ربيع الآخر 1290هـ = 27 من مايو 1873م).

________________________________________

آثار فكرية

وعلى الرغم من كثرة المسئوليات التي تحملها رفاعة وأخذت من وقته الكثير، فإنه لم ينقطع عن الترجمة والتأليف فيما يعود بالنفع على الأمة، ولم يقض وقته إلا فيما فيه فائدة، وقد وصفه تلميذه النابه صالح مجدي بأنه “قليل النوم، كثير الانهماك على التأليف والتراجم”. وقد بدأ رفاعة إنتاجه الفكري منذ أن كان مبعوثًا في فرنسا، ومن أهم كتبه:

– مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية

– المرشد الأمين في تربية البنات والبنين

– أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل

– نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، وهو آخر كتاب ألفه الطهطاوي، وسلك فيه مسلكا جديدا في تأليف السيرة النبوية تبعه فيه المحدثون.

أما الكتب التي قام بترجمتها فهي تزيد عن خمسة وعشرين كتابًا، وذلك غير ما أشرف عليه من الترجمات وما راجعه وصححه وهذبه.

ومن أعظم ما قدمه الرجل تلاميذه النوابغ الذين حملوا مصر في نهضتها الحديثة، وقدموا للأمة أكثر من ألفي كتاب خلال أقل من أربعين عامًا، ما بين مؤلف ومترجم.

ولا أجد في وصف رفاعة أفضل مما جاء في بيت لأحمد شوقي رثى فيه علي بن رفاعة الابن الأصغر للطهطاوي، وكان من نوابغ الحياة الفكرية في مصر

يا ابن الذي أيقظت مصرَ معارفُهُ *** أبوك كان لأبناء البلاد أبـا

سيرته ومولـده :

هو رفاعة رافع بن بدوي الطهطاوي ولد في 5 أكتوبر 1801 وهو العام الذي جاء فيه محمد على إلى مصر على رأس ألف جندي عثماني للمشاركة في مقاومة الحملة الفرنسية على مصر – كما تصادف أن يولد رفاعة في يوم رحيل جنود الحملة الفرنسية عن مصر.. وهكذا ومنذ البداية ارتبط هذا المثلث الذي ستدور بين أضلاعه قصة الطهطاوي وتنطلق من خلاله نهضة الأمة.

وتعلم في طهطا ( مسقط رأسه ) مبادئ القراءة و الكتابة وظهرت عليه منذ صغره علامات النبوغ .وحضر إلى القاهر سنة1807 وهو بعد طفل صغير ومكث فيها خمس سنوات فالتحق بالجامع الأزهر وهو في الحادية والعشرين من عمره. وفى القاهرة تلقفه أخواله طلاب الأزهر (فراج ومحمد وأبو الحسن الأنصاري)

وفى الأزهر تتلمذ على يد مجموعة من الشيوخ الأجلاء (الفضالي – القويسني – البخاري – البنا – الدمنهوري – حبيش – البيجوري – الدمهوجي ) وكان أبرز أساتذته الشيخ حسن العطار شيخ الجامع الأزهر الذي تولى الفتى بالرعاية والتهذيب كما حبب إليه الأدب والقراءة في مختلف الفنون والآداب وحدثه كثيرا عن شئون الوطن فأخرجه من شرنقة التقليد إلى رحابة التجديد، ولم يتوقف دور الشيخ العطار عند حدود تعليم الفتى ولكنه عمل على أن يؤمن له سبل العيش الكريم فأوجد له العديد من الفرص لإعطاء دروس في اللغة والفقه لبعض الأثرياء. وقد سبق للشيخ العطار نفسه أن قام بتدريس اللغة العربية لبعض علماء الحملة الفرنسية.

وبعد ست سنوات من الدراسة في الأزهر تخرج الطهطاوي عام 1822 ليعمل مدرسا لمدة عامين ثم استطاع شيخه العطار أن يقنع محمد على بتعيينه إماما في الجيش ذلك الجيش الذي سعى محمد إلى تقويته خاصة بعد أن قويت شوكته من خلال مذبحة القلعة عام 1811 التي قضى فيها على كل المماليك المناوئين له ولكي يحصل الوالي على هذا الجيش القوى فقد عمد إلى تطوير وتحديث كل مجالات الحياة في مصر فاستقدم الخبراء من فرنسا وايطاليا وأرسل أيضا البعثات إلى هاتين الدولتين. فأرسل أولا بعثة إلى إيطاليا عام 1813 لدراسة فنون الطباعة بعد أن عرفت مصر المطبعة لأول مرة مع الحملة الفرنسية. ثم أرسل في عام 1818 بعثة إلى فرنسا لدراسة الفنون البحرية والحربية، وفى عام 1826 قرر محمد على أن يرسل بعثة كبيرة قوامها 40 دارسا إلى فرنسا لدراسة مختلف العلوم والفنون واستطاع الشيخ العطار أن يقنع الوالي بإرسال رفاعة الطهطاوي ليعمل واعظـًا دينيـًا وإمامـًا لأفراد البعثة، أي أنه لم يكن عضوًا أساسياً في البعثة ومع ذلك فسوف يطفئ أسمه على كل الأسماء فيها ومن حسن الحظ أنه سافر إلى فرنسا عن طريق ميناء الإسكندرية حيث كانت (عروس البحر) بروفة رائعة للتعرف على أجواء أوروبا وذلك بما تحتويه من جاليات أجنبية وسواحل ومعمار يشبه كثيرا الموجود في أوروبا ولذلك لم يصدم الطهطاوي عندما رست به السفينة في ميناء مارسيليا الفرنسي ولكنه تذكر نصيحة شيخه العطار بأن يسجل كل ما يراه أو يقرأه وعلى الفور بدأ تنفيذ النصيحة وبدأ أيضا في تعلم اللغة الفرنسية، وفى باريس تحول الطهطاوي إلى عين صقر وذاكرة فوتوغرافية وعقل نهم لا يشبع من تحصيل المعارف فراح يقرأ وينظر فيما حوله حتى تعرف على كل مجالات الحياة في باريس وقد كان أسرع أعضاء البعثة إجادة للغة الفرنسية وقد أهداه أحد أساتذته كتاب (رحلة إنسيس في بلاد اليونان) مكافأة على حسن تحصيله وعندما رأى الأساتذة على البعثة مدى نهم الطهطاوي لتحصيل كل المعارف أرسلوا إلى مصر لضمه بشكل رسمي إلى البعثة وقد تم ذلك وتخصص في الترجمة من الفرنسية إلى العربية و قد كان من حظ هذه البعثة أن المشرفين عليها من كبار العلماء الفرنسيين ومنهم (جومار- سلفستر دى ساس – كوسان دى برسفال – الخ) وخاصة العلامة جومار الذي كان أحد علماء الحملة الفرنسية على مصر والمسئول الأول عن إصدار الكتاب الموسوعة وصف مصر.

وإذا توقفنا بداية عند الطهطاوي كرائد للفكر الاجتماعي فإنه.. يأتي الطهطاوي في مقدمة ثلاث قمم أثروا القرن التاسع عشر حيث كان معه عبد الرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي.. ويتسم الطهطاوي بثلاث سمات هي شمولية النظرة والإحاطة بالظواهر الاجتماعية والسياسية من مختلف جوانبها. ثم الجمع ما بين النظر والعمل والفكر والخبرة الواقعية مما جعل فكره شديد الارتباط بالواقع ثم المزج ما بين أرضية التراث الإسلامي والتعرف على العلوم العصرية الحديثة.. وقد انطلق الطهطاوي في تفكيره الاجتماعي والسياسي من احترام العقل كأداة لحل كل مشاكل المجتمع وذلك بالكشف عن أسبابها وبواعثها.

فضل الطهطاوي على الصحافة العربية :

أما عن فضل الطهطاوي على الصحافة في مصر والعالم العربي فكبير وعميق جدا خاصة وأنه لم يعرف ما هي الصحافة قبل أن يرحل إلى فرنسا وذلك لأن مصر كلها لم تكن تعرف الصحافة برغم أن نابليون بونابرت قد أتى بالمطبعة إلى مصر عندما جاء على رأس الحملة الفرنسية إلا أنه لم يصدر إلا صحيفتين باللغة الفرنسية وكان توزيعهما محدوداً ومقصورا على جنود الحملة – وقد فشل مشروع الجنرال مينو لإصدار صحيفة (التنبيه) برئاسة تحرير إسماعيل الخشاب،ظهرت الوقائع المصرية لأول مرة في عام 1828 أثناء وجود الطهطاوي في باريس وكانت تصدر باللغة التركية مع ترجمة ركيكة بالعربية، ولذلك انبهر الطهطاوي عندما رأى وطالع الصحف في باريس فعكف علي قراءتها ولاحظ أنها تتمتع بحرية كاملة في كل ما تكتبه ,ولقد دفعته هذه الصحف إلى أن يقف أمام مصادر القوة ومظاهرها في هذا المجتمع ولم يكن مبهورا بكل ما يراه ولكنه يقارن ما بين فوائد وأضرار كل شيء كما شجعته هذه الصحف على أن يقرأ في كل شيء حتى تعبت عينه اليسرى وطالب المشرفون على البعثة زيادة راتبه لعلاج عينه ومنعوه من القراءة ليلاً إلا أنه لم يستمع لنصائحهم وواصل قراءاته وإعجابه بتلك (الكازطات) أي الصحف التي تكتب في أي شيء وكل شيء.

وعندما عاد إلى مصر عام 1831 أحس بمدى أهمية الصحافة ولكنه كان يفتقد الوسيلة التي تدفعه إلى إحداث النهضة الصحفية حيث أن الجريدة الوحيدة وهى الوقائع المصرية تقع تحت يد مجموعة من الأتراك متحجري العقول وعندما واتته الفرصة أحدث ثورة حقيقية وذلك بعد تعيينه رئيسا لتحرير الوقائع المصرية عام 1842 فبث فيها الروح الصحفية الحقيقية وعمد على بلورة رأي عام مثقف ومناهض وذلك بعد أن أصدر الوقائع باللغة العربية وبعد أن خلص كتاباتها من المحسنات البديعية والسجع والجناس وجعل لغتها سهلة بسيطة لتخاطب أكبر عدد من القراء وقد نبعت كل تطويراته في الوقائع من إعجابه الشديد بالصحافة الفرنسية وقد أثارت هذه التطويرات مجموعة الأتراك فقاموا بثورة مضادة أقالت الطهطاوي وأعادت الوقائع كما كانت,وكان على الشيخ أن ينتظر طويلا حتى رأس تحرير مجلة (روضة المدارس) والتي صدر عددها الأول في 17 أبريل 1870 وكانت نصف شهرية.. وقد اهتم في هذه المجلة بشئون المرأة، ودعا القراء إلى المشاركة في تحريرها وبذلك يصبح الطهطاوي (أبو الصحافة) الإعلامية والثقافية.

انجازاته في الأدب :

أما عن الدور الكبير الذي قام به الطهطاوي في تطوير الأدب العربي مؤثر إلى أبعد حد حيث أخرج اللغة العربية من عزلتها الثقافية المزمنة وأوصلها بتيار الفكر الغربي من خلال ترجمة ما يقرب من ألفى كتاب نقل فيها هو وتلاميذه خلاصة المعارف والعلوم الحديثة فأصبح للغة قدرتها على التعبير عن مقتضيات حياة العصر وقاد رفاعة من خلال الترجمة ثورة حقيقية في تطوير النثر العربي حيث بدأ عهد البساطة والسلاسة والتحرر من قيود المحسنات البديعية.

ورغم أن الطهطاوي كان يكتب الشعر إلا أنه كان ذواقا للشعر أكثر منه منشداً حيث كان شاعراً أقل من المتوسط، ومع ذلك فقد كان له دور كبير في تطوير الشعر العربي ويتضح ذلك من بعض أشعاره وترجماته، حيث كان يتعلم الفرنسية على يد شاب مصري مهاجر يكتب الشعر اسمه يوسف أجوب فترجم له رفاعة إحدى منظوماته بعنوان (نظم العقود في كسر العود) وفيها تخلص من الالتزام بوحدة البحر والقافية وعمد إلى تنويع البحور والقوافي على طريقة الموشحات الأندلسية وكان ذلك بعد اطلاعه على الشعر الرومانتيكى في فرنسا.

أما في مجال القصة فمن السهل أن نلمح تأثير الطهطاوي على كثير من الأدباء مثل يحيى حقي في (قنديل أم هاشم) وعند الحكيم في (عصفور من الشرق) وعند طه حسين في (أديب) بل إننا نلمح تجربة الطهطاوي في الجزء الثاني من كتاب المويلحي (حديث عيسى بن هشام) فكل هذه الكتب تنويعات على اللحن الأصلي لرحلة الطهطاوي إلى باريس وتجربته الفذة في (تخليص الإبريز في تلخيص باريز).

أما في عالم المسرح فقد ترجم الطهطاوي ثلاث مسرحيات للكاتب الفرنسي (راسين) تحت عنوان (الروايات المفيدة في علم التراجيدة) وهذه المسرحيات هي (إستير – الإسكندر الأكبر – أفغانية) كما ترجم أربعا من كوميديات موليير ونشرها في مجموعة (الأربع روايات من نخب التياترات)

أما في عالم المسرح فقد ترجم الطهطاوي ثلاث مسرحيات للكاتب الفرنسي (راسين) تحت عنوان (الروايات المفيدة في علم التراجيدة) وهذه المسرحيات هي (إستير – الإسكندر الأكبر – أفغانية) كما ترجم أربعا من كوميديات موليير ونشرها في مجموعة (الأربع روايات من نخب التياترات)

وهناك جانب مهم قد لا يعرفه الكثيرون عن الطهطاوي وهو ابتكاره لفن الأناشيد الوطنية بعد أن أعجب في فرنسا بنشيد (المارسيليز) وترجمه إلى العربية وقد سار على نفس الدرب وكتب العديد من الأناشيد أطلق عليها اسم (الوطنيات) وكانت لونا جديدا في النظم العربي وكان الطهطاوي أول من ابتكر هذه المنظومات في الأدب العربي ومن منظوماته (يا صاح حب الوطن.. حلية كل فطن) و (ننظم جندنا نظما.. عجيبا يعجز ألفهما).. وقد سار تلميذه صالح مجدي على دربه فألف 15 نشيدا قدمها للوالي سعيد وتم تلحينها على الموسيقات العسكرية ومن خلال هذه الأناشيد كان الطهطاوي رائدا في ميدان البعث الوطني القومى بما أبدع من هذه الأناشيد وبما نظم من قصائد سجلت انتصارات الجيش الوطنى ضد الأتراك والأوروبيين.

مؤلفاته:

كتب رفاعة بنفسه وصفا لرحلته إلى فرنسا وما شاهده فيها وذلك في كتابه ” تخليص الابريز في تلخيص باريز ” , وكتب كذلك قلائد المفاخر في غريب عوائد الأوائل و الأواخر ” ثم ” مباهج الألباب المصرية في مناهج الآداب العصرية ” و “المعادن النافعة” و مبادئ الهندسة ” وغيرها الكثير

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: