مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

أسلوب المنفلوطي

Posted by amshoosh في فبراير 25, 2012

أسلوب المنفلوطي في (النظرات)

لقد امتلك مصطفى لطفي المنفلوطي زمام اللغة العربية وأجادها. وكان له في مقالاته الاجتماعية التي نشرها في صحيفة المؤيد ثم جمعها في ثلاثة مجلدات تحمل عنوان (النظرات) أسلوب متميز تأثر به كثير من الطلبة والصحفيين في مطلع القرن الماضي.

ويتميّز أسلوب المنفلوطي بالخصائص الآتية:

1- حسن الصياغة وجمال الإيقاع مع الميل إلى الترسل وترك التعقيد والمحسنات اللفظية فيما عدا بعض السجع المطبوع الذي يبرز بين الحين والآخر للإسهام في موسيقى الصياغة التي تهدف إلى التأثير في سمع القارئ..

2- الفصاحة والنقاء واستخدام الكلمات الجزلة والابتعاد عن الكلمات العامية الأجنبية، مع تجنب التكلف.

3- التكرار والإطناب، فهو كثيرا ما يعيد في معانيه على طريقة الخطباء، كما أنه يستعير منهم النداء بمثل أيها الإنسان.وترى عنده مثلهم التكرار في الكلمات ،أرحم ، أرحم.

ومن ناحية الموضوع، فقد ركز المنفلوطي في مقالاته على:

1- الحياة الاجتماعية بشكل عام واتخذها ينبوعا لمقلاته وتحول فيها بتأثير أستاذه محمد عبده إلى مصلح اجتماعي. وهو في الغالب يردد آراء المصلحين المعاصرين له مثل محمد عبده وقاسم أمين ويؤديها بأسلوبه المتميز الذي قدمناه.

2- والنظرات تركز أيضا على عيوب المجتمع، وما يشعر به المنفلوطي من مساوئ الأخلاق مثل القمار والرقص والخمر وسقوط الفتيات والفتيان في البؤس والرذيلة. ففي نظره أفسدت المدنية الغربية الشباب إذ فتحت أمامهم أبواب الملاهي وحولتهم عن حياة الجد والحشمة والوقار.

3- الدعوة إلى القناعة والزهد والحياة الكريمة والتعاون والإحسان والبر بالضعيف العاجز ويصور أكواخ الفقراء وما هم فيه من مهانة وذلة.

ومما قدمناه يتبيّن لنا وواضح أن المنفلوطي لا يعنى بموضوعه فحسب بل يحاول أن يؤديه أداء فنيا يتخير فيه اللفظ، ويحاول أن يؤثر به في سمع القارئ ووجدانه. وهو في تأثر بطريقة القدماء الذين كانوا يعنون بالجرس الموسيقي للكلام لأنهم كانوا يتوجهون أساسا إلى مستمعين. وليس ليس دائما إلى قراء. والمنفلوطي لا يسجع ولكنه يعنى عناية شديدة بموسيقى ألفاظه، وجمله. وهذا الأسلوب يعتمد استخدام الفقرات القصيرة متلائمة الفواصل المتوازنة ككفتي الميزان. وهو مستحسن إذا توخى الاعتدال وعدم التزام السجع.

وعلى الرغم من أن كثيرا من كتاب المقالات في الصحف العربية قد قرؤوا مقالات المنفلوطي وأعجبوا بها، فهناك من يرى أن أسلوب المنفلوطي لم تكن (أو لم تعد) هي المثل الأعلى لكتابة المقالة اليوم. وقد عابوا عليها: الاهتمام البالغ بالأسلوب، وفقر الجانب الفكري، والمبالغة في اصطناع الأسى وإثارة العاطفة. ثم الميل إلى حشد الألفاظ المترادفة والكلمات المؤكدة دون حاجة إلى ذلك يقتضيها الموقف أو تحتاجها الفكرة. ومع ذلك تظل (نظرات) المنفلوطي من أهم المقالات التي سيقرؤها أبنا العربية وذلك لجمالها وسهولتها.

ومن المقالات التي يتجلى فيها خصائص أسلوبه وتفكيره

(الكوخ والقصر)

أنا إن كنت حاسداً أحدا على نعمة فإني أحسد صاحب الكوخ على كوخه قبل أن أحسد صاحب القصر على قصره , ولولا أن للأوهام سلطانا على النفوس لما تضاءل الفقير بين أيدي الأغنياء أن يتخذهم الفقراء أرباباً من دون الله . أنا لا أغبط الغني إلا في موطن واحد من مواطنه , إن رأيته يشبع الجائع , ويواسي الفقير , ويعود بالفضل من ماله على اليتيم الذي سلبه الدهر أباه ، والأرملة التي فجعها القدر في عائلها , ويمسح بيده دمعة البائس والمحزون , ثم أرثي له بعد ذلك في جميع مواطنه الأخرى . أرثي له إن رأيته يتربص وقوع الضائقة بالفقير ليدخل عليه مدخل الشيطان من قلب الإنسان , فيمتص الثمالة الباقية له من ماله ليسد في وجهه باب الأمل , وأرثي له إن رأيته يعتقد أن المال هو منتهى الكمال الإنساني , فلا يطمع في فضيلة , ولا يحاسب نفسه على رذيلة , وأرثي له وأبكي على عقله إن مشى الخيلاء وطاول بعنقه السماء , وسلم بإيماء الطرف , وإشارة الكف, ومشى في طريقه يخزر بعينيه خزرا ليرى هل سجد الناس لمشيته أو صعقوا من هيبته , وأرحمه الرحمة كلها إن عاش شحيحاً جعداً مقتراً على نفسه وعياله , بغيضاً إلى قومه وأهله , ينقمون عليه حياته , ويستبطئون ساعة حتفه.

أما الفقير فهو أسعد الناس عيشاً , و أروحهم بالاً، إلا إذا كان جاهلاً مخدوعاً يظن أن الغني أسعد منه حظاً , وأرغد عيشاً , وأثلج صدرا , فيحسده على النعمة التي أسبغها الله عليه, ويجلس في أسر بيته جلسة الكئيب المحزون , يصعد الزفرة فالزفرة , ويرسل العبرة فالعبرة , ولولا جهله وبلاهة عقله لعلم أن رُبَّ صاحب قصر يتمنى كوخَ الفقير وعيشه, ويرى أن ذلك السراج الضعيف الذي لا يكاد ينير نفسه أسطع ذبالاً , وأكثر لألاء من تلك الشموع الباهرات , التي تتألق بين يديه , وأن تلك الحشيّة (فراش محشو) من الشعر أو الوبر أنعم ملمساً , وألين مضجعاً من وسائد الحرير و نضائد الديباج .

ولقد بلغ الضعف وصغر النفس بكثير من الناس أنهم يحفلون بالأغنياء لأنهم أغنياء , وإن كانوا لا ينالون منهم ما يبل غلة , أو يسيغ غصة , وليت شعري إن كان لا بد لهم من إجلال المال وإعظامه حيث وجد فلم لا يقبلون أيدي الصيارفة, ولا ينهضون إجلالاً للكلاب المطوّقة بالذهب , وهم يعلمون أن لا فرق بين هؤلاء وهؤلاء . لو عامل الفقراء بخلاء الأغنياء بما يجب أن يعامَلوا به لوجدوا أنفسهم في وحشة أنفسهم , و لشعروا أن بدرات (صرر) الذهب التي يكنزونها إنما هي أساور ملتفة على أقدامهم , وأغلال آخذة بأعناقهم , ولعلموا أن الشرف في كمال الأدب , لا في رنين الذهب , وفي جلائل الأعمال لا في أحمال المال . فليعظم الناس الكرماء , وليحتقروا الأغنياء , وليعلموا أن الشرف شيء وراء الغنى والفقر , وأن السعادة أمر وراء الكوخ والقصر .

(أيها المحزون)

ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفؤود فتبتسم سرورا ببكائك واغتباطا بدموعك لأن الدموع، التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور تسجل لك في صحيفتك البيضاء أنك إنسان. إن السماء تبكي بدموع الغمام، ويخفق قلبها بلمعان البرق وتصرخ بهدير الرعد، وإن الأرض تئن بحفيف الريح وتضج بأمواج البحر وما بكاء السماء ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان ونحن أبناء الطبيعة فلنجارها في بكائها وأنينها. إن اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تريق الدماء والتي تشرح الصدور أشرف من التي تبقر البطون ….وكم بين من يحي الميت ومن يميت الحي ؟ إن الرحمة كلمة صغيرة ولكن ما بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظرها والشمس في حقيقتها .وإذا وجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناءة. لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا عار ولا مغبون ولا مهضوم ولأقفرت الجفون من المدامع ولاطمأنت الجنوب في المضاجع ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام أيها الإنسان ! أرحم الأرملة التي مات عنها زوجها ولم يترك لها غير صبية صغار ودموع غزار، أرحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهمُّ بقلبها فتؤثر الموت على الحياة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: