مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

معضلة السياق في الترجمة

Posted by amshoosh في مارس 20, 2012

معضلة السياق في الترجمة الآلية

(لطلبة الماجستير لغة عربية: مساق: ترجمة وتعريب)

                               د. مسعود عمشوش

أستاذ الأدب العام  المقارن – جامعة عدن

مقدمة

إن أي تفكير جاد للمضي قدماً في مسيرة تعريب التعليم العالي في الوطن العربي وحمايتها من الانتكاسات التي بدأت تتعرض لها بعض التجارب لن يتأتى – في اعتقادنا-  إلاّ من خلال إيجاد آليات فعالة لنقل الكم الهائل من المعارف والمعلومات الجديدة التي تظهر يومياً في مختلف اللغات الأجنبية وفي مختلف المجالات العلمية إلى اللغة العربية؛ وهو الأمر الذي يمكن أن يطمئن الباحث والأستاذ والطالب على ضمان مواكبتهم للمستجدات التي تطرأ يومياً على تخصصاتهم في حال اعتمادهم اللغة العربية في التعليم والبحث العلمي.

ولقد بات من المسلّم به أنّ المترجمين العرب لن يتمكنّوا من نقل ذلك الكم الهائل من المعارف والمعلومات الجديدة إلى اللغة العربية من دون اللجوء إلى نظم الترجمة الآلية التي لا تزال – في ما يخص اللغة العربية – تواجه عدداً كبيراً من المصاعب، وذلك بسبب تأخرنا في الإسهام في البحث الجاد في العلوم الحديثة التي تدخل في إطار المعالجة الآلية للغات الطبيعية. ولا شك أنّ تعقيد مستوى التحليل الدلالي، الذي أجمع معظم المتخصصين في اللسانيات الحاسوبية والترجمة الآلية على أنه من أصعب مراحل المعالجة الآلية للغات الطبيعية، هو السبب الرئيس للتعثرات التي تعاني منها نظم الترجمة الآلية، ليس فقط العربية بل حتى تلك المستخدمة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية. وقد استخدم بعض الأشخاص، الذين يحاولون التشكيك في إمكانية التوصل إلى ترجمة آلية تضاهي في الجودة والدقة الترجمة البشرية، معضلة السياق في التحليل الدلالي بواسطة الحاسوب للتأكيد على صواب آرائهم و-بالتالي- عل عدم جدوى اللجوء إلى الترجمة الآلية.

ومع ذلك، فالإنجازات والتطورات التي تتم منذ أكثر من عشر سنوات في مجال المعالجة الآلية للغات الطبيعية وكذلك الإضافات النظرية والتطبيقية التي أدخلت إلى اللسانيات، لاسيما تلك التي قام بها إيجور ملئوك صاحب نظرية (المعنى- النص) وفريقه في جامعة مونتريال، تمهّد للقيام بتحليلات أكثر عمقاً لمختلف جوانب اللغات الطبيعية ولمستوى التحليل الدلالي بشكل خاص.

في هذه الورقة، سنحاول، بعد أن نحدد ما نقصده بالسياق ونقدم بإيجاز أنواع الترجمة الآلية ومراحلها الإجرائية، سنشرع في عرض بعض أسباب التعثر الذي يعاني منه معظم نظم الترجمة الآلية الخاصة بالعربية المستخدمة اليوم، ثم سنقدم بعض المقترحات التي يمكن أن تسهم في حل جزء من جوانب هذه المعضلة.

(1) الســـياق والدلالــــة

انطلاقاً من التمييز الذي وضعه دي سوسير في بداية القرن العشرين بين اللغة كنظام عام للتواصل له نسقه وقواعده  ومفرداته، والكلام الذي يبرز في شكل استخدام فعلي، شفهي أو تحريري، للغة، يفرق معظم اللسانيين اليوم بين المعنى الذي ربطوه باللغة وتحديداً بالمعاجم اللغوية، وبين الدلالة التي تقع في مستوى الكلام وتتجاوز المعنى المعجمي للغة إذ تدخل  ضمن مكوناتها عناصر لغوية وغير لغوية مرتبطة بطبيعة الخطاب وزمانه ومكانه، وبشخصية المتكلم وشخصية المخاطب وما بينهما من علاقة، وكل ما يحيط بعملية التواصل من ظروف اجتماعية وثقافية.(1) واليوم يطلق على تلك العناصر:السياق. و من المعلوم أنّ عدداً من اللغويين والبلاغيين العرب، كسيبويه والجاحظ والجرجاني الذين أدركوا في وقت مبكر العلاقة القوية بين المقال، أي الخطاب أو القول، وتلك العناصر غير اللغوية المؤثرة في صياغته، قد وضعوا قبل نحو ألف عام مفهوماً يضاهي مفهوم السياق بمكوناته المذكورة؛ إنه مفهوم المقام. و قالوا: “لكل مقام مقال”.

ونجد هذه المضاهاة أيضا في كتابات تمام حسان الذي  يقول في كتابه المهم  اللغة العربية: مبناها ومعناها (ص 337) : “وفكرة المقام هذه هي المركز الذي يدور حوله علم الدلالة الوصفية في الوقت الحاضر، وهو الأساس الذي ينبني عليه الشق أو الوجه الاجتماعي من وجوه المعنى الثلاثة وهو الوجه الذي تتمثل فيه العلاقات والأحداث والظروف الاجتماعية التي تسود ساعة أداء المقال”.(2)

ولكي نحدد وظيفة السياق سيكون من المناسب أن نميز هنا بين نوعين من السياقات على الأقل وأن نحدد المستوى الذي يقع فيه تأثير كل منهما. فوفقا لتشومسكي تتداخل مجموعتان من العناصر في تحديد دلالة النص. فمن جهة هناك العناصر الصرفية والنحوية والمعجمية التي يسميها البنية السطحية للنص ومنها يتكون السياق اللغوي النصي (أو المقالي) الذي يسهم في تحديد الكيفية التي يتم بها تركيب المكونات اللغوية في النص في إطار نسقه العام الذي تكونه مجموعة القوانين والقواعد الصوتية والصرفية والنحوية والمعجمية لأي نظام لغوي.(3) وهذه القوانين النسقية تفرز عند استخدامها في سياق محدد بعض الظواهر التي لا تفرزها في سياق آخر. وقديماً قال السكوكي في كتابه مفتاح العلوم “ولكل كلمة مع صاحبتها مقام”.

 وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ تمام حسان قد قام في الفصول الثلاثة الأخيرة من كتابه المذكور برصد عدد كبير من الظواهر النسقية  التي تبرز في المستويات الصوتية والصرفية والنحوية من اللغة العربية، كالتنغيم والنقل والقلب، وأطلق عليها الظواهر السياقية. وبما أن هذه الظواهر، التي تدخل في إطار النسق (أو النظام اللغوي) وقابلة للتفسير يرى تمام حسان أنها قابلة للتصنيف والجدولة في البعدين الأفقي والرأسي. لكنه يستبعد في الوقت نفسه إمكانية إدخال المعجم اللغوي في إطار النظام النسقي لأي لغة وبالتالي إمكانية جدولته. فهو يكتب (ص 316): “والمعجم جزء من اللغة لا من الكلام، ومحتوياته الكلمات التي هي مختزنة في ذهن المجتمع أو مقيدة في جلدتي المعجم، وهي صامتة في كلتا الحالتين. وحين يتكلم الفرد يغترف من هذا المعين الصامت فيصيّر الكلمات ألفاظاً ويصوغها بحسب الأنظمة اللغوية. فالمتكلم إذن يحول الكلمات من وادي القوة إلى وادي الفعل. وبعد قليل نفصل القول في أن معنى الكلمة في المعجم متعدد ومحتمل ولكن معنى اللفظ في السياق واحد لا يتعدد بسبب ما في السياق من قرائن تعين التحديد، وارتباط كل سياق بمقام معين يحدد في ضوء القرائن الحالية”. ويقول أيضاً:”وواضح أن المعجم لا يمكن أن يوضع في صورة جدول لأنة كما قلنا تنقصه العلاقات العضوية بين مكوناته، ومن شروط إمكان  وضع أي جدول أن يكون بين مكوناته هذه العلاقات العضوية كما ذكرنا. وإذا كان المعجم غير قابل للجدولة فلا يمكن أن يكون نظاماً لغوياً”.(4)

ومن جهة أخرى، يوجد السياق الاجتماعي الثقافي الذي يشكل البنية التحتية التي يصدر منها وفيها النص، والذي يصعب الوصول إلى مكوناته جميعاً. فإذا كان المرسل ينتج النص في سياق اجتماعي ثقافي معيّن، فهذا لا يعني أن المرسل قد تمثّل حقاً مختلف مكونات ذلك السياق، لهذا فالذي دخل في تحديد دلالة النص إنما هو تمثل المرسل الذاتي للسياق. وكذلك المتلقي، فهو في سعيه للوصول إلى دلالة النص، لا يستطيع دائما الإلمام بمختلف مكونات السياق الذي أنتج فيه النص. و يصل في الواقع إلى الدلالة التي يعدها صحيحة  أو على الأقل مقبولة لأنها تقترب أكثر من المعطيات السياقية المخزنة في ذاكرته. و إذا اقتنع بتلك الدلالة، فالأرجح أنه لن يبحث عن معلومات سياقية أخرى تتطلب منه بحثاً إضافياً للوصول إلى معلومات سياقية لا يمكن الوصول إليها مباشرة لأنها تتعلق بعصر ماض أو شعب آخر. لهذا فالسياق الاجتماعي الثقافي الذي ينتج فيه النص ويُتلقىّ هو سياق ذاتي في أحد أبعاده.

 ويمكن أن نشير هنا إلى أن ربوت شولز في كتابه ” البنيوية في الأدب SRUCTRALISM IN LITERATURE ” ( 1964)  قد أعطى تعريفاً للنسق اللغوي نقله عنه الدكتور عبد الرحمن حمودة في كتابه ( المرايا المحدبة : من البنيوية إلى التفكيك ) على النحو الآتي: “النسق هو مجموعة القوانين والقواعد العامة التي تحكم الإنتاج الفردي للنوع [ اللغوي ] وتمكنه من الدلالة. ولما كان النسق تشترك في إنتاجه الظروف والقوى الاجتماعية والثقافية من ناحية، والإنتاج الفردي للنوع من ناحية أخرى، وهو إنتاج لا ينفصل هو الآخر عن الظروف الاجتماعية والثقافية السائدة، فإن النسق ليس نظاما ثابتا وجامداً. إنه ذاتي التنظيم من جهة، ومتغير يتكيف مع الظروف الجديدة من جهة ثانية.(5)

 

(1) أنواع الترجمة الآلية ومراحلها الإجرائية:

“الترجمة الآلية” مصطلحٌ اتفق عليه لتسمية النظم الحاسوبية التي تقوم بنقل النصوص من إحدى اللغات الطبيعية إلى لغة أو لغات طبيعية أخرى. واليوم هناك أنواع عدة من نظم الترجمة الآلية تصنف عادةً أما وفقاً لمراحلها الإجرائية، أو وفقاً لعدد اللغات المعالجة (ثنائية أو متعددة)، أو وفقاً للمستخدم حيث نجد نظماً مخصصة للمؤلف وأخرى للمترجم أو المنقح أو الراصد.

وقد اعتمدت الترجمة الآلية في أول عهدها – من خمسينات القرن الماضي إلى سبعيناته- على أسلوب مباشر في النقل من لغة إلى أخرى، وهو أسلوب يرتكز على المقابلة المعجمية المباشرة بين مفردات اللغة المصدر ومفردات اللغة الهدف. ولم يعرف هذا النوع من الترجمة الآلية، الذي أطلق عليه “الترجمة الآلية المباشرة” تحليلاً عميقاً لمكونات المفردة أو الجملة.

وتنبّه الباحثون في مجال علم اللغة وعلم الترجمة واللسانيات الحاسوبية إلى عيوب هذا النوع من الترجمة وتوصلوا، بفضل تضافر جهودهم، إلى تصميم نوعين من نظم الترجمة الآلية غير المباشرة. في النوع الأول، الذي يعرف بالترجمة باستخدام اللغة الوسيطة (أو بالترجمة الوسيطية)، يتم أولاً تحليل النص في اللغة المصدر وتحويل عناصره إلى بنى لغوية نموذجية وسيطة صممت بشكل تجريدي محايد لاستيعاب عناصر مختلف النصوص في مختلف اللغات. وبعد ذلك، يتم – انطلاقاً من ذلك التوزيع- توليد مباشر للنص في اللغة أو اللغات الهدف.

أما في النوع الآخر من الترجمة الآلية غير المباشرة، الذي يسمى الترجمة التحويلية –وهو الأحدث تاريخياً-، فبعد مرحلة تحليل النص في اللغة المصدر يتم توزيع عناصره على بنى نموذجية خاصة باللغة المصدر نفسها، ثم يتم في مرحلة ثانية تحويل أو نقل هذه العناصر إلى بنى لغوية نموذجية خاصة باللغة الهدف ومكافئة للبنى الخاصة باللغة المصدر. ومن هذه البنى يتم توليد النص مترجماً في اللغة الهدف. ويمكن توضيح الفرق بين هذه الأنواع الثلاثة من نظم الترجمة الآلية بواسطة التوزيع الهرمي الآتي:(6)

تعتمد الترجمة الآلية على أنظمة وبرامج تحلل بشكل آلـي مختلف العناصر البنيوية والدلالية المكونة للنص اللغوي وتقوم بوضع جدولة شاملة ومتماسكة وواضحة لمجموعة القواعد التي تأسس عليها النص مستخدمة في ذلك تقنيات المعالجة الآلية للغات الطبيعية.

 في فترة أولى كانت المعالجة الآلية للغات الطبيعية التي تتداخل فيها تخصصات متنوعة أهمها علم اللغة واللسانيات الحاسوبية (التي تقع في إطار علوم الذكاء الاصطناعي) تقتصر على التحليل الشكلي للنص في المستوى الصرفي والمستوى النحوي. وفي فترة لاحقة أضيف مستوى التحليل الدلالي الذي يتولى مهمة الوصول إلى الدلالة في مستوى الجملة، ثم مستوى التحليل البراجماتي (7)، الذي يرتبط بالبحث عن الدلالة في  مستوى النص.( 8)  وفي الواقع لم يتم حتى الآن وضع حدود فاصلة بين اختصاصات المحلل الدلالي والمحلل البراجماتي اللذان يسعيان معاً إلى تحقيق الفهم الصحيح للنص. وبشكل مؤقت يمكننا أن نقرّب هنا بين التحليل الدلالي وما يسميه تمام حسان بالمعنى المقالي الذي نربطه هكذا بمستوى السياق اللغوي النصي، وبين التحليل البراجماتي والمعنى المقامي الذي نربطه بالسياق الاجتماعي الثقافي.(9)  ومنذ بضع سنوات أصبح المستوى الصوتي يحتل مكانة مهمة في المختبرات المتخصصة في تصميم برامج معالجة النصوص اللغوية.

وبالنسبة للمجالات الأخرى التي توظف فيها تقنيات المعالجة الآلية للغات الطبيعية، فهي، بالإضافة إلى تصميم قواعد البيانات والفهارس، تستخدم في وضع الملاحق والملخصات، وفي العمليات الإحصائية الخاصة بالنصوص الطويلة.

 وفي ما يتعلق بنظم الترجمة الآلية الحديثة، التي تُنفذ عادةً في ثلاث مراحل إجرائية- التحليل والتحويل والتوليد – تتم  عملية التحليل في ثلاثة مستويات فقط حيث  يتم دمج التحليل الدلالي والتحليل البراجماتي في مستوى واحد هو مستوى التحليل الدلالي:

1-  مستوى التحليل الصرفي الذي يقع في المرحلة الأولى من مراحل التحليل ويتم فيه تفكيك كل جملة من جمل النص وجدولة مفرداتها وعلامة الترقيم التي تنهيها، ثم يتم التعرف على الخصائص الصرفية والنحوية والمعجمية وذلك من خلال الاعتماد على معاجم أحادية اللغة عامة ومتخصصة، ومعاجم المصطلحات والعبارات الاصطلاحية والمسكوكة، ودوائر المعارف.

2-  مستوى التحليل النحوي، وفيه يتم التحديد النحوي الوظيفي لكل عنصر من عناصر الجملة أو شبه الجملة بما يتوافق والقواعد القياسية للغة المعنية، ويفضي هذا التحديد إلى توزيع شجري – يراعى فيه التسلسل والترابط والتركيب-  لتلك العناصر تمهيداً لتثبيتها في البنى النموذجية الوسيطية أو الخاصة باللغة المصدر. وفي هذا المستوى يقلص حجم حالات اللبس التي لم تحل في مستوى التحليل الصرفي وذلك بعد أن استبعدت بعض الخيارات بسبب عدم مناسبتها للبنية النحوية للجملة.

ومن المعلوم أن نظام المعالجة الآلية يسعى في المرحلتين الثانية والثالثة من التحليل إلى حل اللبس الذي لم يتمكن من فكه في المرحلة السابقة.

3– مستوى التحليل الدلالي: وهو يهدف إلى الوصول إلى الدلالة الخاصة بالجملة وبالنص ككل، وذلك من خلال تحديد موقع كل عنصر من عناصره في السياق بمستوييه: اللغوي النصي والاجتماعي الثقافي، ومن خلال استخدام معاجم الكترونية تستطيع التعرف على مختلف الخصائص الصرفية والنحوية والمعجمية والدلالية للمفردة أو العنصر اللغوي وتصنيفها في جداول هرمية وشبكية، والتمييز بشكل آلي مثلاً بين الجامد والحي، والفيزيائي والمجرد، والمتحرك والثابت. ومن خلال التعرف على تلك الخصائص وغيرها من المميزات التي تصبح بمثابة “قرائن” يتمكن المعالج الآلي بواسطتها أن يستبعد الخيارات الدلالية لعنصر ما يكتشف أنها لا تتناسب مع مجموعة العناصر اللغوية وغير اللغوية الأخرى المحيطة بهذا العنصر سواء كان مفردة أو جملة. وهذا يعني أن المحلل الدلالي يعمل على إزالة أكبر قدر من حالات اللبس التي ظلت عالقة بالنص في مراحل التحليل السابقة.

(3) نظم الترجمة الآلية الخاصة بالعربية وبعض أسباب تعثرها:

قبل أن نربط بين معضلة السياق وتعثر نظم الترجمة الآلية الخاصة باللغة العربية، سيكون من المناسب أن نبيّن إنّ السياق، بمستوييه اللغوي والاجتماعي، ما زال يشكل معضلة  تواجهها نظم الترجمة الآلية في مختلف اللغات. فمثلاً، لكي نترجم كلمة (avocats) في الجملة الفرنسية الآتية: (certains avocats sont pourris) ينبغي علينا أن نعرف أولاً من خلال السياق أي ترجمة نختار (بعض المحامين فاسدون أو بعض ثمرات كمثري التمساح فاسدة) إذ أن كلمة (avocats)  تعني في الفرنسية (محامي وثمرة كمثري التمساح). وقد أكّد على ذلك محمود إسماعيل صالح، أستاذ اللسانيات التطبيقية في جامعة الملك سعود، في دراسته عن (الاتجاهات المعاصرة في حركة الترجمة في العالم) التي قال فيها إن “أحد عيوب الترجمة الآلية في العالم يكمن في الصعوبات التي يواجهها الحاسوب مع الكلمات المتعددة المعاني والتعبيرات الاصطلاحية والاستعمالات المجازية للغة، ثم التعامل مع الضمائر العائدة إلى أسماء سابقة ولاحقة، وقضايا التطابق بين مكونات الجمل والتعبيرات، والتفريق بين ما يتطلب ترجمة حرفية أو دلالية وبين ما يتطلب تعادلاً وظيفياً. ولعل من أسباب هذه المشكلات التي تواجهها الترجمة الآلية صعوبة برمجة الحس العام (common sense) وتحديد دور السياقين اللفظي والموقفي الأمر الذي هو متاح للمترجم البشري الخبير”. (10)

ويؤكد حسن الشريف في سنة 1998، في نهاية “تقرير المسح عن الترجمة الآلية في الوطن العربي” الذي قدمه إلى ندوة “نحو إنشاء مؤسسة عربية للترجمة” أنه “تتوافر في الأسواق بعض البرمجيات للترجمة من اللغة الإنكليزية إلى اللغة العربية، ويمكن اعتبار هذه البرمجيات مســـاعدة أساسية للترجمة إلى اللغة العربية، لكنها جميعها تحتاج إلى مراجعة وتدقيق من قبل مترجم إنسان لإزالة اللبس وتجميل النص العربي المولد” ويضيف: ” من الأفضل في المرحلة الحالية التحدث عن الترجمة بمساعدة الحاسوب وعن أدواتها المساعدة، المتوفرة بشكل واسع في مختلف اللغات، بدلاً من الحديث عن ترجمة آلية كاملة” (11)

ويقرر ذلك أيضاً أ. د. سلمان داود الواسطي الذي يضمّن بحثه حول “التفاعل بين الإنسان والآلة في الترجمة الحاسوبية” رأي سعد عبد الستار المتخصص في اللسانيات الحاسوبية الذي يؤكد على دور جهل الحاسوب بالسياق في تدني مستوى الترجمة الآلية في مقابل الترجمة البشرية حيث يقول: “مهما اختلفت أساليب واستراتيجيات الترجمة الآلية، تبقى صعوبات ومعوقات تواجه الحاسوب خلال عمليات الترجمة. فالإنسان لديه القدرات الذاتية والمعارف الآنية والمقامية والمعرفة بالموضوع وهي تساعده في إنجاز الترجمة الصحيحة”. وفي نهاية هذا البحث الذي أعد في نهاية عام 2000، يكتب الأستاذ  سلمان الواسطي: “وعلى الرغم من هذه المحاولات التحسينية كلها، تبقى نوعية النتاج، في الترجمة الآلية كلياً، أي التي لا يساعد الإنسان فيها الآلة، قاصرة في كثير من الحقول المعرفية، عن الترجمة البشرية، في دقتها ودرجة الوثوق بها والتعويل عليها”.(12)

لكن من المؤكد أن نظم الترجمة الآلية الخاصة باللغة العربية قد طرأ عليها بعض التحسن خلال السنوات القليلة الماضية لاسيما تلك التي تترجم من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، حيث استطاعت الشركات المصنعة لبرامج الترجمة من هذه اللغة باتجاه اللغة العربية أن تحسن من مستواها بشكل ملحوظ. فشركة  ATA (لندن)، مثلاً، قامت في مطلع هذا العام بإصدار نسخ جديدة ومطورة من برامج الوافي الشهيرة للترجمة من اللغة الإنجليزية إلى العربية تضم برنامج الوافي الجديد 3 ، وبرنامج الوافي الذهبي إضافة إلى برنامج المترجم العربي 3 . وتمتلك هذه الإصدارات إمكانيات جديدة مهمة تشكل قفزة كبيرة في قدرات الترجمة من الإنجليزية إلى العربية. ويؤكد محمد المرزوق مدير (مؤسسة المرزوق للتقنية والمعلومات) التي تمثل شركة ATA في المملكة العربية السعودية أن “برامج الوافي تضم معجما إنجليزي-عربي  بـ  500 ألف كلمة، و يمتاز عن غيره من المعاجم الموجودة بالسوق، والتي هي مع الأسف مجرد عملية قص ولصق لقواميس ورقية، وتم إعدادها منذ سنوات دون تجديد حقيقي، بطريقة تصميمه؛ إذ تم إعداده في الأصل من قبل متخصصين وخبراء يعملون في معالجة اللغة والترجمة على الكومبيوتر وعلى رأسهم الخبير  الدكتور عدنان وال  الذي يعد من أوائل الخبرات العربية التي وضعت أسس علم الترجمة الآلية. وفي الوافي الجديد الوافي الجديد (V 3) أضيفت كلمات جديدة ويضم القاموس التابع له مليون ونصف المليون كلمة. ويوجد في البرنامج خيار لإظهار حركات الحروف العربية، ومراجعة النص جملة جملة ويعطي الكلمات المرادفة لبعض الكلمات. أما برنامج الوافي الذهبي فيضم نفس ميزات الوافي الجديد إضافة إلى ميزات جديدة منها إمكانية ترجمة عدة ملفات في وقت واحد، كما يضم البرنامج  9معاجم علمية متخصصة في الطب، والبيطرة، والأحياء ( نبات وحيوان )، والفيزياء، والرياضيات والإحصاء، والكيمياء، والهندسة، وعلوم الأرض وعلوم أخرى. ويوجد في هذه المعاجم أكثر من مليوني كلمة”.

وعندما حاولنا، في شهر يوليو الماضي 2002، تجربة برنامج (الوافي الذهبي) وطلبنا منه ترجمة الجملتين الآتيتين: “the book is long. And many problems face me in this chapter “، حصلنا على هذه الترجمة المرضية: “إنّ الكتاب طويل. والعديد من المشاكل تواجهني في هذا الفصل”. لكن حينما طلبنا من برنامج آخر أن يترجم لنا من اللغة العربية إلى اللغة الإنجليزية الجملتين الآتيتين: “الكتاب طويل. وتواجهني صعوبات كثيرة في هذا الفصل”، لم نحصل إلا على  ما يأتي: “The difficulties of many meet me face to face in this separation” ” !!

ويمكن أن نذكر هنا أن محمد عزا لدين، مدير شركة  CIMOS(فرنسا) قد أكد، خلال تقديمه لتجربة شركته في ندوة “الترجمة في الوطن العربي: نحو إنشاء مؤسسة عربية للترجمة” أن برنامج “الناقل العربي للترجمة الآلية” يتصدى فعلاً لمعضلة مرحلة التحليل الدلالي إذ يقول: “يصب اهتمام معظم برامج الترجمة الآلية في التحليل الصرفي والنحوي للجملة العربية، وليس هناك حالياً برامج تعالج التحليل الدلالي. ولسد هذا العجز صممنا برنامج الناقل العربي ليكون أول برنامج يعالج هذه المشكلة ويقدم حلولاً مرضية”. ومع ذلك يعترف محمد عزا لدين في نهاية تقديمه (1998) بوجود معضلة السياق التي تحتم تدخل الإنسان، أي اللجوء إلى الترجمة التفاعلية، لحل بعض حالات اللبس التي تبرز بسببها. فهو يقول: “وفي جميع الحالات المذكورة يمكن للمترجم البشري فضلاً عن الاختيارات الدلالية التي يقدمها برنامج الناقل العربي أن يعدل أو يضيف معنى آخر بحسب سياق النص. وهذا ما يسمى بالترجمة التفاعلية. ففي الجملة “إنه كريم” لا يمكننا أن نعرف ما إذا كان كريم اسم علم أم صفة. وفي غياب دلالات صرفية ونحوية لرفع الالتباس لا بد من تدخل بشري. فهذه المعاني لا يحددها إلا سياق الجملة أو الفقرة أو موضوع النص. ويمكن للمترجم أن يعدل اختيار البرنامج بواسطة الترجمة التفاعلية”.(13)

ومن هذا كله نستنتج أن مستوى التحليل الدلالي المزدوج، الذي يزعم مصممو نظم الترجمة الآلية أنه قد أدخل في مكونات برامجهم، ما زال يواجه كثيراً من المعضلات والتحديات. فإذا كان بالإمكان جدولة الخصائص الصرفية والصوتية والنحوية، فالمعجميون لم يتوصلوا حتى اليوم إلاّ إلى وضع معجم الكتروني يحتوي على مختلف المعاني التي يمكن أن تلصق بأي مفردة. وفي الحقيقة المعاجم التقليدية في معظم اللغات تشمل عادةً المعاني المتعددة للمفردة الواحدة. فالمعجم الفرنســــي  Le Petit Robert) )  مثلاً يضم أكثر من 600000 معنى لأقل من 30000 مفردة. لهذا فمعظم حالات اللبس تبرز أساساً لعدم قدرة البرنامج الآلي للترجمة على اختيار المعنى المناسب للكلمة التي تمتلك عدة معاني. وقد رأينا كيف تُرجمت كلمة “فصل” في المثال الذي قدمناه بكلمة separation، في الوقت الذي كان السياق يطلب كلمة   chapter.

ومما لاشك فيه أن معضلة السياق الثقافي ستظل ولفترة طويلة واحدة من أهم تعثرات نظم الترجمة الآلية في مختلف اللغات. فنحن إذا افترضنا أننا سنتمكن قريباً، على الأرجح، من جدولة مكونات السياق اللغوي للنص وبرمجتها في معجم آلي متطور، لن يكون من السهل علينا جدولة مكونات السياق الاجتماعي الثقافي للنص وبرمجتها في النظام الآلي إذا كان المترجم البشري نفسه لا يستطيع أن الوصول إلى هذه المكونات السياقية التي هي – كما ذكرنا – ذاتية في أحد أبعادها، والتي تقع أيضاً وراء “الخيانة” التي يتهم بها عادة المترجم البشري. فالمترجمة آمال فريد تقول أن السبب الأول لخيانة النصوص هو جهل المترجم بالسياق الثقافي للنص الذي يترجمه, وتستدل على ذلك بالترجمة الفرنسية لرواية (أولاد حارتنا) لنجيب محفوظ الذي قام بها أستاذ فرنسي من جامعة السوربون. “فبما أنه يجهل كل شئ عن السياق التاريخي والاجتماعي والثقافي للرواية فقد جاءت ترجمته مكتظة بالأخطاء على المستوى الحضاري وحتى على المستوى اللغوي”.(14)

 (4) مقترحات ببعض الحلول:

من المؤكد أن تقليص عدد حالات اللبس في مستوى التحليل الدلالي لا يرتبط بمشكلة المعجم ومعضلة السياق فقط. فكثير من حالات اللبس التي تظل عالقة بالنص المترجم، يتم توريثها من المستويين الصرفي والنحوي. ولتقليص حالات اللبس في مستوى التحليل الدلالي ينبغي أولاً البحث عن وسائل فعالة للتحليل في المستوى الصرفي وفي المستوى النحوي. وأولى تلك الوسائل تكمن في الشروع في وضع نحو وظيفي للغة العربية مبني على أسس دلالية وصرفية، ويعتمد على توزيع شجري لمتخلف مكونات الجملة العربية التي ينبغي تحليل بنياتها المختلفة ووصفها بصورة دقيقة. وينبغي أن يحتوي هذا النحو بعداً لغوياً عاماً من خلال تضمينه مقابلات بين بنيات الجملة العربية وبنيات الجملة في اللغات الأخرى. فهذه المقابلات يمكن أن تمهّد لعمليات التحويل من (أو إلى) البنى والنماذج اللغوية الوسيطية أو الخاصة بإحدى اللغات الأجنبية. وسيكون من المستحسن حث كل من يكتب بالعربية في أحد المجالات غير الإبداعية على استخدام لغة عربية مضبوطة يتم فيها التمييز إملائياً بين الصفة والاسم من جهة واسم العلم من جهة أخرى. (15)

أما بالنسبة لإيجاد حل لمستوى التحليل الدلالي – البراجماتي المرتبط بمعضلة السياق مباشرةً، فيجب علينا الاستفادة من تجارب الآخرين وتحديداً من نتائج الأبحاث التي يقوم بها إيجور ملئوك وفريقه في جامعة مونتريال،(16) والتفكير جدياً في تصميم (معجم تفسيري مجدول Dictionnaire explicatif et combinatoire) للغة العربية يحتوي على مختلف الخصائص الصرفية والنحوية والمعجمية والدلالية ليس لمفردات اللغة العربية فقط لكن أيضاً لمختلف المفاهيم وأسماء العلم والعبارات المسكوكة والكلمات التخصصية والدخيلة، ويحتوي كذلك على جدولة كاملة تشمل مختلف المعاني التي يمكن أن تلصق بأي من هذه العناصر في أي سياق صرفي ونحوي ونصي واجتماعي، وقادر على واختيار المعنى المناسب للكلمة وفقاً لسياق النص بطريقة آلية أيضاً. ولاشك أن وضع مثل هذا المعجم الآلي (أو المكنز) الذي يفترض أنه يمكن حصر – ثم جدولة- مختلف مكونات السياق اللغوي النصي وكذلك السياق الاجتماعي الثقافي، والذي يمكن اعتماده للانطلاق في الترجمة من اللغة العربية أو إليها باتجاه أي لغة أجنبية، يتطلب تضافر جهود فريق متخصص من علماء اللغة والحاسوب والترجمة. ونرى أنّ مشروع الأستاذ محمد محمد حلمي هليل، من جامعة الكويت، لتصميم معجم جديد للترجمة من العربية إلى الإنجليزية مبني على غرار المعجم الإنجليزي ( (Collis COBUILDويعطي اهتماما بما يسميه المعنى السياقي والمعنى (الغرضي pragmatic) (17)، يمكن أن يشكل نواة للمعجم التفسيري المجدول للغة العربية.

الهوامش:

(1)                        انظر: مسعود عمشوش “اللغة والكلام والمعنى والدلالة”، في مجلة (الثقافة

            الجديدة)  العدد 4، 1984

 (2)  تمام حسان:  اللغة العربية: مبناها ومعناها، القاهرة، ص337

(3) انظر تشومسكي:N. Chomsky: Current Issues in Linguistic

 Theory, Mouton, Le Hague, 1964

(4) تمام حسان، مرجع مذكور ص 314 و316

(5) عبد الرحمن حمودة: المرايا المحدبة: من البنيوية إلى التفكيك”، سلسلة عالم

      المعرفة، العدد 232، نيسان 1998، الكويت، ص :223

(6) انظر أيضاً عبدالله حمد الحميدان: مقدمة في الترجمة الآلية، مكتبة

      العكيبان، الرياض 2001،  ص 126

        (7)  هناك أكثر من ترجمة عربية لهذه الكلمة، أهمها: الذرائعية  والنفعية والاتصالية

 (8)  يتقاطع هذا التحديد للتحليل البراجماتي مع التحليل السيميائي الذي يدخل ضمن

       آليات تحليل الخطاب أو لسانيات ما بعد الجملة انظر أحمد يوسف مجلة (نزوى)

        العدد 12

 (9)  ومنذ بضع سنوات أصبح المستوى الصوتي يحتل مكانة مهمة في المختبرات

        المتخصصة في تصميم برامج معالجة النصوص اللغوية.

 (10) انظر الترجمة في الوطن العربي: نحو إنشاء مؤسسة عربية للترجمة، مركز

            دراسات الوحدة العربية، بيروت 2000  ص 145-146

 (11) انظر الترجمة في الوطن العربي: نحو إنشاء مؤسسة عربية للترجمة، مركز

            دراسات الوحدة العربية، بيروت 2000  ص 174 و 193

                (12) انظر نص البحث في موقع المركز العربي للتعريب والترجمة والتأليف

           والنشر في شبكة الانترنيت.

  (13) انظر الترجمة في الوطن العربي: نحو إنشاء مؤسسة عربية للترجمة، مركز

            دراسات الوحدة العربية، بيروت 2000 ، ص 321 و 323.

  (14) انظر:   صحيفة (البيان) الإماراتية، 26  نوفمبر 2000

 (15) حول اللغة المضبوطة، انظر جون هتشنز “تطوير نظم الترجمة الآلية وأدوات

        الترجمة التي تستخدم الحاسوب ..” في (الترجمة في الوطن العربي: نحو إنشاء

        مؤسسة عربية للترجمة)  مركز  دراسات الوحدة العربية، بيروت 2000  ص

        242.

 (16) في ما يتعلق بنظرية المعنى النص، انظر:

-I. A. Mel’cuk: Vers une linguistique Sens-Texte

Collège de France, 1997.

-A. Polguère: La Théorie Sens-Texte,

 Chicoutimi, 1998

 (17) انظر، محمد محمد حلمي هليل: ” في طور التنفيذ: معجم جديد للترجمة من

        العربية إلى الإنجليزية” في المجلد الثامن والعشرين من مجلة (عالم الفكر)،

        مارس 2000، ص 223-249.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: