مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

Posted by amshoosh في مارس 20, 2012

دور الترجمة في البحث العلمي في جامعة عدن

 أ.د. مسعود سعيد عمشوش

كلية الآداب،

  مقدمة:

يركز المهتمون بشؤون الترجمة على دور الترجمة في المثاقفة، أي في التواصل بين مختلف الثقافات والشعوب على مر العصور. لهذا تعتبر الترجمة اليوم أحد أهم ميادين البحث التي يؤطرها أحد فروع الدراسات الأدبية الحديثة : الأدب المقارن الذي يتناول علاقات التأثر والتأثير وصلات التشابه والتماثل في أدبين قوميين مختلفين أو أكثر. بالمقابل، وبالرغم من الدور الكبير الذي تضطلع به الترجمة في مجال نقل المعرفة وفي ميدان البحث العلمي، لم نستطع ان نرصد إلا دراسة قصيرة واحدة تتناول العلاقة بين الترجمة والبحث العلمي(1). اما الكتب المتعلقة بمناهج البحث العلمي فتغفل حتى مجرد الإشارة إلى كيفية استخدام وتوظيف المراجع والمصادر الأجنبية. ومع ذلك، من المسلم به ان البحوث العلمية التي تنجز في وقتنا الحاضر لاتنطلق من الصفر، بل ترتكز على تراكم معرفي واسع حققته أعداد كبيرة من البحوث والدراسات السابقة الموجودة في لغات مختلفة. لهذا يلاحظ ان كثيرا من الباحثين يسعون الى اكتساب عدة لغات للإطلاع على أكبر قدر من المراجع. كما ان معظم المؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية أنشأت أطرا متخصصة للإشراف على الترجمة في شتى مجالات العلم والمعرفة وذلك لإيمانهم بأن الترجمة تشكل إحدى ركائز التعليم العالي والبحث العلمي.

من ناحية أخرى، تشير نتائج بحث ميداني قمنا به بين أوساط مايقارب مئة من اعضاء الهيئة التعليمية في جامعة عدن إلى ان معظم هؤلاء المدرسين قد حضروا دراساتهم العليا بلغة أجنبية، وأنهم يعودون الى المراجع الأجنبية عند قيامهم بالبحوث العلمية أو إعداد المحاضرات.

في الجزء الأول من هذه الدراسة، سنحاول ان نبرز دور الترجمة في اعداد البحوث العلمية وذلك من خلال تقييم “البعد الترجمي” في عدد من البحوث التي ا نجزها عدد من اعضاء الهيئة التدريسية في جامعة عدن وقاموا بنشرها في المجلات العلمية التي تصدرها الجامعة او في وثائق الندوات التي نظمتها جامعة عدن. ولكي نبرز اهمية الترجمة وقيمتها العلمية، سنقوم في الجزء الثاني من دراستنا بتحديد الشروط والمواصفات التي يجب ان تتوافر في كل ترجمة علمية اصلية، وبعد ذلك سنرصد مدى إلتزام اعمال الترجمة التي انجزت في إطار جامعة عدن لشروط “الترجمة البحثية”.

أولا : الأبعاد الترجمية للبحث العلمي

          تتسم تعاريف البحث العلمي تارة بالشمولية، وتارة أخرى بالتحديد الضيق وعدم الموضوعية، إذ يحاول كل باحث أن يضع للبحث العلمي تعريفاً يجعل من تخصصه محوراً لمجمل العملية البحثية. لهذا لن يكون من السهل إيجاد تعريف عام يحظى بالقبول لدى جميع الباحثين. في كتابه “العلم والمشتغلون بالبحث العلمي في المجتمع الحديث”(2)، يعرف جون ديكنسون البحث العلمي بأنه “استقصاء دقيق في سبيل زيادة مجموع المعرفة”. أما  د. صالحة سنقر ، فتضيف إلى    ” زيادة المعرفة” إعادة النظر في المسلمات. فهي ترى أن البحث العلمي “استقصاء دقيق، نافذ وشامل، يهدف إلى تحصيل حقائق جديدة، تساعد على وضع فرض جديد موضع الإختبار ، أو مراجعة نتائج مسلم بها”(3).

          هذا التعريف الأخير يجعل من الأصالة أو “الجدة” سمة نسبية في البحث العلمي، ويربط النشاط البحثي بمجموع المعارف المتراكمة سلفا. فعلمياً لايمكن الوصول إلى الجديد بواسطة الوحي أو الإلهام العفوي، بل أن كل اكتشاف او اختراع لايأتي إلا نتيجة قراءة استقصائية واعية ومتأنية للتراكم العلمي والمعرفي الموجود في مختلف اللغات وعند مختلف الأمم.

          إذا ما سلمنا بأن جميع أنواع البحث العلمي-الأساسية والتطبيقية–تقوم على مناهج علمية تعتمد على القراءة والنقد والمراجعة لكل ماهو مكتوب حول موضوع البحث، سيكون من اللازم علينا الإعتراف بأن على الباحث أن يتجاوز لغتة الأم أو لغة البحث للشروع في قراءته الأستقصائية لكل ما انجز في مجال بحثة. فاليوم، لايوجد مجال بحثي موقوف لفئة معينة. فحتى المواضيع ذات الصبغة المحلية تجد دائماً من يهتم بها ويدرسها في بقاع ولغات مختلفة. هل يمكن اليوم التفكير في القيام ببحث عن الحضارة اليمنية دون الرجوع إلى عشرات المراجع والمصادر الفرنسية والألمانية مثلا ؟ … ولاشك أن الحاجة إلى العودة للمراجع الأجنبية وتوظيفها – وبالتالي الترجمة منها – تزداد عندما يعتمد الباحث، جزئيا أو كليا، على المنهج المقارن .

          من خلال قراءتنا لواقع البحث العلمي في جامعة من خلال استبيان قام بتملئته نحو مئة من أعضاء هيئة التدريس في جامعة عدن وقراءة لعدد من البحوث المنشورة في إطار الجامعة، استطعنا ان نميز في تلك البحوث ثلاثة أنماط من حيث حجم البعد الترجمي الذي تحتوية :

–         بحوث يختفي فيها البعد الترجمي ،

–         بحوث ذات بعد ترجمي متوسط ،

–         بحوث ذات بعد ترجمي واسع .

          في مجال العلوم والطب والهندسة توجد إجابات كثيرة يؤكد أصحابها أنهم لم يقوموا بإعداد أي بحث باللغة العربية، ولايستخدمون في بحوثهم إلا المصادر والمراجع باللغة الأجنبية . ويجيبون كذلك بالنفي على السؤال التالي : هل تستخدم مراجع ومصادر مترجمة إلى اللغة العربية؟ ونجد صدى وتأكيداً لهذا النوع من الإجابات عند قراءتنا لأعداد “مجلة العلوم الطبيعية والتطبيقية” التي تصدرها جامعة عدن. ففي هذه المجلة العلمية الدورية المحكمة تقارب نسبة البحوث المكتوبة باللغة الانجليزية الى 100% . في هذا النوع من البحوث يختفي بالطبع البعد الترجمي تماما.

          ويختفي البعد الترجمي كذلك من عدد آخر من البحوث المكتوبة باللغة العربية والتي تعالج مواضيع في العلوم الإجتماعية والإنسانية، حيث لاحظنا أن عدداً من الباحثين ينفون استخدام المراجع المكتوبة باللغة الأجنبية وكذلك إعداد أي بحث باللغة الأجنبية بالرغم من ان بعضهم قام بتحضير دراستة العليا باللغة الروسية أو باللغة الألمانية. ويؤكد جزء من هؤلاء الباحثين أنهم يستخدمون مراجع اجنبية قام غيرهم بترجمتها الى اللغة العربية. وكصدى لهذه المعطيات الاستبيانية وجدنا في “مجلة العلوم الاجتماعية والانسانية”، وفي مجلة “اليمن” ومجلة “سبأ”، بحوثاً لم يستخدم فيها أي مرجع أو مصدر أجنبي لا في لغته الأصلية ولا مترجما إلى العربية. وقد بدا لنا هذا الأمر مقبولاً نوعاً ما في بعض البحوث التي تتناول مواضيع محلية او عربية كحياة العلامة  الشاعر أبي بكر بن شهاب أو تجربة الشاعر محمد سعيد جرادة أو سيرة ومغازي النبي (صلعم). بالمقابل لا يمكننا إلا أن نعبر عن دهشتنا عندما نلاحظ الغياب أي مرجع أجنبي في بحوث تتناول مواضيع تفترض – في رأينا – العودة إلى كثير من المراجع والمصادر الأجنبية مثل تلك التي تتناول الأهمية الإستراتيجية لميناء عدن او البحر الأحمر والمنافسة الدولية حولهما، وكذلك البحوث التي تدرس علاقات التأثر والتأثير بين الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية وكافة قضايا الإستشراق. ونرى ان غياب المراجع الأجنبية في مثل هذا النوع من البحوث أو اعتمادها على ترجمات تعود في الغالب إلى ما قبل الثمانينات تحد من قيمتها العلمية إذ أنها قد تميل إلى تكرار استخلاصات ونتائج سابقة .

          أما فيما يتعلق بالبحوث التي تحتوي على بعدٍ ترجمي متوسط، فهي تشكل معظم البحوث التي تمكنا من الاطلاع عليها. ولصعوبة استعراضها بشكل تفصيلي سنكتفي هنا بطرح الملاحظات التالية :

– معظم هذه البحوث تستخدم في الغالب مراجع اجنبية تعود الى الثمانينات والسبعينات، وهذا الأمر يعكس شحة او انعدام المراجع الأجنبية الحديثة – وبالتالي غياب احدى اهم ادوات البحث العلمي – في جامعة عدن .

– من ناحيةٍ اخرى، نرى ان طريقة تعامل الباحثين مع المراجع والمصادر بشكل عام والأجنبية منها بشكل خاص تطرح إشكالية أخلاقية من الصعب تقييمها هنا. ففي كثير من البحوث التي نجد في نهايتها قوائم طويلة بالمراجع الأجنبية وفي داخلها حشداً من المصطلحات الأجنبية يصعب على القارئ أن يحدد بشكل دقيق ما قام الباحث باقتباسه من المراجع الأجنبية، إذ أن عدداً كبيراً من الباحثين يبتعدون عن الطرق السليمة للتوثيق والإستشهاد والإقتباس. كما أنهم يأنفون أحياناً من استخدام الملاحظات والهوامش ويكتفون بالإشارة العابرة إلى المؤلف الأجنبي في سياق البحث.

بالنسبة للنوع الثالث من البحوث، أي التي يتسع فيها البعد الترجمي، فهي قليلة ومعظم الباحثين الذين يقومون بها حالياً من خريجي الجامعات الغربية في فرنسا وبريطانيا. لكن حتى نهاية الثمانينات تجد عدداً من البحوث التي تعتمد على كثير من المراجع الألمانية والروسية. فمثلا العدد الخامس من مجلة “سبأ” (يوليو 1989) يحتوي على بحثٍ اعتمد على مراجع باللغة الروسية فقط. وفي الغالب تتناول هذه البحوث مواضيع مرتبطة بتاريخنا وحضارتنا العربية والاسلامية وتتكئ على كثير من الدراسات والبحوث والكتابات التي قام بها الأوروبيون وبالذات المستشرقون حول مختلف جوانب الحياة في بلادنا العربية. في اعتقادنا أن القيمة العلمية التي يتضمنها هذا النوع من البحوث تكمن أيضاً في تقديم تلك المراجع الأجنبية للقارئ العربي ومناقشتها. وبعكس مايحدث في النوع السابق من البحوث، نجد أن الباحثين الذين يقومون بالأبحاث ذات البعد الترجمي الواسع لايترددون عادة في تحديد مصادرهم ومضاعفة عدد الهوامش ( أنظر مثلاً العددين الأول والثاني من مجلة العلوم الإجتماعية والإنسانية ). ومع ذلك فهم ايضاً لايلتزمون دائماً باستخدام الطرق السليمة الخاصة بالترقيم والإستشهاد والإقتباس .

 

 

ثانيا : الأبعاد العلمية والبحثية للترجمة

          يستبعد عدد من الباحثين والقائمين على المؤسسات الأكاديمية والعلمية الترجمة من إطار البحث العلمي بحجه أنها لاتنطوي على استقصاء علمي، وأنها مجرد عملية نقل من لغة إلى لغة. مثلاً، في دراستة حول الترجمة، يكتب  د. فؤاد عبدالمطلب : “أما فيما يتعلق بمصطلح الترجمة، فإنه يعني اليوم نقل الكلام من لغة إلى لغة، مفردات أو نصوصاً أو كتباً كاملة” (4). لذلك، بالرغم من ان معظم دوائر ومراكز البحث العلمي تحرص على ادخال شعبة للترجمة في هيكليتها، لايعترف الكثير من القائمين على تلك الدوائر والمراكز، في الجامعة وخارج الجامعة، بالقيمة البحثية لأعمال الترجمة ولاينظرون اليها على انها جهود علمية جديرة بان تؤخذ بعين الأعتبار في طلبات الحصول على الألقاب العلمية كبقية الأعمال البحثية.

          ومع ذلك فمعظم المتخصصين في الترجمة يجمعون اليوم على أن الترجمة تتجاوز كثيراً عملية النقل من لغة الى لغة ويلصقون بها أبعاداً علمية وبحثية وابداعية تتطلب في الواقع ثقافة موسوعية ومنهجاً علميا وكذلك خبرة وممارسة طويلة (5). ومن ناحيةٍ اخرى، تجمع النظريات المعاصرة للترجمة على ان الترجمة عملية ذهنية انتاجية ترتكز على القراءة التأويلية المتمعنة والفهم التام للنص الأصلي والسياقة الثقافي الذي افرزه (6). وعلينا بالتالي ان لاننظر الى المترجم كقارئ عادي، بل كمتلق خاص، لأنه يقوم كذلك بعملية انتاج وصياغة وارسال كل العناصر التي تلقاها بلغة ثانية. وهي عملية تضطره أن يتصرف كمرسل لنص جديد وأن يستحضر، في نفس الوقت، قارئاً آخر له خصوصياته اللغوية والثقافية والتاريخية. لهذا فالمترجم “مدار لتفاعلات معقدة ووثيقة الصلة باللغة والمعنى والتاريخ والأنساق الثقافية” (7).

          وتكريسا لهذا البعد الإنتاجي للترجمة يربط المفكر اوكتافيوا باث بين الترجمة والإبداع، حيث يقول “إن الترجمة توأم الإبداع. فالترجمة لا تنفصل من جانب عن الإبداع كما اثبتت ذلك أعمال بودلير وباوند، ومن جانب آخر يوجد ثمة تفاعل دائم بين الإثنين، وعلاقة إثراء متبادل ومستديم. فأعظم الفترات إبداعاً في الشعر الغربي سبقتها او لازمتها امتزاجات مع تقاليد شعريه مختلفة اتخذت شكل المحاكاة في بعض الأحيان وشكل الترجمة احياناً أخرى” (8). ومن ناحيته، يرصد الأستاذ سعيد عبدالخير النوبان ظاهرة ارتباط الإبداع والعطاء العلمي بالترجمة في الحضارة العربية حيث يكتب : “لعل في التاريخ العربي الأسلامي خير مانستدل به على اهمية الترجمة العلمية في التقدم العلمي. ففي العصر العباسي اهتمت الخلافة بالترجمة من تراث الأمم الأخرى التي سبقتهم في فنون احتاجوا إليها في زمانهم. ثم انتقلوا من عصر الترجمة الى الإبداع والتاليف في مختلف الفنون” (9) .

لكل ذلك لم يتردد بعض الأساتذة المهتمين بشؤون البحث العلمي من ادراج الترجمة ضمن المجالات التي يشملها البحث العلمي الى جانب المعالجة والتحقيق والفهرسة. ففي كتابة حول منهجية البحث، يعرف الاستاذ إميل يعقوب البحث العلمي بأنه “محاولة لاكتشاف جزء من المعرفة لإذاعته بين الناس والاستفادة منه. وتختلف البحوث باختلاف طبيعة مجالاتها : أولاً، معالجة موضوع معين؛ ثانياً، تعريب كتاب شرط أن يكون الكتاب على صلة باختصاص المترجم وأن يقدمه بمقدمه واسعة يعرض فيها خصائص الكتاب المعرب وأن يلحق معجما للمصطلحات والفهارس الفنية اللازمة؛ ثالثاً، تحقيق مخطوط؛ رابعاً، فهرسة بعض المؤلفات أو المجلدات” (1).

وقد قام اولئك الاساتذة، الذين يعتبرون الترجمة فناً وعلماً في نفس الوقت، بوضع معايير ومواصفات عديدة للترجمة. فهم يشترطون في المترجم ان يكون متقناً للغته واللغة الاجنبية التي ينقل منها، وان يكون متخصصاً في المادة التي يقوم بترجمتها. ومن أهم المواصفات الاخرى للترجمة “البحثية”؛ ان يشكل النص المترجم اضافة علمية او ادبية او فلسفية او ثقافية في اللغة المترجم اليها؛ وان يكون النص المترجم بحاجة الى شرح او تقديم او هوامش او تصويبات. ويضيف الاستاذ جعفر الظفاري، مدير مركز البحوث والدراسات اليمنية في جامعة عدن ورئيس هيئة تحرير مجلة “اليمن”، الى تلك الشروط : دقة المصطلحات، ودقة المعايير عند وضع الاسماء، وسلاسة الصياغة العربية وكذلك صحة الترقيم والتوثيق. ويؤكد رئيس تحرير مجلة “اليمن” العلمية المحكمة ان للترجمات التي تنشر في هذه المجلة وتلتزم بهذه الشروط نفس القيمة العلمية التي تعطى للبحوث المحكمة. اما من وجهة نظر قانونية، فقد ساوت المادة 3 من القرار الجمهوري بالقانون رقم (19) لسنة 1994 بشأن الحق الفكري، بين حقوق المؤلف وحقوق المترجم، فقد جاء فيها : “يشمل حق المؤلف من قام بترجمة المنتج الى لغة اخرى وكذا من قام بتحويله من لونه الاصلي الى لون آخر او من قام بتلخيصه او تحويره او بشرحه او تعليق عليه بأي صورة تظهره في شكل مبتكر او جديد مع عدم الاخلال بحقوق مؤلف العمل الاصلي”.

          يثبت لنا هذا العرض لمجمل الآراء حول الترجمة وعلاقاتها بالابداع والتأليف والبحث العلمي انه لم يعد بالامكان اعتبار الترجمة نشاطاً ثانوياً خالياً من الابعاد البحثية والعلمية والابداعية. فالعكس هو الصحيح. وسنحاول الآن ان نستعرض سمات بعض النصوص التي ترجمت الى اللغة العربية في اطار جامعة عدن، وان نبين مدى التزامها بشروط الترجمة العلمية.

          بالرغم مما شهدته حركة الترجمة في جامعة عدن من نشاط خلال السنوات الاخيرة، وذلك بعد ان قامت الجامعة باصدار مجلة “التواصل” التي تعنى بشؤون الترجمة وعددٍ من الكتب التي قام بترجمتها بعض اعضاء الهيئة التدريسية، لازال النشاط الترجمي في جامعة عدن متواضعاً كماً وكيفاً، وذلك ليس فقط بسبب ندرة المترجمين المتخصصين، لكن لان نظم الجامعة ايضاً تجبر المدرس على تكريس جل وقته للنشاط التدريسي والنشاط البحثي الصرف، ولاتلزم اعضاء هيئة التدريس الذين قاموا بتحضير رسائل الماجستير والدكتوراة بلغة اجنبية ( يشير الاستبيان الذي قمنا به الى ان نسبة هؤلاء المدرسين تصل الى 65%) على ترجمة رسائلهم الى اللغة العربية كما هو الحال في عدد من الجامعات العربية الاخرى. اما المدرسون المهتمون بالترجمة فقد بدأوا بنشر اعمالهم المترجمة في مجلة “سبأ” والمجلات اليمنية غير الجامعية مثل “الثقافة” و “الثقافة الجديدة”. وفي الثمانينات طبعت جامعة الكويت ترجمة الاستاذ سعيد عبدالخير النوبان لكتاب أربي سارجنت “حول مصادر التاريخ الحضرمي”. وقامت دار الهمداني للطباعة والنشر باصدار ترجمة لمجموعة من الوثائق البريطانية المتعلقة باليمن شارك في القيام بها      د. سعيد عبدالخير النوبان و د. احمد زين عيدروس و د. مسعود عمشوش.

          فيما يتعلق بالمواضيع التي تتناولها اعمال الترجمة في جامعة عدن، نلاحظ الغياب شبه التام للترجمات في مجال العلوم الطبيعية والتطبيقية إذا مااستثنينا تلك التي قام بها د. محمد عاشور الكثيري و د. يعقوب قاسم وبالذات د. سعيد عبدالله باعنقود الذي قام ايضاً بوضع معجم عربي-انجليزي وانجليزي-عربي خاص بالالفاظ والمصطلحات المتداولة في علم الحشرات. اما في مجال العلوم الاجتماعية والانسانية فالترجمات كثيرة نسبياً ويمكن ان نميز فيها بين الترجمات التي تتصدى لمواضيع يمنية وتلك التي تتضمن مواضيع اخرى.

          في مجلة “اليمن”، جميع المواضيع المترجمة تدخل ضمن النوع الاول أي انها تتناول نصوصاً كتبها مؤلفون وباحثون أجانب عن اليمن. وماعدا الترجمات التي قام بها الاستاذ سعيد باعنقود من كتاب “التاريخ الطبيعي لجزيرتي سقطرى وعبدالكوري”، جميع ترجمات مجلة “اليمن” يقوم بها باحثون ملحقون بمركز البحوث والدراسات اليمنية-جامعة عدن. وفي مجلة “التواصل” ظل نصيب اليمنيات محصوراً في الترجمات الثلاث التي قام بها مسعود عمشوش لنصوص تتعلق بعدن ومنطقة “الشيخ سعيد”. اما في “مجلة العلوم الاجتماعية والانسانية” فلم يقدم أي نص بأكمله كترجمة باستثناء الخطاب الافتتاحي لمؤتمر البنك الدولي (مارس 1997) الذي قام بترجمته الدكتور سعيد عبدالخير النوبان رئيس تحرير المجلة.

          إضافة الى تلك الترجمات، قام دار جامعة عدن للطباعة والنشر، خلال العامين المنصرمين، باصدار خمسة كتب تحتوي على ترجمات تدخل جميعها في اطار اليمنيات وقد انجزها الاساتذة زكي باسليمان وسعيد النوبان وعلي محمد باحشوان وعلي الخلاقي ومحمد سعيد القدال.

          وبالنسبة لمدى التزام تلك الترجمات بشروط الترجمة العلمية فقد تبين لنا ان معظم الترجمات المنشورة في المجلات الدورية لاتحتوي على تقديم او نبذة عن المؤلف، او هوامش من أي نوع. كما يوجد عدد محدود من الترجمات المنشورة في تلك الدوريات، وبالذات تلك التي قام بها عبدالله فاضل ومسعود عمشوش وكريم الحنكي، تتصدرها تقديمات قصيرة عن النص المترجم ومؤلفه، لكنها تفتقر الى الملاحظات والهوامش الخاصة بالمترجم. وهذا هو حال الترجمة التي قام بها د. علي الخلاقي لكتاب فيتالي ناؤومكين : “سقطرى، هناك حيث بعثت العنقاء”.

          اما الترجمات التي، في اعتقادنا، تفي بجميع شروط الترجمة البحثية لاحتوائها على مقدمه وهوامش وتعليقات وتصويبات فمن أهمها تلك الترجمات التي نشرها الاستاذ سعيد باعنقود في مجلة “اليمن”، والترجمة التي قام بها د. زكي باسليمان لكتاب حامد القادري : “كفاح ابناء العرب ضد الاستعمار الهولندي في اندونيسيا”، وكذلك ترجمة الاستاذ محمد سعيد القدال لكتاب فان در ميولين وهيرمان فون فيسمان: “حضرموت : ازاحة النقاب عن بعض غموضها”. وهذا لايعني ان تلك الترجمات تخلو من بعض الهفوات اللغوية والاخطاء المتعلقة بتعريب الاسماء او اعادة نقلها الى العربية.

******

          من خلال هذا الاستعراض السريع لواقع الترجمة في جامعة عدن يتبين لنا ان المثاقفة لاتشكل الدافع الاول من وراء القيام بمختلف انواع النشاط الترجمي الذي يقوم به الاساتذة والباحثون في جامعة عدن. فقد اصبح جلياً ان الترجمة تدخل في صلب النشاط البحثي لعدد كبير من هؤلاء الاساتذة والباحثين. وهذا يؤكد لنا ان الترجمة ركن من اركان البحث العلمي والتعليم العالي.

          ومن ناحيةٍ اخرى، يشير المستوى الرفيع الذي بلغته اخيراً بعض الاعمال المترجمة التي اصدرها دار جامعة عدن للطباعة والنشر الى ان عدداً من المترجمين يبذلون جهوداً كبيرة ليضفوا على ترجماتهم أبعاداً علميه تجعلنا نرى فيها أعمالاً بحثية تضاهي تماماً البحوث العلمية. كما ان تركيز كثير من هؤلاء المترجمين على المواضيع اليمنية يضع بين أيدي الباحثين الآخرين مادة خام لايمكنهم الاستغناء عنها إذا ما أريد للبحث العلمي والتعليم العالي أن يقتربا فعلاً من واقع ارضنا اليمنية ومجتمعنا اليمني.

 

الهوامش

(1)     انظر فؤاد عبدالمطلب : “الترجمة والبحث العلمي”، في مجلة “علامات في النقد”، الجزء 29، النادي الادبي الثقافي، 1998جدة.

(2)     جون ب. ديكنسون، العلم والمشتغلون بالبحث العلمي في المجتمع الحديث، ترجمة شعبة الترجمة باليونسكو، الكويت 1987، ص 44.

(3)            انظر فؤاد عبدالمطلب، مرجع مذكور ص 83.

(4)            المرجع السابق، ص85.

(5)     انظر احمد باعسو : “الترجمة والتأويل”، في مجلة “علامات في النقد”، الجزء 29، النادي الادبي الثقافي، 1998جدة، ص 264.

(6)            Georges Mounin : Les Problems Theoriques de la Traduction Gallimard, Paris 1976,p. 225.

(7)            احمد باعسو، مرجع مذكور، ص 266.

(8)     اوكتافيو باث،”الترجمة : الادب والحروف”، ترجمة عبدالله الحراصي، في مجلة “نزوى” العدد 12، اكتوبر 1997، ص 69.

(9)     انظر مقدمة ترجمته لكتاب آربي سارجنت : “حول مصادر التاريخ الحضرمي”، من منشورات جامعة عدن، طبع جامعة الكويت، بدون تاريخ.

(10)      د. إميل يعقوب : “منهجية البحث أو كيف تكتب بحثاً”، جروب برس، طرابلس 1986، ص 27.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: