مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

شهادات على يمن القرن العشرين

Posted by amshoosh في مايو 12, 2012

شهادات على يمن القرن العشرين

(قراءة في مدونة المذكرات اليمنية)

د. مسعود عمشوش

لا شك أن الانفتاح الذي شهدته الأقطار العربية في النصف الثاني من القرن العشرين قد شجع عددا من الأدباء والفنانين والمفكرين والسياسيين على تدوين تجاربهم الذاتية وصوغها في أشكال تعبيرية مختلفة تقع كلها في دائرة “كتابة الذات”: سير ذاتية، مذكرات، ذكريات، شهادات، مراسلات، يوميات… فمنذ أكثر من عقدين تقريبا أصبحنا نقرأ بين الفينة والأخرى عددا من النصوص “الذاتية” لشخصيات عربية متنوعة المشارب. واليوم أضحت ظاهرة كتابة المذكرات الشخصية جزءاً من المشهد السياسي والثقافي ليس في اليمن فحسب بل في كثير من الأقطار العربية وفي العالم كله، إذ لا يكاد يمر أسبوع أو شهر من دون أن تصدر مذكرات شخصية لهذا الرئيس أو ذلك الزعيم السياسي أو تلك الشخصية “الاعتبارية”. ولا ريب في أن التعددية السياسية قد دفعت بعض محترفي السياسة أو عشاقها إلى الإدلاء بدلوهم أو شهادتهم إسهاما منهم في “كتابة” التاريخ الصاخب للقرن العشرين.

ومن ناحية أخرى، يبدو أن الأشكال المختلفة لكتابة الذات، التي تعد السيرة الذاتية أبرزها، أخذت تتداخل في معظم الأحيان. وقد سبق أن عرفنا – في مقالة نشرناها في الملحق الثقافي بتاريخ 31/5/2004 – السيرة الذاتية بأنها “سرد نثري يقوم به شخص واقعي عن وجوده الخاص، وذلك حينما يركز على حياته الفردية وعلى تاريخه الشخصي”. ويؤكد فيليب لوجون أنه لكي تكون هناك سيرة ذاتية يجب أن يكون هناك تطابق بين المؤلف والراوي والشخصية. ويتحقق ذلك إما بصورة مباشرة من خلال التصريح الواضح أن النص سيرة ذاتية، أو بشكل ضمني يكمن في تأكيد الراوي أنه سيتصرف على أنه المؤلف هو المؤلف المثبت اسمه على غلاف الكتاب، وأنه هو أيضا الشخصية التي يتم عرض حياتها. وهذان الشكلان من إثبات التطابق بين الراوي والمؤلف والشخصية كافيان لإبرام ميثاق بين القارئ والمؤلف يتبيّن من خلاله أن ما يقرأه القارئ هو سيرة المؤلف الذاتية، وهذا ما يطلق عليه فيليب لوجون ” ميثاق السيرة الذاتية”.

وفي الحقيقة، غالبا ما يصعب تبيان الحدود الفاصلة بشكل قاطع بين السيرة الذاتية وبين الأشكال الأخرى للتعبير عن الذات. ففي حين يركز كاتب السيرة الذاتية على تفاصيل حياته الشخصية يهتم كاتب “الذكريات” بتصوير البيئة والمجتمع والمشاهد العامة أكثر من اهتمامه بتصوير حياته الخاصة، اللهم إلا بوصفها إحدى مفردات تلك البيئة العامة. إما الاعترافات فيغلب عليها التبرير والتسويغ والمراوغة والتمويه.‏

وفيما يتعلق بالفرق بين السيرة الذاتية والمذكرات يكتب الناقد الفرنسي جورج ماي “إننا كلما أوغلنا في البحث عن الحدود الفاصلة بين السيرة الذاتية والمذكرات ازددنا يقينا من أنها زئبقية وغائمة”. وهكذا يتبين لنا أن هناك سيراً ذاتية مثل (الشعر والحقيقة) للشاعر الألماني غوته، كثيرا ما تتحول إلى مذكرات، وثمة مذكرات شخصية كثيرة تشتمل على عناصر سيَر ذاتية لاسيما تلك التي تعطي اهتماما كبيرا بفترة الطفولة. ويبدو أن ما يميز المذكرات عن السيرة الذاتية هو أن اهتمام المؤلف في الثانية ينصب على أحداث حياته وتكوين شخصيته ومسارها، في حين أن كاتب المذكرات يهتم بالعالم والأحداث المعاصرة والتاريخية والناس الذين التقى بهم، ويكون مدار نصه الأحداث العامة التي شاهدها أو شارك فيها. لهذا غالبا ما تكون المذكرات الشخصية مرادفة للشهادة على العصر.

وبما أننا قد قمنا في مقالين سابقين بدراسة بعض النماذج من كتابات السيرة الذاتية ورواية السيرة الذاتية في اليمن فقد رأينا أن نكرس السطور الآتية لتقديم نماذج من المذكرات الشخصية اليمنية. ومن بين أبرز الشخصيات اليمنية التي أقدمت على كتابة جوانب من حياتها في شكل مذكرات: أحمد علي مسعد (فصول من ذاكرة الثورة والاستقلال: شهادتي للتاريخ)، ومحمد حمود الصرحي (مسيرة نضال)، وأحمد جابر عفيف (شاهد على اليمن: أشياء من الذاكرة)، ومحسن العيني (خمسون عاما في الرمال المتحركة: قصتي مع بناء الدولة الحديثة في اليمن)، ومحمد مرشد ناجي (صفحات من الذكريات)، وأحمد محسن سلام (مذكرات مواطن: صفحات من ذاكرة اليمن 1935-1995) وأحمد قائد بركات (أحمد قائد بركات يتذكر: الرشد في سن الطفولة، وفسحة الأمل ومرارة التشرد)، وأحمد حسين المروني (الخروج من النفق الظلم: معالم سيرة ذاتية)، وأحمد عبد الرحمن المعلمي (من بيروت إلى حضرموت: سيرة اجتماعية سياسية ذاتية)، وحسين علي الحبيشي (محطات حياتي). ووعد الرئيس السابق علي ناصر محمد أن ينشر مذكراته قريبا.

ولاشك أن من بين أشكال كتابة الذات كلها المذكرات الشخصية هي التي تحتوي على أكبر قدر من الأبعاد التاريخية. كما أن الفرق الأساسي بين السيرة الذاتية للأدباء وبين مذكرات الشخصيات العامة يكمن في أن الشخصيات العامة تكون في الغالب مقتنعة بأن تجربتها في الحياة تحتوي على قيمة تاريخية واجتماعية كبيرة ينبغي أن تستفيد منها الأجيال اللاحقة. ومع ذلك عادة ما تؤكد تلك الشخصيات أنها لم تقدم على كتابة تجاربها إلا نزولا عند طلب بعض الأصدقاء. فأحمد حسين المروني مثلا يكتب في مقدمة مذكراته (ص17) “لم أتحمس بادئ ذي بدء لاقتراح كثير من الأصدقاء الذين كانوا يستمعون إلى ما أقص عليهم من رحلتي في الحياة، أقول لم أتحمس لاقتراح أولئك الذين منحوني حبهم وصفائهم، بأن أسجل ذكرياتي كشهادة للتاريخ قد يستفيد منها من يأتي بعدي من الأجيال القادمة، حتى وجدتهم يلحون علي، بل اتهمني بعضهم بأنني أخشى ما ستثيره قصة حياتي من تساؤلات وقد تعرضني للنقد والتجريح. وهنا لم أعد قادرا على التسويف والمماطلة فقررت أن أبدأ في الكتابة دون تردد”. ونجد المبررات نفسها في مقدمة (شاهد على اليمن) لأحمد جابر عفيف.

تاريخية الكتابة الذاتية

ومما لا ريب فيه أن الموقع السياسي للمؤلف يرفع من أهمية المذكرات. هذا ما حدث مثلا عند صدور كتاب (خمسون عاماً في الرمال المتحركة) الذي يرى كثير من القراء أنه “من الكتب القليلة الموثقة والرصينة عن التاريخ السياسي لليمن الحديث”، لأنه من تأليف أحد الرموز السياسية اليمنية المهمة في العقود الأخيرة: السياسي والدبلوماسي المحنك محسن العيني الذي شغل منصب رئيس وزراء ووزير خارجية وسفير لبلاده مرات عدة، وذلك على الرغم من أن المؤلف نفسه كان حذراً وردد أنه لا يهدف في مذكراته إلى كتابة التاريخ. فهو يقول في السطور الأولى من الكتاب:” هذه ليست قصة الحركة الوطنية اليمنية، ولا قصة الثورة والجمهورية ولا قصة الوحدة، ولا قصة القديم والجديد في اليمن، ولا قصة العلاقات بين جنوب اليمن وشماله، ولا قصة الشباب والمشايخ والضباط إنها قصة من لا يزعم انه مناضل أو زعيم سياسي أو دبلوماسي. قصة مواطن عادي، وجد نفسه في قلب أحداث، لا خيار له في خوضها أو البعد عنها وتجنبها. مواطن وجد نفسه في مواقع مختلفة، فحاول أن يكون صادقا وأن يقدم خير ما في نفسه، وقد أكرمه الله فحماه من الاعتقال والسجن والتعذيب والامتهان. وقد ترددت في الكتابة لأن كثيرين لا يقرأون. والذين يقرأون يحبون أن يقرأوا ما يوافق هواهم، وإذا قرأوا شيئا آخر فليسوا على استعداد للتفكير فيه، وتفهمه والتسامح مع كاتبه”. ويقول محسن العيني في المقابلة التي أجرتها معه قناة الجزيرة بتاريخ 11/1/2003 “ذكرت أكثر من مرة في المقدمة أنني لا أقصد بهذا تاريخاً، لا للثورة اليمنية، ولا للحركة العربية”. وفي الحقيقة يبدو لنا أن العيني يفعل هنا ما فعلته مديرة المدرسة التي أرادت أن تنتقد لباس إحدى تلميذاتها قائلة لها: “لا أريد أن أتدخل في طريقة لبسك التي أرى أنها من الأمور الخاصة، لكن اسمحي لي أن ألفت انتباهك إلى أن البنطلون الجينز الذي تلبسينه لا يليق بهذا المقام”.

في الصفحات الأولى من الكتاب “يمر العيني مرور الكرام” على طفولته فيروي، في خمس صفحات، مولده في قرية قريبة من صنعاء في أسرة متواضعة بسيطة، وموت أمه وهو في السابعة من عمره، ثم موت أبيه وشقيقه الأكبر، وانتقاله إلى صنعاء حيث تبدأ حياته في دار الأيتام. وبفضل تفوقه في الدراسة اختير ضمن بعثة تعليمية للدراسة في بيروت. وفي طريق سفرهم إلى هناك مروا بعدن. ويتحدث عن أيام إقامته فيها قائلاً “فوجئنا فور وصولنا بوجود الأستاذين احمد محمد نعمان ومحمد محمود الزبيري زعيمي اليمنيين الأحرار، وقد سبق أن سمعنا عنهما وقرأنا ما يكتبانه شعرا ونثرا، تنديدا بالإمام وحكمه وظلمه ودعوتهما إلى الإصلاح واستنهاض الشعب وإيقاظه. وقد ذهبنا معهما إلى دار السينما للمرة الأولى في حياتنا وشاهدنا فيلم (عنتر وعبلة) ولم ننم بعد ذلك أياما إعجابا وذهولا”.

ثم يبدأ محسن العيني في سرد بدايات التمرد على النظام الإمامي ثم تجربة السنوات الأولى للثورة اليمنية ودوره في البحث عن الدعم في الداخل والخارج. كما يرصد المرات العديدة التي عيّن فيها رئيسا للوزراء أو وزيرا للخارجية أو سفيرا. وقد أتاحت له تلك المناصب فرصة أن يرى العالم، ويشاهد تجارب مختلفة، ويلتقي بقيادات عربية وعالمية مثل عبد الناصر والملك فيصل وجواهر لال نهرو وانديرا غاندي وجون كيندي.ويتحدث العيني كذلك عن التركيبة الاجتماعية لليمن ودور القبائل وفقر البلاد، والأمية والقات….

وعلى الرغم من أن (خمسون عاما في الرمال المتحركة) يحفل بكثير من التفاصيل المتنوعة فقد رأى بعض القراء أن مذكرات محسن العيني السياسية لم تحتوي على أسرار أو تفاصيل جديدة حول اليمن، وأن أهميتها الرئيسة تكمن في أنها تقدم تاريخ الثورة اليمنية من خلال رؤية معينة. وقد ردّ محسن العيني على محاوريه خالد حروب وعلي محسن حميد أنه قد كتب “مذكراته السياسية” بإيجاز شديد. ويقول (في لقائه بقناة الجزيرة بتاريخ11/1/2003) “فأنا كتبت الكتاب بهذا الروح، أما لو توسعت فكان ممكن ألا ننتهي إلى شيء، ولهذا فكثير من القراء وكثير من الإخوان يلومونني لأنني لم أفصح عن قضايا كثيرة”.

لهذا يمكننا القول إن كتاب (خمسون عاما في الرمال المتحركة)، شأنه شأن معظم المذكرات لا يركز على حياة المؤلف الخاصة، فهو رحلة عبر تاريخ اليمن السياسي الحديث بشكل عام، الذي كان للسياسي محسن العيني دور مهم فيه. ومع ذلك، إذا كان العيني قد استطاع أن يسلط الضوء على أهم منعطفات تلك الحقبة التاريخية فهو قد اكتفى بالعرض ولم يحاول في اعتقادي أن يمارس المراجعة التحليلية العميقة والنقدية (بما في ذلك الذاتية) لتجربة اليمن في بناء الدولة الحديثة. لهذا يبدو لي أن كتاب العيني يقترب من الرصد التاريخي للأحداث.

وإذا كان محسن العيني قد رصد أحداثا قام هو بدور كبير ومحوري في صناعتها، فإن أحمد محسن سلام جعل من مذكراته مجرد عرض تاريخي للأحداث المهمة كلها التي شهدتها اليمن خلال المرحلة نفسها التي غطتها مذكرات محسن العيني: من حركة 48 إلى ما بعد حرب 94، والتي لم يشارك المواطن أحمد محسن سلام في صناعتها عل الأقل بشكل مباشر. وقد دفعت محاولة أحمد سلام إضفاء نفس عام ومحايد على مذكراته الدكتور عبد العزيز المقالح إلى التأكيد- في تقديمه لها ص5 و6 -، أن “المواطن العزيز صاحب هذه المذكرات الأخ أحمد محسن سلام لم يشر إلى نفسه ولا في سطر واحد من صفحات هذا الكتاب الذي خلا من أية إشارة أو حكاية تشير إلى مساهمته المؤكدة في الأحداث. فقد اكتفى بدور الشاهد الذي يروي ما رأى من وقائع وما سمع عن أحداث الوطن من بداية التذمر الذي تحول إلى معارضة ثم إلى ثورة أو بالأصح إلى ثورات على الطغيان الإمامي والاحتلال الأجنبي مما يجعل المذكرات وكأنها مذكرات الوطن نفسه أو مذكرات كل مواطن… ومن هنا أتوقع لهذه المذكرات انتشارا واسعا وتقبلا لدى الغالبية العظمى من أبناء الوطن الذين سئموا أحاديث البطولة ومبالغات التحدي في كثير من المذكرات الشخصية التي ظهرت حتى الآن”.

وفي كتاب (محطات حياتي) التي يقدم -في جزئها الأول- المستشار أحمد حسين الحبيشي أربع محطات مكانية وزمانية من حياته بدءاً بالشيخ عثمان فالقاهرة ثم لندن وعدن، يحاول المؤلف أن يمزج أحداث حياته الذاتية والأحداث السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها اليمن في الفترة من 1928 إلى 1968. وعلى الرغم من أن الغلاف الأول للكتاب يصنف النص كسيرة ذاتية فالطريقة المتشظية ومحدودية السرد وغلبة الطابع التاريخي التأملي التي هي من أبرز سمات كتابة المذكرات الشخصية والتي يتسم بها كتاب الحبيشي تبعد (محطات حياتي) من فن السيرة الذاتية، وتقربه من المذكرات الشخصية. وبالإضافة إلى ذلك يبدو أن المؤلف نفسه، الذي يفتتح كتابه بتقديم نظري عن فنون السيرة والسيرة الذاتية والمذكرات والذكريات، يدرك أن نصه يقترب أكثر من فن المذكرات. فهو يكتب (ص13) “وبعد، فإن منهجنا في كتابة سيرتنا الذاتية أو بالأحرى مذكراتنا (لأنها مزيج من حياتنا الذاتية وأحداث بلادنا اليمن) هو التركيز في كل مرحلة على البيئة البشرية لكل مجتمع على انفراد من النواحي الثقافية والتعليمية والاقتصادية والسياسية…”. ففي الفصل الرابع والعشرين مثلا (التاريخ وشخصية لندن ص 149-148) يقدم المؤلف تاريخ مدينة لندن، وفي الفصلين 23-33 (شذرات تاريخية واقتصادية – البيئة الاجتماعية والثقافية والقانونية ص 198-211) يقدم ميناء عدن بشكل علمي صرف وجدير بأحد كتب الجغرافيا أو التاريخ. وفي الفصول التالية حتى نهاية الكتاب يبرر المؤلف أولا عدم عودته إلى صنعاء بعد إنهائه الدراسة الجامعية في بريطانيا، ثم يشرع في عرض بعض جوانب عمله في كلية بلقيس في الشيخ عثمان (عدن) والأحداث التي شهدها شطرا اليمن خلال الستينات من القرن العشرين.

ويمكن أن نشير كذلك إلى أن معظم مؤلفي المذكرات يسعون إلى ترسيخ الجانب التاريخي والتوثيقي لمذكراتهم من خلال تضمينها مجموعة كبيرة من الوثائق المتنوعة والصور. فـ 261 صفحة من الـ 511 التي يتكون منها كتاب أحمد جابر عفيف (شاهد على اليمن) تحتوي على ملاحق وصور ووثائق متنوعة بما في ذلك رسائل و”وثيقة العهد والاتفاق” ووصيته التي نشرها بهدف “إعطاء صورة كاملة عما قام به نحو تأسيس مؤسسة العفيف الثقافية، وبراءةً للذمة أمام الله وأمام ضميره وأسرته والناس جميعا” (ص497). إما نص أحمد حسين المروني فيتكون من نحو 300 صفحة تحتل تقديمات كل من عبد السلام محمد صبرة وعبد العزيز المقالح وأحمد جابر عفيف والمؤلف نفسه الصفحات العشرين الأولى منها. وفي صفحة 201 تبدأ الملاحق التي تضم، بالإضافة إلى الصور، مجموعة من الرسائل التي أرسلها أو تسلمها المؤلف إلى أو من عدد من كبار رجال السياسة والفكر في اليمن مثل عبد العزيز المقالح ومحسن العيني وأحمد محمد نعمان ومحمد محمود الزبيري وأحمد جابر عفيف وعبد الرحمن الإرياني وإبراهيم الحضراني وأحمد محمد الشامي. ويضمن كل من أحمد قائد بركات ومحسن العيني مذكراتهم مجموعة كبيرة من الصور المتنوعة. ويبدو أن حسين علي الحبيشي هو الذي فتح لنا –أكثر من غيره- البوم الصور الخاص بعائلته.

الأبعاد الذاتية في مذكرات أحمد بركات:

ذكرنا أن اتساع حجم الأبعاد التاريخية والأحداث العامة يتلازم في المذكرات مع تقليص المساحة الخاصة بتفاصيل الحياة الشخصية. ومما لاشك فيه هو أن المذكرات، حين يتسع فيها نصيب تفاصيل الحياة الشخصية تقترب أكثر من فن السيرة الذاتية. هذا ما يحدث مثلا في كتابات أحمد قائد بركات الذي، بعكس معظم السياسيين اليمنيين مثل محسن العيني وأحمد حسين المروني، يتوقف طويلا عند طفولته ويكرس لها الجزء الأول من مذكراته (الرشد في سن الطفولة). وقد أشار الدكتور عبد العزيز المقالح في تقديمه لمذكرات أحمد حسين المروني أن هذه المذكرات (ص9) “تختزل الحديث عن مرحلة الطفولة وسنوات الدراسة وتمر بهما مرور الكرام”. وبالإضافة إلى ذلك، مقارنة بالمذكرات اليمنية الأخرى، تتميز “مذكرات” أحمد قائد بركات بشيء من الجرأة إذ أنّ المؤلف يضمنها جوانب متعددة من حياته العائلية الخاصة التي تغيب في معظم المذكرات الأخرى. فبينما يعمد الآخرون إلى التعامل بحذر شديد مع ذكرياتهم وأبعدوا منها ليس فقط ما له علاقة بحياتهم العاطفية بل تفاصيل كثيرة قد تؤثر على حياتهم السياسية، لا يتردد أحمد قائد بركات في تضمين مذكراته تفاصيل ومواقف تعكس جراءة لا نجدها في أي نص آخر من المذكرات اليمنية التي اطلعنا عليها. ففي الفصل الذي يسميه (أيام لطيفة مسترقة) يتحدث أولا عن “انجذابه بصورة خاصة” إلى بنت أحد أقاربه التي كانت “إلى جانب جمالها الأخاذ مرحة الطباع، باسمة المحيا، ودودة وعشرية…”. وينتهي هذا الفصل بسرد موقف جنسي يروي فيه المؤلف كيف تطرح الحارسة “……” الطفل أحمد بركات أرضا مرات عدة وسط حقل الذرة و”تبقى ممددة فوقه….” (الرشد في سن الطفولة، ص 198). وفي صفحة 189 يذكر أنّ أحد أقاربه “…… كان له أكثر من عشيقة في وقت واحد”.

ولا يتردد أحمد قائد بركات كذلك في إيراد عدد من التصرفات السيئة التي ارتكبها بعض أفراد أسرته. وبما أن المؤلف يدرك تماما الحساسية التي قد ينطوي عليها نشر بعض تفاصيل حياته العائلية فهو يحاول أن يبرر جراءته في التمهيد الذي يفتتح به الجزء الثاني من مذكراته قائلاً (ص II): “وربما تتعجب طائفة من القراء إذ تجد في هذه الذكريات فصولا تكشف عن بعض الخصوصيات المرتبطة بالعلاقات العائلية، وترى فيها أمورا تستحسن تجاهلها أو إخفائها، ومن جانب آخر، ربما وجدت طائفة أخرى من القراء في تلك أحداثا وتصرفات لابد من إيرادها كعوامل مؤثرة في مشاعر صاحب الذكريات ووجدانه، إلى جانب كونها أجزاء منها ذات طابع عام يهم المجموع الاطلاع عليها ومعرفة تفاصيلها. وذلك في نظري من شروط كتابة المذكرات، إذا ما أريد لها أن تبدو صادقة وأريد لكاتبها أن يكون صادقا مع النفس، ولمذكراته قدرا من الفائدة الأدبية والتاريخية. إذ لابد له من أن يوضح الحائق ومن التعبير عن المعطيات التي تركت في مشاعره قدرا من التأثير، سلبيا أم إيجابيا. وهذا في الحقيقة ما كان يعتمل في ذهني وأنا أكتب هذه المذكرات”. وتجدر الإشارة إلى أن أحمد قائد بركات قد قام بسرد أحداث مرحلة دراسته في الخارج في شكل رواية سيرة ذاتية سماها (منازل القمر) وتقع في ثلاثة أجزاء.

وفي الختام يمكننا القول إن كتابة المذكرات قد باتت تحتل في عصرنا الراهن حيزاً مهماً في حياتنا الثقافية، وصارت فناً من الفنون الأدبية المهمة. فبواسطتها يسعى السلف إلى نقل تجاربه الشخصية إلى الخلف وذلك بغرض الاستفادة منها في استخلاص الدروس والعبر. وبما المذكرات تعد أحد المصادر الرئيسة للمؤرخين والباحثين، وتقرأ في كثير الأحيان كوثائق تاريخية، فهي تحتاج إلى نزاهة وصدق مع الذات ومع الآخرين. ومن خلال قراءتنا السريعة والموجزة في مذكرات بعض رجال السياسة اليمنيين من الذين أسهموا في صنع الأحداث في مرحلة مهمة من تاريخ اليمن الحديث لاحظنا أنهم في معظم الأحيان يكتبون بحذر ويبتعدون عن ذكر كثير من التفاصيل التي يمكن أن تحرجهم سياسيا واجتماعيا ولم يمارسوا إلا في ما ندر النقد الذاتي، ويميلون في الغالب إلى ذكر ما يبدو أنه يمكن أن يسهم في ترسيخ الصورة الإيجابية التي تشكلت عنهم لدى القراء. هكذا يقول حسين الحبيشي، مثلا إنه – سنة 1955- كان “أول خريج يمني جامعي قطعا أو من مصر أو من مجاميع تلك البعثات التي أتينا على ذكرها” ص 120. ويؤكد أحمد قائد بركات في الجزء الثاني من مذكراته (فسحة الأمل ومرارة التشرد ص 23) أنه –سنة 1959- كان أول خريج جامعي يمني من بريطانيا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: