مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

المكلا سنة 1935

Posted by amshoosh في مايو 27, 2012

المكلا سنة 1935

ترجمة أ.د. مسعود عمشوش

فصل من كتابي حضرموت في كتابات فريا ستارك

يقع قصر سلطان المكلا في أقصى الجزء الغربي من المدينة، بالقرب من البوابة التي تدخل منها مختلف البضائع القادمة من الشحر والمناطق الشمالية. وهذا القصر الذي ينتصب على شاطئ البحر بناية بيضاء جديدة وجميلة، ذات واجهات زجاجية تجعلها أشبه بأحد أجنحة قصر برايتون. ويحيط بالقصر وملحقاته الأخرى سور عال. يقع في الجهة الخلفية منه مسكن السلطان ومباني الجند وعدد من النخل. أما في الجهة الأمامية فقد شيّد دار الضيافة ملاصقا بالسور، و قد جلس عند بوابة القصر عدد من الجنود اليافعيين يدخنون الشيشة وفي الوقت نفسه يراقبون كل ما يجري في الساحة.

ومن نافذة غرفتي التي تطل على السور أمضيت خمسة أيام أتفرج على محطّ القوافل الذي يقع خارج البوابة، والسهل المغطى بالكثبان الرملية والممتد إلى (رأس بروم). وخلف الخليج، بمحاذاة السهل، يقع ساحل مرتفع من الرمال البيضاء التي سفتها الرياح خارج البحر. وعند حلول المساء، حين تلامس أشعة الشمس التي تتكسر وسط الأمواج الهوجاء أطراف الخليج، يصبح لون الكثبان شاحبا مثل السحاب والدخان اللذان يتصاعدان من محطّ القوافل. وحتى البحر يصطبغ هو أيضا بلون الكثبان الرملية، لكنه متموج وبراق. وحين تغرب الشمس تظل أشعتها المستقيمة مثل خطوط محارة ترتفع من خلف (رأس بروم). أما الأشياء الأخرى فلونها بني قاتم: التل المطل على السهل، والأكواخ المصنوعة من القصب والمسجد الذي يشبه كنيسة إحدى القرى البريطانية. وفي بداية الساحل تكدست ثلاثة أكوام من أسماك صغيرة تسمى “العيد أو الوزيف” وتباع بالكيل علفاً للجمال. وعلى مقربة من السور، خلف محطّ الجمال يمتد وادي سديد [العيقة] الرملية التي يمتزج لونها القاتم بلون الجمال الصهباء الرابضة في حلقات.

هناك نحو ست قوافل باركة أمام نافذتي. كل واحدة منها تتكون من عشرين جملا أو أكثر. وقد تناثرت حمولتها – وهي في الغالب من الحطب- بين الناس والأغنام. وبينما تكوّن الحمير دائرة خاصة بها في أحد أطراف المربض يمارس الناس حياتهم العائلية بطريقة اعتيادية في وسطه. كما اكتظت “العيقة” بالناس مثلما تكتظ بهم حديقة (هايجيت) في لندن في صباح يوم مشمس. وإذا نظرت في اتجاه البحر باستطاعتك أن ترى شبحا أسود يظهر ثم يختفي وسط بريق مياه البحر.

لقد أمضيت ساعات طوالا أتأمل من نافذتي في أعلى السور هذه المشاهد الحية. وشجّع مكوثي الطويل في النافذة البدويات الشابات اللاتي يملأن قربهن الجلدية من مياه النبع على الابتسام لي والقيام ببعض الإشارات بأيديهن للفت انتباهي قبل أن يبتعدن بأحمالهن الثقال على ظهورهن. وكان هناك سيل مستمر من البشر يمر عبر البوابة لاسيما عند اقتراب حلول المساء حين يغادر رجال القبائل المدينة حاملين معهم وجبة العشاء. وحينما رأيتهم يمرون الواحد خلف الآخر ومؤنهم المتنوعة في أيديهم تذكرت وصف طقوس الجنائز المصرية القديمة التي يُحمل الأكل فيها للأموات: ثلاث سمكات معلقة في طرف خيط، قطعة حمراء من سمك القرش، سلتان مثبتتان في طرفي عود يتأرجح فوق الكتف. فحين لا يضع الرجل إلا قطعة قماش صغيرة تغطي ما بين السرة والركبة وسوارا  من الفضة في أعلى المعصم وخيطا من الصوف يُربط فوق الركبة ليصد عين الحاسد، فلا شك أنّ أصغر صرة يحملها ذلك الرجل يمكن أن تلفت الانتباه.

وثمة أزياء أكثر أناقة. فشباب المدينة، حين يعتنون بمظهرهم، يضعون (شالا) من الكشمير فوق الكتف ويتركون أطرافه تتدلى فوق الظهر. وحين يذهبون للعب كرة القدم في “العيقة” حيث تشرب الجمال، أو للنزهة في الوادي المحاذي، يلبسون “فوطة” بلون التنورة الاسكتلندية أو التنورة النسائية ولها حاشية من لون مختلف، وفي الجزء الأعلى من الجسم يرتدون قميصا أوروبيا ذا ألوان زاهية أو “جرما” داخليا من القطن. وبين فينة وأخرى تظهر عربة نقل مثقلة قادمة من الشحر، أو حمار محمل بالحطب وخلفه رجل عجوز صبغ جسمه كله بالنيلة الزرقاء. وهناك النساء اللاتي يحملن فوق رؤوسهن صررا ويمشين وقد أخفين زينتهن داخل ملايات (شياذر) متموجة بطريقة لا تبرز الزوائد والثنايا. أما الأحذية والصدريات والمشدات فلا أحد يضعها في هذه البلاد. وكل هذه الأصناف من الملابس الخفيفة تضفي عليهم أناقة  وجمالا إغريقيا ساحرا.

وشدّ انتباهي رجل شاهدته يقرفص بالقرب من جماله ويتوضأ ثم ينهض لأداء فريضة الصلاة, ولم يكن بالإمكان التأكد عما إذا كان لابسا أم عاريا، إلا أنني لاحظته يصلح من وضع فوطته. وقد ظل فترة طويلة منتصبا بوقاره وقامته المستقيمة، وعظمته الزاهدة، وأطرافه النحيلة قبل أن يسجد ويلامس بجبهته الأرض وينهض مرة ثانية بثبات وكأنه من الحديد الصلب.

وفي تلك الأثناء كان الظلام قد أرخى سدوله، وأخذ الشفق الأحمر يتلاشى بينما بدأت نيران المواقد تتوهج في محطّ الجمال. وفي حين تناثرت جماعات الناس واختفت من الوادي وحافته تجمعت العائلات البدوية داخل دائرة الجمال وسط المحط. ومن المؤكد أنني قد أمضيت وقتا طويلا أتفرج بصمت على تلك اللوحة إذ أن عوضا لم يرني  حين دخل بفانوسه. وقد كان قلقا لأنّ الأمير قد عاد وأخبروه أنني خرجت.

وكان لعوض الذي كلف بخدمتي وجه أسود فظ ومغطى بآثار الجدري، وقد أضفت عليه اللحية الصغيرة والعينان العميقتان شكلا مثلثا يصبح عريضا حين يبتسم. ولا يفعل هذا إلا نادرا جدا وذلك حين أسأله عن الوديان في داخل حضرموت التي قدِمَ هو منها. وهو هنا في خدمة العائلة السلطانية منذ أكثر من عشرين عاما ولم ير أهله إلا مرة واحدة وذلك حين زار السلطان وادي حضرموت على ظهر حصانه في الخريف الماضي.

وبالإضافة إلى عوض، كان في خدمتي رجل عجوز ذو لحية كثة يعود أصله إلى مدينة حريضة. وقد كان بمثابة كبير الخدم؛ فهو يأتي صباح كل يوم وينظر إليّ بعينين عذبتين ومتعبتين ممتلئتين بالفخر من تحت عمامة ذات خطوط حمراء وبيضاء. وبعد أن يصلح من وضع ردائه فوق كتفه يسألني عما أريد أن آكل في وجبة الغداء.

لقد عاملوني بطريقة لطيفة ومهذبة في دار الضيافة التابع للسلطان. وكان الماء الذي يجلب في القرب الجلدية من أحد الوديان القريبة متوافرا في الحمام الأوروبي. وكان لدي فراش وناموسية وطاولة للزينة بمرآة. وفي قاعة الطعام هناك مائدة طويلة مغطاة بقماش من المخمل الوردي. وبجوار غرفة الطعام توجد صالة رصت فيها مقاعد مغطاة بقماش ذي خطوط حمراء وصفراء، ووضعت فوقها مخدات في شكل هلال من اللون نفسه. وفوق المنضدات الصغيرة وضعت منافض للسجاير مصنوعة من الصدف. أما الجدران فقد زُيّنت بتمثال لفارس من النحاس وصور للعائلة الحاكمة. وفوق كل هذه الأشياء تركت اللامبالاة الشرقية بصمتها في شكل غبار وأعقاب سجاير خلفها النزلاء السابقون، ووطاويط تدخل وتخرج محلقة، وفئران تقضم الثياب في الدولاب. إنه الشرق الواسع، وإهمالات بسيطة مثل التي ذكرتها تضيع وسط كرم الضيافة، ولا يبدو أنها تقلق أحدا غير الأوروبي الموسوس.

وحين حل المساء وانقطع صوت البومة الحاد الذي استمر طوال النهار، ظهر عوض حاملا ثلاثة فوانيس ووضعها فوق الأرض في أماكن متباعدة. وبعد أن قدم لي طعام العشاء انصرف إلى داره. وفي هذه الساعة كانت بوابة المدينة قد أغلقت، وما زال بالإمكان مشاهدة بصيص ضوء  عند الحرس الذين يحاولون طرد النوم بتدخين الشيشة. وبعد مرور كل ساعة من الزمن يقومون بقرع صنج لإعلان الوقت. وبالنسبة لي، حين بدأت أشعر بالتعب غادرت البرندا وأويت إلى غرفتي. وبما أنه ليس هناك باب يمكن إغلاقه بسهولة فقد وفرت على نفسي عنا إغلاق الأبواب. وكنت قد رفضت أن يبقى أحد الحرس عند باب غرفتي إذ تبيّن لي أن هذه الحيطة لم تكن ضرورية.

وفي هذا الهدوء وهذه الطمأنينة أغمضت عينيّ وسرحت بخيالي إلى سواحل شبه الجزيرة العربية التي تمتد غربا لمسافة أربع مئة واثنين وثمانين كيلومترا إلى عدن، ولا أدري كم من الكيلومترات تمتد لتصل إلى مسقط في الشرق. وكان المحيط الهندي أمامي، وفي الخلف الصحراء. وبين هذه الحواجز الهائلة كنت في هذه اللحظة المرأة الأوروبية الوحيدة. وتغلغل في حواسي الناعسة شعور مبهم؛ ولم تمر إلا ثانية واحدة لأكتشف أنها السعادة؛ السعادة النقية والمجردة من المادة والعواطف والانفعالات. إنه جوهر السعادة السامية: لذة نادرة جدا ومبهمة جدا إلى درجة أنها تكاد لا تنتمي إلى هذا العالم.

                                                        ***

لم يستطع الوكيل الهندي الذي أوصوه بي أن يقدم لي أية خدمة تُذكر. وقد قابلته في مكتبه بالقرب من إدارة الجمارك بعد يومين من وصولي. واعتذر لأنه لم يتمكن من زيارتي قائلا: “لقد توفي أحد أطفالي”. وحين لاحظ أن هذا الخبر قد آلمني حاول أن يقنعني أن الأمر لم يكن ذا أهمية وذلك بإشارة من عصاه ذات العقب الفضية التي رفعها قائلا:

“هذا ليس مهما؛ كان طفلا صغيرا، وعندي أولاد كثيرون. النساء فقط يضخمن الموضوع”. ولهذا لم يكن هناك داع للمؤاساة. وتركته لأستكشف المدينة بصحبة سائق أفغاني تفضل الحاكم بوضعه تحت تصرفي مع عربته. وقادني السائق ببطء عبر الشارع الرئيسي. وكان يتوقف من حين لآخر ليسمح لي أن ألقي نظرة داخل الدكاكين المظلمة التي عرضت بضائعها أمام جدرانها الخارجية.  وليس هناك شيء يمكن أن تشتريه في المكلا ما عدا المواد الغذائية المعروضة في سلال مغطاة بالذباب. وباستثناء صناعتي الخناجر المعقوفة والسلال الملونة لا توجد في المكلا أية صناعة محلية. أما الحرف الأخرى التي يمارسها سكان المدينة فهي تجفيف السمك وخيار البحر وزعانف سمك القرش التي تصدر إلى الصين، وصباغة النيلة، وعصر زيت السمسم. وبما أن المحيط الهندي يعد من أنشط طرق الملاحة فمعظم البضائع تصل إلى هنا بواسطة البحر. ويتركز النشاط التجاري حول الميناء الذي ترسو فيه عدد من سفن (الدو) الصغيرة. وباستطاعتك أن تشاهد عددا كبيرا من العبيد العراة نياما فوق البالات والطرود المرمية في ساحة الجمارك بانتظار الشحن.

                                                         ***

تتلخص مدينة المكلا في شارع مواز للبحر ومكتظ بالناس. ومن المفروض أن يتحول طرفه الغربي إلى جادة واسعة، لكنه لا يزال الآن طريقا رمليا مليئا بالحواجز والحفر والصخور. أما الشوارع العرضية الضيقة فسرعان ما تصطدم بسفح الجبل بعد أن تتقاطع مع هذا الشارع الرئيسي مباشرة. وحين تقترب من المنازل البيضاء أو الرمادية التي تتشبث بالصخور الجبلية تتبين أنها في الغالب على وشك السقوط. وعند سفح الجبل تقع معاصر زيت السمسم وسط أكثر من عشرة عنابر شيدت لتظلل الجمال. كل واحد منها يدور ببطء وهو يجر حملا مثقلا بحجر ضخم يتم بواسطته عصر حبوب السمسم التي يتم وضعها داخل قمع خشبي مثبت في الوسط وتبلغ سعته ستة وثلاثين رطلا، وتعاد تعبئته خمس مرات في اليوم. وحول هذا القمع يظل الجمل يدور ويدور ليقوم بمهمته المعتادة والمملة بطريقة رتيبة ومتأففة، وهو رافع رأسه إلى الأعلى  كما لو أنه يؤدي طقسا خارج متناول المخلوق العادي. ولا شك أنه يعزي نفسه من شقائه في هذه الحياة بالمناداة بالفضيلة كما يفعل كثير من المحافظين من حوله.

وبالقرب من الميناء يقع القصر السلطاني القديم الذي أصبح اليوم مبنى عاما يجتمع فيه الحاكم بمجلسه. كما يضم هذا المبنى المحكمة والخزانة والمرافق الحكومية الأخرى. وتعد الجمارك والضرائب وعائدات العقارات والأراضي الزراعية الواقعة في المناطق الداخلية أهم مصادر دخل الحكومة. والدين الإسلامي هو مصدر التشريع. وللسلطان الكلمة الفصل في كل قضية.

وفي الشرق، خلف المقبرة، تمد المدينة ذراعها داخل البحر. وقد ذهبت إلى هناك لأزور السجن. وهو مبنى متواضع طليت جدرانه بالجير الأبيض، وله باب مزخرف لكن أشعة الشمس سلبته ألوانه. وبعد أن طرق السائق الأفغاني الباب فتح لنا حارس له وجه ضيّق ومظلم من دون أسنان ومغطى بعمامة خضراء، ومفتاحه معلق في حزامه.

وقد كان الحارس سعيدا أن يرينا سجنه، ولكنه لم يستطع أن يتذكر عدد السجناء على وجه الدقة. وأخبرني أنه لا يسمح لأحد بالاقتراب منهم. ويمرر الطعام لهم من فتحة في أسفل الباب. ومع ذلك كان بالإمكان مشاهدتهم من أعلى السطح. وقد صعدنا ووقفنا فوق قطعة كبيرة من الخشب وشاهدنا وسط ما يشبه الخندق المظلم عشرة أو أثني عشر رجلا من قبائل مختلفة وعددا مماثل من الصبية مقرفصين فوق كوم من الفضلات. وحالما رأونا في محيط سمائهم الأزرق نهضوا جميعا دفعة واحدة. وحين قلت لهم: “السلام عليكم” ردوا التحية بشكل جماعي. وحينما رأوا آلة التصوير في يدي أخذوا يتشاورن فيما بينهم ليقرروا إن كانوا سيسمحون لي بتصويرهم أم لا. وفي الحقيقة لم يكن من السهل أن أميز في ذلك الجحر إلا أشكالهم السوداء والصبية الذين كانوا يرقصون في الوسط ويصيحون “صورينا صورينا”. وقد رفع بعضهم ذراعه كما لو انه يصوب بندقيته نحونا. ثم صاحوا “هيا صوري الآن” والتقطت الصورة في الحال.

وكان معظم الرجال وجميع الصبية رهائن. وقد تم أخذهم من قبائل ارتكبت بعض الأفعال الإجرامية. ويتم استبدالهم بآخرين كل شهر أو كل شهرين. ومرة في الأسبوع يذهبون إلى البحر للاستحمام قبل أداء صلاة الجمعة. أما المرضى فيتم نقلهم إلى المستشفى. وسلطنة المكلا ليست من الدول التي تبعث بمندوبيها إلى المؤتمرات الدولية حول السجون. وأعتقد أن هذا أفضل. فمن المؤكد أن هؤلاء البدو السجناء يفضلون بؤسهم الجماعي وغير الصحي على الزنزانة الفردية الحديثة.

وفي نهاية فترة إقامتي في المكلا تعود مزيج السكان المكونين من البدو الحضر والأفارقة على مشاهدتي في الشارع الرئيسي. ومع ذلك ففي كل مرة أغادر فيها العربة يتجمع حولي حشد كبير من الناس. وهم طيبون. ولكن طولي لا يتجاوز مئة وسبعة وخمسين سنتيمترا وكان علي أن أشق طريقي بينهم حينما أرغب في مشاهدة ما وراء وجوههم الصاخبة المضطربة. ولم يحدث أن ذهبت إلى المدينة مشيا على الأقدام إلا مرة واحدة. وقد اضطررت إلى التراجع عن فكرة التوغل في المدينة واتجهت صوب الجبل بحثا عن الوحدة. ومع ذلك فقد تبعني زهاء خمسين صبيا وهم يرددون “نصرانية، نصرانية” إلى أن قطع صعود الجبل أنفاسهم. وحين وصلنا قمة الجبل كان الأطفال الضعفاء قد تراجعوا. أما البقية فقد جمعني بهم شعور مشترك بأننا قد أنجزنا أحد الأعمال العظيمة.

ثمّ مشينا نحو أحد الحصون الأربعة التي شيّدت فوق الجبل، وشاهدنا بجانبه مدفعا صغيرا لم يعد صالحا للاستخدام. وفي وسط جدار الحصن المائل مثل جدران الأهرامات هناك باب مزخرف. وفي أعلى كل ركن من أركان الجدار أضيفت زوائد وأحزمة مجسمة للزينة. ويسمى كل واحد من أبراج المراقبة تلك “كـوت”. وتقع جميعها على حافة الهضبة التي ظلت مأهولة إلى وقت قريب، إذ أن آثار الزراعة لا تزال واضحة. كما أن قمة الهضبة مغطاة بقبور ليست قديمة جدا. وقد اضطررت إلى استخدام مختلف وسائل الإغراء والإقناع لأحمل المرافق الصومالي الذي كان يساعدني على الصعود معي إلى تلك القمة. وأكد الأحد عشر صبيا الذين صمدوا معنا أنه لم يسبق لهم أن غامروا لبلوغ هذا المكان الذي أمضينا ساعة ونصفاً فقط لنصل إليه. وفي الواقع لا يعد تسلق الجبال رياضة ترفيهية في سواحل شبه الجزيرة العربية المليئة بالجبال والهضاب الصحراوية.

ومن أعلى نقطة قي القمة استمتعنا بمناظر خلابة. في الشمال تنبسط الهضبة في منحدر بلون الحديد الصدئ حتى تصل إلى القرى الصغيرة المغطاة بواحات النخيل التي يذهب سكان المكلا إليها للبحث عن البرودة في قيض الصيف. وخلفها تقع الوديان الصغيرة التي تقودك عبر هضاب صخرية متعرجة في اتجاه دوعن. وفي الشرق يقع وادي بويش ووادي ربوك ثم الشحر. وفي الغرب: فوة التي شيدت فيها قوات سلاح الطيران الملكي مدرجا للهبوط. أما في الجنوب تحتنا فلا تكف خنازير البحر عن الرقص في مياه المحيط الهندي.

وقد كانت قمة الهضبة عريضة ومستديرة. ويبدو كأنّ مخلوقا آليا ضخما قام بتسوية سطحها الصخري ذي العروق الوردية الذي لا تزال تنتصب فيه بعض النتوءات الحادة والمسننة. وعلى الرغم من أنني لست عالمة جيولوجيا فأني أعتقد أنّ هذا السطح الصخري الفريد من نوعه هو نتيجة لأعاصير الرياح الرملية التي تحفر في الصخر وتؤدي إلى تآكله مثلما تفعل الصنفرة. وقد أرهقت صلابة الصخور أفراد مجموعتي التي بدأت رحلة العودة حافية الأقدام عبر منحدر صغير ووعر يقع في الجهة الشمالية. ووصلنا منه إلى طريق تلتف حول التلال الصغيرة وتؤدي إلى وادي حضرموت، وينتصب على حافتها حصنان جميلان يحرسان المنفذ إلى البحر.

ومن بعيد يصعب التمييز بين الصخور وجدران هذين الحصنين اللذين يطل عليهما خزان الماء الخاص بمدينة المكلا وحديقة تشكل سورا يحيط بالخزان والقصر الصيفي المتهدم التابع للسلطان. وكنت قد جئت إلى هذا المكان يوم وصولي إلى المكلا. وتنزهت تحت الأشجار وبين الجربات المربعة المزروعة بالباذنجان والفلفل الأخضر والرمان والموز والعنب وأنواع أخرى لا أعرفها من الخضار والفواكه. لكني لم أر أية زهرة. وأثناء النزهة ظل بستانيان أسودان قصيران يتبعانني أينما ذهبت كأنهما ظلي. وحين عدت من ذلك البستان أخذنا معنا في العربة طالب علم شابا وطويلا ونحيفا كان يتنزه هو أيضا في هذه البقاع. وحين أخبرني أنه قد دعا الله أن يرسل له عربة قلت له: “إنّ الله هو الذي أرسلنا إليك”. ولم يقبل هذه الفكرة إلا بعد تردد، إذ أنه كان يتساءل كيف يمكن أن يستخدم الله كافرة لتنفيذ إرادته. ومع ذلك فقد انتهى به الأمر إلى الاطمئنان إليّ وأخبرني أنه هو أيضا يحب السفر لكنه فقير. فقلت له:

“هذا طبيعي لأنك متعلم؛ كل المتعلمين فقراء. ولا شك أنهم سينقطعون عن التعليم إذا لم يكونوا كذلك”. ووافق أيضا على هذا الرأي بحزن وأسف، وأكد لي أنه لم يكن ميالا إلى الكتب، وسيكون أكثر سعادة لو أنه كان جنديا. وحينما أخبرته أنني قد زرت جامعة الأزهر في القاهرة وأنّ الدراسة تدوم فيها ثلاث عشرة سنة قال إنّها طويلة للغاية. وسألني: “لقد درستِ أنت، لكن حياتك، أين هي؟” ولحسن الحظ جذبنا من هذه التأملات المحزنة حول طلب العلم فأر غزير الفرو كان مختبئا تحت صخرة، يقظا وثابتا في مكانه، وفي الوقت نفسه مستعدا للقفز بعينيه وفكره وجسمه. إنه مخلوق سعيد يجهل كل شيء عن الواجبات الدينية ولا شك أنه لن يرغب فيها.

وحين جاء المساء بنسيمه البارد وضع “الشيخ” الشاب رداءه القطني حول كتفيه؛ فقد كان ضعيف البنية وشاحبا. وسرعان ما تبدد أيضا من شخصيته بصيص الإنسانية حيث تركني بالقرب من بوابة المدينة إذ أنه لا يريد أن يجازف بسمعته في صحبتي المريبة. وابتعد عن العربة بعد أن استعاد هيئة الشيخ ووضع فوق وجهه قناعا من التجهم، وصار في جلبابه الشنيع أنموذجا لرجل الدين فيما عدا طريقة مشيه التي ظلت تشبه حركة حيوان متوحش وطليق.

وفي أحد الأيام أخذني السائق الأفغاني إلى مدرج هبوط الطائرات العسكرية في فوة. وهو واحد من المدرجات العديدة التي قمنا بتشييدها على طول سواحل شبه الجزيرة العربية. ويقع هذا المدرج في سهل مكشوف تنطلق منه الطريق المؤدية إلى وادي خربة ووادي حجر في الشمال. وقد طليت الأحجار الكبيرة التي تبين حدود المهبط بالجير الأبيض لكي تسهل رؤيتها في هذا الوسط الأحمر والبني. ووفقا لمنطق التاريخ من المتوقع أنْ تحسب هذه الجلاميد في المستقبل معابد أقيمت احتفاء بذكرى الزيارات السماوية وذلك بعد أن تكون الطائرات الحالية قد اختفت ولم يعد هناك من يتذكرها.

وتقع فوة على مسافة عشرين كيلومترا من المكلا. وتمر الطريق المؤدية إليها فوق رمال الساحل، وتنحني أحيانا باتجاه الداخل في الوديان ذات الأحجار الحمراء وحيث تنمو أشجار السمر وأشجار شوكية أخرى جافة مغطاة بالغبار. ولا شيء هنا يدل على وجود الإنسان ما عدا بيت صغير وبقربه حديقة شبه ميتة  وعدد من النسوة قدمن من المكلا وشرعن في جمع عيدان الأشجار الشوكية بعد أن رفعن قمصانهن إلى فوق ركبهن بينما احتفظن بوجوههن مغطاة خلف البراقع السميكة. وفي الغرب من فوة، على طول الساحل الممتد على مسافة مئة واثني عشر كيلومترا بين المكلا و(بير علي) لا يمكنك أنْ ترى شيئا غير قرية بروم. وهي بلدة بائسة ليس بها منازل حقيقية. وسكانها الذين تمتزج في عروقهم الدماء الإفريقية بالدماء العربية يتعاونون معنا بفضل التأثير الإيجابي لقوات سلاح الطيران الملكي. وقد أحاط بنا هؤلاء الناس. وبما أنه ليس لديهم شيء يعرضونه علينا فقد أخذونا إلى المدرسة، وهي غرفة ترابية مظلمة بدون نوافذ في طابق أرضي وقد تحلق وسطها اثنا عشر طفلا. بعضهم يقرأ في نسخ من القرآن ذات أغلفة حمراء، أما الآخرون فيتظاهرون بالقراءة بصوت ضوضائي وجسم مهتز، بينما وقف معلمهم الأسود، ذو اللحية البيضاء القصيرة أمام الباب ليستقبل النسيم البارد بصدره العاري. ويبدو أنه كان راضيا عن تلاميذه الذين يهمهمون. وحين سألته عن أحسن تلاميذه أشار إلى أقبحهم جميعا.

وبينما نحن عائدون عبر طريق الساحل الرملي الذي تبلله موجات البحر بانتظام حلق فوقنا سرب من طيور النورس وحط خلفنا مباشرة. وهي تعيش هنا بأعداد كبيرة. وحين تطير فوق سطح الماء تبدو بيضاء أو سوداء كقطرات المطر.  أما حين تحط  فوق الرمال البيضاء فهي تشبه اللؤلؤ الأبيض، وفوق الرمال الذهبية تصير مثل اللؤلؤ الرمادي. وحين تسبح في خطوط مستقيمة فوق الماء تبدو وكأنها عقد انفرط  فوق البحر.  ثم أخذت تحلق وتدور فوقنا ولا ترتفع عن الأرض إلا بالقدر الذي يسمح للعربة بالمرور. وقد أخطأ أحدها تقدير تلك المسافة واصطدم بي ووقع فوق ركبتي. وحين أمسكت به كان متجمدا من الخوف. لكن عينيه المحاطتين بحبتي لؤلؤ ظلتا تتحركان. وقد لاحظت أن الجزء الأعلى من منقاره يلتف فوق الجزء الأسفل منه. ومخالبه كانت عريضة وشاحبة. وحينما حررت جسمه شعرت بنعومة ريشه الدافئ مثل مياه المحيط الذي تعيش فوقه.

وقبل مغادرتي مدينة المكلا قمت بزيارة ثلاث مدارس. شيّدت الأخيرة – والأجمل- منذ أربع سنوات. ويقوم السلطان بدفع ميزانيتها. ويلتحق التلاميذ بها لمدة ست سنوات. لكن المدرسين أخبروني أنه من النادر أن يترك الآباء أولادهم في المدرسة أكثر من أربع سنوات لأن التعليم لا يجلب أي ميزة مادية. وكان المدرسون من الشباب المتحمسين الذين يكنون للعلم والتعليم الحب الذي ما زال الشرق يعتز به. وكانوا ثلاثة عشر يعلمون ثلاث مئة صبي موزعين على ستة صفوف. ويجلس تلاميذ المستويات الأولى مقرفصين فوق الأرض. أما الكبار فيجلسون فوق مقاعد. والجميع، بمن فيهم الصغار، يستطيعون أن ينشدوا قصيدة الترحيب المقرونة بعدد كاف من العلامات التي تدل على أنهم يقومون بأحد الواجبات المدرسية. وكما هي الحال في المدن الموبوءة يرتدي الأطفال ملابس مهلهلة ولا شيء فيهم ينم عن الذكاء.

والكتب التي تأتي من مصر قليلة. والخزانة لا تحتوي إلا على خريطتين وبعض كتب القراءة ونسخ كثيرة من القرآن. أما كنز المدرسة الحقيقي فهو عبارة عن كرة أرضية مجسمة ومثبتة فوق قائم ومغطاة بكيس لا يزاح إلا في المناسبات الكبيرة. وخمس من مجموع المواد المستنهجة تتعلق بمختلف فروع الدراسات القرآنية. وتتناول بقية المواد القراءة والنحو والإملاء والإنشاء والرسم والحساب والجبر والهندسة والجغرافيا والتاريخ. وهناك أيضا مادة (الإشارة بالأعلام) التي تدرس في المستوى الأخير  الذي تمنح في نهايته شهادة تتوج سنوات الدراسة التمهيدية.

وكان السيد عمر، نائب المدير، الذي اصطحبني في زيارة المدرسة، طيبا ولطيفا ويحب تلاميذه كثيرا. وكان له وجه مستطيل، ولحية صغيرة في أسفل الذقن، وعينان لوزيتان، وفم واسع. وقد ترك حماسه وحماس الشيخ عبد الله الذي يمسك سجلات المدرسة أثرا طيبا في هذه المؤسسة على الرغم من جسامة المهام الملقاة على عاتقهما مقارنة بالموارد الشحيحة وفقر التلاميذ.

وتعمل المدرسة الحكومية القديمة على المنوال نفسه. ولكن المدرسة الثالثة عبارة عن مؤسسة خاصة يقوم بإدارتها مبشر مسيحي هندي. وكان لديه خمسة وخمسون تلميذا كلهم أكثر نظافة وأناقة من تلاميذ السيد عمر. ومن الواضح أنهم جميعا من ميسوري الحال. ولا شك أن هذه المدينة التي تفتخر بخلوها تماما من اليهود واحتوائها على عدد قليل جدا من المسيحيين لم تكن لتقبل هذا المبشر الذي اضطر أن ينتظر شهورا طويلة قبل أنْ يُسمح له بالإقامة فيها. وهو الآن هنا بوجهه الطيب الأمين، وأسنانه الصفراء، ونظاراته، وروبياته الستين التي يمنحه إياها السلطان شهريا لتسيير المدرسة وتوفير الأوراق للتلاميذ وكل مستلزماته وكذلك متطلبات عائلته. وفي مكتبه الذي يقع في الطابق الأعلى رُصّ عدد من الكتب في صفين، وقد صارت أوراقها بالية من كثرة الاستخدام.

وتقوم امرأة قصيرة بمساعدة المبشر في القيام بمهامه، وتحاول في الوقت نفسه أنْ تتكيف بطريقة أو بأخرى مع هذا الوضع وألا تندم على فراقها لعدن. أما البنات فقد نسين تماما دروس التطريز التي تلقينها في المدرسة التبشيرية هناك. واندهشت لروح البطولة التي تحفز هذا الرائد المخلص في كفاحه من أجل نقل الحضارة إلى أرض جموح وصعبة المراس. وقبل مغادرتي المدرسة قام المبشر الهندي بجمع تلاميذه وطلب منهم أنْ ينشدوا (God save the king) باللغة الإنجليزية ثم باللغة العربية. وقد استمعت لهم بشيء من القلق. وسألت نفسي إذا كان هذا النشيد لا يمكن أنْ يُفسر بأنه أسلوب ذكي من أساليب البروباجندا البريطانية التي نسمع عنها كل يوم. لكني سمعت لاحقا أنّ عبارة (God save the king) التي تفتخر بها مدينة المكلا كلها لم تترك أي أثر سلبي في المنطقة.

أما المشهد الأكثر تسلية الذي شد انتباهي في هذه المدرسة فقد كان حوارا باللغة الإنجليزية بين اثنين من التلاميذ حول كرسي. قال الأول:

–                    اشتريت كرسيا. وسأله الثاني:

–                    كيف هو؟ فرد الأول:

–                    من الخشب … الخ.

ومع أن الموضوع كان عاديا فقد تناوله التلميذان كما لو أنهما في معركة حامية الوطيس. فقد أخذا يتجادلان بصوتين حادين وجسم كل منهما يميل في اتجاه الآخر باندفاع جنوني. وبدا لي أن حضور التلاميذ الآخرين فقط هو ما منع كل واحد منهما أن يمسك بخناق الثاني. واضطررت أن أنتبه جيدا لكي أتأكد من أنهما يتحدثان حقا عن وصف كرسي ويهدأ روعي. وقد غادرت تلك البقاع التي مسّها التأثير الغربي حزينة ومفعمة بروح الحبيب الذي  لا يبالي بالأهمية الكبيرة التي يضفيها الآخرون على مشاعره الهزيلة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: