مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

أساتذة الجامعات ودورهم في المجتمع

Posted by amshoosh في يوليو 1, 2012

أساتذة الجامعات ودورهم في تطوير المجتمع

(كونك أكاديمياً لا يعني ألا تكون إنساناً!!)

بقلم عبد الله المبرد

في وصف بليغ دقيق، شبّه المفكر التربوي ماجد عرسان تأثير العلماء والمفكرين في أممهم ومجتمعاتهم، بتأثير الخميرة في العجينة، فكلّما كانت الخميرة جيدة ومركّزة كان قليلها كافياً لإحداث التفاعل المطلوب، وعلى قدر تدني جودتها يلزم زيادة كميتها! وذلك يعني أيضاً أن الخميرة إذا كانت مغشوشة فاسدة فمهما كانت كميتها وأعداد حبيباتها فإنها لا تنفع شيئاً ولا تحدث أثراً؛ بل تصبح بمثابة الشوائب التي تفسد العجين، وخلو العجين من خميرة فاسدة يبقيه -على الأقل- نقياً أبيض! فأبرز خصائص العلماء والمفكرين والباحثين هي خاصية التأثير في المجتمعات، وممارسة الريادة الفكرية والثقافية والاجتماعية، والحفاظ على موقع المرجعية والقيادة. والذي أثارني لمناقشة الموضوع هو الإحساس بالخسارة الفادحة التي يُمنى بها مجتمع كمجتمعنا، لديه عشرات الجامعات المكتظة بعشرات الآلاف من الباحثين والمتخصصين الأكاديميين، وحملة الشهادات العليا في مختلف التخصصات، ثم إذا تتبعت أثرهم في الناس، أو تفقدّت أقلامهم في الوجبة الثقافية التي يتناولها المجتمع في يومه وليلته، أو استشرفت لحضورهم في حياة الناس ومواجعهم والمظالم التي يشكونها، إذا تحسست بصمتهم في القرارات المصيرية، أو بحثت عنهم في مواقع التأثير والتوجيه، لم تجد منهم غير أقل القليل، فـ 10 % فقط من أساتذة الجامعات -كما يُقدر أحد شهود أهلها وهو الثقة الثبت د. عبدالله وكيل الشيخ- هم فقط الذين يشاركون الناس همومهم ويعالجون آلامهم ويعيشون قضايا مجتمعاتهم!

إذاً فهل يحق لنا أن نعلن عن فقد 90 % من أذكياء مجتمعنا وكفاءاته ومتخصصيه؟ هل نسجّل غيابهم عن عجلة الاصلاح والتنمية التي تخوضها قوى الخير في أمتنا ومجتمعنا؟! وهل نتّهمهم بالتولي (غداة الزحف) زحف الفساد الأخلاقي الذي تسعره القنوات الفضائية المعادية لقيمنا، وزحف الفساد الإداري والمالي، وزحف الانحرافات السياسية والاقتصادية، وزحف التردي التربوي والتأخر الصناعي، زحف الفساد الصحفي والثقافي الذي أزرى بنا أمام المجتمعات الأخرى! أي وزن لهم إذا تضاءلوا أمام الانحرافات بأنواعها والمنحرفين بأجناسهم وطبقاتهم! وأي معنى لهم إذا تراجعوا عن مواقع صناعة الحدث، والقرار، والكلمة والرأي، والتوجيه؟

وأي قيمة لهم إذا كانوا يعيشون على هامش الحدث؟

إنهم -بالفعل- يصبحون خميرة فاقدة خاصية التأثير، لا يزكو بهم المجتمع، ولا ينمو!

والمفارقة المحزنة أن هذه النسبة الكبيرة من المتخصصين والأكاديميين ينظرون لأنفسهم -ونحن ننظر لهم أيضاً- على أنهم نخبة المجتمع، لكن هذا لا يتلاءم أبداً مع المستوى المخجل من الهامشية التي يعيشها أغلبهم في ميدان الفعل الاجتماعي.

ولست أدري كيف يمارسون الرضا عن ذواتهم والزهو بما حققوه لأنفسهم، ثم يرضون بهذا المستوى من السلبية الاجتماعية والعجز المخجل.

كيف تجاهلوا أنفسهم وبخسوا ذواتهم حتى تركوا قيادة التغييرالفكري والاجتماعي والثقافي إلى من هم دونهم إدراكاً وتأهيلاً وعلماً، ثم جلسوا مع عوام الناس يقلبون الصحف ويتابعون الأخبار ويتأسفون لما وصلت له أحوال المجتمع؟

مع أنهم داخل قاعات المحاضرات يتحدثون بلهجة المتفهم لأدقّ التفاصيل وأعقد الملابسات، وبأسلوب الذي يملك الإجابة على كل الأسئلة أو أغلبها!

وهذه مفارقة محرجة، أو ينبغي أن تكون محرجة، لهذه القوة الفكرية والمعرفية السكرى، المغمى عليها!

هذا العجز ينبغي أن يحرج هذه النخب ويحركها نحو مواقع الفعل الاجتماعي والمبادرة الميدانية، فالبروفسور محمد يونس صاحب فكرة بنك الفقراء، كان -عندما ضربت المجاعة بنجلاديش عام ١٩٧٤م- رئيساً لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج في بنجلاديش، ويحكي عن تلك اللحظة التي أعادت صياغته، وكانت سبباً لصحوته من سكرته الأكاديمية، حين كانت أمته تذوب تحت وطأة الجوع، ورأى أكثر من مليون ونصف إنسان من قومه يموتون في الأزقة وعلى جنبات الشوارع، لقد عبّر لحظتها عن إحساسه بمقته وكرهه لنفسه وزملائه أساتذة الاقتصاد بسبب غطرستهم وغرورهم حين يزعمون أنهم أكثر الناس وعياً بحقائق الأمور، وأقدرهم على وصف الحلول وصناعتها، يقول:”لقد كنا -نعم- نحن أساتذة الاقتصاد نتميز بشدة الذكاء، لكننا لم نكن نعرف شيئاً عن الفقر الذي كان يحيط بنا من كل جانب”! أحسّ بأن ذاته المنتفخة في جامعته وفي قاعة المحاضرات، وعلى صفحات البحوث قد تلاشت على أرض الواقع، وتقزّمت أمام معضلة إنسانية تقتل أهله وشعبه، مع أنها من حيث الموضوع في صلب تخصصه!!

ساعتها تحدّر البروفسور من برجه الأكاديمي، وراح مع طلابه يقابلون الفقراء ويخالطونهم، ويحللون أوضاعهم عن كثب، حتى أمسك بخيوط الفقر هناك وفكك شفرته، ولم يستطع ذلك إلا حين وقف للمشكلة وجهاً لوجه! حين غمس قلبه وضميره ويده فيها، حين برز لها حيث توجد، وليس في قاعة المحاضرات المخملية. لقد لاحظ أن الفقراء يكدحون طوال اليوم، لكن الفوائد التي كانت تأخذها عليهم البنوك تأكل جهودهم وأعمارهم وتجعلهم يدورون في حلقات الفقر المفرغة، فحاول إقناع البنوك بإقراضهم دون أخذ فوائد على الفقراء، ليقيموا مشروعات متناهية الصغر!! فسخرت منه البنوك وقالت له: إن الفقراء لا يستحقون الإقراض!! فاضطر لتقديم قروض من ماله الخاص لمجموعة من الفقراء (كتجربة علمية يرصد نتائجها بنفسه) ونجح الفقراء في الإنتاج وخرجوا من حفرة الفقر، ونجحت الفكرة حتى تطورت وأصبحت بنك (جرامين) وما زالت الفكرة تتخطى القارات وتنتشر في كثير من الدول لتكسر سورة الفقر، وتقصقص مخالبه، وتنتشل عشرات الملايين من البشر من مهانة الفقر ومضاعفاته!

والمعنى الذي ندور حوله لخّصه نعوم تشومسكي بعبارة مؤثرة في إحدى مقابلاته حين قال: (كونك أكاديمياً لا يعني ألا تكون إنساناً!!) قالها حين سأله المذيع عن سر أطروحاته السياسية والفكرية القوية التي يصادم بها السياسات الأمريكية، وعن دافعه الذي جعله يتصدى لحكومات بلده وسياساتها العدوانية، ويكشف خداعها وزيفها وكذبها، ويقف إلى جانب ضحاياها بكل شجاعة، ويستميت في فضح خديعة (الحرب على الإرهاب) ويصر على إقناع العالم بأن أمريكا هي أكبر قوة إرهابية تهدد البشرية.

حتى أصبحت تتجاهله القنوات والتلفزيونات القومية الأمريكية، وباتت كتبه محاصرة محرومة من الدعاية والتسويق الذي يحظى به ما هو أقل منها قيمة ومعنى!

نعوم تشومسكي هذا (أكاديمي) بل هو أبرز عالم لسانيات معاصر، وأكبر روّاد هذا العلم والمؤثرين فيه، وهو أمريكي الجنسية، يهودي الأصل، قد تجاوز الثمانين من عمره الآن، ومع ذلك يُمنع من دخول إسرائيل بسبب الحرب التي يشنها عليها دفاعاً عن الفلسطينيين وحقوقهم وفصائلهم المقاوِمة!

وليس من صالح تلك العقول الجبارة، والقوى الفكرية الضاربة، القابعة في الأقسام العلمية أن تطول غيبوبتها عما يحدث حولها، وتتماهى بسكوتها مع الانحرافات التي أفسدت على المجتمع حياته وباتت تهدد استقراره، ولا من مصلحتها أن تتنكر لشؤون الناس وشجونهم رغبةً أو رهبةً أو غفلةً، لأن الذي يتجاهل الناس يتجاهلونه، والذي يعيش صغيراً يموت صغيراً، والذي لا يقرأ التاريخ ينساه التاريخ، وربما شتمه ولعنه!!

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: