مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

قراءة في كتاب عبد الله فيلبي

Posted by amshoosh في يوليو 4, 2012

(المستكشف هاري سانت جون فيلبي ورحلته إلى حضرموت)

إصدار جديد للدكتور مسعود عمشوش

بقلم د. عبد الرحمن عبد الخالق

في إصداره الجديد- المتجدد (المستكشف هاري سانت جون فيلبي ورحلته إلى حضرموت)، الصادر عن “دار جامعة عدن للطباعة والنشر – 2012)، يعلن الدكتور مسعود سعيد عمشوش حضوره العلمي المتميز، رافداً المكتبة العلمية بخامس إصداراته.

المتتبع لإصدارات الدكتور عمشوش، سيلحظ ذلك التوجه الواعي من لدنه، بل من الممكن القول دون مبالغة التوجه (الاستراتيجي)، في الرصد العلمي لما يكتبه الرحالة والباحثون والمستكشفون الأجانب عن المنطقة، مستخدماً الأدوات المنهجية المطلوبة.. والغالب على كتابات الباحث يدخل في باب (الصورولوجيا Imagologie)، أحد فروع الأدب المقارن، الذي يدرس صورة (الآخر)، سعياً نحو خلق جو من الفهم والتفاهم والتعايش بين (الأنا) و (الأخر).

يأتي قيمة كتاب (المستكشف هاري سانت جون فيلبي ورحلته إلى حضرموت)، أولاً من الطبيعة الإشكالية والمكانة المرموقة للرحالة والمستكشف فيلبي، وعلاقته الحية بالمنطقة العربية وتحديداً بالجزيرة العربية، وثانياً لإنجازاته العلمية المتصلة برحلاته، ومنها رحلته إلى حضرموت، كتب الدكتور عبد الله الصالح العثيمين عن فيلبي (… عُدَّ في طليعة الرحالة الغربيين الذين تجوَّلوا في جزيرة العرب نتاجاً علمياً، وصفاً للأمكنة، واهتماماً بالنقوش ونقلاً لها، ورسماً للخرائط، وربما كان ابنه كيم محقاً عندما كتب على شاهد قبره في بيروت “هذا أعظم مكتشفي جزيرة العرب”). (1)

إذاً نحن أمام شخصية ثريَّة (موظف حكومي، سياسي، رجل استخبارات، مستكشف، باحث، تاجر)، وأمام مصنفات ومؤلفات عديدة، يصعب على مؤلَّف واحد الإلمام بها، ولذا جاء كتاب الدكتور عمشوش مقتصراً على التعريف الموجز بحياة هاري سانت جون فيلبي ونشاطه الاستكشافي في الجزيرة العربية ورحلته إلى حضرموت، وردود فعل السكان من ناحية، والسلطات البريطانية وإمام اليمن من ناحية أخرى تجاه هذه الرحلة، ولم ينس التطرق إلى الأبعاد العلمية لرحلة فيلبي إلى حضرموت، من حيث الأبعاد الجغرافية، والتركيبات الاجتماعية والأنساب القبلية، وبعض العادات الشعبية، والأبعاد التاريخية والأثرية.

ولأن فيلبي أفرد كتاباً لرحلته إلى شبوة وحضرموت عبر الربع الخالي، هو (بنات سبأ)، الذي وصفه فيلبي بـ”أفضل كتبه كلها”، والذي يعد اليوم من أهم المصادر العلمية لمعرفة واقع حضرموت والجزيرة العربية بشكل عام خلال فترة الثلاثينيات من القرن الماضي (2)، فقد كان الأساس الذي اعتمده الدكتور عمشوش لتتبع رحلة فيلبي إلى حضرموت، وخصه بالدرس الفني، من حيث دراسة تقنية السرد وتقنية الوصف وتوظيف الصور والرسوم، فضلاً عن دراسة الأبعاد الأيديولوجية التي صبغ بها فيلبي كتابه، التي هيمنت بشكل واضح على أجزاء كبيرة من الكتاب، بما في ذلك المقدمة – حسب الباحث- إذ اعترف المؤلف نفسه بأنها “غير قويمة لكتاب رحلات”، إذ أن تسعاً من العشر صفحات التي تكونها مكرسة لشن أقسى انتقادات وجهها فيلبي في حياته للسلطات البريطانية بمختلف مكوناتها (3).

لم يكتف الدكتور عمشوش بتتبع رحلة فيلبي منذ أن كلفه الملك عبد العزيز في 11 ديسمبر 1935 بزيارة عسير ونجران لتوثيق الحدود بين السعودية واليمن على الخرائط، بناءً على الاتفاقية الموقعة بين البلدين في عام 1934، وبداية رحلته في 21 مايو 1936، التي تُعد أطول رحلاته في المنطقة العربية، سواء من حيث المدة الزمنية، أو من حيث المسافة (4)، هذه الرحلة التي امتدت إلى شبوة وحضرموت (السلطنة القعيطية والسلطنة الكثيرية)، بل خضع كثيراً من الأحداث والمواقف للتحليل والمقارنة، فنراه –مثلاً- يشير إلى الرحلة الثانية للرحالة البريطانية فريا ستارك إلى حضرموت شتاء 1937- 1938م، التي صادفها الإجراءات العنيفة التي اتخذتها الحكومة البريطانية، بقصف مناطق قبيلتي الحموم والصيعر، وكيف قامت برصد تلك العمليات العسكرية وتبريرها، حيث كانت قد أشارت في مقدمة كتابها (مشاهد من حضرموت) أن اللجوء إلى الغارات الجوية هو الوسيلة التلف القبائل على احترام السلام الإنجليزي أو ما يُسمى بـ(صلح انجرامس)، فاستحقت عن ذلك تكريم ملكة بريطانيا بمنحها لقب فارس (مدام) الإمبراطورية البريطانية تقديراً لخدماتها في الشرق الأوسط، بينما لم يسكت فيلبي على ما تقوم به بريطانيا في حضرموت في تلك الفترة، ووجه نقداً لاذعاً لسياسة حكومته، التي سينتهي الأمر إلى وضعه في السجن بعد ثلاث سنوات من عودته من حضرموت (5).

كتاب “المستكشف هاري سانت جون فيلبي ورحلته إلى حضرموت” كتاب ثري في مادته، رصين في تناوله، يقود القارئ طوعاً للإبحار فيه، رغبة في التعرف على شخصية فيلبي المدهشة، وعلى عوالم حضرموت في ثلاثينيات القرن الماضي، من وجهة نظر فيلبي على الأقل.. بل والأجمل هو أن الباحث استحث فضول القارئ في قراءة (بنات سبأ) ومؤلفات فلبي الأحرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1- هاري سانت جون فيلبي، بعثة إلى نجد 1917- 1918م 1336- 1337هـ، ترجمة وتحقيق عبد الله الصالح العثيمين، توزيع مكتبة العبيكان، الرياض 1998، ط 2، ص 46).

2- (د. مسعود سعيد عمشوش، المستكشف هاري سانت جون فيلبي ورحلته إلى حضرموت، ص105).

3- (المصدر نفسه، ص 95).

4- (المصدر نفسه، ص 31).

5- (المصدر نفسه، ص 55).

 

Advertisements

رد واحد to “قراءة في كتاب عبد الله فيلبي”

  1. بارك الله بك و زادك علماً و يعطيك العافية. يرجى وضع المزيد من هذه المواضيع و ايضاً اضافة المزيد من تفاصيل و المعلومات للفائدة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: