مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

اللغة العربية متطلبا جامعيا

Posted by amshoosh في يوليو 18, 2012

اللغة العربية متطلبا جامعيا (في جامعة عدن) أ‌. د. مسعود عمشوش

اللغة هي وعاء للفِـكر والمعرفة، وأداة التفكير والتعليم. وأي ضعف في اللغة يترتب عليه ضعف في استيعاب المعرفة والتفكير والتحصيل العلمي والعطاء والإبداع. ومن المعلوم أن اللغة العربية هي لغة التعليم في معظم كليات جامعة عدن. وحتى قبل أن يحدث أي تدهور في المستوى التعليمي لمس القائمون على التعليم الجامعي أن الطلاب حينما يلتحقون بالجامعة يعانون ضعفا في الإلمام بمهارات اللغة العربية – التي هي لغتهم الأم- وهو ضعفٌ تمتد جذوره إلى مرحلة ما قبل الجامعة. لذلك اضطر واضعو الخطط الدراسية في مختلف أقسام كليات جامعة عدن باستثناء كلية الطب وأقسام اللغة العربية – وبتوجيه من الإدارة العامة للمناهج في الجامعة- إلى تضمين تلك الخطط مساق (اللغة العربية). وحتى عام 1988 كان هذا المساق يمتد في كلية العلوم والآداب والتربية في أربعة فصول دراسية ثم قلص بعد ذلك إلى فصلين دراسيين فقط، كما هي الحال في معظم الجامعات العربية.

وفي الغالب يُطلق على مساق اللغة العربية – متطلب جامعة – في الجامعات العربية: لغة عربية 101 في الفصل الدراسي الأول، ولغة عربية 102 للفصل الدراسي الثاني. وقد اهتمت بعض الجامعات العربية بمساق اللغة العربية إلى جانب مساق اللغة الإنجليزية وألزمت كلياتها المختلفة بما فيها كليات العلوم والطب بتضمين هيكلها قسم للعلوم الإنسانية يؤطر مدرسي اللغة العربية واللغة الإنجليزية وربما مواد علم النفس أو الثقافة العربية التي تـُقدم لطلبتها. وحسب ما استطعت الاطلاع عليه من مناهج يبدو لي أن أساتذة اللغة العربية في الجامعات الأردنية هم أكثر الأساتذة العرب الذين قاموا بإعداد كتب منهجية لمساقي: لغة عربية 101 و102.

وفي الثمانينات قامت جامعة صنعاء بتكليف مجموعة من أساتذة أقسام اللغة العربية فيها بوضع كتاب للغة العربية (متطلب جامعة) في كلياتها المختلفة. وهو لا يزال معتمدا حتى اليوم. وفي مطلع هذا القرن قام الأستاذ محمد الحجري بوضع كتاب منهجي لتدريس المساقين في كلية جامعة العلوم والتكنولوجيا اليمنية الأهلية. وهو كتاب ممتاز ويبز الكتب الأردنية. إذ أنه يحتوي عل توصيف عام للمادة، وتوصيف لكل وحدة وذلك مثلما تنص عليه معايير الجودة الأكاديمية. وقد قام بالتقديم للكتاب الأستاذ الدكتور عبد العزيز المقالح.

ومن أفضل ميزات كتاب محمد الحجري – تقديمه للغة العربية بوصفها: مهارات ب-احتواؤه على وحدات تقدم بشكل علمي وحديث مختف جوانب اللغة العربية ج- احتواؤه على وحدة مكرسة لتدريس مهارات اللغة العربية الوظيفية: مثل التلخيص والتقرير وكتابة المذكرات الجامعية والسيرة الذاتية والرسائل الرسمية.

وفي اعتقادي أن تلك المزايا هي التي دفعت بعض الجامعات اليمنية الأخرى مثل جامعة حضرموت إلى اعتماد ذلك الكتاب لتدريس مساقات اللغة العربية – متطلب جامعة

أما في جامعة عدن، ففي نهاية السبعينات كـُلف المرحوم الأستاذ الدكتور جعفر الظفاري بإعداد منهج للمساق. ومن خلال المحتوى التفصيلي الذي وضعه الأستاذ الظفاري تبرز الأهداف العامة للمساق على النحو الآتي:

– رفع مستوى الطلاب في اللغة العربية كتابة ونطقا لأجل تحصينهم من مختلف أنواع الأخطاء اللغوية.

– تدريب الطلبة على الإملاء الموافق للقواعد والأصول الفنية.

– الارتقاء بملكات الطلبة في نطق الحروف من مخارجها الصحيحة.

– توسيع معارف الطلبة وربطهم بالتراث العربي الإسلامي.

– ترسيخ المصطلح العلمي

ولتحقيق ذلك يراعى الآتي:

– مراجعة بعض المفردات النحوية والصرفية مثل المبني والمعرب والمبتدأ والخبر والحال والتمييز والاستثناء….الخ.

– مراجعة قواعد الإملاء والترقيم.

– الاهتمام بالجانب التطبيقي تحريرا وشفاهة.

ويتم ذلك من خلال اعتماد نصوص من القرآن الكريم وأمهات الأدب العربي القديم. وقد حدد الأستاذ جعفر الظفاري في التصور الذي وضعه لتدريس هذا المساق عددا من النصوص الأدبية واللغوية التي ينبغي على المدرس اعتمادها. لكن نتيجة لتركيز الظفاري على النصوص الأدبية القديمة، لم يلتزم مدرسو المساق بما جاء في ذلك المنهج منذ وضعه. ومنذ التسعينات أصبح كل مدرس يختار بنفسه النصوص التي يراها مناسبة لتحقيق الأهداف نفسها. ولا يبدو لي أن الكتاب الذي وضعه الدكتور صاحب خليل في نهاية الثمانيات أو الكتاب الذي وضعه الدكتور فضل مكوع يمكن أن يقترب من مستوى كتاب محمد الحجري ويمكن اعتماده لتدريس مساقي 101 و102 في جميع كليات جامعة عدن.

لهذا يظل غياب وضع كتاب منهجي حديث لتدريس اللغة العربية متطلب جامعة من قبل أساتذة اللغة العربية في جامعة عدن أهم عقبة تواجه المدرسين الذين يقومون بتدريس هذين المساقين

العقبات الأخرى التي تواجه تدريس مساق (اللغة العربية متطلبا جامعيا) وأوجه القصور:

1- الأعداد الكبيرة من الطلاب في قاعة الدرس، وإحجام الكليات عن تقسيمهم إلى مجموعات صغيرة بحجة عدم وجود عدد كاف من القاعات أو المدرسين.

2- عدم وجود امتحان موحد لجميع الطلبة في الكلية نفسها، وعدم الاهتمام بالمستوى الشفهي لاسيما عند التقييم، وكذلك غياب الآليات المناسبة لمراقبة أداء المدرسين.

3- إصرار معظم الأقسام العلمية على وضع مادة اللغة العربية في نهاية اليوم الدراسي أي في الزمن الميت بين الساعة الثانية ظهرا والسادسة مساء أي بعد أن يكون الطالب قد أرهق ذهنيا وجسديا.

4- عدم اهتمام كثير من الطلبة بمادة اللغة العربية، والنظر إليها على أنها مادة غير أساسية بما أنها تقع خارج التخصص.

5- عدم وجود عدد كاف من مدرسي اللغة العربية داخل الجامعة واضطرار الكليات إلى الاعتماد على انتداب مدرسين من خارج الجامعة وفي الغالب لديهم التزامات كثيرة أخرى تؤثر في عطائهم داخل الجامعة.

6- عدم اهتمام الجهات المعنية في جامعة عدن بتنظيم حلقات نقاش أو تكليف لجان معينة لإعادة النظر في إستراتيجية هذا المساق والعمل على تحديثه ومن الاستفادة مما استجد في علم اللغة ومن تجارب الجامعات العربية الأخرى بما يمكن أن يساعد الطالب على التصدي للمتطلبات التواصلية المعاصرة.

بعض المقترحات للرفع من مستوى فعالية مساق (لغة عربية متطلبا جامعيا):

1- وضع مفردات لهذا المساق تأخذ بعين الاعتبار ما يأتي:

– المستجدات التي طرأت في طرق تعليم اللغة العربية في مستوى علم اللغة الاهتمام بالمستوى الصوتي والتواصلي والوظيفي للغة بالإضافة إلى الجوانب النحوية والصرفية والتعبيرية والجمالية.

– حاجة الطلبة إلى إتقان وسائل التعبير والكتابة المرتبطة بالعملية التعليمية والتطور الحضاري مما يحتم الاهتمام أكثر باللغة الوظيفية تقنيات التلخيص والعرض وكتابة المذكرات والتقارير.

2- تكليف عدد من الأساتذة في أقسام اللغة العربية بوضع كتاب منهجي خاص بالمساق يأخذ بعين الاعتبار ما ورد في النقطة السابقة مع ترك مساحة معينة تقوم الكليات بتحديدها وفقا لطبيعة التخصصات التي تدرسها مما سيجعل الطلبة يشعرون بأهمية هذا المساق للتفوق في تخصصهم.

3- إلزام المدرسين بتحديد مساحة زمنية لتدريس المهارات الكلامية.

4- إقناع الكليات بتقسيم الأعداد الكبيرة من الطلبة إلى مجموعات صغيرة لا يزيد عدد الطلبة في كل منها على 30 طالبا. وإقناع الأقسام العلمية بالنظر إلى مادة اللغة العربية كما تنظر لبقية المواد في الخطة الدراسية.

5- إعادة النظر في طريقة تقييم الطلبة في مادة اللغة العربية وتمكين المدرسين من إجراء امتحان شفهي بعد النجاح في الامتحان الكتابي. وتوحيد الامتحان على مستوى الكلية الواحدة، ووضعه من قبل مدرس مجهول، وتقديم حوافز للمدرس الذي يتحصل طلبته على نتائج جيدة.

6- إقناع الجهات المعنية في الجامعة برفد أقسام اللغة العربية بعدد كاف من المدرسين للقيام بتغطية هذا المساق في مختلف أقسام كليات الجامعة.

7- تفعيل الرابطة الأدبية لطلبة جامعة عدن ودعمها لتشجيع أكبر عدد من الطلبة لممارسة الكتابة الإبداعية، والعمل على تنظيم المسابقات الثقافية والفكرية والعلمية على مستوى الكليات.

اللغة العربية العامة متطلب جامعي في الجامعات الأردنية: واقعها وسبل النهوض بها

الأستاذ الدكتور زياد الزعبي

جامعة اليرموك

تمثل عملية تدريس مساقات عامة في اللغة العربية لطلبة الجامعات الأردنية تحت مسمى “متطلبات الجامعة الإجبارية” ظاهرة مثيرة للاهتمام؛ ذلك لأنها تتأسس على تبرير مؤداه عدم تمكن الطلبة من لغتهم الأم “العربية”، أو الجامعات، حفاظا منها على هذه اللغة الأم، وعلى الأخذ بيد الطلبة في سبيل السيطرة على مهارتها الأساسية، قررت تدريس هذه المساقات. وهذا يعني أن هذا القرار قد جاء علاجا لحالة تستدعي ذلك. والمفروض أن استعمال العرلاج يستهدف الوصول إلى نتائج محددة تتمثل في التغلب على الحالة المستهدفة به. لكن الطريف في الأمر هنا أنت يتحول العلاج نفسه إلى حالة تستدعي علاجا، وأن هذه الحالة تحتاج إلى دراسة تحاول الوقوف على مسبباتها وأعراضها سعيا للوصول إلى علاجها، أو لمجرد المتعة العلمية الخالصة.

وهذه الورقة مجرد محاولة لتبين أبعاد “الحالة والعلاج” في تدريس مادة اللغة العربية العامة لطلبة الجامعات من خلال الوقوف على مادة التدريس ومنهجها وأهدافها كما تتجلى في المواد المقررة في بعض الجامعات الأردنية.

يدرس الطلبة في الجامعات الأردنية مادتين في اللغة العربية، هما (ع100/أو101 وع102). وقد أدرجتا في الخطة الدراسية لتحقيق هدف نبيل يتمثل في جعل الطالب يتصل بلغته وثقافته اتصالا يمكنه من الوعي بها وبقيمها وقيمتها. وهذا هدف ينهض على تصور فكري منهجي يفترض أن يكون مرتبطا باستراتيجية السياسة التعليمية.

وإضافة إلى هذا فإن هناك عملية تبرير- تقع في إطار المتستر عليه المنكشف- لتدريس هاتين المادتين تستند إلى معايشة ظاهرة مقلقة يعانيها ويعاينها المدرسون والتربيون والمفكرون، وهي عدم قدرة الطلبة- وهم ليسوا الشريحة الوحيدة في هذا- على السيطرة على قواعد اللغة الأم ومهاراتها الأساسية، على الرغم من الجهد المضني الذي بذل على مدى السنوات الطويلة في مراحل التعليم قبل الجامعة. ولذا فإن فرض مادتي اللغة العربية العامة على طلبة الجامعات يمثل محاولة متأخرة من أجل محاصرة هذه الظاهرة والحد من مظاهرها ونتائجها السيئة، وربما للتغلب عليها. وهذا يعني أن هاتين المادتين تمثلان، على نحو ما، نوعا من العلاج لحالة نأمل ألا تكون مستعصية. فهل يكون العلاج ناجعا؟

مكونات المادتين:

تتكون مادة اللغة العربية(ع100/أو ع101) من مجموعة من النصوص التي تنتمي إلى أنواع كتابية مختلفة، فثمة نصوص شعرية، وأخرى نثرية منها: المقامة والخطبة والرسالة والمقالة والقصة وكتابات أدبية وعلمية في موضوعات معرفية وعلمية متعددة، وقبل هذا كله نص من القرآن الكريم. وتغطي هذه النصوص مدى زمنيا يمتد من عصر ما قبل الإسلام إلى العصر الراهن. وهي بهذا تقدم صورا للكتابة العربية عبر مراحلها التاريخية من جانب، ومن خلال مستويات لغوية، وأنواع أدبية متباينة من جانب آخر.

ويمكن أن يقال الكلام السابق نفسه في وصف مادة اللغة العربية (ع102) فهي مكونة كذلك من مجموعة من النصوص التي تنتمي إلى أنواع كتابية مختلفة وإلى مراحل زمنية متعددة.

ويجب أن أشير هنا إلى أن قسم اللغة العربية بجامعة اليرموك قد أخرج منذ أيام قليلة كتابين جديدين لهاتين المادتين ظهرت فيهما مجموعة من النصوص الجديدة مثلت حضورا واضحا لبعض القضايا المعاصرة التي تقع في دائرة الاهتمام العام الراهن، مثل قضايا: البيئة والتكنولوجيا والحضارة عند العرب، والعولمة، والمعلوماتية، وعالم الصورة..

والنصوص في المادتين غاية في نفسها ووسيلة في الوقت نفسه، فهي للقراءة والاستيعاب والتذوق، كما أنها الوسيلة للوقوف على المهارات اللغوية: المفردات، والتراكيب، والقواعد الصرفية والنحوية، وأساليب الكتابة وأنواعها.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن هناك تداخلا بينا بين بناء المادتين ومنهجهما وأهدافهما، وخاصة فيما يتعلق بالمهارات اللغوية، كما سيتضح.

أهداف تدريس المادتين:

تفصح مقررات المادتين السابقتين في مقدماتها عن الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، وهي تتلخص في الكتابين اللذين أصدرتهما جامعة اليرموك في: أن يقرأ الطالب “النص المكتوب أو يسمع النص، فيفهم هذا المقروء أو المسموع، فيعبر عما فهم…”(1). وفي صياغة أخرى نجد أن الكتاب يسعى إلى أن يكون “عملا تحفيزيا يؤدي إلى الفهم السليم أولاً، وإلى التفكير السديد ثانياً، وإلى الكتابة الصحيحة ثالثاً”(2).

وفي وصف مساق اللغة العربية (ع102) في الجامعة الهاشمية نجد حديثا أوسع عن الأهداف المتوخاة منه مقسومة إلى قسمين اثنين، هما: أهداف عامة، وأهداف خاصة. وتحت العنوان الأخير يرد ما يأتي:

“… تمكين الطلبة من كتابة مقال متماسك يراعى فيه الصحة اللغوية والدقة والوضوح.

تمكين الطلبة من بناء خصيل ثقافية تبنى من خلال نصوص متنوعة تمثل حقول المعرفة المختلفة.

تدريب الطلبة على استثمار ما عرفوه من نظام الجملة العربية في الوصول إلى المعاني والأفكار في النص.

تدريب الطلبة على تحليل النصوص واستيعاب المقروء وتلخيصه.

تنمية الذائقة الأدبية لدى الطلبة واستثارة الفكر الناقد لديهم.”

والأمر الذي لا خلاف فيه أن هذه الأهداف صحيحة ودقيقة، وإن اتسم بعضها بالعمومية، وأن العمل على تحقيقها هو الغاية التي يسعى إليها المنهاج والأستاذ، ويبقى الجرف الآخر المقصود بها وهو الطالب الذي تتوقف على قدرته واستجابته كل نتائج هذه العملية.

والسؤال الذي نطرحه على أنفسنا نحن الذين ندرس هاتين المادتين هو: إلى أي حد نستطيع أن نقول أنا حققنا بعض الأهداف التي عملنا من أجلها؟

ويمكن أن نجد الإجابة على هذا التساؤل من خلال وصف عملي للنتائج المفترض ظهورها في أداء الطلبة من جانب، وفي تقييمهم الذاتي لما أفادوه من دراستهم هاتين المادتين من جانب آخر.

ففي الجانب الأول نلحظ على نحو مطرد أن الطلبة، بصورة عامة، لم يحسنوا من أدائهم اللغوي بعد دراستهم المادتين السابقتين، وأن الحال ظلت على ما كانت عليه من قبل، هذا في مجال الملاحظة الظاهرية للواقع، وهي ملاحظة يمكن أن تقع في دائرة الخطأ أو التشكيك. لكن إجابات الطلبة على التساؤل عن مدى إفادتهم ن دراستهم المادتين التي جاءت في معظمها سلبية، تظهر بوضوح أننا أمام حالة جديدة تتمثل في عمل متكرر مضن لا ينتج ما يجب أن يترتب عليه. فلماذا يحدث ذلك؟

لقد تلقيت من بعض الطلبة الذين أدرسهم مادة اللغة العربية (102) إجابات طريفة، منها: هل يمكن لمثل هذه المادة أن تصلح ما لم تستطع المناهج المدرسية على مدى سنوات طويلة أن تصلحه؟

هل الضعف في اللغة ظاهرة طلابية؟

لماذا تطلبون من نحن أن نستعمل اللغة العربية الفصحى في حين نتلقى معظم دروسنا في الجامعة بلغة عامة أو عامية، ونستمع إلى بعض منها بلغة مزيج من العربية والإنجليزية؟

هل يعاني الطلاب من تدني مستواهم في اللغة العربية فحسب، أم أنهم يعانون بصورة عامة من تدني مستوى تحصيلهم العلمي في الحقول العلمية الأخرى؟

ولا شك في أن مثل هذه الإجابات والتساؤلات تبتعد في ظاهرها عن الارتباط المباشر بمسألة اللغة العربية العامة التي نعالجها، ولكنها في واقع الأمر تطرح جوهر المشكلة وتعود بها إلى سياقه الحقيقي. فنحن نعاني من ظاهرة عامة لا تعالج على نحو جزئي منفرد، بل يجب النظر إلى أبعادها وسياقاتها المختلفة؛ كي نتمكن من رؤيتها بصورة شمولية تجعلنا قادرين على معاينة أسبابها ومظاهرها كافة، إن أردنا أن نجد لها علاجا قد يكون ناجعا.

وهنا علينا أن نسأل: ماذا نقدم للطلبة في مادتي اللغة العربية العامة؟ بعض النصوص التي نعتقد أنها تربطه بتراثه وثقافته أو تعبر عن قضايا راهنة تشغله؟! ومجموعة غير محددة أو مصنفة من المهارات اللغوية؟ وإذا كان هذا هو واقع الحال فما الذي يمكن أن نتوقعه من نتائج؟

إن النصوص التي تقدم للطلبة في هاتين المادتين- الإشارة إلى النصوص التي درست على مدى السنوات العديدة الماضية- لا تقع في عداد النصوص الجذابة أو المثيرة على المستوى الأسلوبي أو المحتوى الفكري، فثمة إصرار على تدريس مقامة بعينها لبديع الزمان الهمذاني، ونص معين للجاحظ، وآيات معينة من القرآن الكريم.. مما يعني أن هناك عملية تنميط واختزال للمادة المعرفية. أما المهارات اللغوية المرافقة فهي أقل مستوى بكثير مما يدرسه الطالب في المرحلة الأساسية في المدرسة. فهل يجوز أن نطلب من طالب في الجامعة يدرس في كلية الهندسة أو الطب أو الآداب أن يستخرج من النص خمسة أسماء مؤنثة وخمسة مذكرة، وخمسة أفعال مضارعة ومثلها ماضية؟ وهل يجوز أن نطلب منه التمييز بين النقطة والنكتة؛ ليدرك أن الجملة الصحيحة هي: لم أضحك عند سماعي النكتة، وليس النقطة! وهل من مبرر للاستمرار في تكرار أن اسم كان مرفوع وخبرها منصوب على الرغم من وجودها درسا مستقلا في كتاب الصف السابع الأساسي؟ وهل يدخل في باب المعرفة أن أعرف أن السبت نعال معروف يأتي من اليمن، والسبت كذلك نبات معروف يشبه الخطمي الذي يستخدم لغسل الرأس!!! وطرافة مثل هذه النصوص لا تحتاج إلى تعليق.

قد يكون لدى بعضنا مسوغات لمثل هذه النصوص والأهداف المتوخاة منها، ولكن ألا ينبغي أن نسأل أنفسنا: أيجوز لنا الإصرار على تجريب المجرب؟ ثم كيف نستطيع أن نحدث طلبتنا عن نعال يمنية لا وجود لها، وعن الخطمي الذي لا نعرفه؟

إنني أعتقد أننا بمثل هذا العمل كمن يحرث البحر. ولكي نبتعد عن هذا لا بد لنا من التعامل مع اللغة في واقعها الحي، ومع إرثها الحيوي الفعال، وأن نحاول الارتقاء بمستوى الطلبة. ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال التركيز على نصوص ذات مستوى لغوي رفيع تعبر عن قضايا فكرية ومعرفية تمتاز بالعمق والثراء، وتصلح أن تكون موضوع حوار معها، وموضوع حوار فيما بين الطلبة. وفي المقابل فإن الابتعاد عن النصوص ذات الطابع الغنائي سيكون عملا مفيدا؛ إذ يمكن أن يقلل من سطوة الطابع الصوتي الإنشائي الذي ترسخ في الأذهان من خلال الإلحاح على تقديمه في مراحل التعليم المختلفة بوصفه النموذج النمطي المرتبط باللغة العربية.

أما في مجال المهارات اللغوية فينبغي الوقوف على الصيغ اللغوية الأكثر دورانا في الاستعمال، وترك العناصر النحوية ذات الطابع النظري المجرد. وربما كان من الأجدى أن تدرس هذه المهارات بطريقة الفعل اللغوي الإيجابي؛ أي الممارسة العملية للغة حديثا وكتابة، وألا يهدر الجهد على حفظ القواعد اللغوية نظريا، والتي ربما كانت محفوظة من قبل. ومثل هذا العمل يحتاج إلى عمليات استقراء تقوم بها مجموعة من المختصين يكون هدفها تحديد الصيغ اللغوية الأكثر استعمالا، سواء أكان ذلك في اللغة المنطوقة أم المكتوبة.

إن ما يمكن القيام به للمساعدة على التخفيف من تراجع القدرات اللغوية لدى الطلبة في الجامعات يمثل مجرد محاولة معزولة محدودة الجدوى؛ لأن ظاهرة الضعف اللغوي ليست ظاهرة طلابية، بل هي ظاهرة مجتمعية عامة تنتجها مجموعة كبيرة من الأسباب يعود بعضها إلى الطبيعة الثنائية للغة العربية، إذ نستعمل مستويين لغويين في الوقت نفسه: اللغة المنطوقة بأبنيتها وصيغها وأصواتها، واللغة المكتوبة التي؛ تمثل المستوى الآخر (الأعلى)؟

ويعود بعضها الآخر إلى أنظمة التعليم التي لم تستطع أن تجعل اللغة العربية العليا تدخل دائرة الاستعمال اليومي أو على الأقل أن تفرض نفسها لغة تعليم يجب الالتزام بها في قاعات الدرس وفي المحافل العامة.

ثم ألا ترتبط ظاهرة عدم السيطرة على اللغة بظاهرة كبرى هي تراجع مستوى التعليم بعامة؟

مقترحات لعمل جماعي:

– لا بد من العودة إلى الكتب المدرسية لاستقراء المادة التي درسها الطلبة سواء أكانت نصوصا أم مهارات لغوية، ليتمكن المكلفون بتأليف مادة اللغة العربية العامة في الجامعات من وضع مادة تنسجم مع مستوى الطلبة والتخلص من التكرار.

– لا بد من الابتعاد عن النصوص المكررة على نحو نمطي ، واختيار نصوص راقية من حقول معرفية وفنية مختلفة تكون جذابة وتقدم للطلبة مادة معرفية جديدة، وتدفعهم إلى التفكير والحوار. ويفضل اختيار نصوص تتعلق بواقع الطلبة والقضايا الراهنة التي يعايشونها، ونصوص أدبية تتوافر فيها القيم المعرفية والجمالية.

– يفضل أن تكون معظم النصوص قصيرة لا تتجاوز الصفحتين.

– الخروج من دائرة الشعراء والكتاب الأكثر شهرة والذين غالبا ما يحضرون في معظم الكتب والدراسات المؤلفة في اللغة العربية وآدابها.

– عدم التركيز على مرحلة تاريخية معينة والتركيز على النصوص المعاصرة ذات الصلة بالمسائل الفكرية واللغوية التي تشكل ظواهر في المجتمع العربي.

– فيما يخص المهارات اللغوية ينبغي التركيز على الجانب الوظيفي والابتعاد عن القضايا النظرية والمسائل الواقعة خارج دائرة الاستعمال

– ترك العناصر التفصيلية في القضايا النحوية والصرفية.

– تقديم تصورات حول ضرورة السيطرة على اللغة بوصفها شرط الانجاز الفكري والعلمي ، ومقارنة ذلك بحال اللغات الحية الأخرى من خلال نصوص تعالج هذا الموضوع.

– التركيز على الممارسة العملية للغة قراءة وتحدثا وكتابة ، ويمكن تحقيق هذا من خلال مجموعات عمل صغيرة. وهذا يتطلب أن تتعامل الجامعات مع هذه المساقات بوصفها مساقات عملية لا يجوز أن يزيد عدد الطلبة في الشعبة الواحة على عشرين طالبا.

– إخراج المواد في كتب لا تؤذي العين، كتب تقدم نموذجا في الكتابة وشروطها الصحيحة. إذا لا يمكن فهم كيف تقرر كتب مليئة بالأخطاء المطبعية وغيرها، ولا تلتزم بعلامات الترقيم التي تدرب الطلبة على الالتزام بها .

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: