مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

تلاوة القرآن الكريم وإتقان مهارات القراءة الجهرية

Posted by amshoosh في أغسطس 5, 2012

 ملخص دراسة ماجستير تقدم بها الباحث علي عبد الله علي لقسم اللغة العربية جامعة صنعاء

من أهم مهارات اللغة: القراءة؛ التي لها مكانة متفردة بين باقي المهارات اللغوية خاصة في المرحلة الابتدائية، فهي وسيلة التلميذ للاتصال الخارجي، كما أنها أداة فعالة في عملية التعلم، فعن طريقها تتم عملية المذاكرة والتحصيل الدراسي، وأكثر المشكلات التي تواجه التلاميذ في تحصيلهم سببها الضعف في القراءة ([1]).

وللقراءة دور كبير في حياة الإنسان حيث يشير شحاته إلى أن القراءة تفيد الفرد في حياته؛ فهي توسع دائرة خبرته، وتفتح أمامه أبواب الثقافة، والقراءة تحقق التسلية والمتعة، وتهذب مقاييس التذوق، وتساعد في حل مشكلاته، كما تسهم في إعداده العلمي، وتساعده في التوافق الشخصي والاجتماعي ([2]). ويشير عبدالعليم إبراهيم إلى أن القراءة أساس كل عملية تعليمية، ومفتاح لجميع المواد الدراسية، وربما كان ضعف الدارس في القراءة أساس إخفاقه في المواد الأخرى أو في الحياة ([8]).

ولا تزال القراءة أهم الوسائل التي تنقل إلينا ثمرات العقل البشري، وأنقى المشاعر الإنسانية التي عرفها عالم الصفحة المطبوعة، بيد أن القراءة أعمق بكثير من أن تكون ضم حرف إلى آخر ليتكون من ذلك مقطع أو كلمة، إنها عملية غاية في التعقيد تقوم على أساس تفسير الرموز الكتابية، أي الربط بين اللغة والحقائق، فالقارئ يتأمل الرموز ويربطها بالمعاني، ثم يفسر تلك المعاني وفقاً لخبراته، فهو يقرأ رموزاً ولا يقرأ معانيَ، وتكون القراءة عملية يبين فيها القارئ الحقائق التي تكمن وراء الرموز، ولا بد لهذا البناء من أن يتصل بالخبرات لتفسير تلك الرموز، ومن الخطأ أن نعتبر تمييز الحروف ومجرد النطق بالكلمات قراءة، فتلك عملية آلية لا تتضمن صفات القراءة التي تنطوي على كثير من العمليات العقلية كالربط، والإدراك، والموازنة، والفهم، والاختيار، والتقويم، والتذكر، والتنظيم، والاستنباط، والابتكار في كثير من الأحيان ([9]).

ومهما اختلف الناس في تعريف القراءة أو اتسع مفهومها فهي قضية تستحق المناقشة، إذ إنها من أهم مجالات النشاط اللغوي في حياة الفرد والجماعة، وهي من أهم أدوات اكتساب المعرفة والثقافة، والاتصال بنتاج العقل البشري، ثم إنها من أهم وسائل الرقي الاجتماعي والعلمي ([10]).

كما أن القراءة في المدرسة توسع دائرة خبرة التلاميذ وتنميها، وتنشط قواهم الفكرية، وتهذب أذواقهم، وتشجع فيهم حب الاستطلاع النافع لمعرفة أنفسهم ومعرفة الآخرين، وعالم الطبيعة، وهي تُرغّب في معرفة ما يتصل بالأشياء والحوادث المألوفة لهم، وكلما أشبعت رغبتهم في الاطلاع ازدادت خبرتهم وصفت أذهانهم، واكتسبوا سعة لمعرفة العالم الذي يعيشون فيه، وانبعثت في أنفسهم ميول جديدة موجهة ([11]).

والقراءة أداة العالم في الاستزادة، وفي أن يضيف إلى حصيلته الثقافية في كل يوم شيئاً جديداً مما تخرجه المطابع ليدعم فكره بأفكار غيره، وبذلك يتسنى له الإنتاج الخصب ([12]).

والقراءة تتضمن عدداً من المهارات الرئيسة التي يتم اكتسابها خلال مراحل التعليم، وكل مرحلة من هذه المراحل مرتبطة بالمرحلة السابقة واللاحقة، وأي إهمال أو تقصير في اكتساب المهارات القرائية في أي مرحلة يؤدي إلى الضعف في القراءة، وبروز عدد من المشكلات القرائية، لذلك ينبغي أن تكون مهارات القراءة محل اهتمام المربين والمعلمين بحيث يسيطر عليها التلاميذ، وتعبر عن مطالب نموهم، والتأخر في مواجهة هذه المطالب يؤثر سلبياً على نمو التلاميذ في المراحل التعليمية التالية ([13]).

ومهارات القراءة الرئيسة هي: مهارة تعرف الكلمة، ومهارة الفهم، ومهارة النطق، ومهارة السرعة، ولكل مهارة من المهارات السابقة مجموعة من المهارات الفرعية المتضمنة فيها ([14]).

ومهارة النطق هي المهارة الثالثة، ويقصد بها سلامة إخراج الحروف من مخارجها الصحيحة، وحسن نطق الحركات الطوال (الألف، الواو، الياء)، وأيضاً الربط بين الرموز المكتوبة وأصواتها .

والنطق هو: إبانة الحروف ومقاطع الأصوات من مخارجها، وهذه المهارة تمثل الجانب الحركي في عملية القراءة؛ من نطق الأصوات والكلمات والحركات، والتفريق بين الأصوات القريبة المخرج، والحركات القصيرة والطويلة، وغيرها من المهارات المتضمنة في هذه المهارة ([15]).

وبالنسبة للقرآن الكريم فهو كتاب الله، أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وهو كلام الله العظيم، ورحمته الواسعة، ومنهجه القويم، تحيا به القلوب والنفوس الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل؛ فمن آثاره العظيمة تأثيره في اللغة العربية، التي أصبحت بفضله اللغة المقدسة المحفوظة الخالدة، وهيأ لها أسباب العزة والكمال والنمو والانتشار، حتى أصبحت لغة الدين الإسلامي لأكثر من ألف مليون مسلم، يتقربون بها في تلاواتهم وصلواتهم ودعواتهم إلى خالقهم عز وجلّ ([16]).

والقرآن الكريم هو كتاب العربية الأكبر، ورمز وحدة الأمة العربية، وبه اكتسبت لغة العرب بقاءها وحيويتها، وبه صار العرب أمةً واحدةً مؤمنةً موحدةً متآلفة القلوب متجانسة المزاج، متحدة اللسان، متشابهة البيان، ومنه استمد العرب علومهم ومعارفهم([17])، وبه كرم الله العرب وشرفهم بإنزاله بلغتهم إلى البشرية جمعاء،

فتدريس القرآن الكريم عنصر أساس من عناصر تدريس اللغة العربية وأبرز مقوماتها، وتمشياً مع ذلك أعطت وزارة التربية والتعليم في بلادنا أهمية كبيرة لدراسة القرآن الكريم تلاوةً وحفظاً وتفسيراً، ضمن منهجي التربية الإسلامية واللغة العربية، وأكدت على وجوب العناية بتلاوته وحفظه وضبطه خاصةً في المراحل الأولى، ولا شك أن دراسة الناشئ للقرآن الكريم ينجم عنه آثار إيجابية تعينه في حياته العلمية، فضلاً عما يناله من الأجر الجزيل والثواب العظيم، وما تتغذى به روحه من الإيمان، وقد أكد ابن خلدون هذا الأمر في مقدمته بقوله: ” والقرآن هو أول العلوم التي يتعلمها الصبي، لأن تعليم الولد للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان، وصار القرآن أصل التعليم الذي يبنى عليه ما يحصل بعده من الملكات، وسبب ذلك أن تعليم الصغر أشد رسوخاً، وهو أصل لما بعده ” ([18]).

ولما كان التأثير يتم بمقدار عظمة المؤثر جاء تأثير القرآن الكريم في اللغة العربية قوياً وكاملاً، ويصعب هنا في هذه الصفحات حصر جميع جوانب التأثير، وإنما سنذكر بإيجاز بعض الجوانب، والتي منها :

1. تكفل الله بحفظ القرآن الكريم نصاً، وبحفظ اللغة العربية تبعاً ولزوماً، حيث إنها لغة القرآن الكريم الذي تكفل سبحانه وتعالى بحفظه؛ فبفضل القرآن الكريم استطاعت اللغة العربية أن تعيش في ثوبها المتجدد قروناً متواصلة، وعندما تعرضت إلى محنة التتار وأزمة الغزو وما تبعها من تفكك سياسي وتخلف ثقافي اعتصمت بالمساجد والمعاهد، وصمدت في وجه المحنة، وكان مصدر صمودها القرآن الذي بقي يتلى ويقرأ في الصلوات والمجامع ([19]).

2. لقد كان نزول القرآن بلغة العرب أمراً جعل الله به اللغة العربية لغة المسلمين كافة، ومن ثم فقد أخذت اللغة العربية عقداً من نمو الإسلام واتساعه حتى غدت اللغة الأولى في العالم الإسلامي كله، بحسبانها لغة الصلاة والعبادة، ولغة الثقافة والفكر .

وكان من مجالات اتساعها وانتشارها أن اتجه المسلمون من غير العرب يرتلون القرآن باللغة العربية، ويحافظون على تجويده، ويشرحونه لأبناء لغاتهم ([20]).

3. حفظ القرآن الكريم للغة العربية إقامة أدائها على الوجه الذي نطق به العرب الأوائل، وسهل هذا الأمر على من جاء بعدهم على مر الدهور، يقول الرافعي: “ويبقى وجه آخر في تأثير القرآن في اللغة؛ وهو إقامة أدائها على الوجه الذي نطقوا به وتيسر ذلك لأهلها في كل عصر، وإن ضعفت الأصول واضطربت الفروع، بحيث لولا هذا القرآن الكريم لما وجد على الأرض أسود ولا أحمر يعرف اليوم ولا قبل اليوم كيف كانت تنطق العرب بألسنتها، وكيف تقيم أحرفها وتحقق مخارجها” ([21]).

4. للقرآن الكريم الأثر الواضح في بناء وتهذيب اللغة العربية، فقد وضع الأسلوب القرآني لبعض الألفاظ معاني جديدة، وخاصة ما اتصل منها بالفقه الإسلامي،كما استحدث ألفاظاً جديدةً وأعرض عن ألفاظ، فمنع استعمال مدلولاتها وأعاض عنها بغيرها ([22]).

5. وحّد القرآن لهجات اللغة العربية؛ ” ومن المعلوم بالضرورة أن القرآن قد جمع أولئك العرب على لغة واحدة بما استجمع منها من محاسن هذه الفطرة اللغوية، التي جعلت أهل كل لسان يأخذون بها، ولا يجدون لهم عنها مرغبا ” ([23].

6. إن تنفيذ الأمر الإلهي، والاستجابة له بترتيل القرآن يعني إكساب القارئ تقويماً في لسانه، وإتقاناً للقراءة عطفاً على مهارات القراءة الأخرى، بالإضافة إلى ما يكتسبه القارئ الحافظ من ثروة لفظية، وعلم بأساليب الكلام خبره وإنشائه، وغير ذلك مما تضمنته علوم اللغة العربية.

وانطلاقاً من الدور التربوي والتعليمي المهم للقرآن الكريم ومنهج دراسته وتدريسه، تصبح الحاجة ماسّة إلى إجراء دراسات وبحوث مستفيضة للوقوف على أثر القرآن الكريم؛ تلاوةً وحفظاً في المواد الدراسية الأخرى وفي مقدمتها اللغة العربية بفروعها المختلفة.

[1]ـ محمود عطيه وآخرون : طرق تعليم الأطفال القراءة والكتابة، عمان، دار الفكر للنشر والتوزيع (1990) ص 13ـ 14.

[2]ـ حسن سيد شحاته : تعليم اللغة العربية بين النظرية والتطبيق، ط3، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية (1996) ص 105.

[8]ـ عبدالعليم إبراهيم : الموجه الفني لمدرسي اللغة العربية، ط7، القاهرة، دار المعارف (1994) ص 58.

[9]ـ محمود رشدي خاطر وآخرون : تطوير مناهج تعليم القراءة في مراحل التعليم العام في الوطن العربي، تونس، إدارة التربية (1986) ص 7.

[10]ـ محمود رشدي خاطر وآخرون : طرق تدريس اللغة العربية والتربية الدينية في ضوء الاتجاهات التربوية الحديثة، القاهرة، دار المعرفة (1982) ص 97ـ99.

[11]ـ محمد صلاح الدين علي مجاور وآخرون : سيكلوجية القراءة، القاهرة، دار النهضة (1996) ص 11.

[12]ـ محمد صلاح الدين علي مجاور وآخرون : سيكلوجية القراءة، القاهرة، دار النهضة (1996)، ص 12.

[13]ـ رشدي أحمد طعيمه ومحمد السيد مناع : تدريس العربية في التعليم العام ـ نظريات وتجارب، ط1، القاهرة، دار الفكر العربي (1971) ص 71.

[14]ـ علي أحمد مدكور : تدريس فنون اللغة العربية، مرجع سابق، ص 131.

[15]ـ فتحي علي يونس : تعليم اللغة العربية للمبتدئين، القاهرة، دار الثقافة (1998) ص 30.

[16]ـ سعيد بن فالح المغامسي : “العلاقة بين حفظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها”، دراسة ميدانية، مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، العدد الحادي عشر، الرياض، المملكة العربية السعودية (1994)(1415هـ) ص 92.

[17]ـ حسن سيد شحاته وآخرون : تعليم التربية الدينية الإسلامية، ط1، القاهرة، الدار المصرية اللبنانية (1988) ص 85.

[18]ـ عبدالرحمن بن خلدون : مقدمة ابن خلدون، بيروت، دار الكتاب اللبناني (1978) ص 771.

[19]ـ أنور الجندي : الفصحى لغة القرآن، ، لبنان، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ومكتبة المدرسة (1402هـ )(1982) ص 54.

[20]ـ سعيد بن فالح المغامسي : “العلاقة بين حفظ القرآن الكريم وتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها”، مرجع سابق، ص 114.

[21]ـ مصطفى صادق الرافعي : إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، بيروت، دار الكتاب العربي (ب.ت) ص 80ـ81.

[22]ـ عبدالرحمن محمد سعد الحجيلي : “تأثير القرآن الكريم في دراسة اللغة العربية خلال القرون الثلاثة الأولى للهجرة”، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة، (1982)(1402هـ) ص 69.

[23]ـ مصطفى صادق الرافعي : إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، مرجع سابق، ص 78.

 

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: