مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

سلطة الكلمة وقوتها

Posted by amshoosh في سبتمبر 6, 2012

بقلم محمد جكيب جامعة شعيب الدكالي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الجديدة / المغرب

الكلمة(1) سلطة وقوة… الكلمة فعل ومفعول، أثر وتأثير… الكلمة مفرد على الحقيقية، لكنها جمع على المجاز لدلالتها على متعدد، إذ من الكلمة يتكون الكلام المفيد الدال على معنى، الكلمة فعل واسم وحرف… فهي حدث وشيء وسمة هذا الشيء، وهي رابط وواصل، وبالكلمة نصل ونتواصل، نفهم الماضي ونعي الحاضر ونبني المستقبل.

عالم الكلام عالم عجيب، متى أُعطي الإنسان زمامه وتحصل ناصيته وانكشفت له أسراره ومسالك تصريفه وصياغته، فتح القلوب وشد العقول واكتسح الأرواح.

الكلمة مفتاح أسرار الوجود

الكلمة قوة خارقة، بمفعولها خلق الله الوجود كله، بل هو يعيد -جل وعلا- الخلق في كل وقت وحين… فـ”كن” التي خلق بها الله تبارك وتعالى كل شيء كانت مرة واحدة، لكنها ما تزال سارية المفعول إلى ما شاء الله… وبالكلمة والكلام قدر الله تعالى على الإنسان التفاعل مع الوجود، ومعانقة حقيقة الخالق ومخلوقاته. وكلمة “اقرأ” هي أول ما لقنه جبريل عليه السلام بأمر الله تبارك وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ففِعْل القراءة “كلمة”، لكنها كلمة ذات امتداد واسع في الزمان والمكان وفي الدلالة والمدلول. فقد قرأ الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هذا الأمر كل شيء، واستوعب بُعدَ القراءة ومفهومَها؛ لقد قرأ الوجود وأدرك حقيقته واستوعب دلالته كما استوعب كل الأنبياء والرسل ذلك قبله، لكنه حصَّل صلى الله عليه وسلم كل ما استوعبوه ووعته أرواحهم الصافية النقية. لكن صفاء روح الرسول صلى الله عليه وسلم تتقدم بمسافات عليهم جميعًا، لأنها المحضن الذي اختاره الله تبارك وتعلى لاستقبال بيانه الختامي. وسيرته صلى الله عليه وسلم أكبر دليل على أنه اختير اختيارًا من أجل تلقي هذا البيان، الذي يمثله خطابه في القرآن الكريم، وتشهد عليه تفاصيل الوجود كله.

قال الله تبارك وتعالى “كن” فكان الوجود كله، واكتسبت كل المخلوقات بفعل “كن” بيانًا عظيمًا يجلي عظمة من خلق وعظمة من قال: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. ولذلك فهذا الوجود الجميل الرائع الصنعة الدقيق الإبداع، يعبر ببيانه عن كثير من أسماء الله الحسنى التي تجلى من خلالها على الوجود. فبيان الموجودات ومنطقها، تعبير عن قوة وعظمة المتجلي بقدرته على الوجود، بل هو بيان يعكس جزءًا يسيرًا من البيان المطلق الذي هو انعكاس أسمائه الحسنى.

“البيان” كما يعرفه الأستاذ فتح الله كولن، هو روح كتاب الكون ومضمونه ولونه وأسلوبه، وهو قانون المخلوقات المتفاعلة في الكون، وهو كذلك ختم الحقيقة الإسلامية وسلطتها. فـ”البيان” بهذا المعنى، منهج يدرك به الإنسان -باعتباره أرقى مخلوقات الله تبارك وتعالى- عظمة مصدر القدرة المطلقة، ووسيلة لمعرفة الخالق والسير إليه تعالى. فإدراك البيان في أصله وحقيقته، هو إدراك الوجود في كل تفاصيله الكلية والدقيقة، وهو الوعي بمكان الإنسان في النظام المتوازن الذي صب الله فيه الوجود.

والبيان كذلك قوة كبيرة وسلطة تؤجج القلوب وترفع مستوى قابليتها وقدرتها على الفعل؛ فقد تكون الهمم حاضرة موجودة، لكنها إذا لم تجد الفاعلية التي تحرك كيانها من الجذور، فستظل في حالة من الكمون والانتظار الطويل، ولذلك اعتبر البيان محركًا فعالاً يبعث الأموات وينفخ الحياة وينشر الدفء.

يدرك أهل الإبداع والبيان على الحقيقة لزومًا، بأنهم مهما وصلوا ومهما ارتقوا في دائرة البيان، فهم مجرد دالين يدلون بوسائلهم المحدودة على البيان المطلق ويعبرون بوسائله وأدواته عليه، فهم يعرفونه لغيرهم ممن لم يفتح الله عليهم بإدراك بعض جوانبه. ولهذا كان أهل الفن والأدب وأرباب الكلمة، ملزمين بالاسترشاد ببيان صاحب البيان، وملزمين بالدلالة عليه والإرشاد إليه، أما غيرهم فهم الغاوون ولا يتبعهم سوى الغاوين.

عجز أرباب البيان

إذا كان البيان هو روح كتاب الكون ولونه ونموذجه المفتوح، فإن تذوقه وإدراك دقته وعظمة انسجامه يحتاج إلى قلوب واسعة تستطيع فك ترميزه بكل جوارحها، ولا يَفُكُّ رموزه سوى من تشربت روحه الشفرة الدلالية والنظام التداولي لمكونات هذا البيان.

كان العرب قبل نزول الوحي، أرباب البيان واللغة والشعر وفنون القول من خطابة وسجع وغيرها… وكانت لهم قدرة كبيرة على إدراك جمال البيان، وتبيين مكامن دقة التعبير وسمو اللفظ ورشاقة العبارة… ولذلك فإن أول ما بهرهم في القرآن الكريم هو مطلق بيانه، بالإضافة إلى وضوح الحجة وعقلانية الفكرة ومنطقها… وفي لحظة وجيزة ألفُوا أنفسهم -وهم أرباب البيان وأهله وأصحاب القول الفصل فيه- عاجزين عن منافسته والإتيان بمثله. لقد بهرهم القرآن الكريم ببيانه وتفوق بمسافات لا تحسب على بيانهم، تجاوزهم القرآن الكريم وتركهم خلفه يلهثون، وتجاوز الصورة المثالية التي ظلت دهرًا طويلاً منقوشة في ذهنهم على أنها النموذج المثالي للقول وقوة العبارة، فاقتنعت العقول بأن مصدر البيان القرآني ليس من بشر يساويهم في القدرة الذهنية والبيانية، بل هو من مصدر آخر، وأدرك أهل النفوس الطيبة بأن صاحب البيان الذي وجدوه في خطاب القرآن الكريم، ذو قدرة خارقة على البيان، وأنه هو الله تبارك وتعالى. كان الناس على عمومهم يعرفون الله لكنهم أشركوا معه آلهة توهموها، وأبطلوا مع مرور الزمن ربوبيته، لكن خطاب القرآن المبين، فتح قلوب العديد منهم فآمنوا وأعلنوا عبوديتهم لله تبارك وتعالى وسلموا بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم. وأما إصرار البعض على إنكار حقيقة البيان الظاهر، فلم يكن ليغطي على من آمن بمجرد سماع بضع آيات منه أو سور منه كما وقع مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقصة إسلامه مشهورة تذكرها كتب السير والمناقب وكتب النقد.

إن رد فعل القلوب والعقول الطيبة المتوازنة العادلة الصادقة، هو الاعتراف بأن مصدر البيان القرآني، لا يمكن أن يصدر عن بشر وإن كان هذا البشر يستطيع فهم معانيه وإدراك مراميه، لقد أدرك هؤلاء أنه ليس من محمد صلى الله عليه وسلم.

كان العرب قبل نزول القرآن الكريم يفسرون الإبداع والأدبية(2) تفسيرًا خاصًّا، فربطوا السجع بالكهانة -والكهنة فئة اجتماعية ادعت قدرة خارقة كمعرفة المستقبل والاتصال بعوالم غائبة- وقالوا إن لكل شاعر شيطان يوحي إليه الشعر ويعينه على الإبداع والتفوق الفني والأدبي، وسموا بعض شياطين الشعر هؤلاء، بل ارتبط أغلب فحول الشعراء بأسماء شياطين بعينهم ذكر “أبو زيد القرشي” بضعًا منهم في “جمهرة أشعار العرب”. فالتفوق في القول والإبداع قد ارتبط في ذهن أهل الجزيرة العربية بقوى خارقة، لكنها مع نزول القرآن الكريم ستأخذ بُعدًا جديدًا وهو الاقتناع بأن البيان الحقيقي هو من الله تبارك وتعالى، وكل البشر عاجزون عن محاكاة البيان الإلهي والإتيان بمثله.

مدارات البيان في القرآن الكريم

إن مدار البيان القرآني لا يميل في عمومه عن بسط مختلف مقومات العبودية لله تبارك وتعالى، والدلالة على مخلوقاته التي هي بوجه من الوجوه بعض عناصر “البيان”، وكأن البيان متفرع إلى مظهرين:

• مظهر شهودي تقوم فيه الموجودات وتناسقها ببيان الوجه الأخر للبيان الكلي، الذي يعتبر الرسل الكرام عليهم السلام مرشدين إليه ودالين عليه، والذي يعتبر الرسول صلى الله عليه وسلم رائد الرسل جميعًا وإمامهم فيه.

• ومظهر لغوي تؤدي فيه الكلمة مهمة أساسية، ويقوم فيه إحكام النظم بدور حيوي، لتتجلى بذلك معالم البيان المتمثلة في حسن اختيار اللفظ ودقة التماس العبارة المناسبة للمقام المناسب وترتيب اللفظ وفق حاجة الدلالة. وإذا كان لكل مقام مقال كما يقال، فإن البيان القرآني هو النموذج المثال لهذه الحقيقة التواصلية.

ونظرًا لعظمة البيان القرآني وجلائه، التف الناس جميعًا تحت لواء التوحيد ودخلوا في الإسلام أفواجًا، وعرف الذهن تحولاً كبيرًا فانطلق متأملاً الخطاب القرآني وبيانه، فاستخلص علمًا من أجل العلوم وأقدمها في تاريخ حركة الإبداع الإسلامي، وهو علم الإعجاز الذي يهتم بالبيان باعتباره سبيلاً من سبل المعرفة، ومنهجًا يؤدي إلى معرفة أصل البيان جل وعلا.

سلطة “البيان” وقوته لا حدود لهما، لأن هذا “البيان” يمد الجماد بالحياة، ويحرك الأحياء ويأسر الجموع بقوة تأثيره، ويدفعهم إلى أقصى حدود طاقتهم كما يقول الأستاذ فتح الله كولن. ولنا في التاريخ نماذج خطابية حركت الجموع ودفعتهم إلى أقصى حدود طاقتهم… فهذا طارق بن زياد وقد عبر من إفريقيا في شمال المغرب إلى الضفة الأخرى حيث القارة الأوربية فاتحًا، فخطب في مَن معه -بعد أن أقدم على حرق السفن التي عبرت المضيق- خطبة سجلها التاريخ وكتبها النقد والأدب بمداد الفخر، باعتبارها خطبة حركت القلوب وشحنت الهمم.

لا شك أن الخطبة وكلماتها قد كانت سببًا من أسباب زرع التوحيد في هذه المناطق من أرض الله تبارك وتعالى، فقد سُخّر البيان ليكون قوة تصنع المستحيل، وتعرف بالبيان الذي بني الوجود كله على أساسه… فالذي مكّن طارق بن زياد وهداه إلى ما هداه إليه، هو الروح الصادقة المتفاعلة مع البيان الكلي، إذ عَبَرتْ من خلاله إلى كل القلوب… ولا ندري من كان يخطب، أهو طارق بن زياد أم هو صاحب البيان، أنطق طارق بن زياد فعبّر بالبيان عن البيان، وعبَر بالبيان إلى القلوب والأرواح؟!

إن الكلمة باعتبارها الوحدة القياسية الصغرى التي يقاس بها البيان، لا تحدث تأثيرها ولا تحقق مفعولها إلا عندما توحد قبلتها جهة البيان المطلق وتسخر نفسها في دائرته، ولابن عربي كلام جميل يشخص فيه البعد الروحي للكلمة حين يقول:

“قال الحق للكلمة:

أنت مربوبي وأنا ربك.

أعطيتك أسمائي وصفاتي:

فمن رآك رآني،

ومن أعطاك أعطاني،

ومن جهلك جهلني،

فغاية من هم دونك،

أن يتوصلوا إلى معرفة نفوسهم منك.

وغاية معرفتهم بك،

العلم بوجودك، لا بكيفيتك.”(3)

إن الكلمة مخلوق من مخلوقاته تعالى، بها ترجم قدرته المطلقة، وبها وصف أسماءه التي تجلى بها على الوجود، ولذلك فإن إدراك حقيقة الكلمة، هو إدراك لهذه القدرة المطلقة، فلقد شاءت إرادته تعالى أن تكون الكلمة وسيلة إنطاق المخلوقات، بما في ذلك الذات الموظفة للكلمة. بعبارة أخرى، فقد خلق الله الوجود كله بكلمة، وبالكلمة تتمكن كل هذه الموجودات من أن تبين بما في ذلك الإنسان ذاته، ولذلك فإن البيان هو روح الكلمة، باعتبارها سبيلاً من سبل الاعتراف بالربوبية.

خلق الله الوجود بعلمه وخط هندسته بكلماته، واختص الإنسان دون سائر المخلوقات بنعمة الكلام ونعمة البيان والإفصاح عما في داخله وما يريده، إذ إن أول ما علمه الله تبارك وتعالى لهذا الإنسان بعد صنعه له ونفخه الروح فيه هو الأسماء، يقول تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾(البقرة:31)، فنفْخ الروح يمثل الاستعداد المعنوي لتلقي علم الأسماء ومعرفتها.

يبين الأستاذ فتح الله كولن، أن الإنسان خليط من تراب وماء، وأنه مستودع العلم والمؤتمن عليه، ولكونه يملك القدرة على البيان، فقد ربي في سلطنته على الأرض، أي على التراب الذي خلق منه، ولذلك فإن الكائن الإنساني يملك القدرة على الحديث ليس باسمه فحسب، بل باسم جميع الكائنات، إذ بفضل نعمة البيان صار هذا الإنسان مخلوقًا يتوجه إليه الخالق، كما يتوجه هو (أي الإنسان) إلى الله تبارك وتعالى، وبالبيان استطاع هذا الإنسان التعبير والإفصاح، وبتعبيره تمكنت الموجودات هي الأخرى أن تبين، وهي التي كانت قبل ذلك صامتة.

فقبل البيان الذي عُلّمه الإنسان كانت الكائنات صماء بكماء جامدة ولا أحد يستطيع معرفة كيفية كانت تبين، لكن المعروف هو أن الإنسان قد استطاع بنعمة البيان فهم وتأويل ونقل بيان كل الموجودات الأخرى، فكل كائن في هذا الوجود نموذج يتكلم، لكن لكل كائن أسلوب ميزه الله به، هو كلامه. والكلام وسيلة تتيح معرفة الحقيقة المطلقة التي هي حقيقة الخلق، إذ يصير كل شيء كآلة موسيقية تؤدي سيمفونية ترفع الستار عن حقيقة المخلوقات ومهمتها في نظام البيان الكلي، فالبيان هو مفتاح أقفال كل الأبواب التي تؤدي إلى كنوز الفكر والمعرفة.

وإذا كان البيان هو روح كتاب الكون ولونه ونموذجه المفتوح كما يقول الأستاذ فتح الله كولن، فإن تذوقه وإدراك دقته وعظمة انسجامه، يحتاج إلى قلوب واسعة تستطيع فك ترميزه بكل جوارحها، ولا يَفُكُّ رموزه سوى من تشربت روحه الشفرة الدلالية والنظام التداولي لمكونات هذا البيان. وهذه القلوب هي قلوب أهل الهم والهمة وفرسان القلب والحركية، الذين عشقوا البيان، والذين يحملون الإكسير إلى كل القلوب فتزداد المؤمنة منها قربًا من ربها، ويزداد يقينها بأن لكل مخلوق في الوجود وظيفة يتعين عليه القيام به، لا فرق في ذلك بين المخلوق في حد ذاته، وبين ما يوفق الله هذا المخلوق إلى إنتاجه أو إبداعه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) استلهم هذا المقال من كتاب الأستاذ فتح الله كولن: “البيان”.

(2) لا نقول هنا “البيان”، لأن البيان مصطلح يدل على الخطاب الإلهي المتمثل في القرآن الكريم وفي جميع مظاهر الوجود الذي خلقته القدرة الإلهية.

(3) الفتوحات المكية، تح: د. عثمان يحيى ود، إبراهيم مدكور، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب 1986: السفر الثاني، ج:10، ص:194.

الجزءالثاني

سلطة الكلمة وقوتها-2.. الأدب في ظل البيان

الأدب نشاط إنساني يولد مع الإنسان، ولكي يكون جميلاً قويًّا مؤثرًا خالدًا، يتوجب عليه الاسترشاد بالبيان الذي خطت معالم خريطته مفصلة في الكون والوجود، وأنزلت مرتكزاته على محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم. وبعبارة أخرى، إن الأدب لا يستحق صفة الأدبية إلا في ظل “البيان”، وذلك باقتران دقة الوسيلة والأداة والكلمة(1) في إطارها العام بالبيان في مستواه الثاني، لأن الكلمة إذا لم تتطلع إلى أن تكون في مستوى البيان الحقيقي وتجتهد لأجل ذلك، فستكون مجرد زيف لا يلبث بريقها أن يبهت ويعتريه الصدأ.

فهؤلاء متأكدون أن أرواحهم إذا لم تتشرب روح البيان فإن حركيتهم ستظل مفتقرة إلى النضج والانسجام، ولن ترقى أفعالهم ولا أقوالهم في مقامات الاكتمال، وستظل بعيدة عن التناغم والانتظام في دائرة البيان الكلي حيث يأخذ كل عنصر مكانه في جو من التوازن والتناسق. وبعبارة أخرى، إذا افتقرت الأفعال والأقوال لروح البيان فلن تجد مكانها الطبيعي والمنطقي ضمن سلسلة البيان الكلي، بل إن وجودها بقرب العناصر الأخرى التي حصلت مشروعية الدخول في دائرة البيان، يصير عنصرًا مزعجًا وحالة مرضية، بل ورمًا خبيثًا يتوجب بتره.

إن مظاهر التفاعل مع البيان تتعدد، وسبل محاكاته تتنوع بحسب مستويات التفاعل مع هذا البيان باعتباره إطارًا عامًّا يحدد العلاقة، ويبني المنهج ويرسم الجادة وفنون القول على وجه الخصوص، التي توظف الكلمة بمفهومها اللغوي أهم المجالات التي تحتاج إلى استحضار مفهوم البيان، بل هي أهم المكونات المرتبطة بالإنسان ارتباطًا مباشرًا حاجةً إلى التفاعل مع البيان واستحضاره.

ينقسم الأدب إلى قسمين كبيرين يعكسان تلك العلاقة الأزلية التي يتصارع فيها الخير مع الشر، أو تتنازع فيها قوى الخير مع قوى الشيطان؛ ففي الوقت الذي تسعى فيها قوى الخير إلى ربط صلة الفن والأدب بالبيان وحقائقه، تعمل الأخرى على إفساد العلاقة الأولى.

لقد ضل الصنف الأخير الطريق، وتوقفت بوصلته منذ خلق الله آدم عليه السلام، وأمره الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر فطرد من رحمة الله، وأنظره الله إلى يوم يبعثون… ولذلك يجلس الشيطان للإنسان في طريق العودة إلى المكان الذي أُخرج منه عندما خالف آدم وزوجه حواء أمْرَ الله وأكلا من الشجرة المحرمة. ومنذ ذلك الحين يعيش الإنسان فصول معركة لا تنتهي من أجل العودة إلى هذا الفردوس، والفن والأدب في الأصل نوع من التغني بهذا الفردوس. لكن الشيطان لا يمل من إفساد اتساق كل نغمة وكل ما يقرب من البيان الكلي الذي ينير طريق العودة. وبضاعة من جندوا لهذه المهمة هي البضاعة السائدة في هذا الزمن الصعب، وهي تدعي امتلاكها شفرة الوصول إلى السعادة، ولعمري إنه مجرد وهم ليس غير.

سبل الارتقاء في مقامات الوصول عديدة، ومنها الارتباط بالروح والوجدان والجوارح بأمنية العودة إلى فردوس مفقود، من خلال لحن جميل متوازن، أو نص اختمر طويلا في رحم وَلّادة حتى اكتملت معالمه واجتمعت محاسنه، ليولد بعد مخاض ولادة طبيعية، وليس ولادة قيصرية.

المخاض العسير وسهر الليالي الطوال ومعاناة تحقيق نشوة الاكتمال هذه، هي مكونات الأدب الذي يدور في دائرة البيان المطلق. وبعبارة أخرى، إنه البحث عن الكمال، بل هو البحث المستمر من أجل الوصول إلى ملامسة حقيقته. فلكل أديب نموذج فردوسي مفقود يبحث عنه بما يراه مناسبًا لذلك، ولذلك كان الأدب الرفيع على مر العصور، معاناة أليمة وعذابًا مريرًا ومخاضًا عسيرًا.

على هذا المنهج صار فحول الكلمة من أمتنا عبر مختلف العصور والأزمنة، بعد أن اختط كل فحل لنفسه في دائرة هذا المنهج سبيلاً خاصًّا يميزه، وأسلوبًا يطبع مخاض نصه، ومعاناة تختم إبداعه… فالحلاج وابن عربي مثلاً في بحثهما عن الحقيقة أدركا بآدميتهما استحالة الإمساك بكل خيوط البيان المطلق، لكنهما أصرا -كما أصر غيرهما- على البقاء في دائرة المعاناة… فكل مقام يصلونه، يمثل بداية السير إلى مقام آخر لتبدأ الرحلة من جديد. فأما الحلاج فقد حلق ولم ينزل، وأما ابن عربي فظل قلبه متعلقًا بالسماء هائمًا في المظاهر البيانية التي تجود بها، وظلت روحه مشرئبة هائمة في الملكوت، لكن على علو منخفض، ولم يتقدم مخافة الاحتراق.

ولذلك فالأدب في أصل وجوده رحلة بحث طويلة، وللأستاذ فتح الله كولن رأي في هذا الباب مضمونه أن الأدب مهما بلغ من القوة الفنية والعمق الجمالي والقدرة على التأثير، إذا لم يكن مؤسسًا على الخطاب الإلهي ولم يستنر بنور مملكته، يعتبر جماله جمالاً نسبيًّا، لأن هذا الجمال يفتقر إلى المعنى الحقيقي للجمال، بل هو مجرد إحساس موهوم.

إن التجربة الأدبية بهذا المفهوم محضن تجارب كثيرة، وليس بمقدور أحد الادعاء بأنه نسيج وحده باستثناء البيان القرآني. فكل تجربة من هذا المنظور، هي في الحقيقة ملتقى تلتقي فيه تجارب الماضي بخصوصيات الحاضر؛ فتجربة اليوم تمتاز عن تجربة الماضي بما تحمله من خصوصيات الحاضر، لكنها تحمل خصوصيات الماضي كذلك ولا يمكنها التجرد عن ذلك ولا التنكر له، بمعنى أن التجربة الأدبية لا تكتمل معالمها المركزية إلا في ظل الخطاب الإلهي وعندما تكون بوتقة يلتقي فيها ثراء الماضي وتجاربه بخصوصيات الحاضر ومتطلبات العصر، لكن برؤية تتطلع إلى المستقبل أفضل من الحاضر ومن الماضي نفسه.

الأدب في ظل الأدبية

إن مادة الأدب هي اللغة بكلماتها وآفاقها الدلالية وصورها الفنية البلاغية، لكنها الغذاء الذي يغذيها يقطف من عالم المشاعر والوجدان والأحاسيس ومن كل جميل، ولكونها كذلك، فهي تظل مرتبطة بالإنسان باعتباره كائنًا مركبًا متقلبًا بين الغموض والوضوح. وهذا هو ما يجعل الأدب أبعد ما يكون عن صرامة العلم.(2) لكن مع ذلك يمكن تفريع الأدب إلى فرعين:

الفرع الأول هو فرع “الأدبية”، أي ما يصنع أدبية الأدب، وما يجعل من الأدب جنسًا لغويًّا يختلف كثيرًا عن اللغة التي توظف في الخطاب العادي، ولا مناص للأدبية من الموهبة إلى جانب العناصر الأخرى. فالموهبة هي الطاقة التي تشحن اللغة وتفعلها لتوجد منها شيئًا أدبيًّا، وهي منحة إلهية لا تمنح للكل وإلا تحول الأدب إلى شيء مبتذل لا يختلف عن الكلام العادي، وتقوم المعرفة بتقنيات الكتابة وسبلها ونظرياتها ومناهجها وأجناسها وأنواعها الأدبية، بمهمة مد الموهبة بالأشكال التي تستوعب اللغة المشحونة بـ”الأدبية”.

إن الأدب الرفيع لا تصنعه التقنية بقدر ما يصنعه عنصر الموهبة والملَكة التي تحسن توظيف التقنيات فتختار المناسب من الأجناس، ولهذا تجد الشاعر والقاص والروائي وغير ذلك… كل واحد يعبر بالجنس الأدبي القريب منه، والجنس الذي تبدو تقنياته في متناوله، لكن القاسم المشترك هو التواصل المعنوي مع القلوب والعقول والأرواح بحسب منطلقات الأديب، وهنا تكمن وظيفة الأدبية.

وأما الفرع الثاني فيهتم بما يحيط بأحوال الإبداع الأدبي دراسة وتحليلاً وتنظيرًا ونقدًا وتأريخًا، وهذه المجالات هي المجالات الأكثر ارتباطًا بمفهوم “علم الأدب”، وسيلعب هذا المجال في المستقبل، دورًا أساسيًّا في تقريب المكونات السامية للأدب في ظل البيان ومعطياته عندما تميل الإنسانية كلها إلى العلم وحقائقه. وفي هذه المرحلة ستصبح الحاجة إلى البيان أكثر إلحاحًا من قبل، لأن من شأن حقائق العلم أن تبين حقائق الوجود وتجلي عناصره.

بعبارة أخرى، إن الواقع العلمي سينتهي إلى الانسجام الكامل مع الخطاب القرآني ومع البيان الكلي، والأدب نفسه سينتهي ليكون تعبيرًا عن هذه الحقيقة، أي أن يشرح ويقرب البيان إلى كل العقول والأفهام، وسيخاطبهم بأسلوبه ويوظف كل التقنيات التي تفتح القلوب والأرواح بأسلوب خاص.

يؤكد الأستاذ فتح الله كولن أن سلطة الكلمة ضرورية لانتقال الأفكار من ذهن إلى آخر ومن قلب إلى آخر، والذين يحسنون استعمال هذه الواسطة من أرباب الفكر، يستطيعون جمع الأنصار للأفكار التي يريدون زرعها في القلوب والأرواح، فيصلون بأفكارهم إلى الخلود. وأما الذين لا يحسنون ذلك، ولا يستطيعونه فسيقضون أعمارهم في معاناة فكرية، ويرحلون عن الدنيا دون أن يتركوا فيها أثرًا. ولما كان العنصر الأساسي في الأدب هو المعنى، فقد وجب أن تكون الكلمات المذكورة قليلة لكن غنية بالمعاني. وهي موجودة في الكلام العميق عند المفكرين من ذوي القلوب الملهمة المحيطة بالوجود، والذين تتسع قلوبهم للوجود كله، من ذوي الخيال الواسع الذين نجحوا في أن يروا الدنيا والآخرة وجهين لحقيقة واحدة، والذين يملكون إيمانًا عميقًا وفكرًا تركيبيًّا قويًّا.(3)

ومن أجل فهم دقيق لنظرية الفن المستظلة بظل البيان الكلي، يتوجب ربط الفن بصفة عامة والأدب على وجه الخصوص، بمقصد ووظيفة تروم إيجاد إنسان بمميزات تؤهله لإدراك أبعاد البيان في أفق إعمار الأرض والوجود، ومحاصرة أعداء الإنسان؛ “الجهل” و”الفقر” و”التفرقة”.

فالفن والأدب ملزمان بالارتقاء بذوق الإنسان ليتفاعل مع البيان الإلهي، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على روحه وعلى كيانه كله فيدرك دوره الحقيقي في الوجود، ويدرك أن لوجوده وظيفة يتحتم معرفتها وأداؤها بروح جمالية. وبعبارة أخرى، إن يدرك الإنسان محله من البيان، فيتفاعل معه التفاعل اللازم له، بل إن العلم الذي ستنتهي إليه الإنسانية هو العلم بموقع الذات/الذوات في تفاعلها مع الوجود.

وأما محاصرة الأدب للفقر فتلمس في توسيع أفق الإنسان وفتح روحه وقلبه على العالم الفسيح وعلى الوجود في اتساعه وامتداده، ومن شأن ذلك فتح الآفاق والدخول في دائرة الإبداع بالتذوق أو بالإبداع والانطلاق، وترك المسكنة والدروشة.(4) وبعبارة أخرى، إن ترك المسكنة يعني أن يكون الإنسان عالي الهمة كالنسر، يرتاد أعالي الجبال ولا يرضى بسفوحها ويقبل الخنوع. والفن بصفة عامة والأدب على الخصوص وبمختلف أجناسه يصنع هذا النوع الإنساني.

وأما دور الأدب في محاربة التفرقة، فتظهر من خلال استمداد الأدب مشروعية وجوده من البيان حتى يصير المنطلق الذي تنطلق منه كل الرؤى والأفكار والتصورات، وتحتكم إليه في كل ما يعرض لها أثناء المسير، وإذا استطاع شد الألباب -كما هو حال البيان المطلق- فإن توحيد نظر الجموع وتمازج الأفئدة حتى تصير كفؤاد واحد، هو المصير الأكيد. ومن شأن ذلك جعل المواقف تلتقي عند الكليات وتتوحد حول الأساسيات، وليس في ذلك أي إلغاء للخصوصيات الفردية ولا الجماعية، لأن هذه الخصوصيات مصدر من مصادر إثراء التجربة.

إن مراد البيان الكلي هو أن يكون الناس على إيقاع واحد ووفق نبرة واحدة، ولا شك في أن سبل الوصول إلى ذلك متعددة ومتنوعة، لكن الفن بصفة عامة والأدب على الخصوص وبمختلف أجناسه ومختلف أنواعه الموجودة، وحتى تلك التي ستظهر في المستقبل، تستطيع توحيد الأرواح على إيقاع واحد.

إن من تعلقت أرواحهم وقلوبهم وأفئدتهم بالبيان، تنتظرهم مهمة كبيرة وعظيمة… فالذين اختاروا الأدب لأداء مهمتهم، يتوجب على أقلامهم أن تصنع من الكلام سبيلاً ينشر الخير والبشائر في كل العوالم المعنوية والمادية دون تمييز بينهما، لأن المهمة واحدة والغاية واحدة، ولأن المرمى هو أسمى مرمى يمكن للإنسان أداؤه. فالأيادي الجافة التي لم تدرك حقيقة البيان الكلي، والتي حجب غباؤها وضلال روحها عنها إدراك هذه الحقيقة، يستحيل عليها أن تكون مرشدًا إليه ودالاًّ عليه تعالى.(5) وعلى هذا القلم أن يدرك بأن العالم في حاجة إليه، وأن الزمان قد دار دورته، وأن الأرض سيرثها الصالحون. وإذا لم يكن القلم في داخل الدائرة، فإن فراغًا قاتلاً سيحتل المكان وتعشش فيه قوى الشر، لذلك على الفن بصفة عامة وعلى الأدب بصفة خاصة، أن يسكت شبه الأقلام التي أطالت الكلام دون فائدة، والنور لم تنشر والخير لم تبلغ والعالم لم تضئ، وإسكاتها لا يكون إلا بأن تنتشر الأقلام المتوضئة في كل مكان، وفي كل قلب، وفي كل حدب وصوب، وفي الأرض والجو كله… فإذا تكلم القلم الصالح، خنست الأقلام الجوفاء وانكتم ضجيجها وغلب النور الظلام، وزدانت الأرض والسماء بنور ربها.(6)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) نعني بالكلمة هنا، كل نظام ترميزي يوظف للتعبير والتواصل كالألوان والإيقاعات الموسيقية وغيرها.

(2) بعض النظريات الأدبية تقول بـ”علم الأدب”، متأثرة في ذلك بما تحقق في مجال العلم الطبيعي من إنجازات، وبغض النظر عما تطرحه هذه الرؤية من إشكالات معرفية، فإن القضية تحتاج إلى تأمل خاص.

(3) انظر تفصيل هذه الرؤية في كتاب الأستاذ البيان Speech.

(4) ترك الدروشة بالمفهوم السلبي لا بالمفهوم الإيجابي، التي تعني الخضوع لله تعالى.

(5) مستلهم من نص الأستاذ فتح الله كولن في مؤلفه “ألوان وظلال في مرايا الوجدان”: “تضرُّعُ قلم” يقول: تكلم يا قلم، واصرخ يا مداد، “يا من بالقلم أقمت! أعوذ بك أن تلمسني يد جافة، ويستخدمني عقل غبي! وروح ضال… وهبني -يا رب- إلى من إليك يكتب، وعليك يدل”.

(6) مستلهم من نص الأستاذ فتح الله كولن في مؤلفه “ألوان وظلال في مرايا الوجدان”: “لسان نور” يقول: ما أكثر ما قالوا فما أناروا… وما أكثر ما تكلموا فما أضاؤوا… ثم صمتوا، وما عاد عندهم ما يقولون… تكلم أنت، فالدور دورك… فقد أظل زمانك، وأقبلت أيامك… الوجدان إليك يهفوا، والروح إليك يرنو، فتكلم وأضئ، والأنوار فأشعل… بالنور لسانك مغموس، إذا تكلم، أضاءت الدنيا، وأشرق العالم، وتولى الظلام، وصلح الإنسان.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: