مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

فيلبي ورحلته إلى حضرموت

Posted by amshoosh في سبتمبر 26, 2012

المستكشف هاري سانت جون فيلبي ورحلته إلى حضرموت: بقلم محمد باسنبل

 

  في كتابه الخامس (المستكشف هاري سانت جون فيلبي ورحلته إلى حضرموت، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، 2012) أختار الدكتور مسعود عمشوش أن يتناول موضوعا مهما وحيويا، ورغم ذلك لم يسبق أن تجرأ أحد وتناوله، إلى درجة أنه يكاد أن يدخل في باب المحرمات: ما حقيقة الدور الذي قام به المستكشف البريطاني هاري سانت جون فيلبي في تحديد ملامح وحدود الجزيرة العربية بعد رحيل الأتراك منها، وطبيعة العلاقات بين الدول التي نشأت فيها بعد الحرب العالمية الأولى، وعلى وجه الخصوص بين تلك التي تقع في شمال الجزيرة وغربها وبين تلك التي تشكل بواباتها الجنوبية؟؟

في هذا الكتاب المثير والخطير، الذي يجمع فيه مؤلفه بين دقة منهج الباحث وجمال لغة الأديب، تبرز أمامنا الأبعاد المتعددة لشخصية هاري سانت جون فيلبي، أو كما يسميه العرب: الحاج عبد الله فيلبي. فهو سياسي ورجل استخبارات بارع، ومستكشف رائد، وتاجر ماهر. وقد كان السبب المباشر لمجيئه إلى الشرق الأوسط، في عام 1914، الإسهام في تمكين حكومته البريطانية من إحكام قبضتها على أكبر قدر من تركة الدولة العثمانية في المنطقة. وعلى الرغم من استقالته من وظيفته الحكومية سنة 1924، بسبب اختلافه الشديد مع القائمين على سياسة بريطانيا في الشرق الأوسط، الذين اتهموه حينذاك بالعمل لصالح الأمير عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، فقد أختار أن يقضي ما تبقى من عمره، أي أكثر من أربعين عاما، في البلاد العربية.

وفي الجزء الأول الكتاب يبّين المؤلف أن الهدف الأول لمجيء فيلبي إلى الشرق الأوسط وإقامته فيه لم يكن خدمة المصالح البريطانية أو ابن سعود، بل أن يكون “أعظم مستكشفي الجزيرة العربية”. لهذا السبب، عندما توفي في بيروت عام 1960، ودفن في مقبرة المسلمين هناك، كتب ابنه كيم على شاهدة قبره “أعظم مستكشفي الجزيرة العربية”، وذلك عملا بوصيته. فإذا كان الرحالة والمستكشفون الغربيون قد استطاعوا، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، أن يزيحوا الستار عن خبايا بلاد الشام وأرض الكنانة وشمال إفريقيا، فالجزيرة العربية بمدينتيها المقدستين وربعها الخالي ظلت أرضا محرمة. ولاشك في أن فيلبي، خلال دراسته في قسم الدراسات الشرقية، في كلية ترينيتي بجامعة كمبريدج، قد قرأ واستوعب تجارب هؤلاء الرحالة الذين سبقوه إلى البلاد العربية. ويبيِّن الدكتور عمشوش في هذا الكتاب أن كثيرا من مواقفه وتصرفاته تعكس في المقام الأول سعيه إلى تجنب الأخطاء التي وقع فيها الرحالة الغربيون الذين حاولوا استكشاف الأراضي المحرمة من قبله.

وقد رصد سانت جون فيلبي رحلاته الاستكشافية إلى الجزيرة العربية في مئات المقالات والدراسات والمحاضرات، وأكثر من خمسة عشر كتابا ضمنها عددا كبيرا من الصور والرسومات والخرائط. وعلى الرغم من أهمية ما قام به فيلبي من رحلات استكشافية وما كتبه عن بلاد العرب فلا تزال الدراسات العربية عنه نادرة جدا. لهذا يحق للدكتور عمشوش أن يرى ان الدور الذي قام به سانت جون فيلبي في تاريخ الأقطار العربية يفوق بكثير دور لورنس أهمية وأثرا.

و يندرج الكتاب الخامس للدكتور عمشوش في إطار اهتمامه بما كتبه الرحالة الغربيون عن حضرموت واليمن وشبه الجزيرة العربية بشكل عام. وقد قام بدراسة رحلة فيلبي إلى حضرموت من خلال قراءة تحليلية لكتابه (بنات سبأ) الذي يحتوي على سردٍ لها، وكذلك الكتابين اللذين ضمنهما فيلبي سيرته الذاتية: (أيام عربية وأربعون عاما في البرية)، وكذلك الملف الخاص بفيلبي في وثائق الاستخبارات البريطانية التي نشرها مكتب السجلات العامة والأرشيف القومي البريطاني ونشرها في نهاية عام 2002.

وقد تناول المؤلف في الفصل الأول من الكتاب سيرة سانت جون فيلبي وحاول أن يربط فيه بين المحطات الرئيسة في حياة فيلبي وبين الدافع الأول لمجيئه إلى الجزيرة العربية: الاستكشاف. وفي الفصلين الثاني والثالث قام بدارسة تحليلية لوقائع زيارة فيلبي لحضرموت، وردود فعل الحكومة البريطانية والسكان المحليين والإمام يحيى بن حميد الدين تجاه تلك الزيارة. أما الفصل الرابع فقد كرسه لدراسة الأبعاد العلمية لرحلة فيلبي إلى حضرموت، سواء أكانت جغرافية أم تاريخية أثرية أم اجتماعية. وفي الفصل الخامس تطرق للأبعاد الفنية والأيديولوجية لكتاب (بنات سبأ). وقد ضمنه أول محاولة لدراسة مقومات الأسلوب الفني الذي اتبعه عبد الله فيلبي في تدوين رحلاته، والذي يرتكز على تقنيتي السرد والوصف بالإضافة إلى الصور والرسومات والخرائط. وبما أن فيلبي قد ضمن كتابه (بنات سبأ) أبعادا أيديولوجية واسعة فقد قام في هذا الفصل بدراسة الكيفية التي سلكها فيلبي للمزاوجة بين سرد الرحلة وخطابه الأيديولوجي السياسي.

وإذا كان بعض الغربيين وبعض العرب قد أبدوا استيائهم من الآثار السياسية التي أفرزتها زيارة فيلبي لحضرموت، ومن الصبغة الأيديولوجية التي برزت في كتاب (بنات سبأ)، فهم بالمقابل لم يترددوا في التعبير عن إعجابهم بالأبعاد العلمية لتلك الرحلة وغيرها من رحلات فيلبي الاستكشافية. فالكاتب خيري حماد، يؤكد في كتابه (عبد الله فيلبي قطعة من تاريخ العرب الحديث) “إذا كنا قد تنكرنا لفيلبي السياسي، لما مثلته سياسته في وطننا العربي من ميول استعمارية بغيضة، فعلينا أن نحني الرأس تقديرا وإعجابا بهذا الرجل الفذ الذي كانت دراساته عن الجزيرة العربية وأوضاعها وأحوالها من أنفس ما كتب عنها من أسفار وكتب في مختلف العصور واللغات”. لهذا يختتم الدكتور عمشوش كتابه معترفا بأهمية الجانب العلمي لرحلات فيلبي الاستكشافية؛ فعلى الرغم من كل سلبيات فيلبي، فإن ما أضافه من معرفة حول الجزيرة العربية لا يمكن أن يفوقه فيه أحد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: