مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

جامعاتنا.. للمرحلة الثانوية دُر!!

Posted by amshoosh في أكتوبر 4, 2012

الدكتور/ خالد محمد الصغير- السعودية

 لم أجد أصدق من مَثَلنا الشعبي “من جرف لدحديرا” وأنا أستلم رسالة بالإيميل من كُليتي التي أعمل فيها، مشيرة إلى أنه بدءاً من الفصل الدراسي الحالي يتوجب على جميع الأساتذة الأخذ في الحسبان أن اختبارات مواد التخصص، وليس المواد العامة، ستكون موحَّدة؛ وعليه يجب على الأساتذة والأستاذات في قسمَيْ الطلاب والطالبات، ممن يدرِّسون المادة نفسها، التواصل فيما بينهم؛ من أجل القيام بوضع أسئلة موحَّدة للجنسين؛ الأمر الذي يعني أن كل خطوة في عملية تدريس مقررات التخصص يجب أن تكون موحَّدة بين من يقوم بتدريس تلك المواد، بشكل يعني عدم السماح بحيدان أي من الطرفين عن ذلك قيد أنملة. وعندها سألت نفسي السؤال الآتي:

 هل أنا أستاذ في المرحلة الثانوية؟ أم أستاذ في المرحلة الجامعية؟

 وجاءني الجواب: لا، ما زلت أستاذاً جامعياً، ولكنك ربما لم تكن على اطلاع بمسعانا الحثيث منذ مدة للحصول على اعتماد أكاديمي خارجي؛ وعليه فهذا يأتي استجابة لأحد متطلبات، أو معايير الجودة والتقويم الأكاديمي. قلتُ: هكذا نحن دوماً في تعاطينا مع كل ما هو مفيد؛ إذ نعمل باجتهاد بارز على تحويله نحو وجهة سلبية، أو على الأقل نتعامى عن الناحية المفيدة فيه؛ وبالتالي نئد كل جميل في مهده. خذ على سبيل المثال من فضائنا الأكاديمي السنة التحضيرية، وما أدراك ما السنة التحضيرية، والممارسات المصاحبة لعملية التصنيف، واللغط حول النشر العلمي في القنوات والأدبيات العالمية، و”الطنطنة” الإعلامية الصاخبة حول منجزات جامعاتنا وريادتها، وغيرها كثير.

 لا يساورني الشك أن هناك مغالطة كبيرة لدى من يسعى لفرض توحيد أسئلة مواد تخصص تُدرَّس في جامعة؛ من منطلق أن هذا متطلب تفرضه الجهات المانحة للاعتماد الأكاديمي، ومن منظار أن عدم تحققه يؤدي إلى إخلال بأحد شروط الحصول على الاعتماد، أو لنقل بدقة أكثر: قصور في تحقيق معايير الجودة والتقويم الأكاديمي. لا أظن جامعة عالمية في الشرق والغرب يمكن أن ترضخ لطلب كهذا، وتطلب من أساتذتها أن يقوموا بتوحيد أسئلة مادة يقوم أستاذان بتدريسها سويا؛ لأن هذا يترتب عليه نتائج تعليمية سلبية عديدة، يدفع ثمنها الأستاذ والطالب في آن واحد.

 يأتي على رأس المفرزات السلبية للدفع بهذا السلوك الأكاديمي لتقييد حرية الأستاذ الجامعي في تدريس طلابه ما يراه مفيداً لنموهم الفكري، والعلمي، دفعه ليقدم معرفة سطحية لهم، والوقوف حجر عثرة في طريق إبداعه التدريسي؛ لأنه حينئذ لن يسمح له بأخذ زمام المبادرة بالبحث عن الجديد والمفيد لطلابه، والسعي لتنويع طرق عرضه للمادة، والحرص على الاستمرار في تجويد أدائه، ومحاولة الدفع بطلابه للبحث عن معلومة هنا أو هناك رغبة في تعزيز فهمهم لما تتم مناقشته داخل قاعة المحاضرات، ومن ثم بناء شخوص متكاملة مستقلة قادرة على استيعاب المعرفة، وإنتاجها، وتوظيفها، التي هي مجتمعة تمثل مطالب رئيسية من متطلبات هيئات الاعتماد الأكاديمي، وبخاصة شق الحرية الأكاديمية الممنوحة لعضو هيئة التدريس الجامعي في نطاق التدريس، والبحث الحُرّ، وإبداء الرأي، وباعتبارها أيضاً أحد منطلقات الحرية الأكاديمية القانونية، الذي صادقت عليه دول منظمة اليونسكو في عام 1998 ضمن ما يُعرف بمشروع الإعلان العالمي في مادته الثانية بعنوان: “الدور الأخلاقي والاستقلال والمسؤولية ووظيفة الاستباق”.

 كما أنه في الوقت نفسه يؤثر سلباً في حماسة الأستاذ ورغبته في بناء منهج يمتاز بالمرونة والاستجابة لمتطلبات وقدرات طلابه، وفوق هذا وذاك أيضاً يقلل من اعتزازه وانتمائه لجامعته نظراً لسلبها أبسط حقوقه، المتمثلة في تدريس طلابه بالطريقة التي يراها مناسبة وتتماشى مع الخطوط العريضة لمتطلبات كليته.

 الأمر الآخر أن هذا المنحى يؤدي إلى وقوع ظلم على الطالب والطالبة؛ لأنه لا يمكن بحال من الأحول ضمان توافق الأستاذين في طريقة الشرح لمفردات المنهج، فضلاً عن تفاوت متوقع في كفاءة الشرح وجودته، وحتمية أن يقوم الأساتذة، بقصد أو من غير قصد، بوضع أسئلة تأتي في صالح مجموعة على حساب أخرى، لم يتوافر لها القدر الكافي من الشرح والإيضاح للمعلومة المسؤول عنها.

 وهذا يعيدنا إلى أن الجهات المانحة للاعتماد الأكاديمي، فهي في الواقع تُصِرّ على توحيد الخطوط العريضة في تدريس المواد عامها وخاصها، والاتفاق على مفردات محتويات المقررات الدراسية، ووضع أُطر واحدة عامة للتقويم والقياس، لكنها لا يمكن بحال أن تُصِرّ على فرض الالتزام بتوحيد أسئلة اختبار المادة في حال قام بتدريسها أستاذان، أو أستاذ وأستاذة في كل من قسمَيْ الطلاب والطالبات.

 إن أخشى ما أخشاه بعد الاطلاع على طلبات وتوجيهات مماثلة في عدد من جامعاتنا أنها بذلك قد هيأت الأجواء للدخول في مرحلة التحول رويداً رويداً إلى مدارس ثانوية، تحدد للأستاذ الجامعي خط السير، وتمنحه حرية التحليق ضمن نطاق فضائي أكاديمي محدد سلفاً، ومن هنا يتوقف دورها عند إنتاج موظفين فقط، وبهذا تتقاعس عن كونها مراكز لبناء جيل مسلَّح بالعلم والمعرفة قادر على استيعاب المستجدات في العلوم، والتكنولوجيا، وثورة المعلومات المتدفقة، ولعب دور منتج للمعرفة، وصانعة للبناة والتنمية الوطنية.. وليت المسؤول الذي يدفع بذلك يدرك أن تفريغ مؤسسات التعليم العالي من مضمونها الحقيقي، وتقزيمها؛ حيث تصبح عاجزة عن تأدية دورها المأمول في ميادين التنمية المستدامة، والتقدم التكنولوجي، والإسهام في الإنتاج، وقيادة المجتمع الفكرية، لا يصبان في مصلحة الوطن الذي يجب دوماً أن تتوارى مصالحنا الذاتية أمام رفعته وسؤدده ومصلحته العليا.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: