مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

جلباب المثقف العربي الجديد

Posted by amshoosh في أكتوبر 4, 2012

د. خالد محمد الصغيّر – السعودية

هل تعتقد أن العالم العربي ينتظره مستقبل مشرق في القادم من الأيام؟ كان هذا سؤال بادرني به صديق بنبرة يكسوها قدر كبير من التشاؤم. وأجبته من غير تردد بـ”نعم”. نطقتها بقدر كبير من التفاؤل، وأتبعتها بقولي: “.. وحتى أكون أكثر صراحة، فإنني أظن ذلك بشكل أكبر بكثير من أي وقت مضى”.ومصدر جزمي بذلك، أو لنقل ثقتي، مردُّه إلى أن من سيقودوننا إلى تلك المرحلة المشرقة قد أفاقوا مؤخراً على حقيقة ووعي جديد، ومن ثم أصبح لديهم رغبة جامحة وصادقة للعب دور حقيقي لوضع لبنات المستقبل المشرق الوارف الظلال، الذي سيحُف عمّا قريب العالم العربي برمته.

في الماضي القريب كان هناك عدد لا يُستهان به من مثقفي العالم العربي الذين كانوا بمنزلة جنود متوثبة للدفاع عن الأنظمة القمعية، وأبواق لها وللأنظمة البيروقراطية والاستبدادية الخانقة والبالية، وكانوا يحاربون لتحقيق الأهداف العليا التي اختطتها تلك الأنظمة، ويسخِّرون كل إمكانياتهم في الترويج والتبشير بصواب المواقف والقرارات الرسمية غير المُسدّدة. وعلى الطرف الآخر كان هناك جزء آخر من مثقفي العالم العربي الذين جعلوا من أنفسهم أداة للأحزاب السياسية المتعددة، وأبواقاً تناضل عن سياسات تلك الأحزاب وبرامجها، وإن لم تكن تصب في مصلحة الوطن العليا. وإلى جانب ذلك نجد ذوي المصالح الشخصية التي تسعى بكل ما أوتيت من قوة لبناء مجدها الذاتي وتطلعها، وتقديم ذلك على المصلحة العامة.

وهذه الأنواع الثلاثة “مثقفو البلاط، ومثقفو الأحزاب، ومثقفو أنا ومن بعدي الطوفان” تقاعسوا في جهدهم هذا عن البحث عن الحقيقة، والمصداقية، والمهنية العالية، ودعم كل ما يقود إلى تحقيق الرفاهية لشعوب أبناء العالم العربي من محيطه إلى خليجه، ومساعدة مجتمعاتهم على التطور والرقي. ولكن معالم الصورة في حقبة ما يسمى “الربيع العربي” تبدو – كما أراها – مختلفة بعض الشيء؛ إذ معها نراهم وقد بدؤوا يتسنمون أدواراً جديدة محلياً، وإقليماً، وعالمياً؛ وهو ما دعاني إلى الظن جازماً أن ذلك سيقود لا محالة في نهاية المطاف إلى مستقبل مشرق لعالمنا العربي الكبير.

 أدوار المثقفين العرب المحلية الجديدة

فعلى المستوى المحلي نرى المثقفين العرب بدؤوا بتحمُّل مسؤولياتهم، والإشارة إلى مَواطن القصور في كل جانب من جوانب الحياة، وطرح الحلول العملية الواقعية من أجل التغلب على العديد من النواحي التي هي بحاجة ماسة إلى إعادة صياغة وتشكيل. ومن هنا نراهم بشكل مختلف عما اعتدنا عليه سابقاً؛ منهم يطرحون رؤى وتصورات ليس فقط من أجل لفت الأنظار لذواتهم، وعلى طريقة “خالف تُعرف”، أو بغرض التصدي لقيم المجتمع وعاداته وتقاليده، أو من أجل كسب سمة الجُرأة في الطرح لا لغرض إلاّ لتحقيق شعبية وجماهيرية، ولم يعودوا منعزلين في زوايا ضيقة الآفاق، وإنما هم اليوم أكثر التصاقاً بهموم، ومشاكل، ومتطلبات مجتمعاتهم المحلية؛ ما جعلهم أكثر التحاماً بمشاكل الجماهير؛ وبالتالي أكثر قدرة على التعبير عن هموم المجتمع وطموحاته. وبالإجمال يمكن القول إن الكثير من مثقفي العالم العربي اليوم أضحوا يولون اهتماماً أكبر من ذي قبل لهموم الناس من حولهم، وأكثر وعياً وإدراكاً بمشاكل مجتمعاتهم، ويعملون ما في وسعهم للارتقاء بمجتمعاتهم إلى وضع أفضل ممّا هو عليه، ولم يعودوا فقط مثقفين نخبويين محدودي التواصل والتفاعل مع مَنْ حولهم، ومتقوقعين حول مدار تخصصاتهم العلمية الدقيقة.

 أدوار المثقفين العرب الإقليمية الجديدة

وعلى المستوى الإقليمي كانوا في الأمس القريب دعاة التقوقع الوطني الذي لا يتسع لآفاق خارج نطاق حدود الوطن الصغير القائم بذاته، من غير اكتراث للهم الوطني العربي الشامل، لكننا نرى الكثير منهم اليوم يعملون من دون كلل، ويُسخِّرون كل قدراتهم وإمكانياتهم للمساهمة في حل المشاكل العربية الأزلية سعياً في منح الأمة العربية لعب دور أكثر فاعلية في عالم اليوم، ونراهم يمدون أياديهم لمن يعنيهم الأمر لإيجاد حلول للمشاكل العربية – العربية، ويدعون إلى إقامة سوق عربية مشتركة حرَّة، ويقدمون حلولاً لمشاكل اقتصادية واجتماعية وتربوية تعصف بالأمة العربية، وتحول دون تقدمها، ويدعمون بقوة ما يساعد على تقوية عرى الُلحمة والوحدة العربية، والتكامل الاقتصادي العربي؛ لذا يمكن القول إن ما يشغل بال عدد كبير من مثقفي العالم العربي اليوم يكمن في إيجاد أرضية لمفاهيم فكريّة مشتركة حول الانتماء والهويّة، ومحاولة توصيف الواقع وأسباب مشاكله، والعمل على إسقاط عناصر التقسيم والتشرذم، ثمَّ العمل على وضع رؤية فكريّة مشتركة لمستقبل عربي أفضل، موحدين في ذلك كله المتلازمات الثلاث: المنطلق، والأسلوب، والغاية.

 أدوار المثقفين العرب الدولية الجديدة

وأدوار المثقفين العرب الجديدة نراها أيضاً بارزة على المستوى الدولي، وبخاصة بعد إدراكهم خطأ في حساباتهم وتقديراتهم التي أجروها في الماضي القريب. كان العديد من المثقفين العرب ينظرون للعولمة على أنها أداة لصهر الثقافات والقيم تحت مظلة القيم والمبادئ الأمريكية، أو بمعنى آخر أمركة القيم والمبادئ العالمية، وفي الوقت نفسه إلغاء ومسخ قيم ومبادئ الآخر، وهيمنة شركات بعينها على السوق العالمي الكبير. ولكن الزمن أثبت أن رأيهم هذا تنقصه الدقة، وبخاصة بعد عدم لمسهم انفتاحاً حقيقياً في الأسواق العالمية في مقابل القضاء على مثيلاتها المحلية تماماً، وكذلك عدم التطبيق الفعلي لعروض تسويقية للجمهور المحلي تقدمها الشركات العالمية القابضة، ولم يتم فرض قيم الآخرين على المجتمعات المحلية. وبعد أن أدركوا أن الانفتاح على العالم والحوار الهادف البناء لا يلغيان أبداً الهوية، وبعد أن لمسوا أن التماس مع الآخر يثري تجربة المثقف العربي؛ ما يجعله أكثر قدرة على التواصل، وتبادل الخبرات العلمية والثقافية، وأن التوقف فقط عند إنجازات الآباء والأجداد واستدعاءها في كل شاردة وواردة لم يعد يجدي نفعاً.. وجدنا تحولاً نوعياً في دعواهم إلى إجراء مزيد من الحوار والتفاهم، وبناء جسور من الثقة مع شعوب المجتمعات الأخرى، والمناداة بمحاولة الاستفادة والتعلُّم من تجارب أمم الأرض قاطبة. وهم بذلك مدفوعون بفكرة أن التعايش السلمي يؤدي دوماً إلى مزيد من الاحترام المتبادل بين الدول والثقافات. كما أن دور المثقفين العرب الدولي الجديد نراه أيضاً ماثلاً اليوم في محاولتهم تقديم صورة حقيقية عن اهتمام المواطن العربي بتطور، واستقرار، وسيادة الأمان، والرخاء للعالم أجمع، كما نراهم كذلك يسعون بكامل قواهم لاستعادة مجد الحضارة والثقافة العربية التي سادت يوماً ما.

 المُنتظر

وهكذا بما أننا نشهد اليوم ميلاد عصر جديد يطل برأسه على أرض وطننا العربي الكبير، يقوم ضابطو الحركة فيه وصانعوها وموجهوها وقائدو المسيرة الاجتماعية بتبني أدوار أكثر فعالية وإيجابية ذات بُعد محلي وإقليمي وعالمي، يأتي دور المواطن العربي، أو بعبارة أكثر دقة واجبه أن يعمل ما في وسعه من أجل مساعدة ودعم المثقفين العرب؛ كي يؤدوا أدوارهم الجديدة الواعدة بكل كفاءة واقتدار.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: