مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

طلابنا في مستهل عامهم الدراسي!!

Posted by amshoosh في أكتوبر 4, 2012

د. خالد محمد الصغيّر -السعودية

ها نحن على أعتاب عام دراسي جديد، تدب معه الحياة مجدداً في أروقة مدارسنا، ومعاهدنا، وكلياتنا، وجامعاتنا، ومعها تبدأ العملية التربوية بالدوران والركض مجدداً؛ حيث يلتقي أبناؤنا الطلاب والطالبات معلميهم ومعلماتهم بتحفز؛ لتلقي ما سينثرونه على مسامعهم من معلومات ومعارف، تزيد من إدراكهم ومحصولهم العلمي. وهنا أجدني مضطراً للتوقف عند محطة تربوية، أجدها في غاية الأهمية، متمنياً أن تكون الهدف ذا الأولوية الذي يسعى لتحقيقه هذا العام كل تربوي يتصدى لتعليم وتربية فلذات أكبادنا في مؤسستنا التعليمية المنتشرة في طول وعرض بلادنا الغالية.

 التلقين والحفظ والاسترجاع تأتي كلها على رأس الممارسات التربوية التي تُسيِّر العملية التربوية داخل أروقة فصول مؤسساتنا التعليمية، وهي ممارسة تقليدية قتلت روح الإبداع والتفكير بشكل فعّال، والقدرة على التحليل المنطقي للمعلومة المتلقاة لدى متعلمينا. والخلاص من مهارات التفكير الدنيا تلك يتم عن طريق تدريب الطلاب على مهارات أو مستويات التفكير العليا، التي اصطُلح عليه تربوياً بالتفكير النقدي، أو الناقد “Critical thinking” بشكل يجعلهم بدلاً من مجرد حافظين لما يقدَّم لهم من كم معرفي، واستظهاره كما هو لاحقاً، قادرين على إخضاع ما يتلقونه من معلومات للفحص، والتأمل، والتحليل، ومن ثم قبولها، أو رفضها بناء على اعتبارات وأسس صحيحة مستمدة من الركائز الرئيسة المكوِّنة للتفكير الناقد، المتمثلة في مهارات إجرائية أربع هي: التحليل، والاستنتاج، والتفسير، والتقويم.

وأهمية تنمية التفكير الناقد لدى طلابنا وطالباتنا تكمن في ضرورة تبني استراتيجيات تدريسية جديدة، تتناسب مع الاتجاهات التربوية الحديثة التي تنادي ببناء القدرات والمهارات التي يحتاج إليها متعلم اليوم، وإعداد المتعلمين للتعامل مع مصادر معلوماتية متعددة في عصر التقنية، والانفجار المعرفي الهائل، والحرص على تقديم تعليم نوعي متقدم لأبنائنا الطلاب والطالبات؛ وبالتالي تخريج متعلمين ذوي قدرات فائقة ومسلحة بلغة العصر الحالي ومفاهيمه وآلياته، بقدر يجعلهم قادرين على التعامل بكفاءة مع واقع ومتطلبات وقضايا عصرنا الحاضر.

 وتنمية التفكير الناقد لدى طلابنا وطالباتنا يقود من منظور تربوي إلى تحقيق جملة من الفوائد التربوية والشخصية. إن التفكير الناقد يؤدي إلى أن يكون لدينا نوع من التلاميذ الذين يمتازون بالمعرفة العالية، والذهنية المنفتحة، ويمتازون بالمرونة والموضوعية في الحكم على الأمور، والرصانة عند التعامل مع الأفكار المتحيزة، والدقة في إصدار الأحكام والآراء، وأيضاً يجعلهم قادرين على اتخاذ القرار المناسب أمام الآراء والمعلومات المتعددة والمتجددة؛ بسبب ما نشهده من تغير علمي وتكنولوجي واجتماعي متسارع في عالم اليوم. وكل ذلك يمكن ترجمته بعبارة مفادها أن تنمية مَلَكة التفكير الناقد تُسهم في تشكيل أسس ومبادئ القدرة على الفَهْم، واتخاذ القرارات، وتؤسس لمهارات البحث والاستقصاء، كما أنها في الوقت نفسه تزيد من دافعية وإقبال الطلاب على التعلُّم؛ لأنهم في ظل ذلك سيكونون محور العملية التعليمية.

 والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الوسائل والطرق التي يمكن استخدامها لتنمية مهارات التفكير الناقد لدى طلابنا وطالباتنا، المتمحورة حول المهارات الأربع “الاستقراء، الاستنباط، التحليل، والتقويم”، مبتعدين بذلك بهم مسافات عن ممارسة التلقين المعتمد على قدرات التذكر والحفظ؟ هذا يتطلب منا إعادة النظر في عدد من الإجراءات على الصعيد الرسمي والممارسة التربوية، التي منها:

ينبغي أولاً أن يكون هناك تبنٍّ رسمي من مسؤولي التربية لهذا التوجُّه التربوي الذي يتوافق مع مستحقات الفترة الراهنة، التي تتطلب إعداد متعلمين لا يمتلكون فقط المعارف، وإنما قادرون على التفكير في المحتوى العلمي، ومحاكمته، وتوظيفه التوظيف السليم، ثم ينبغي كذلك أن يخطو مسؤولو التربية خطوة أخرى، تتمثل في محاولة الاستفادة من التجارب الدولية في الحقل، ومن ثم تطويع تلك التجارب؛ لتتناسب مع واقعنا وقيمنا.

 وهم أيضاً بحاجة إلى إعادة النظر في المناخ التربوي من أجل ضمانة اكتساب الطلبة مهارة التفكير الناقد، ومن ثم تنميته، وبعد ذلك العمل على ممارسته على أرض الواقع.

 وبعد تهيئة المناخ التربوي المناسب يمكن تطبيق الأسلوب التكاملي في تعليم التفكير الناقد، وذلك يتطلب إدراج مهارات التفكير الناقد ضمن المحتوى المعرفي المراد تدريسه، وتدريب الطلاب على المهارات التي تتماشى مع محتوى الدرس، ثم يقوم المعلّم بتدريس الطلاب بطرق تختلف عن الطرق التقليدية المعتادة، تمنح المتعلمين فرصة التأمل، وتحثهم على المشاركة والتفاعل مع ما يطرحه أمامهم، ويطرح عليهم ما يستثير أذهانهم، ويستدعي التحليل، والمقارنة، والاستنتاج. وقبل ذلك نحن بحاجة إلى تدريب المعلّم وتزويده بمهارات التفكير الناقد؛ حتى يمكنه نقل خبرته ومعرفته تلك إلى طلابه، وهم كذلك بحاجة ماسة إلى معرفة أساليب تدريس التفكير، وكذلك معرفة كيفية قياس وتقييم مهارات التفكير الناقد لدى طلابهم.

 إن الناظر في حال تعليمنا اليوم يدرك أنه تعليم تقليدي، يركز كثيراً على الرفع من الحصيلة المعلوماتية لدى أبنائنا الطلاب وبناتنا الطالبات من خلال تكريس مبدأ الحفظ والتلقين والتذكر، وهذا أدى إلى التقليل كثيراً من كفاءة وقدرة طلابنا وطالباتنا، وعدم إعدادهم بطريقة تكفل تعاطياً سلساً مع معطيات العصر، واستيعاب متغيراته المتجددة نظراً لعدم مدهم بمهارات التعليم الناقد التي يمكن أن ينقلوها معهم إلى أي موقف معيشي ربما يمرون به، أو يمارسونها على أرض الواقع في ميدان الأعمال التي سيعملون فيها في المستقبل؛ ما جعلنا نفتقر إلى كفاءات نوعية يقدمها تعليمنا، تمتاز بالإبداع والنشاط، وفوق ذلك بالمهارات الاستثنائية المتمثلة بالتحليل والتركيب والاستنتاج والتطبيق. ومن هنا أجدها فرصة لتذكير من يقومون بتربية جيلنا الناشئ بعدم التوقف فقط عند توسيع معارف ومعلومات الطلاب، وإنما هم بحاجة إلى تجاوز ذلك والعمل على تحفيز وإعمال واستثارة عقول طلابهم.

 أملي ونحن في مستهل عام دراسي جديد أن يسعى كل مدرِّس ومدرِّسة لأن يعملا كل ما في وسعهما لتنمية ملكة التفكير الناقد لدى أبنائنا وبناتنا الطالبات؛ حتى يكونا بذلك الصنيع ساهما في مساعدتهم على أن يعيشوا وفق مستحقات عصرهم، وجعلهم قادرين وبامتياز على استيعاب متغيراته المتسارعة المتجددة، ولديهم القدرة على التعامل بكفاءة مع قضايانا المحلية.

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: