مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

خطاب المقدمات عند المقالح

Posted by amshoosh في يناير 29, 2013

النص الموازي وخطاب المقدمات عند المقالح

د. مسعود عمشوش*

من المعلوم أن القرن العشرين قد شهد بروز عدد كبير من فروع الدراسات الأدبية ومناهج النقد الحديثة. فقد أصبح لدينا اليوم أدوات منهجية لدراسة مختلف جوانب النص حتى تلك التي كانت في السابق – وربما لا تزال- إما مهملة أو يتم تناولها بشكل عابر وغير منهجي. ومن أهم جوانب النص الأدبي التي لم تحظ باهتمام كاف قبل ثمانينات القرن العشرين مجموعة العناصر المتناثرة حول متن النص أو داخله أو خارجه، وذلك لتسمّيه أو تقدّمه أو تفتتحه أو تهديه أو تعلق عليه أو توضحه أو تختتمه أو تصنفه أو تروج له. وتكمن أهمية هذه العناصر في أنها تكون نظاما إشاريا غنيا بالدلالات والمعلومات التي لا يحتويها المتن. وفي بعض الثقافات يمكن أن يتجاوز حجم النص الموازي حجم المتن نفسه. فالكاتب الفرنسي الكلاسيكي لابريير يؤكد في كتابه (الحكم) أننا “إذا أبعدنا من كثير من المؤلفات الأخلاقية الإهداء والتنبيه والمقدمة والفهرس وترخيص النشر لن يبقى منها إلا عدد قليل من الصفحات لا يكاد يكفي لنستطيع اعتبارها كتبا”. كما عرفت تقاليد النشر العربية القديمة نوعا فريدا من النصوص “الموازية” يكوّنه متن كامل ومستقل يبرز في هوامش صفحات المتن الأصلي. ويبدو أن سبب بروز هذا “النص الموازي” محاولة مؤلفه استغلال شهرة المتن الأصلي لتوصيل نصه إلى أكبر عدد ممكن من القراء.

وإذا كان بعض النقاد قد تناول هذا الجزء أو ذاك من عناصر النص الموازي عند قيامه بتحقيق بعض النصوص، فإن أول من خصص دراسة طويلة وشاملة لمختلف مكونات النص الموازي هو الناقد الفرنسي جيرار جينيت الذي ساهم كذلك في وضع مناهج تحليل السرد والنصوص الأدبية بشكل عام في كتبه: (خطاب الحكاية) سنة 1972، و(جامع النص) سنة 1979، و(أطراس) 1982، و(العتبات) سنة 1987. في مقدمة هذا الكتاب الأخير يلاحظ جينيت أن من النادر أن يقدم النص/المتن نفسه عاريا بدون مرفقات أو مكملات لغوية تحيط به أو تتداخل معه أو تنفصل عنه لتمكنه من تحديد هويته والنهوض كبنية دلالية مستقلة في شكل كتاب. وقد اختار جينيت أن يطلق على تلك المكملات “النص الموازي: le paratexte“، وعرفه قائلا إنه “ما يصنع به النص من نفسه كتابا ويقترح ذاته بهذه الصفة على قرائه وعلى الناس بشكل عام”.

وانطلاقا من موقع النص الموازي وهوية منتجه ووظيفته استطاع جينيت أن يضع تصنيفا دقيقا لمختلف أنواع النص الموازي، حيث ميّز بين النص الموازي الداخلي الذي يقع ضمن الكتاب، مثل العنوان والمقدمة والفهرس والهوامش والإهداء، وبين النص الموازي الذي يقع خارج الكتاب كالمقابلة والدعاية. وميز كذلك بين النص الموازي الذي ينتجه المؤلف نفسه كالإهداء والمقابلة، وبين النص الموازي الذي يضعه الناشر كالدعاية والنبذة والغلاف الأخير. وفرّق جينيت أيضا بين النص الموازي الرسمي الذي يتحمل المؤلف أو الناشر مسؤوليته والنص الموازي غير الرسمي الذي يضعه شخص آخر “مستكتب”، قد يكون ناقدا أو فنانا أو صحفيا.

وبيّن جيرار جينيت مختلف الوظائف التي يمكن أن يضطلع بها النص الموازي مؤكدا أن كل نص مواز يُسخر عادة لخدمة متنه ويهدف إلى التعريف به وبمؤلفه وناشره ومحتواه. وبعكس الوظيفة الجمالية النادرة والثانوية يرى جينيت أن الوظيفة البرجماتية هي أبرز وظائف النص الموازي الذي يسعى دائما إلى توجيه القارئ نحو مقصدية المؤلف، وإقناعه بقبول تفسير محدد أو قراءة بعينها للنص/المتن.

أما على المستوى التطبيقي فقد ظهرت كثير من الدراسات التي خصصت لهذا الجزء أو ذاك من مكونات النص الموازي، لاسيما في اللغات الأجنبية. وفي الغالب تم التركيز على العناوين والمقدمات. ولم نطلع إلا على كتاب واحد في اللغة العربية صدر سنة 1988 حول (العنوان في الأدب العربي). ولم يشر مؤلفه د. محمد عويس إلى (عتبات) جيرار جينيت. وبالمقابل قام عدد من النقاد العرب الذين تأثروا بجيرار جينيت بكتابة دراسات قصيرة حول العناوين والمقدمات؛ من بينها دراسة د. جميل حمداوي عن “السيميوطيقا والعنونة”(1)، ودراسة د. محمد الهادي حول “شعرية عنوان كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق).(2) وفي العدد الأول من مجلة (جذور) السعودية نشر بو جمعة جمي دراسة حول (خطاب المقدمات في شروح مخطوطة لما أبدعه الحريري من مقامات). ونشر د. المصطفى الشاذلي “مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم”.(3) ومن الملاحظ أنه منذ صدور كتاب (العتبات) أصبح دارسو الأدب العربي -لاسيما الذين يتقنون اللغة الفرنسية منهم- يولون اهتماما كبيرا بالنص الموازي في أبحاثهم ومحاضراتهم. ونعتقد أن دراسة محمد بنيس جول (الشعر العربي: بنياته وإبدالاتها) من أنجح الدراسات التي استطاعت أن توظف بشكل خلاق مقولات الناقد الفرنسي جيرار جينيت في اللغة العربية.

ويشير الأستاذ بو جمعة جمي في دراسته حول خطاب المقدمات في شروحات مقامات الحريري إلى عادة المؤلفين العرب استهلال كتبهم بمقدمات يضعونها بأنفسهم ويثبتون فيها معلومات توثيقية بالغة الأهمية لكنها لا تقبل الإقحام في متن الكتاب. ويرى أن المؤلفين العرب قد تأثروا في الوقت الحاضر بمناهج الكتابة عند المستشرقين والمؤلفين الغربيين بشكل عام لاسيما فيما يتعلق بعادة استكتاب المقدمة أي طلب كتابتها من قبل كاتب آخر غير المؤلف. ويمكن أن نضيف هنا أن هذه العادة ظلت في الغرب محصورة في الكتب العلمية وطبعات “الأعمال الكاملة”، والطبعات العلمية المحققة، أو الطبعات “المكررة” للكتب التي حظيت بشيء من النجاح مثل المقدمة التي وضعها جان بول سارتر لكتاب صديقه بول نيزان (عدن العربية) والتي كانت العامل الأساسي للانتشار الواسع للكتاب في كثير من اللغات طوال عقد الستينيات من القرن العشرين. وفي هذا الإطار تدخل المقدمة الممتازة التي كتبها الأستاذ الشاعر عبد العزيز المقالح لمجلد أعمال الزبيري الشعرية الذي نشرته دار العودة سنة 1976.

لكن من النادر جدا أن يستهل الكاتب الغربي الطبعة الأولى لعمله الإبداعي بمقدمه مستكتبة أو من تأليفه. وربما يعمد بعض الروائيين إلى افتتاح نصهم الخيالي بمقدمة هي في الواقع جزء لا يتجزأ من النص الخيالي نفسه وذلك بهدف محاولة خلق مضاهاة بين المؤلف والراوي والبطل. نجد ذلك مثلا في رواية إيتالو سفيفو (ضمير زينو)، وفي رواية (أحياء من البحر الميت) للروائي الأردني مؤنس الرزاز.

ومن اللافت للانتباه أن كثيرا من المبدعين اليمنيين يسعون إلى تضمين الطبعة الأولى من إصداراتهم مقدمة بقلم زميل أو أديب مشهور. وقد تنبه الناقد فيصل سعيد إلى هذه الظاهرة وحاول أن يجد لها تفسيرا عند الأستاذ عبد العزيز المقالح وذلك حينما سأله: “منذ بداية السبعينات وأعمال أدبائنا المنشورة تتوالى، وتدخل الحلبة وجوه جديدة. لكن الظاهرة الملاحظة هي الميل والحرص على ظهور هذه الأعمال بمقدمات. ولقد كان لك الجزء الأكبر من هذه المقدمات. ألا يمكن تفسير هذه الظاهرة بأنها مؤشر لوجود شك من قبل الأديب في نفسه، وفي متابعة القراء للجديد من الإنتاج إلا إذا أتى “بمكبر صوت” كما قلت في ديوانك (لا بد من صنعاء وإن طال السفر)؟ وقد ردّ عليه المقالح قائلا “وضع المقدمات للأعمال الأدبية تقليد أدبي متعارف عليه، وهو منقول عن الغرب في كل ما نقلناه عنه من مذاهب وأساليب. والمقدمة نوع من التعريف المباشر أو غير المباشر بالأديب وما يكتب. ولا توجد بالضرورة علاقة بين المقدمة وشك الكاتب أو تردده في قيمة ما يكتب. فالمعروف أن طه حسين قدّم لبعض كتب زملائه من أصحاب الشهرة العالمية. ولعل أعمالنا الأدبية في فترة ارتجالها الأولى خارج الأرض اليمنية تكون بحاجة إلى من يقدم لها بخلفية محلية لكي لا تتوه في زحام الكتب والأعمال الأدبية الأخرى”.

وفي بعض الحالات النادرة يقوم المبدعون اليمنيون أنفسهم بوضع مقدمات للطبعات الأولى من إصداراتهم مثلما فعل القاص والروائي محمد مثنى حينما افتتح مجموعته القصصية الثانية (الجبل يبتسم أيضا) بمقدمة قام هو بتحريرها. أما القاص محمد صالح حيدرة فقد استهل مجموعته القصصية الثانية (السحب المسافرة) بثلاث (إضاءات) ليست لها علاقة مباشرة بالمتن، إذ إنه قد استلها من كتابات نقدية (لكل من د. عبد العزيز المقالح و د. سهير القلماوي ود. عبد الحميد إبراهيم) تناولت مجموعته القصصية الأولى: (مراهقة جدا).

خطاب المقدمات عند المقالح:

ومن المعلوم أن الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح قد اختار أن يكرس جزءا كبيرا من وقته للنقد الأدبي بشتى أنواعه. وقد أكد ذلك في لقاء أجرته معه مجلة (نزوى) العمانية قائلا: “إنني أعطيت للإبداع الأدبي في اليمن شعرا وقصة ورواية ومسرحا عصارة جهدي النقدي المتواضع، وحاولت التعريف بالمبدعين في هذه البلاد على حساب الشعر الذي نذرت له كلماتي”. ومن المؤكد أن جزءا كبيرا من الجهد النقدي للدكتور المقالح قد تبلور أولا في شكل مقدمات تصدرت أعمال عدد كبير من الكتاب والمبدعين اليمنيين الذين كثيرا ما يعرضون عليه مخطوطاتهم ويلحون عليه لكي يقدمها للقارئ. وقد تحدث المقالح عن هذا الموضوع في مقابلة أخرى أجراها معه إبراهيم المقحفي سنة 1982 قائلا: “اعتبرت الموضوع جزءا من مسؤولية كبيرة للتعريف بواقعنا الأدبي الذي كان من النادر أن يعيره أحد أي اهتمام. ومن خلال تلك السطور التي تصدرت بواكير إنتاجنا الشعري والقصصي والنقدي برزت بعض الاهتمامات المحلية والعربية بتلك الكتابات. وقد أبدى بعض الأساتذة والنقاد ملاحظة وهي أنه في انتظار أن يشتد ساعد الحركة الأدبية في اليمن ويكون في مقدور الناقد العربي المتخصص أن يقوم بتقديم الشعراء اليمنيين إلى مواطنيهم في إطار نقدي تقييمي على النقاد اليمنيين أنفسهم أن يتولوا مهمة تقديم شعراء بلادهم إلى القارئ العربي لأن (صاحب الدار أدرى بالذي فيه)، ولأنهم سيكونون أكثر تعاطفا مع بواكير الإنتاج في بلادهم”.

ولا شك أن أي تقييم شامل لخطاب المقدمات عند المقالح ينبغي أن يستند إلى قراءة تحليلية لبضع عشرات من المقدمات التي شرع المقالح في كتابتها منذ أكثر من ثلاثين عاما. وفيما يخصنا سنكتفي في السطور القليلة الآتية بإبراز بعض السمات العامة للمقدمة عند المقالح من خلال قراءة للمقدمات الثمان التي أعاد المقالح نشرها سنة 1999 في كتابه (دراسات في الرواية والقصة القصيرة في اليمن)، والتي تندرج جميعها في إطار النقد التعريفي الذي يمكن أن تضطلع به أية مقدمة “مستكتبة”.

عند المقالح يرتكز هذا النوع من المقدمات على القيام بتعريف المؤلف والكتاب من خلال تحديد موقعهما في المسار التاريخي القصير لتطور كل من الرواية والقصة القصيرة في اليمن، وكذلك من خلال إبراز دور الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في رسم ذلك المسار. ففي مقدمة رواية (هموم العم قوسم) لمحمد مثنى يتناول المقالح تعثرات الرواية في اليمن ويؤكد أن عقد السبعينيات من القرن العشرين كان عقد أولى المحاولات الجادة لكتابتها. وتوقف المقالح بشكل أطول أمام الموضوع نفسه في المقدمة التي وضعها سنة 1976 لرواية محمد حنيبر (قرية البتول) التي حالت الظروف التي أفرزتها حينئذ اتفاقية كامب دافيد دون نشرها. أما في مقدمة رواية عزيزة عبد الله (أحلام نبيلة)، التي تبدأ بخطاب طويل حول الأثر الذي تركته الثورة في حياة المرأة اليمنية وتمكنها من تحقيق حضور فاعل في مجالات متعددة من الحياة العامة وفي وقت قصير نسبيا، فقد ربط المقالح بين ظهور الرواية اليمنية وتطورها في اليمن وبين قيام الثورة اليمنية.

ويفعل المقالح الأمر نفسه في أربع مقدمات أخرى من المقدمات الثمان التي اخترنا التركيز عليها. ففي مقدمة المجموعة الأولى لزيد مطيع دماج (طاهش الحوبان) يتكئ عبد العزيز المقالح بشكل ذكي على دراسة الناقد الفرنسي تزيتفان تودوروف حول (الناس والحكايات في ألف ليلة وليلة) ليربط ليس فقط بين ميلاد القصة القصيرة في اليمن وقيام الثورة، بل ليربط أيضا بين ميلاد القصة والحياة؛ فهو يكتب “إن فجر القصة في وطن ما يمكن أن يرتبط بفجر الحياة في ذلك الوطن. فبداية انتشار القصة تعني بداية الرفض للصمت… ولذلك فميلاد القصة الحديثة في اليمن يرتبط بالثورة أكثر ربما من ارتباطه بالشعر”. وفي مقدمة مجموعة (في جوف الليل) لمحمد مثنى يربط المقالح أيضا بين بداية القصة القصيرة وتطورها في اليمن وبين التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال العشرين سنة التي سبقت تاريخ نشر المجموعة عام 1982، ويرى أن تلك التحولات “كفيلة بأن تمكن القصة من الظهور والنماء وأن تمنح الجديد في الفن والأدب هوية المستقبل وشرعية الخروج على الهياكل المتداعية والمحنطة في توابيت السلفية والجمود”.

ويغيب هذا النوع من الربط في مقدمات المجموعات القصصية الأخيرة: (جوقة المساء- سنة1997) لآمنة يوسف ، و(الشراشف- سنة 1995) ، و(حريم أعزكم الله- سنة 1998) لمحمد الغربي عمران. وفيها يقوم المقالح بإبعاد آمنة يوسف ومحمد الغربي عمران من دائرة الأشكال التقليدية في القص، ويؤكد قدرة الأولى على المزج بين الحلم والحقيقة وتصوير “تشويش الحواس”، واستخدامها للغة شعرية مكثفة ذكرته بأسلوب ناتالي ساروت رائدة الرواية الجديدة في فرنسا. ويبرز المقالح أيضا حداثة الغربي عمران الذي استطاع أن يتجاوز مرحلة التركيز على الحدث وشرع في الاهتمام باللغة والرمز والتجريب. كما يميّز المقالح محمد الغربي عمران ويعده من القاصين اليمنيين القلائل الذين يحاولون رفد موهبتهم القصصية بالقراءة والمتابعة لما هو جديد.

وفي نهاية المقدمة الأخيرة (مقدمة حريم أعزك الله) يعود المقالح ليتحدث عن مسار القصة القصيرة في اليمن ويلاحظ أنها “رغم عوامل الإحباط والجفاف تقف على أبواب تغيير وتحول جذري انطلاقا من هذه المحاولات المتمردة على منطق القصة التقليدية وطريقة سردها”.

ويبدو لنا أن تركيز المقالح على النقد التعريفي في مقدماته يتناسب مع الوظيفة الرئيسة لهذا النوع من النص الموازي، لكنه حدّ قليلا من نصيب النقد الوصفي التحليلي باستثناء في المقدمة التي وضعها لمجموعة (البشارة) لعبد الفتاح عبد الولي. ففي هذه المقدمة الطويلة (11 صفحة) خصص المقالح مساحة كبيرة لتحليل نموذجين من قصص المجموعة بهدف إبراز مهارة القاص عبد الفتاح عبد الولي في استخدام الرمز لاسيما في قصة (الثلاثة) التي يقول عنها المقالح في نهاية تحليلها “قلما نجد في القصص اليمنية قصة تضاهي قصة (الثلاثة) في عمق فكرها وبعدها الرمزي”. وعادة ما يستخدم المقالح مثل تلك الملاحظات النقدية ليبني عليها بعض الخلاصات المتعلقة بمسار الأدب اليمني بشكل عام. ففي نهاية مقدمة (البشارة) مثلا يتناول المقالح الأسباب التي كانت – سنة 1986- تحد من استخدام الرمز والتجريب الحداثي في الأدب اليمني قائلا إن “تخلف المجتمع اليمني وقسوة معاناته يجعلان القاص اليمني ينصرف عن دخول معارك الاستحداث والمغامرات الشكلية، وإن كان انصرافه هذا قد أوقع جوانب من إنتاجه أحيانا في الجفاف الفكري والمباشرة، وجعل بعض الكتابات القصصية تعتمد التجسيد بدلا من الإيحاء”.

ومن الواضح أن معظم المقدمات التي يكتبها المقالح هي في الغالب للطبعات الأولى وفي كثير من الأحيان للإصدار الأول للمبدع المعني. لهذا فهي تحتوي دائما على بعد تشجيعي قد يتجسد في مجرد التأكيد على أن المؤلف كاتب موهوب وواعد أو أنه “سيكون واحدا من أهم كتاب القصة القصيرة في هذه البلاد”. ويقول د. عبد العزيز المقالح في المقابلة التي أجراها معه إبراهيم المقحفي “أرجو أن تفهم مقدماتي على أنها نوع من التعريف والتشجيع الضروري الذي لا يستغني عن مثله كبار الكتاب والشعراء ناهيك بصغارهم”.

ويمكن أن يأخذ هذا البعد التشجيعي شكلا احتفائيا وذلك حينما يقترن بالتحية والترحيب كما هو الحال في المقدمة الأولى التي كتبها المقالح لمجموعة زيد مطيع دماج (طاهش الحوبان) والتي تنتهي بالكلمات الآتية: “ومع كل الملاحظات التي يمكن أن يثيرها الحديث عن السمات الفنية لهذه المجموعة المختلطة بتراب اليمن وروائح البن والقات، فإن قاصا كبيرا يوشك أن ينهض من بين صفحاتها ويتهيأ لكي يحتل مكانه المرموق ويعوض القصة الحديثة في اليمن عن خسارتها الفادحة والكبيرة بغياب تشيكوف اليمن، الفنان الراحل محمد عبد الولي. فمرحبا بطاهش الحوبان ليأكل بعض مخاوفنا، ولكي يمنحنا الشجاعة والصبر على معانقة التضحية والثورة”.

أما في مقدمة مجموعة (البشارة) فيأتي البعد التشجيعي في شكل دعوة للمبدع إلى مواصلة الكتابة والعطاء؛ فنحن نقرأ في نهايتها: “إن عبد الفتاح عبد الولي أكثر أبناء جيله من القاصين اليمنيين وعدا وعطاء متميزا وآمل أن يكون في نشر مجموعته الأولى حافز على الاستمرار في عملية الخلق الفني وعلى مواصلة المسيرة الإبداعية التي أثراها شقيقه محمد عبد الولي، وأن يكون انصرافه المؤقت عن كتابة القصة أزمة عابرة يعود بعدها أكثر تطلعا وإشراقا ومواكبة”.

ومع أن هذا البعد التشجيعي والوظيفة البرجماتية لأية مقدمة قد يتنافيان – في اعتقادنا- مع إبراز “الهنات” التي يمكن أن يحتويها المتن إلا أن الأستاذ عبد العزيز المقالح لا يتردد في بعض المقدمات من الإشارة إلى السلبيات التي يصادفها في النص المقدم ولاسيما الضعف اللغوي. نجد هذا النوع من الإشارات مثلا في مقدمة (طاهش الحوبان) وفي مقدمة رواية (أحلام نبيلة) وكذلك في مقدمة (هموم العم قوسم).

وإذا كانت الوظيفة البرجماتية لمقدمات المقالح تتجسد عادة بشكل ضمني نلاحظ أن المقالح يتوجه أحيانا بشكل مباشر إلى القارئ ليرشده إلى الطريقة المناسبة لقراءة المتن. هذا ما نجده مثلا في مقدمة (حريم أعزكم الله) التي يتوجه المقالح فيها إلينا قائلا: “وللتعرف على نجاح القصة القصيرة في الوصول إلى هذه الغاية أدعو بإلحاح قارئ هذه المجموعة إلى قراءة معظم أو كل قصصها قراءة سينمائية، أو بمعنى آخر تمثلها وقد صارت فيلما سينمائيا يطول أو يقصر”. كما يتناول المقالح في هذه المقدمة عنصر العنوان موضحا أن “أسبابا إنسانية واجتماعية ووطنية تجعلني اختار –كما اختار الكاتب نفسه- هذا العنوان لهذه المجموعة”.

ومما لاشك فيه هو أن أهمية محتوى مقدمات المقالح تنبع بدرجة أساسية من أن مؤلفها يضمنها عددا من آرائه وملاحظاته النقدية التي نادرا ما تنحصر في المتن أو الكاتب الذي يتم التقديم له، بل تتجاوزه لتأخذ أبعادا عامة تتعلق برصد مسار الأدب في اليمن بشكل عام. كما أن جزءا من تلك الآراء والملاحظات النقدية المهمة لم يقم المقالح بالإفصاح عنه أو بلورته في أي مكان آخر. ولا ريب في أن المقالح يدرك تماما أهمية هذا البعد النقدي والتاريخي العام لمقدماته إذ إنه يكتب “إن الديوان أو صاحب الديوان قد لا يعنيني بقدر ما تعنيني الحركة الأدبية التي يصب فيها ويعبر عن ملامحها… وأستطيع أن أقول بلا مبالغة أو تمدح إن كل مقدمة كتبتها لعمل ما لم تكن تنحصر في ذلك العمل بل كانت تشير إلى مجمل الحركة الأدبية سواء كانت شعرا أو قصة أو دراسة أدبية، وتحاول أن تطرح مجموعة من القضايا وتلفت الانتباه إلى كثير من الأمور المتعلقة بقضايا النقد والأدب”.

وفي نهاية هذا العرض السريع لبعض سمات خطاب المقدمات عند المقالح نرى أن باستطاعتنا التأكيد أن الجهد الكبير الذي بذله الدكتور عبد العزيز المقالح في قراءة إصدارات عدد كبير من أدباء اليمن وتقديمها للقارئ اليمني والعربي يجعلنا نقول مع الناقد د. صبري مسلم “يستأهل الباحث المقالح أن يكون الموجه والأب الروحي لجيل من الروائيين والقاصين في اليمن. وهو يسعى إلى ذلك بتواضع جم وبلا ضجيج أو تعالي أو وصاية”.

الهوامش:

(1) نشرها في العدد الثاني، المجلد 25 من مجلة (عالم الفكر).

(2) نشرها في العدد الرابع، المجلد 28 من مجلة (عالم الفكر).

(3) في العدد التاسع والعشرين من مجلة علامات في النقد).

* أستاذ وناقد من اليمن

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: