مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

تأثر الأدب اليمني بالآداب الأجنبية

Posted by amshoosh في أكتوبر 21, 2015

المؤثرات الأجنبية في الأدب اليمني الحديث

د. مسعود عمشوش

إذا كانت نزعة التحديث في الأدب اليمني قد بدأت فعلا في نهاية العقد الثالث من القرن الماضي فنحن لا نستطيع اليوم أن ننظر إلى الحداثة في الأدب العربي في اليمن بصفتها أمرا مفروغا منه وذلك على الرغم مما تراكم من نصوص خلال السبعين سنة الماضية. وعلى الرغم من الدراسات التي كتبها عدد من الباحثين مثل الأستاذ الدكتور عبد العزيز المقالح والدكتور عز الدين إسماعيل والدكتور عبد الحميد إبراهيم فمن المؤكد أن الحداثة في هذا الأدب لا تزال تستحق المزيد من التحليل والدراسات المعمقة التي يمكن أن تساعد على إعادة النظر في مختلف العناصر المكونة لأدبنا، وإخضاع نصوصه لقراءة منهجية تهدف إلى الكشف عن مختلف مرجعياته وبنياته ودلالاته. ومن القضايا المهمة بالنسبة لدراسة الأدب الحديث والمعاصر في اليمن، التي – حسب علمنا- لم تنل حتى الآن حقها من البحث: تقويم حجم المؤثرات الأجنبية في تكوين هذا الأدب وبلورة سماته.

لقد تضافرت عوامل مختلفة وتداخلت لتشكل سمات الأدب اليمني المعاصر الذي نشأ في العقد الرابع تقريبا من القرن العشرين أي في الفترة التي كان شمال اليمن  يرزح تحت نير حكم إمامي بذل كل ما في وسعه ليبقي البلاد بعيدة عن أي تأثير خارجي سواء كان عربيا أم أجنبيا. أما الجنوب فقد ظل خاضعا للاستعمار البريطاني حتى نهاية عام 1967..

ومن الطبيعي أن الأدباء اليمنيين في تلك الفترة، مثل غيرهم من الأدباء العرب، قد استمروا في قراءة كتب التراث العربي، ووظفوها في كتاباتهم، واستفادوا كذلك من تجاربهم الذاتية، وتفاعلوا مع قضايا الوطن ومسيرته في التنمية والبناء.

ولاشك أيضا في أن الأدب اليمني الحديث قد تأثر في نشأته ومسيرته ببعض مظاهر الأدب في بعض الأقطار العربية الأخرى لاسيما مصر والشام والعراق. ولا يمكن بأي حال من الأحوال التقليل من حجم تأثر الأدب اليمني بالأدب العربي في تلك الأقطار العربية. لكن السؤال الذي نريد مناقشته هنا هو: هل تمكن الأدباء اليمنيون – خلال السبعين سنة الماضية- من الاحتكاك بالآداب الأجنبية والتأثر بها أم أنهم تأثروا فقط بالأدب العربي فقط؟ وهل تأثرهم بالآداب الغربية كان مباشرا أم غير مباشر؛ أي عبر الترجمة التي أنجزها العرب في الأقطار العربية الأخرى

أولا- من الإعجاب والتقديم إلى الترجمة:

في مطلع السبعينات من القرن الماضي يشير الدكتور عبد العزيز المقالح في بداية أطروحته عن (الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن، دار العودة 1974 ص393) إلى تأثير الشعر العربي الحديث في نشأة الشعر المعاصر في اليمن، قائلا: “إذا كان الشعر العربي المعاصر قد اكتسب معاصرته وجدته من بعث القديم ومن التأثر بالآداب العالمية المعاصرة وما تزخر به من أنواع أدبية خارج القصيدة الغنائية، فإن الشعر في اليمن – وهو رافد صغير من روافد الشعر العربي- لم يكتسب معاصرته وجدته سوى عن طريق الشعر العربي المعاصر نفسه”. ويضيف: “وإذا كان عدد من الشعراء في اليمن، وفي جنوب البلاد خاصة، قد ألموا إلماما جيدا باللغة الإنجليزية نتيجة لوجود الاحتلال البريطاني في عدن فإن أحدا منهم لم يقم بترجمة أي عمل أدبي من أي نوع ولم يتأثر أي منهم بالشعر الإنجليزي أو بالآداب الأجنبية بعامة وظل تأثرهم مقصورا على الشعر العربي ومدارسه المختلفة“. ومع ذلك، يرصد الدكتور عبد العزيز المقالح منذ تلك الفترة بعض المحاولات التي يقوم بها بعض الشعراء اليمنيين للاقتراب من الشعر الأجنبي بشكل مباشر. فهو يقول “وفي المرحلة الأخيرة عندما بدأ الشعر في هذا القطر يأنس في نفسه القدرة على الانطلاق وبدأ أبناؤه من الشعراء يشعرون بواجب المشاركة في إثراء القصيدة العربية، أقبل القادرون منهم على بعض الترجمات وأخذت اهتماماتهم الأولية تؤتي ثمارها وبدأت من حين إلى آخر تظهر بعض الترجمات الشعرية لقصائد شعراء عالميين أمثال ناظم حكمت ولوركا وماوتسي تونغ وإليوت غيرهم” (الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن، ص 393)

وبعد عشر سنوات من نشر كتاب (الأبعاد الموضوعية والفنية لحركة الشعر المعاصر في اليمن) أصدر الدكتور عبد العزيز المقالح كتابا عن (أوليات النقد الأدبي في اليمن 1939-1948، دار العودة بيروت 1984) تناول فيه بالتحليل محتوى بعض الصحف والمجلات اليمنية التي صدرت في تلك الفترة. ولاحظ أن من أبرز المحاور التي تضمنتها مجلة (فتاة الجزيرة) منذ بداية صدورها في عدن عام 1940: “خواطر وانطباعات عن الأدباء العالميين: شكسبير وإليوت ورودزورث وسومرست موم وليو تولستي وطاغور” ص 67.

ويتساءل المقالح عن مدى حجم الأبعاد الترجمية في ما يكتب من نقد أدبي في تلك المجلات والصحف التي كانت تنشر في عدن في الأربعينيات من القرن الماضي قائلا (ص86-87): “منذ بدأت في رصد المعطيات الأولى في النقد الأدبي في جنوب الوطن وجدتني أعاني من حيرة عظيمة تمنعني من الاقتراب من تلك المحاولات النقدية التي تتناول بالتفسير والتحليل أعمال بعض كبار الكتاب والشعراء العالميين أمثال تولستوي وشكسبير ووردزورث وبايرون وكييتس وشلي والأخوات برونتي وطاغور وغيرهم، فهي وإن كانت مكتوبة بأقلام يمنية وتشكل جهدا نقديا في تقييم آداب الأمم الأخرى، إلا أن أسئلة كثيرة تراود الباحث لا عن القيمة النقدية لهذه المحاولات في حد ذاتها، وإنما عن المدى الذي لعبته الترجمة والنقل الحرفي مما قد يجعلها جزءا من حركة الترجمة وليس جزءا من الحركة النقدية اليمنية في بداية تكوينها”. وبما أن هدفنا هنا يختلف عن هدف الأستاذ عبد العزيز المقالح الذي كان في دراسته يبحث عن أوليات النقد في اليمن، فأننا نرى في تلك المقالات ما يؤكد انفتاح الأدباء اليمنيين في عدن في تلك الفترة على الآداب الأجنبية وهذا ما يؤكده الأستاذ المقالح نفسه في كتابه. فهو بعد أن استعرض مقالة نشرها الناقد عبد الرحيم لقمان في العدد السابع والعشرين من مجلة (فتاة الجزيرة 1941) يستنتج أن تلك المقالة “تؤكد العمق النسبي في ثقافة صاحبها واطلاعه الواسع على الآداب العربية والأجنبية، مما يبشر بظهور مشروع ناقد على قدر كبير من الفهم لضرورة الإبداع والتنظير” ص82.(ملاحظة في الهامش: ويمكن أن نشير هنا إلى أن النقد الأدبي العربي الحديث بشكل عام كان حتى نهاية الخمسينات يحتوي على أبعاد ترجمية واسعة ليس هنا مكان مناقشتها). (في الهامش: وتجدر الإشارة هنا إلى أن محمد علي لقمان صاحب فتاة الجزيرة قد نشر سنة 1948 رواية باسم (كملادلفي) تناول فيها استبداد الحكم الإمامي في اليمن بصورة رمزية وتأثر فيها بشكل واضح باسطورة هندية مشهورة: انظر الرواية ومجيب الرحمن والذماري)

الأديب اليمني في جنوب اليمن في تلك الفترة رأى أنها “ثقافة أسهمت اللغة الإنجليزية فيها ونتيجة لذلك اضطر الأستاذ عبد العزيز المقالح أن يقف أمام بعض ملامح العناصر المكونة لثقافة بدور واضح سواء على مستوى الإبداع أو على مستوى توصيف الإبداع. وهي لذلك ثقافة مزيج من التأثر بالأدب الإنجليزي والأدب العربي القديم والحديث. وذلك ما كان يخالف عليه الحال في شمال الوطن حيث كانت الثقافة العربية التقليدية هي حجر الزاوية وإلى حد ما الثقافة العربية المعاصرة”. ((أوليات النقد الأدبي في اليمن 1939-1948، دار العودة بيروت 1984، ص87)

(في (الشعر بين الرؤيا والتشكيل) ص213-215 يطرح الدكتور المقالح قضية تأثر الشعراء اليمنيين بالرومانسية مرة أخرى عند تناوله لقضية استيعاب الرومانسية عند الشاعر اليمني لطفي جعفر أمان للمذهب الرومانسي؛ ويقول: “كنت قد أشرت في كتابي الأبعاد الموضوعية لحركة الشعر المعاصر في اليمن إلى أن الرومانسية في شعرنا الحديث جاءت كضرب من التقليد والمحاكاة للشعراء الرومانسيين في الأقطار العربية المتقدمة”. ويضيف “وأشرت في مكان آخر إلى أن الشاعرين الحضراني والشامي  قد كانا أكثر شعراء اليمن استعدادا وتهيئا لتمثيل واستيعاب الرومانسية؛ فقد كانا شغوفين بأشعار الرومانسية العرب وبما يترجم قصائد إلى العربية من آثار الرومانسيين الغربيين. .. وكانت مجلة الرسالة التي تبنت الموجة الرومانسية العربية وحفلت بترجمات جيدة للأدب الرومانسي العالمي المدرسة الأولى للشاعرين الشامي والحضراني… وفي جنوب البلاد كانت الظروف تختلف نوعا ما عنها في الشمال؛ فقد أتيحت الفرصة لشاعرين آخرين –غير لطفي جعفر أمان الذي سنفرد له مكانا خاصا في هذه الدراسة الخاصة به- أتيحت الفرصة لهذين الشاعرين وهما محمد عبده غانم وعلي محمد لقمان الاطلاع على كتابات الرومانسيين العرب”.

ولم يشر المقالح في دراسته تلك إلى أن لطفي جعفر أمان قد تأثر مباشرة بالشعر الرومانسي الغربي أي دون المرور بشعر الرومانسيين العرب، وذلك على الرغم من أنه يقول في الكتاب نفسه (ص 217) “وقد نهل لطفي أمان من الرومانسيين في الشعر الإنجليزي وقرأ مختارات من ألأدب الإنجليزي القديم والحديث”.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: