مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

محمد علي لقمان مترجما

Posted by amshoosh في ديسمبر 20, 2015

مسعود عمشوش

يُعد ميناء عدن من أقدم المدن العربية. وبحكم موقعه وسط الطريق البحري للملاحة بين الشرق والغرب، استقر فيه عدد كبير من الأجناس غير العربية، لذلك أصبحت عدن من أشهر المدن الكوسموبوليتية، متعددة الأعراق في العالم منذ أقدم العصور.

lokmaaan

ولا شك أن البريطانيين، بعد احتلالهم لعدن عام 1839، عملوا على استبعاد العنصر العربي وتهميشه، وفضلوا الاعتماد على العناصر الأخرى، لاسيما الهندية، وذلك بعد أن جعلوا عدن تابعة لحكومة بومبي البريطانية. ففي عام 1856 ذكر دي غوبينو أنه قد رأى في “عدن مدينة هندية في الجزيرة العربية”. وبالفعل، كانت الجالية الهندية في عام 1869 أكبر جالية في عدن. وعندما وصل الفرد باردي [الذي قام بتوظيف أنتوني بس في شركته في عام 1906]، إلى عدن عام 1880 شبّه عدن ببرج بابل لكثرة اللغات المستخدمة فيها، قائلا: “في هذا السوق، اختلطت حشود من مختلف الأجناس التي تعيش في جنوب آسيا وشرق أفريقيا. آلاف من الناس يأتون إلى عدن بحثاً عن المأكل والملبس. بالنسبة إلى الملبس، معظم الرجال هنا يكتفون بوضع مئزر قصير فوق أسفل الجسم. في وسط تلك الحشود من الهنود والعرب والصوماليين والزنوج، يبيع السماسرة بالات القطن بالمزاد العلني، ويبذلون قصارى جهدهم ليعلنوا عن السعر بمختلف لغات المستمعين ولهجاتهم، إنّه برج بابل. بالنسبة إلى الروبية الهندية يصيح السماسرة “روبي، روبيز، روبية . . . الخ”، وبالنسبة إلى عملة ماريا تيريزا القديمة يصيحون: “تالاري، ثالاري، دولار، ريال . . الخ”. و”الثالر” هو العملة الوحيدة التي تستخدم في شرق أفريقيا”. (انظر مسعود عمشوش، عدن في كتابات الرحالة الفرنسيين، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، عدن 2002)

وبما أن البيئة في عدن عند مطلع عدن القرن العشرين لم تكن عربية، وبما أن اللغة الانجليزية ظلت طوال فترة الحكم الاستعماري اللغة الرسمية في عدن، من الطبيعي أن تظل حركة الترجمة في عدن الكوسموبوليتية نشطة وذلك حتى رحيل البريطانيين منها عام 1967. وقد اضطرت سلطات عدن الاستعمارية إلى رفد عدد من مرافقها بمترجمين. وذكر محمد علي لقمان أن والده علي إبراهيم لقمان “كان يعمل مترجما مساعدا في مكتب الإقامة”. وفي الحقيقة، كثير من عائلة آل لقمان عملوا بالترجمة، مثل حمزة علي لقمان الذي عمل في معهد المجلس البريطاني عند افتتاحه عام 1941، وعلي محمد لقمان الذي عمل مترجما في مكتب الإعلام عام 1940، وترجم للمركز قصائد الشاعر الإنجليزي الكبير وورد وورث إلى العربية.

أما السطور الآتية فقد رأينا أن نكرسها للحديث عن (محمد علي لقمان مترجما)، فحسب علمنا لم يلتفت أحد حتى اليوم إلى هذا الجانب من شخصية محمد علي لقمان رائد النهضة الثقافية في عدن.

عند منعطف القرن التاسع عشر باتجاه القرن العشرين، كان التعليم النظامي باللغة العربية ضعيفا أو شبه غائب. وكتب محمد علي لقمان في الحلقة الخامسة من ذكرياته (Men, Matters and Memories) التي نشرها أولا باللغة الإنجليزية في صحيفته (Aden Chronicle)، أن والده علي إبراهيم لقمان، الذي كان يعمل مفتشا لضرائب الدخل ومترجما في إدارة الإقامة، أرسله عندما بلغ العاشرة من عمره ليتعلم القرآن والحديث وبعض مبادئ الشريعة علي أيدي السيد عبدالله بن حامد الصافي والشيخ عبد الله الحضرمي. وفي عام 1907 ألحقه بالمدرسة الحكومية ودرس فيها اللغة الأنجليزية واللغة العربية. لكن يبدو أن الدراسة في تلك المدرسة كانت ركيكة، لذلك، في عام 1911، فضّل المترجم علي إبراهيم لقمان إلحاق ابنه محمد (بمدرسة الإخوان ميرست الإنجليزية بالتواهي)، و”اشترى له حمار لنقله يوميا من كريتر”. (انظر محمد علي لقمان المحامي، رجال وشؤون وذكريات، ترجمة محمد جعفر محمد ناصر، مراجعة شوقي شفيق وإشراف وتقديم أ.د. أحمد علي الهمداني ص40).

ويبدو أن محمد علي لقمان كان، مثل الأستاذ المترجم الفقيد عبد الله فاضل فارع، عاشقا للغات بشكل عام، إذ أنه قد استنهج، في تلك المدرسة، المواد الاختيارية الخاصة باللغة الفرنسية واللغة اللاتينية. وقد أكد ذلك في الحلقة العشرين من ذكرياته التي كتب فيها: “مع نهاية 1915 اجتزت المستوى السادس إنجليزي الذي كان في ذلك الوقت أعلى صف في نظامنا التعليمي. ودرست اللغة الفرنسية كمادة إضافية وأخذت عدة دروس في بدايات اللغة اللاتينية. وكان المستوى التعليمي في مدرسة الأخوة ميرست عاليا حيث درست الطباعة والاختزال والرسم والموسيقى ومسك الدفاتر. وكان بعض تلك المواد إضافية”. (رجال وشؤون وذكريات، ص84)

وقد أشاد محمد علي لقمان كثيرا بمعلميه في تلك المدرسة، وكتب في (الحلقة 17) من ذكرياته ص75: “اجتزت المستوى الرابع في عام 1914 في مدرسة أخوان ميرست بالتواهي التي تفخر بفريق قدير جدا من المدرسين أمثال الأخوة المبجلين فاليريان جيمس وجون مدير المدرسة الجد جريجوري، فهم لم يكونوا يحضرون الحصص فقط لإكسابنا المعرفة وبناء الشخصية، ولكنهم اشتركوا في كل الألعاب الداخلية المكشوفة…. ولم يكن أحد أكثر مرحا ورحمة من أولئك الرهبان، معلمينا الطيبين كما عرفت لوقت طويل. وفي السنوات التالية كان لعدن مدرس جيد مخلص وصادق هو الأب دومينيك مدير مدرسة القديس جوزيف الثانوية، وهناك في الوقت الحاضر مئات من المدرسين، بعضهم عالي التعليم، وبفضلهم نأمل أن تحقق التربية والتعليم تقدما ثابتا لإنتاج رجال ونساء قادرين على إدارة المستعمرة بكفاءة لتمكينها من السير قدما نحو العالم المتقدم”.

كما تذكر محمد علي لقمان الأب جريجوري مرة أخرى في الافتتاحية التي وضعها للعدد 224 من صحيفة (فتاة الجزيرة)، الصادر في 4 يونيو 1944، وعدّه أحد أبرز الأعلام التربويين الذين شهدتهم عدن؛ “فالأب جريجوري، مدير مدرسة المبشرين في التواهي بلجيكي، وكان مهتما بالتعليم ونشره ولم يكن التبشير كل همه”.

ومن اللافت أن يذكر محمد علي لقمان أنه كان يتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة، ويستطيع أن يترجم فوريا منها إلى اللغة العربية والعكس وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره. ففي الحلقة الثالثة من ذكرياته كتب: “كنت في العام 1912 قد اجتزت المستوى الثالث من التعليم الثانوي وأتحدث الإنجليزية بطلاقة، وكان والدي المترجم المساعد في مكتب الإقامة (السكرتارية). وكان المقدم العام بيل هو المقيم السياسي، بينما كان المقدم هـ.ف. جاكوب المساعد الأول له، وأصبح فيما بعد كولنيل… وكان المقيم السياسي ومساعده يقومان بزيارات مجاملة إلى الحكام العرب في المكلا وبئر علي وبلحاف وسقطرة ومحطات أخرى مثل بريم وكوريا موريا. وكان والدي مرافقا ملحا في تلك الرحلات وكنت أرافقه أثناء الإجازات المدرسية. وفي المكلا طلبت مني السيدة جاكوب مرافقتها للقصر للترجمة لها. وقد أديت واجبي بطريقة جيدة حتى حملني السيد حسين إلى السلطان غالب بن عوض ليخبره عن مدى إتقاني اللغة الإنجليزية في تلك السن المبكرة”.(رجال وشؤون وذكريات، ص34)

أما في الحلقة الستين من (رجال وشؤون وذكريات، ص60)، فيشير محمد علي لقمان إلى ممارسته للترجمة الشفوية لنصوص الأخبار التي تتضمنها نشرة وكالة رويترز الإخبارية خلال الحرب العالمية الأولى، قائلا: “كان بالونجي دينشو وقهوجي وأخوانه يحتفظون بنسخ من نشرة أخبار رويترز في محلاتهم لصالح زبائنهم، وكذلك تفعل شركة (P&O) للملاحة التجارية، وقد قمت بترجمة أخبار رويترز للكثير من أصدقائي وخاصة سلطان لحج وأبناء عمومته الذين كانوا لاجئين في عدن بعد الغزو التركي للحج عام 1915… وكان الشيخ بكار باشراحيل يعقد مجلسا للقات يوميا يحضره الكثير من النخبة العدنية منهم: ك.ب. السيد حسين بن حامد المحضار والأمير علي بن أحمد فضل والأمير فضل بن أحمد والسيد عبد الله بن حامد الصافي وكثير من السادة الحضارم الذين كانوا يزورون عدن في المناسبات. وكان الجميع ينتظرون قدومي الساعة الثالثة لمعرفة الأخبار. وقد اعتدت أن أترجم بعض المقالات من الصحف الإنجليزية بينما يتلقى كثير منهم نسخا من الصحف المصرية”.

ومن الواضح أن الشاب محمد علي لقمان قد اكتسب شهرة في مجال الترجمة الفورية في عدن في ذلك الحين. فعند نهاية الحرب العالمية الأولى، حينما غزت الأفلام السيمائية أحياء عدن، تمت الاستعانة به للترجمة، وقد شرح ذلك في الحلقة الرابعة والعشرين من (رجال وشؤون وذكريات، ص100) قائلا: “الترجمة بصوت عالِ: قدم الكثير من الناس إلى عدن بعد الحرب لحضور أفلام السينما الصامتة في دار سينما السيد حمود وأخرى للصور المتحركة قدمها عبد العزيز خان، الأولى في القسم (E) والأخرى في الميدان وسط كريتر. كما كانت هناك دار عرض في التواهي. وكنت قد اعتدت الذهاب إلى هناك حيث منحت مقعدا مجانيا لأنني كنت اقوم بترجمة العناوين من الشاشة بصوت مرتفع”.

بالمقابل لم يتحدث محمد علي لقمان عن ممارسته للترجمة التحريرية كثيرا. وذكر أنه في شبابه (في عام 1918) عمل في (مؤسسة كلايتون غالب المحدودة) وكان يقوم بكل المراسلات فيها باللغتين الإنجليزية والفرنسية ويقوم بتحرير الرسائل وإرسالها الى مانشستر وجيبوتي برقيا”.

وخلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، دأب محمد علي لقمان على نشر عددا من المقالات المترجمة عن اللغات الأجنبية وعلى رأسها اللغة الإنجليزية. وكانت معظم تلك المقالات ذات طابع أدبي، في بعض الأحيان تبرز الصحيفة أسماء المترجمين، ومنهم إخوة محمد علي لقمان: محمود وحمزة، وابنه علي محمد علي لقمان، ومحمد بركات ومحمد عبده غانم، وفي كثير من الأحيان توقع الترجمات باسم (لجنة التأليف والترجمة) التي كان محمد علي لقمان نفسه رئيسا لها.

ومن المعلوم أن محمد علي لقمان قد قام بتأليف ذكرياته أولا باللغة الإنجليزية ونشرها على حلقات في صحيفته الأنجليزية (Aden Chronicle)، اعتبارا من نهاية عام 1960، وذلك تحت عنوان (Men, Matters and Memories)، ثم قام بنشر نسخة (ترجمة؟) عربية من تلك الذكريات تحت عنوان (ذكرياتي، أناس عرفتهم وأحداث خبرتها) في صحيفته (فتاة الجزيرة)، خلال السنوات 1963-1965. وبما أن جزءا كبيرا من أعداد الصحيفة لا يزال مفقودا فقد تضافرت جهود كل من المهندس ماهر علي محمد لقمان وأد. أحمد علي الهمداني والمترجم محمد جعفر محمد ناصر وشوقي شقيق من أجل إصدار ترجمة عربية لمعظم حلقات (Men, Matters and Memories). ويعكف الطالب فؤاد العولقي، المقيد في برنامج ماجستير الترجمة في مركز عبد الله فاضل فارع للدراسات الإنجليزية والترجمة جامعة عدن، حاليا على إعداد رسالة حول تلك الترجمة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

 
%d مدونون معجبون بهذه: