مدونة مسعود عمشوش

مدونة ثقافية تعليمية

Archive for the ‘دراسـات’ Category

خطاب المقدمات عند المقالح

Posted by amshoosh في يناير 29, 2013

النص الموازي وخطاب المقدمات عند المقالح

د. مسعود عمشوش*

من المعلوم أن القرن العشرين قد شهد بروز عدد كبير من فروع الدراسات الأدبية ومناهج النقد الحديثة. فقد أصبح لدينا اليوم أدوات منهجية لدراسة مختلف جوانب النص حتى تلك التي كانت في السابق – وربما لا تزال- إما مهملة أو يتم تناولها بشكل عابر وغير منهجي. ومن أهم جوانب النص الأدبي التي لم تحظ باهتمام كاف قبل ثمانينات القرن العشرين مجموعة العناصر المتناثرة حول متن النص أو داخله أو خارجه، وذلك لتسمّيه أو تقدّمه أو تفتتحه أو تهديه أو تعلق عليه أو توضحه أو تختتمه أو تصنفه أو تروج له. وتكمن أهمية هذه العناصر في أنها تكون نظاما إشاريا غنيا بالدلالات والمعلومات التي لا يحتويها المتن. وفي بعض الثقافات يمكن أن يتجاوز حجم النص الموازي حجم المتن نفسه. فالكاتب الفرنسي الكلاسيكي لابريير يؤكد في كتابه (الحكم) أننا “إذا أبعدنا من كثير من المؤلفات الأخلاقية الإهداء والتنبيه والمقدمة والفهرس وترخيص النشر لن يبقى منها إلا عدد قليل من الصفحات لا يكاد يكفي لنستطيع اعتبارها كتبا”. كما عرفت تقاليد النشر العربية القديمة نوعا فريدا من النصوص “الموازية” يكوّنه متن كامل ومستقل يبرز في هوامش صفحات المتن الأصلي. ويبدو أن سبب بروز هذا “النص الموازي” محاولة مؤلفه استغلال شهرة المتن الأصلي لتوصيل نصه إلى أكبر عدد ممكن من القراء.

وإذا كان بعض النقاد قد تناول هذا الجزء أو ذاك من عناصر النص الموازي عند قيامه بتحقيق بعض النصوص، فإن أول من خصص دراسة طويلة وشاملة لمختلف مكونات النص الموازي هو الناقد الفرنسي جيرار جينيت الذي ساهم كذلك في وضع مناهج تحليل السرد والنصوص الأدبية بشكل عام في كتبه: (خطاب الحكاية) سنة 1972، و(جامع النص) سنة 1979، و(أطراس) 1982، و(العتبات) سنة 1987. في مقدمة هذا الكتاب الأخير يلاحظ جينيت أن من النادر أن يقدم النص/المتن نفسه عاريا بدون مرفقات أو مكملات لغوية تحيط به أو تتداخل معه أو تنفصل عنه لتمكنه من تحديد هويته والنهوض كبنية دلالية مستقلة في شكل كتاب. وقد اختار جينيت أن يطلق على تلك المكملات “النص الموازي: le paratexte“، وعرفه قائلا إنه “ما يصنع به النص من نفسه كتابا ويقترح ذاته بهذه الصفة على قرائه وعلى الناس بشكل عام”.

وانطلاقا من موقع النص الموازي وهوية منتجه ووظيفته استطاع جينيت أن يضع تصنيفا دقيقا لمختلف أنواع النص الموازي، حيث ميّز بين النص الموازي الداخلي الذي يقع ضمن الكتاب، مثل العنوان والمقدمة والفهرس والهوامش والإهداء، وبين النص الموازي الذي يقع خارج الكتاب كالمقابلة والدعاية. وميز كذلك بين النص الموازي الذي ينتجه المؤلف نفسه كالإهداء والمقابلة، وبين النص الموازي الذي يضعه الناشر كالدعاية والنبذة والغلاف الأخير. وفرّق جينيت أيضا بين النص الموازي الرسمي الذي يتحمل المؤلف أو الناشر مسؤوليته والنص الموازي غير الرسمي الذي يضعه شخص آخر “مستكتب”، قد يكون ناقدا أو فنانا أو صحفيا.

وبيّن جيرار جينيت مختلف الوظائف التي يمكن أن يضطلع بها النص الموازي مؤكدا أن كل نص مواز يُسخر عادة لخدمة متنه ويهدف إلى التعريف به وبمؤلفه وناشره ومحتواه. وبعكس الوظيفة الجمالية النادرة والثانوية يرى جينيت أن الوظيفة البرجماتية هي أبرز وظائف النص الموازي الذي يسعى دائما إلى توجيه القارئ نحو مقصدية المؤلف، وإقناعه بقبول تفسير محدد أو قراءة بعينها للنص/المتن.

أما على المستوى التطبيقي فقد ظهرت كثير من الدراسات التي خصصت لهذا الجزء أو ذاك من مكونات النص الموازي، لاسيما في اللغات الأجنبية. وفي الغالب تم التركيز على العناوين والمقدمات. ولم نطلع إلا على كتاب واحد في اللغة العربية صدر سنة 1988 حول (العنوان في الأدب العربي). ولم يشر مؤلفه د. محمد عويس إلى (عتبات) جيرار جينيت. وبالمقابل قام عدد من النقاد العرب الذين تأثروا بجيرار جينيت بكتابة دراسات قصيرة حول العناوين والمقدمات؛ من بينها دراسة د. جميل حمداوي عن “السيميوطيقا والعنونة”(1)، ودراسة د. محمد الهادي حول “شعرية عنوان كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق).(2) وفي العدد الأول من مجلة (جذور) السعودية نشر بو جمعة جمي دراسة حول (خطاب المقدمات في شروح مخطوطة لما أبدعه الحريري من مقامات). ونشر د. المصطفى الشاذلي “مقاربة أولية لكيفية اشتغال المقدمة في الخطاب النقدي القديم”.(3) ومن الملاحظ أنه منذ صدور كتاب (العتبات) أصبح دارسو الأدب العربي -لاسيما الذين يتقنون اللغة الفرنسية منهم- يولون اهتماما كبيرا بالنص الموازي في أبحاثهم ومحاضراتهم. ونعتقد أن دراسة محمد بنيس جول (الشعر العربي: بنياته وإبدالاتها) من أنجح الدراسات التي استطاعت أن توظف بشكل خلاق مقولات الناقد الفرنسي جيرار جينيت في اللغة العربية.

ويشير الأستاذ بو جمعة جمي في دراسته حول خطاب المقدمات في شروحات مقامات الحريري إلى عادة المؤلفين العرب استهلال كتبهم بمقدمات يضعونها بأنفسهم ويثبتون فيها معلومات توثيقية بالغة الأهمية لكنها لا تقبل الإقحام في متن الكتاب. ويرى أن المؤلفين العرب قد تأثروا في الوقت الحاضر بمناهج الكتابة عند المستشرقين والمؤلفين الغربيين بشكل عام لاسيما فيما يتعلق بعادة استكتاب المقدمة أي طلب كتابتها من قبل كاتب آخر غير المؤلف. ويمكن أن نضيف هنا أن هذه العادة ظلت في الغرب محصورة في الكتب العلمية وطبعات “الأعمال الكاملة”، والطبعات العلمية المحققة، أو الطبعات “المكررة” للكتب التي حظيت بشيء من النجاح مثل المقدمة التي وضعها جان بول سارتر لكتاب صديقه بول نيزان (عدن العربية) والتي كانت العامل الأساسي للانتشار الواسع للكتاب في كثير من اللغات طوال عقد الستينيات من القرن العشرين. وفي هذا الإطار تدخل المقدمة الممتازة التي كتبها الأستاذ الشاعر عبد العزيز المقالح لمجلد أعمال الزبيري الشعرية الذي نشرته دار العودة سنة 1976.

لكن من النادر جدا أن يستهل الكاتب الغربي الطبعة الأولى لعمله الإبداعي بمقدمه مستكتبة أو من تأليفه. وربما يعمد بعض الروائيين إلى افتتاح نصهم الخيالي بمقدمة هي في الواقع جزء لا يتجزأ من النص الخيالي نفسه وذلك بهدف محاولة خلق مضاهاة بين المؤلف والراوي والبطل. نجد ذلك مثلا في رواية إيتالو سفيفو (ضمير زينو)، وفي رواية (أحياء من البحر الميت) للروائي الأردني مؤنس الرزاز.

ومن اللافت للانتباه أن كثيرا من المبدعين اليمنيين يسعون إلى تضمين الطبعة الأولى من إصداراتهم مقدمة بقلم زميل أو أديب مشهور. وقد تنبه الناقد فيصل سعيد إلى هذه الظاهرة وحاول أن يجد لها تفسيرا عند الأستاذ عبد العزيز المقالح وذلك حينما سأله: “منذ بداية السبعينات وأعمال أدبائنا المنشورة تتوالى، وتدخل الحلبة وجوه جديدة. لكن الظاهرة الملاحظة هي الميل والحرص على ظهور هذه الأعمال بمقدمات. ولقد كان لك الجزء الأكبر من هذه المقدمات. ألا يمكن تفسير هذه الظاهرة بأنها مؤشر لوجود شك من قبل الأديب في نفسه، وفي متابعة القراء للجديد من الإنتاج إلا إذا أتى “بمكبر صوت” كما قلت في ديوانك (لا بد من صنعاء وإن طال السفر)؟ وقد ردّ عليه المقالح قائلا “وضع المقدمات للأعمال الأدبية تقليد أدبي متعارف عليه، وهو منقول عن الغرب في كل ما نقلناه عنه من مذاهب وأساليب. والمقدمة نوع من التعريف المباشر أو غير المباشر بالأديب وما يكتب. ولا توجد بالضرورة علاقة بين المقدمة وشك الكاتب أو تردده في قيمة ما يكتب. فالمعروف أن طه حسين قدّم لبعض كتب زملائه من أصحاب الشهرة العالمية. ولعل أعمالنا الأدبية في فترة ارتجالها الأولى خارج الأرض اليمنية تكون بحاجة إلى من يقدم لها بخلفية محلية لكي لا تتوه في زحام الكتب والأعمال الأدبية الأخرى”.

وفي بعض الحالات النادرة يقوم المبدعون اليمنيون أنفسهم بوضع مقدمات للطبعات الأولى من إصداراتهم مثلما فعل القاص والروائي محمد مثنى حينما افتتح مجموعته القصصية الثانية (الجبل يبتسم أيضا) بمقدمة قام هو بتحريرها. أما القاص محمد صالح حيدرة فقد استهل مجموعته القصصية الثانية (السحب المسافرة) بثلاث (إضاءات) ليست لها علاقة مباشرة بالمتن، إذ إنه قد استلها من كتابات نقدية (لكل من د. عبد العزيز المقالح و د. سهير القلماوي ود. عبد الحميد إبراهيم) تناولت مجموعته القصصية الأولى: (مراهقة جدا).

خطاب المقدمات عند المقالح:

ومن المعلوم أن الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح قد اختار أن يكرس جزءا كبيرا من وقته للنقد الأدبي بشتى أنواعه. وقد أكد ذلك في لقاء أجرته معه مجلة (نزوى) العمانية قائلا: “إنني أعطيت للإبداع الأدبي في اليمن شعرا وقصة ورواية ومسرحا عصارة جهدي النقدي المتواضع، وحاولت التعريف بالمبدعين في هذه البلاد على حساب الشعر الذي نذرت له كلماتي”. ومن المؤكد أن جزءا كبيرا من الجهد النقدي للدكتور المقالح قد تبلور أولا في شكل مقدمات تصدرت أعمال عدد كبير من الكتاب والمبدعين اليمنيين الذين كثيرا ما يعرضون عليه مخطوطاتهم ويلحون عليه لكي يقدمها للقارئ. وقد تحدث المقالح عن هذا الموضوع في مقابلة أخرى أجراها معه إبراهيم المقحفي سنة 1982 قائلا: “اعتبرت الموضوع جزءا من مسؤولية كبيرة للتعريف بواقعنا الأدبي الذي كان من النادر أن يعيره أحد أي اهتمام. ومن خلال تلك السطور التي تصدرت بواكير إنتاجنا الشعري والقصصي والنقدي برزت بعض الاهتمامات المحلية والعربية بتلك الكتابات. وقد أبدى بعض الأساتذة والنقاد ملاحظة وهي أنه في انتظار أن يشتد ساعد الحركة الأدبية في اليمن ويكون في مقدور الناقد العربي المتخصص أن يقوم بتقديم الشعراء اليمنيين إلى مواطنيهم في إطار نقدي تقييمي على النقاد اليمنيين أنفسهم أن يتولوا مهمة تقديم شعراء بلادهم إلى القارئ العربي لأن (صاحب الدار أدرى بالذي فيه)، ولأنهم سيكونون أكثر تعاطفا مع بواكير الإنتاج في بلادهم”.

ولا شك أن أي تقييم شامل لخطاب المقدمات عند المقالح ينبغي أن يستند إلى قراءة تحليلية لبضع عشرات من المقدمات التي شرع المقالح في كتابتها منذ أكثر من ثلاثين عاما. وفيما يخصنا سنكتفي في السطور القليلة الآتية بإبراز بعض السمات العامة للمقدمة عند المقالح من خلال قراءة للمقدمات الثمان التي أعاد المقالح نشرها سنة 1999 في كتابه (دراسات في الرواية والقصة القصيرة في اليمن)، والتي تندرج جميعها في إطار النقد التعريفي الذي يمكن أن تضطلع به أية مقدمة “مستكتبة”.

عند المقالح يرتكز هذا النوع من المقدمات على القيام بتعريف المؤلف والكتاب من خلال تحديد موقعهما في المسار التاريخي القصير لتطور كل من الرواية والقصة القصيرة في اليمن، وكذلك من خلال إبراز دور الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية في رسم ذلك المسار. ففي مقدمة رواية (هموم العم قوسم) لمحمد مثنى يتناول المقالح تعثرات الرواية في اليمن ويؤكد أن عقد السبعينيات من القرن العشرين كان عقد أولى المحاولات الجادة لكتابتها. وتوقف المقالح بشكل أطول أمام الموضوع نفسه في المقدمة التي وضعها سنة 1976 لرواية محمد حنيبر (قرية البتول) التي حالت الظروف التي أفرزتها حينئذ اتفاقية كامب دافيد دون نشرها. أما في مقدمة رواية عزيزة عبد الله (أحلام نبيلة)، التي تبدأ بخطاب طويل حول الأثر الذي تركته الثورة في حياة المرأة اليمنية وتمكنها من تحقيق حضور فاعل في مجالات متعددة من الحياة العامة وفي وقت قصير نسبيا، فقد ربط المقالح بين ظهور الرواية اليمنية وتطورها في اليمن وبين قيام الثورة اليمنية.

ويفعل المقالح الأمر نفسه في أربع مقدمات أخرى من المقدمات الثمان التي اخترنا التركيز عليها. ففي مقدمة المجموعة الأولى لزيد مطيع دماج (طاهش الحوبان) يتكئ عبد العزيز المقالح بشكل ذكي على دراسة الناقد الفرنسي تزيتفان تودوروف حول (الناس والحكايات في ألف ليلة وليلة) ليربط ليس فقط بين ميلاد القصة القصيرة في اليمن وقيام الثورة، بل ليربط أيضا بين ميلاد القصة والحياة؛ فهو يكتب “إن فجر القصة في وطن ما يمكن أن يرتبط بفجر الحياة في ذلك الوطن. فبداية انتشار القصة تعني بداية الرفض للصمت… ولذلك فميلاد القصة الحديثة في اليمن يرتبط بالثورة أكثر ربما من ارتباطه بالشعر”. وفي مقدمة مجموعة (في جوف الليل) لمحمد مثنى يربط المقالح أيضا بين بداية القصة القصيرة وتطورها في اليمن وبين التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال العشرين سنة التي سبقت تاريخ نشر المجموعة عام 1982، ويرى أن تلك التحولات “كفيلة بأن تمكن القصة من الظهور والنماء وأن تمنح الجديد في الفن والأدب هوية المستقبل وشرعية الخروج على الهياكل المتداعية والمحنطة في توابيت السلفية والجمود”.

ويغيب هذا النوع من الربط في مقدمات المجموعات القصصية الأخيرة: (جوقة المساء- سنة1997) لآمنة يوسف ، و(الشراشف- سنة 1995) ، و(حريم أعزكم الله- سنة 1998) لمحمد الغربي عمران. وفيها يقوم المقالح بإبعاد آمنة يوسف ومحمد الغربي عمران من دائرة الأشكال التقليدية في القص، ويؤكد قدرة الأولى على المزج بين الحلم والحقيقة وتصوير “تشويش الحواس”، واستخدامها للغة شعرية مكثفة ذكرته بأسلوب ناتالي ساروت رائدة الرواية الجديدة في فرنسا. ويبرز المقالح أيضا حداثة الغربي عمران الذي استطاع أن يتجاوز مرحلة التركيز على الحدث وشرع في الاهتمام باللغة والرمز والتجريب. كما يميّز المقالح محمد الغربي عمران ويعده من القاصين اليمنيين القلائل الذين يحاولون رفد موهبتهم القصصية بالقراءة والمتابعة لما هو جديد.

وفي نهاية المقدمة الأخيرة (مقدمة حريم أعزك الله) يعود المقالح ليتحدث عن مسار القصة القصيرة في اليمن ويلاحظ أنها “رغم عوامل الإحباط والجفاف تقف على أبواب تغيير وتحول جذري انطلاقا من هذه المحاولات المتمردة على منطق القصة التقليدية وطريقة سردها”.

ويبدو لنا أن تركيز المقالح على النقد التعريفي في مقدماته يتناسب مع الوظيفة الرئيسة لهذا النوع من النص الموازي، لكنه حدّ قليلا من نصيب النقد الوصفي التحليلي باستثناء في المقدمة التي وضعها لمجموعة (البشارة) لعبد الفتاح عبد الولي. ففي هذه المقدمة الطويلة (11 صفحة) خصص المقالح مساحة كبيرة لتحليل نموذجين من قصص المجموعة بهدف إبراز مهارة القاص عبد الفتاح عبد الولي في استخدام الرمز لاسيما في قصة (الثلاثة) التي يقول عنها المقالح في نهاية تحليلها “قلما نجد في القصص اليمنية قصة تضاهي قصة (الثلاثة) في عمق فكرها وبعدها الرمزي”. وعادة ما يستخدم المقالح مثل تلك الملاحظات النقدية ليبني عليها بعض الخلاصات المتعلقة بمسار الأدب اليمني بشكل عام. ففي نهاية مقدمة (البشارة) مثلا يتناول المقالح الأسباب التي كانت – سنة 1986- تحد من استخدام الرمز والتجريب الحداثي في الأدب اليمني قائلا إن “تخلف المجتمع اليمني وقسوة معاناته يجعلان القاص اليمني ينصرف عن دخول معارك الاستحداث والمغامرات الشكلية، وإن كان انصرافه هذا قد أوقع جوانب من إنتاجه أحيانا في الجفاف الفكري والمباشرة، وجعل بعض الكتابات القصصية تعتمد التجسيد بدلا من الإيحاء”.

ومن الواضح أن معظم المقدمات التي يكتبها المقالح هي في الغالب للطبعات الأولى وفي كثير من الأحيان للإصدار الأول للمبدع المعني. لهذا فهي تحتوي دائما على بعد تشجيعي قد يتجسد في مجرد التأكيد على أن المؤلف كاتب موهوب وواعد أو أنه “سيكون واحدا من أهم كتاب القصة القصيرة في هذه البلاد”. ويقول د. عبد العزيز المقالح في المقابلة التي أجراها معه إبراهيم المقحفي “أرجو أن تفهم مقدماتي على أنها نوع من التعريف والتشجيع الضروري الذي لا يستغني عن مثله كبار الكتاب والشعراء ناهيك بصغارهم”.

ويمكن أن يأخذ هذا البعد التشجيعي شكلا احتفائيا وذلك حينما يقترن بالتحية والترحيب كما هو الحال في المقدمة الأولى التي كتبها المقالح لمجموعة زيد مطيع دماج (طاهش الحوبان) والتي تنتهي بالكلمات الآتية: “ومع كل الملاحظات التي يمكن أن يثيرها الحديث عن السمات الفنية لهذه المجموعة المختلطة بتراب اليمن وروائح البن والقات، فإن قاصا كبيرا يوشك أن ينهض من بين صفحاتها ويتهيأ لكي يحتل مكانه المرموق ويعوض القصة الحديثة في اليمن عن خسارتها الفادحة والكبيرة بغياب تشيكوف اليمن، الفنان الراحل محمد عبد الولي. فمرحبا بطاهش الحوبان ليأكل بعض مخاوفنا، ولكي يمنحنا الشجاعة والصبر على معانقة التضحية والثورة”.

أما في مقدمة مجموعة (البشارة) فيأتي البعد التشجيعي في شكل دعوة للمبدع إلى مواصلة الكتابة والعطاء؛ فنحن نقرأ في نهايتها: “إن عبد الفتاح عبد الولي أكثر أبناء جيله من القاصين اليمنيين وعدا وعطاء متميزا وآمل أن يكون في نشر مجموعته الأولى حافز على الاستمرار في عملية الخلق الفني وعلى مواصلة المسيرة الإبداعية التي أثراها شقيقه محمد عبد الولي، وأن يكون انصرافه المؤقت عن كتابة القصة أزمة عابرة يعود بعدها أكثر تطلعا وإشراقا ومواكبة”.

ومع أن هذا البعد التشجيعي والوظيفة البرجماتية لأية مقدمة قد يتنافيان – في اعتقادنا- مع إبراز “الهنات” التي يمكن أن يحتويها المتن إلا أن الأستاذ عبد العزيز المقالح لا يتردد في بعض المقدمات من الإشارة إلى السلبيات التي يصادفها في النص المقدم ولاسيما الضعف اللغوي. نجد هذا النوع من الإشارات مثلا في مقدمة (طاهش الحوبان) وفي مقدمة رواية (أحلام نبيلة) وكذلك في مقدمة (هموم العم قوسم).

وإذا كانت الوظيفة البرجماتية لمقدمات المقالح تتجسد عادة بشكل ضمني نلاحظ أن المقالح يتوجه أحيانا بشكل مباشر إلى القارئ ليرشده إلى الطريقة المناسبة لقراءة المتن. هذا ما نجده مثلا في مقدمة (حريم أعزكم الله) التي يتوجه المقالح فيها إلينا قائلا: “وللتعرف على نجاح القصة القصيرة في الوصول إلى هذه الغاية أدعو بإلحاح قارئ هذه المجموعة إلى قراءة معظم أو كل قصصها قراءة سينمائية، أو بمعنى آخر تمثلها وقد صارت فيلما سينمائيا يطول أو يقصر”. كما يتناول المقالح في هذه المقدمة عنصر العنوان موضحا أن “أسبابا إنسانية واجتماعية ووطنية تجعلني اختار –كما اختار الكاتب نفسه- هذا العنوان لهذه المجموعة”.

ومما لاشك فيه هو أن أهمية محتوى مقدمات المقالح تنبع بدرجة أساسية من أن مؤلفها يضمنها عددا من آرائه وملاحظاته النقدية التي نادرا ما تنحصر في المتن أو الكاتب الذي يتم التقديم له، بل تتجاوزه لتأخذ أبعادا عامة تتعلق برصد مسار الأدب في اليمن بشكل عام. كما أن جزءا من تلك الآراء والملاحظات النقدية المهمة لم يقم المقالح بالإفصاح عنه أو بلورته في أي مكان آخر. ولا ريب في أن المقالح يدرك تماما أهمية هذا البعد النقدي والتاريخي العام لمقدماته إذ إنه يكتب “إن الديوان أو صاحب الديوان قد لا يعنيني بقدر ما تعنيني الحركة الأدبية التي يصب فيها ويعبر عن ملامحها… وأستطيع أن أقول بلا مبالغة أو تمدح إن كل مقدمة كتبتها لعمل ما لم تكن تنحصر في ذلك العمل بل كانت تشير إلى مجمل الحركة الأدبية سواء كانت شعرا أو قصة أو دراسة أدبية، وتحاول أن تطرح مجموعة من القضايا وتلفت الانتباه إلى كثير من الأمور المتعلقة بقضايا النقد والأدب”.

وفي نهاية هذا العرض السريع لبعض سمات خطاب المقدمات عند المقالح نرى أن باستطاعتنا التأكيد أن الجهد الكبير الذي بذله الدكتور عبد العزيز المقالح في قراءة إصدارات عدد كبير من أدباء اليمن وتقديمها للقارئ اليمني والعربي يجعلنا نقول مع الناقد د. صبري مسلم “يستأهل الباحث المقالح أن يكون الموجه والأب الروحي لجيل من الروائيين والقاصين في اليمن. وهو يسعى إلى ذلك بتواضع جم وبلا ضجيج أو تعالي أو وصاية”.

الهوامش:

(1) نشرها في العدد الثاني، المجلد 25 من مجلة (عالم الفكر).

(2) نشرها في العدد الرابع، المجلد 28 من مجلة (عالم الفكر).

(3) في العدد التاسع والعشرين من مجلة علامات في النقد).

* أستاذ وناقد من اليمن

 

Posted in دراسـات | Leave a Comment »

مقامات باعبود

Posted by amshoosh في يناير 27, 2013

 مقامات باعبود                                                                    أ.د. مسعود عمشوش

 تعد المقامات أحد الأجناس الأدبية السردية التي يتميّز بها أدبنا العربي. وهي نوع من القصص الخيالية، محشو بكثير من الشخصيات والأحداث والخطب والحوارات، ومصاغ بلغة جميلة. والمقامات، كما وضعها بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة 398هـ، تحتوي على شيخ يقوم بدور البطل، وراو يحكي لنا مغامرات ذلك الشيخ الذي يبرز دائما كرجل ذكي وذي اطلاع أدبي واسع، لكنه يختار الكدية، أي التكسّب بالحيلة والكلام البليغ، للحصول على المال. ولتسهيل الوصول إلى مآربه يصطحب عادة غلاما أو فتاة تشاركه حيله وحياته. وبعد وفاة بديع الزمان بحوالي مئة سنة وضع القاسم بن علي الحريري (446-516هـ) خمسين مقامة فاقت شهرتها صيت مقامات بديع الزمان الهمذاني وتعد اليوم أفضل نموذج لهذا الجنس في اللغة العربية. وقد قام الإيرانيون بتقليدها في أدبهم وترجمها الغربيون إلى لغاتهم. كما دفعت الشهرة الكبيرة التي حظيت بها مقامات الحريري كثيرا من المهتمين باللغة العربية وآدابها إلى دراستها وشرحها وتلقينها.

ومن ناحية أخرى، شرع عدد من الأدباء في تقليدها وتوظيفها لأغراض شتى. فهناك من ألف مقامات بهدف توصيل العظات الدينية والنصائح الخلقية إلى القارئ مثلما فعل أبو القاسم الزمخشري المتوفى سنة 538هـ، ومنهم من استخدم شكل المقامة ليتناول بشكل غير مباشر بعض الموضوعات الاجتماعية والسياسية. وقد استطاع فيكتور الكك أن يورد في نهاية كتابه (بديعات الزمان) أسماء أربعة وثمانين أديبا كتبوا مقامات في اللغة العربية قبل عصر النهضة؛ منهم من اقتدى بنهج بديع الزمان والحريري كابن الصيقل الجزري صاحب (المقامات الزينية) وناصيف اليازجي مؤلف (مجمع البحرين)، ومنهم من تحرر من القواعد التي وضعها بديع الزمان لفن المقامات. فالزمخشري مثلا لم يضع لمقاماته راويا أو شيخا. كما اختفت في هذه المقامات الكدية التي تعد من أهم العناصر المميزة للمقامة. ومع ذلك فجميع من ألفوا المقامات بذلوا قصارى جهدهم من أجل إبراز مقدرتهم البلاغية من خلال التزام السجع واستخدام البديع.

وفي اليمن اكتشف أهل الأدب فن المقامة في وقت مبكر. ونتيجة لإعجابهم الشديد بمقامات الحريري قام بعضهم – كالأديب محمد بن أبي القاسم الحبائي والأديب علي بن الحضرمي، بإفراد مجلدات عدة لشرحها، بل أن رجال الدين والمتصوفين الذين ينهون عادة عن قراءة الكتب الدنيوية كانوا يقبلون على قراءة مقامات الحريري ويطلقون عليها “طبق الحلوى”. ويبدو أن الأديب سعد بن سعيد المنجوي هو أول من كتب المقامات في اليمن وذلك في منتصف القرن السابع للهجرة. إلا أن مقاماته الخمس والعشرين التي ذكرها بامخرمة في كتابه (تاريخ ثغر عدن) لم تصل إلينا. ومنذ ذلك الحين، ألف الأدباء اليمنيون كثيرا من المقامات ذات القيمة الأدبية الرفيعة، إلا أن معظمها ظل – للأسف- حبيس المخطوطات التي تتآكل في رفوف المكتبات. وقد تفضل الباحث القدير عبد الله محمد الحبشي، في عام 1984، بجمع أربع وعشرين مقامة لكتاب يمنيين مختلفين ونشرها في كتاب أسماه (مقامات من الأدب اليمني). وفي عام 1987، أضاف عبد الله الحبشي إلى تلك المقامات ثلاث عشرة مقامة أخرى (سبق أن ضمن روبيرت سيرجنت ثلاثا منها كتابه: نثر وشعر من حضرموت) ونشرها جميعا في كتاب يحمل عنوان: (مجموع المقامات اليمنية).

وفي التصدير الذي يقدم به (مقامات من الأدب اليمني) يؤكد عبد الله الحبشي أن أدباء اليمن قد اتبعوا شكلين رئيسيين في صياغة مقاماتهم: أ- الشكل القصصي ب- شكل الحوار أو المناظرة، ويقول “ولم نجد في المجموعة التي بحوزتنا مقامات سلكت نفس النمط الذي صاغه الحريري في مقاماته”. ومع ذلك، خلال قراءتي في مطلع سنة 1989، لبعض المخطوطات في مكتبة الأحقاف في تريم، اطلعت بشغف كبير على (المقامات النظرية ذات الألفاظ الجوهرية) التي سلك مؤلفها الأديب اليمني أبو بكر بن محسن باعبود النهج الذي وضعه بديع الزمان والحريري للمقامات.. وبما أن الحبشي لم يذكر تلك المقامات في مقدمته ولا في مرجعه المهم (مصادر الفكر العربي والإسلامي في اليمن) فقد قمت بنسخها بهدف تحقيقها ونشرها. وقدمت دراسة عن (مقامات باعبود) في ندوة اللغة العربية التي نظمتها كلية الآداب والتربية- جامعة عدن في نوفمبر 1989. ولأسباب عدة لم استطع نشر المقامات كاملة. لكني في سنة 1990 نشرت في مجلة (الحكمة) تلك الدراسة مع أربع من المقامات التي طبعت لأول مرة، ويستطيع القارئ من خلالها التعرف على معظم السمات المميزة لمقامات باعبود.

ولد أبو بكر باعبود في نهاية القرن الحادي عشر للهجرة في بلدة بور الواقعة بين مدينتي سيؤن وتريم في وادي حضرموت. وفي سن مبكر سافر إلى الهند، ذلك المهجر الشرقي الذي نزح إليه آلاف من أبناء حضرموت خلال القرون الثلاثة الماضية. واستقر في ميناء سورت الذي يقع شمال مدينة بومباي. وقد انتهى هناك من تأليف (المقامات النظرية ذات الألفاظ الجوهرية) في مطلع جماد الثاني من عام 1128، أي قبل وفاته باثنتين وثلاثين سنة. ووفقا للمعلومات التي بين أيدينا لم يترك باعبود كتابا آخر من تأليفه. لكنه، خلال إقامته في الهند قام بجمع (ديوان عبد الله بن جعفر الحسيني العلوي)، وأورد في الصفحات الأولى من هذا الديوان، الذي توجد نسخة منه في مكتبة الأحقاف، بعض المساجلات الشعرية التي جرت بينه وبين صاحب الديوان.

وتقع (المقامات النظرية)، التي حرص مؤلفها أن يكون عددها خمسين مقامة أسوة بمقامات بديع الزمان والحريري، في مئة وتسع وسبعين صفحة مخطوطة من الحجم الصغير قام بنسخها أبوبكر عمر باجابر في مدينة سورت سنة 1193 هـ. وتوجد تلك الصفحات ضمن “مجموع” مخطوط تم إيداعه في مكتبة الأحقاف بتريم تحت رقم 2928. ومن خلال المقدمة التي وضعها باعبود لمقاماته نكتشف أنه على صلة بأدباء عصره، وأنه كان مواظبا على قراءة مقامات الحريري و(المقامات الزينية) التي ألفها ابن الصيقل الجزري في نهاية القرن السادس للهجرة.

ومثلما جعل بديع الزمان أبا الفتح الاسكندري بطلا لمقاماته وعيسى بن هشام راويا لها، واختار الحريري أبا زيد السروجي شيخا لمقاماته والحارث بن همام راويا لها، جعل باعبود أبا الظفر الهندي بطلا لمقاماته والناصر بن فتاح راويا لها. وفي المقامة الأولى (السورتية) نكتشف أن هذا الراوي يمني المولد، وأنه قد سافر إلى “بندر سورت المحروس” بعد أن سمع بعض الناس يصفون جمال أرض الهند. وفي المقامات الأخرى يبرز لنا الناصر بن فتاح رجلا شجاعا، ورغم فضوله الشديد، طيب الأخلاق، وأديبا فصيح اللسان. وقد قدمه أبو الظفر الهندي بطل المقامات مرة إلى أحد ملوك الهند قائلا إنه “نابغة اليمن وخاتمة شعراء الزمن”.

أما أبو لظفر الهندي نفسه، فقد جعله المؤلف نموذجا للمكدي الناجح؛ فمثلما دأب بديع الزمان والحريري على إبراز أدب الكدية “أي التسول” في مقاماتهما، حرص باعبود على تجسيد عنصري الكدية الرئيسيين “الفصاحة والحيلة” في جميع سلوك بطله أبي الظفر الهندي. فكأبي الفتح الاسكندري وأبي زيد السروجي، يبرز أبو الظفر الهندي دائما في هيئة رجل شديد الذكاء فصيح اللسان، قوي العزيمة، لكنه لا يتردد في استخدام الحيلة للوصول إلى مآربه.

في المقامة العاشرة “السرهندية” مثلا، يمر أبو الظفر بقوم مسافرين. ولأنه كان من غير زاد ولا متاع قرر أن يتزود من زادهم ويتمتع بمتاعهم. ولكي ينال ما يريد اتخذ هيئة الخطيب الواعظ و”جلس في أخريات الناس، وملأ الأسماع بدر نثره ونظمه، حتى توسم القوم كمال عقله وفهمه”. إلا أن الفصاحة وحدها لم تفد أبا الظفر. فبرغم نفاذ كلماته إلى قلوب المسافرين لم يباشر أحد منهم إلى مساعدته. لذا نراه يلجأ إلى الكذب ويشرع في البكاء والنواح، وحين يسأله القوم عما نابه يرد عليهم قائلا: “رزقت في عمري ولدا واحدا، ولم أزل به والدهر واجدا، وعلمته من الأدب ما زانت به حليته، حتى ضاق به من رام بلوغ حيلته. وفاق به أهل زمانه، وتصدر مجالس أقرانه، ولما استكمل في أفق الكمال بدره، انقضى أجله وعمره، وتوفى في سحر ليلة البارحة، ولا أملك من الدنيا سارحة ولا بارحة. فمن منكم الندب الأريب، يعين على دفن هذا الميت الغريب، فأعطوه من الدرهم والزاد ما أغناه من الازدياد”. وفي الجزء الثاني من المقامة يحكي الراوي الناصر بن فتاح أنه أدرك أن هذا الأب المكلوم يخفي سرا. ولكي يعرفه تعقب أثره. وحينما شعر به أبو الظفر سأله عن سبب ملاحقته له فرد عليه: “إعانتك على تكفين الميت وغسله، والصلاة عليه ودفنه وحمله”. وبعد مشادة كلامية قصيرة، يكشف أبو الظفر الهندي حقيقة ميته للراوي وأظهر له عودا كخرطوم الفيل وقال له: “هذا الميت الذي طلبت من أجله الجميل، وأريد أن أنفق ما كسبته من الهبات الجزيلة هذه الليلة، على زواجي من امرأة جميلة، أتأنس بأنسها وأدفن ميتي في …….”.

ومن أبرز السمات الأخرى المميزة لـ(لمقامات النظرية) احتواؤها على كثير من الأبعاد الواقعية والتاريخية، إذ أن باعبود لم يتردد في تضمين مقاماته وصفا لواقع وطنه الأصلي: اليمن الذي يبرز بوضوح خلف ستار الأسماء الهندية التي تحملها المقامات. فالمقامة السابعة التي تبدأ على النحو الآتي “حدث الناصر بن فتاح قال: انتشر أهل البوادي في أكثر النوادي، وقطعوا الدروب، وأكثروا الحروب..” تحتوي على صدى لاختلال الأمن والاضطرابات الناجمة عن الجفاف والقحط اللذين كانا يعصفان بحضرموت في تلك الفترة ويجبران الناس على الهجرة. وفي المقامة الثلاثين (الإله أبادية) يعبّر المؤلف عن حنينه إلى مدينة تريم قائلا: “وأما في الورع والأمانة والعبادة والديانة، فلم أر كأهل بلد ضل عن قلبي اسمها، وما غاب عن عيني رسمها، وقد اكتنفها واديان يقال لأحدهما عيديد، فيه كل جهبذ صنديد، ويقال للآخر النعير، قد جمع كل مير وخير، وهي بينهما كالعروس، تشتاق إلى حسنها النفوس، وقريب منها بلدان أخر قد جُمع فيهن كل فضل يُدخر”.

واهتمام باعبود بواقع وطنه الأصلي لا يعني انه لم يستلهم البيئة الهندية التي كان يعيش فيها. ومن أهم الإشارات إلى تلك البيئة توظيف عادة إقدام الزوجة الصالحة على حرق نفسها مع جثة زوجها المتوفى، وذلك في المقامة الثالثة والأربعين: “البرارية”. وبالإضافة إلى ذلك، من الواضح أن باعبود قد تأثر كثيرا بالبيئة الهندية حينما ضمن مقاماته قدرا لا بأس به من “الإباحية” – أي الحديث عن الأمور الجنسية بأسلوب مكشوف- التي لا نجدها في أي مقامات عربية أخرى. وبسبب المحتوى “الإباحي” لعدد من المقامات، مثل المقامة التاسعة والثلاثين “البروجية” والمقامة السابعة والأربعين “الهقلي بندرية” والمقامة الثامنة والثلاثين “الرسول نكرية” بدا لنا أنه سيكون من الصعب نشر (المقامات النظرية) كاملة ووضعها في رفوف إحدى المكتبات العامة. لهذا السبب، في عام 1999 ، حينما نشر المجمع الثقافي في أبو ظبي (المقامات النظرية للأديب أبي بكر بن محسن باعبود الحضرمي، تحقيق عبد الله محمد الحبشي)، حذف منها نص المقامة الثلاثين (البروجية) بأكملها مبررا ذلك بالتنويه الآتي: “حذفت المقامة المذكور عنوانها أعلاه لاعتبارات تتعلق بالذوق العام” (ص245). كما أشار المحقق عبد الله الحبشي في هامش الصفحة الرابعة والسبعين إلى أن “الناشر حذف بعض المفردات لمنافاتها للذوق العام”. وبما أننا لا نسعى هنا إلى مناقشة مدى سلامة الطريقة التي اتبعها المركز الثقافي في أبو ظبي في نشر (المقامات النظرية) فسنكتفي هنا بالقول إننا نعتقد أن باعبود قد تأثر كثيرا بالبيئة الهندية عند وضعه للمقامة البروجية التي تتضمن وصفا صريحا لعدد محدود من أوضاع الجماع الكثيرة التي يمكن أن يشاهدها كل من زار الهند مجسدة بالتماثيل الحجرية الضخمة. ويمكن أن نشير كذلك إلى أن التحرج في نشر ما كتب أو يكتب في أمور الجنس يعد ظاهرة حديثة في الأدب العربي. إذ أن كتب التراث التي تركها لنا الأدباء والكتاب العرب بمن فيهم الفقهاء وعلماء الإسلام تزخر بالحديث عن الجنس. هذا ما نجده مثلا في كتاب أبي العباس الصنهاجي (فوائد النكاح على مختصر الوشاح) وفي (الروض اليانع في فوائد النكاح وآداب المجامع) لأبي محمد عبد الله بن مسعود التمكروتي، وفي كتاب (الممتع المحتاج في آداب الأزواج) لأبي عبد الله محمد بن الحسين بن عرضون، وفي (طوق الحمامة) لأحمد بن حزم. ويبدو أن (الروض العاطر) للنفزاوي هو أشهر كتب التراث المكرسة للجنس قاطبة.

Posted in دراسـات | Leave a Comment »

جاكلين بيرن وجزيرة العرب 1+2

Posted by amshoosh في ديسمبر 21, 2012

 جاكلين بيرن ودورها في البحث عن تاريخ جزيرة العرب وآثارها

بقلم د. مسعود عمشوش

منذ بداية عصر النهضة الأوروبية في القرن الخامس عشر، شرع الأوروبيون في السفر داخل القارة الأوروبية وخارجها. فاتجه جزء منهم غرباً صوب الأمريكتين، وفضّل بعضهم الإبحار في اتجاه الشرق، لاسيما إلى البلدان التي تطل على السواحل الجنوبية والشرقية للبحر الأبيض المتوسط، ومنهم من واصل السفر في اتجاه الشرق الأقصى، ومن بين هؤلاء من توقف في موانئ الجزيرة العربية، وحاول بعض المغامرين الدخول إليها لزيارة مدنها أو استكشاف صحاريها. أقرأ باقي الموضوع »

Posted in مقالات, نصـوص, هوامش, دراسـات | Leave a Comment »

سلطة الكلمة وقوتها

Posted by amshoosh في سبتمبر 6, 2012

بقلم محمد جكيب جامعة شعيب الدكالي، كلية الآداب والعلوم الإنسانية – الجديدة / المغرب

الكلمة(1) سلطة وقوة… الكلمة فعل ومفعول، أثر وتأثير… الكلمة مفرد على الحقيقية، لكنها جمع على المجاز لدلالتها على متعدد، إذ من الكلمة يتكون الكلام المفيد الدال على معنى، الكلمة فعل واسم وحرف… فهي حدث وشيء وسمة هذا الشيء، وهي رابط وواصل، وبالكلمة نصل ونتواصل، نفهم الماضي ونعي الحاضر ونبني المستقبل. أقرأ باقي الموضوع »

Posted in مقالات, جــامعة, دراسـات | Leave a Comment »

الحاج عبد الله فـيلبي

Posted by amshoosh في يوليو 1, 2012

المستكشف هاري سانت جون فيلبي

ورحلته إلى حضرموت:

كتاب مثير وخطير

بقلم محمد أحمد باسنبل

في كتابه الخامس (المستكشف هاري سانت جون فيلبي ورحلته إلى حضرموت، دار جامعة عدن للطباعة والنشر، 2012) أختار الدكتور مسعود عمشوش أن يتناول موضوعا مهما وحيويا، ورغم ذلك لم يسبق أن تجرأ أحد وتناوله، إلى درجة أنه يكاد أن يدخل في باب المحرمات: ما حقيقة الدور الذي قام به المستكشف البريطاني هاري سانت جون فيلبي في تحديد ملامح وحدود الجزيرة العربية بعد رحيل الأتراك منها، وطبيعة العلاقات بين الدول التي نشأت فيها بعد الحرب العالمية الأولى، وعلى وجه الخصوص بين تلك التي تقع في شمال الجزيرة وغربها وبين تلك التي تشكل بواباتها الجنوبية؟؟ أقرأ باقي الموضوع »

Posted in LECONS, مقالات, مهارات, نصـوص, هوامش, جــامعة, خـــبابير, دروس, دراسـات | Leave a Comment »